من الوثيقة التوجيهية إلى السياسة اللغوية القابلة للتنفيذ : تحليل نقدي لوثيقة بيروت (2012) وشروط تفعيلها المؤسسي

Du document d’orientation à la politique linguistique opérationnelle : analyse critique du Document de Beyrouth (2012) et des conditions de sa mise en œuvre institutionnelle

From Policy Guidance to Implementable Language Policy : A Critical Analysis of the 2012 Beirut Document and the Institutional Conditions for Its Implementation

عائشة عبيزة — Aïcha Abiza

p. 17-34

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

مرجع ورقي

عائشة عبيزة — Aïcha Abiza, « من الوثيقة التوجيهية إلى السياسة اللغوية القابلة للتنفيذ : تحليل نقدي لوثيقة بيروت (2012) وشروط تفعيلها المؤسسي », Aleph, 17-34.

بحث إلكتروني

عائشة عبيزة — Aïcha Abiza, « من الوثيقة التوجيهية إلى السياسة اللغوية القابلة للتنفيذ : تحليل نقدي لوثيقة بيروت (2012) وشروط تفعيلها المؤسسي », Aleph [على الإنترنت], نشر في الإنترنت 19 mai 2026, تاريخ الاطلاع 16 juillet 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17812

تبحث هذه الدراسة في القيمة التخطيطية والمكانة القانونية والمؤسسية لوثيقة بيروت، الصادرة عن المجلس الدولي للغة العربية سنة 2012، وفي الشروط اللازمة لنقلها من مستوى الإعلان المعياري إلى مستوى السياسة اللغوية القابلة للتنفيذ والتقويم. وتنطلق من تمييز منهجي بين وثيقة بيروت، بوصفها نصا توجيهيا صاغ أجندة عامة لحماية العربية، وبين « قانون اللغة العربية » الذي ظهر لاحقا في مسار مؤسسي مختلف؛ وهو تمييز يرفع التباسا مركزيا في القراءات التي تدمج النصين أو تنسب أحكام أحدهما إلى الآخر. اعتمدت الدراسة تحليلا وثائقيا نوعيا يجمع بين النقد الخارجي للمصدر، والتحليل الموضوعاتي، والقراءة المؤسسية لمجالات تخطيط الوضع والمتن والاكتساب والهيبة، مع مقابلة أحكام الوثيقة بمفاهيم السياسة اللغوية وإدارة اللغة وآليات التنفيذ. وأظهر التحليل أن الوثيقة نجحت في توسيع دائرة المسؤولية من الدولة إلى التعليم والإعلام والاقتصاد والمجتمع المدني، وربطت العربية بالسيادة والمعرفة والترجمة والتقنية والفضاء العام. غير أن بنيتها ظلت خطابية واسعة، تفتقر إلى ترتيب الأولويات، وخطوط الأساس، والميزانيات، ومؤشرات الأداء، وآليات التظلم والمراجعة. كما أن بعض تصوراتها للهجات واللغات المحلية والأجنبية تحتاج إلى إعادة تأطير إيكولوجي وحقوقي. وتقترح الدراسة مصفوفة تنفيذية متعددة المستويات تقوم على التشخيص، والحوكمة، والتخطيط القطاعي، والتحفيز، والتقويم الدوري، بما يجعل تمكين العربية متوافقا مع التعدد اللغوي والعدالة المعرفية.

Cette étude examine la portée du Document de Beyrouth, publié en 2012 par le Conseil international de la langue arabe, en matière de planification linguistique et de gouvernance institutionnelle, ainsi que les conditions nécessaires au passage d’une déclaration normative à une politique effectivement applicable et évaluable. Elle établit d’abord une distinction indispensable entre le Document de Beyrouth, qui formule une orientation programmatique en faveur de l’arabe, et la « Loi de la langue arabe », élaborée ultérieurement selon un parcours institutionnel distinct. L’analyse repose sur une méthode qualitative de recherche documentaire combinant la critique externe de la source, le codage thématique et la lecture institutionnelle, selon les domaines de planification du statut, du corpus, de l’acquisition et du prestige. Les résultats montrent que le document élargit utilement la responsabilité linguistique à l’État, à l’éducation, aux médias, à l’économie et à la société civile, tout en reliant l’arabe à la souveraineté, à la production scientifique, à la traduction, au numérique et à l’espace public. Son architecture demeure néanmoins largement déclarative : elle ne hiérarchise pas les priorités et ne définit ni situation de référence, ni ressources, ni indicateurs, ni mécanismes de recours ou de révision. Certaines formulations relatives aux dialectes, aux langues locales et aux langues étrangères appellent également une reformulation écologique fondée sur les droits. L’article propose enfin une matrice de mise en œuvre articulant le diagnostic, la gouvernance, les plans sectoriels, les incitations et l’évaluation périodique.

This study examines the language-planning potential and juridico-institutional status of the Beirut Document published by the International Council for the Arabic Language in 2012, together with the conditions required to move from a normative declaration to an implementable and assessable language policy. It first establishes a necessary distinction between the Beirut Document, which articulated a broad programmatic agenda for Arabic, and the later “Arabic Language Law”, which followed a separate institutional trajectory. The study employs qualitative document analysis combining external source criticism, thematic coding, and an institutional reading of status, corpus, acquisition, and prestige planning. The findings show that the document usefully distributes responsibility across government, education, the media, the economy, and civil society, while linking Arabic to sovereignty, scientific production, translation, digital technologies, and the public sphere. Yet its architecture remains predominantly declarative: priorities are not ranked; baselines and budgets are absent; performance indicators are unspecified; and mechanisms for appeal, review, and policy learning are underdeveloped. Its treatment of dialects, local languages, and foreign languages also requires an ecological and rights-based reframing. The article, therefore, proposes a multilevel implementation matrix based on diagnosis, governance, sectoral planning, incentives, proportional regulation, and periodic evaluation. Such a model can strengthen Arabic without construing multilingualism as a zero-sum competition and can reconnect language policy with knowledge equity and institutional accountability.

مقدمة

لا تنفصل قضايا اللغة العربية في المجتمعات العربية المعاصرة عن بنية الدولة، ونظام التعليم، وتقسيم العمل المعرفي، وسوق النشر، والتقنية، وأنماط الحراك الاجتماعي. فاللغة لا تُحمى بمجرد إعلان مكانتها الرمزية، ولا تستعيد وظائفها العلمية بقرار إنشائي منفرد؛ وإنما تتقوى حين تتوافر لها مؤسسات تنتج المعرفة بها، وتشريعات واضحة المجال، وموارد بشرية ومالية، وحوافز للاستعمال، وآليات منتظمة للقياس والمساءلة. ومن ثم، لا ينبغي للسؤال العلمي أن يقتصر على : هل العربية في خطر؟ بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر إجرائية : كيف يُعرَّف الخطر؟ وما البيانات التي تثبته؟ ومن يملك صلاحية التدخل؟ وما الأدوات الملائمة لكل مجال؟ وكيف يمكن التحقق من أثر السياسة بعد تنفيذها؟

صدرت وثيقة بيروت سنة 2012 في سياق المؤتمر الدولي الأول للغة العربية، وقدمت نفسها بوصفها خلاصة لمداولات واسعة حول أوضاع العربية في التعليم والإدارة والإعلام والاقتصاد والتقنية. وتكمن أهميتها في أنها نقلت النقاش من دائرة أهل الاختصاص الضيقة إلى تصور للمسؤولية الموزعة بين الدولة والمؤسسة والفرد. غير أن تداول الوثيقة في الكتابات اللاحقة أفضى أحيانا إلى خلطها بنصوص أخرى، ولا سيما مشروع « قانون اللغة العربية » ومداولات المؤتمرات والهيئات العربية التي تلته. وهذا الخلط ليس مسألة شكلية؛ لأنه يغير طبيعة متن الدراسة : فالوثيقة التوجيهية لا تملك منزلة القانون، والتوصية الوزارية ليست تشريعا وطنيا نافذا، والمقترح الاسترشادي لا يتحول بذاته إلى قاعدة ملزمة.

ينطلق هذا البحث من ثلاثة أسئلة مترابطة :

  • أولا، ما البنية الموضوعاتية والمفاهيمية لوثيقة بيروت؟

  • ثانيا، إلى أي حد تستجيب الوثيقة لمقتضيات السياسة اللغوية الحديثة من حيث التشخيص، وتحديد الفاعلين، واختيار الأدوات، وترتيب الأولويات؟

  • ثالثا، ما الشروط التي تسمح بتحويل مبادئها العامة إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقويم داخل مؤسسات عربية تختلف في نظمها الدستورية وتركيبتها اللغوية ومواردها؟

تتمثل مساهمة الدراسة في إعادة بناء الموضوع على مستويين.

  • المستوى الأول توثيقي نقدي، يميز بين النصوص والمؤسسات والتواريخ، ويمنع إسقاط مواد لاحقة على وثيقة 2012. أ

  • ما المستوى الثاني فتحليلي اقتراحي، إذ لا يكتفي بعرض بنود الوثيقة، بل يعيد تصنيفها ضمن مجالات التخطيط اللغوي، ويختبر قابليتها المؤسسية، ثم يقترح مصفوفة تنفيذ تجمع بين الحوكمة متعددة المستويات، والحقوق اللغوية، والفعالية التعليمية، وإنتاج المعرفة.

1. الإطار النظري : السياسة والتخطيط والإدارة

1.1. تمييز المفاهيم ومستويات الفعل

يستعمل حقل السياسة اللغوية ثلاثة مفاهيم متجاورة ينبغي عدم دمجها. تشير السياسة اللغوية إلى المبادئ والاختيارات التي تنظم علاقة اللغات والأنماط اللغوية بالمؤسسات والمجالات الاجتماعية. ويشير التخطيط اللغوي إلى التدخل المقصود الذي يصوغ أهدافا ويختار أدوات زمنية ومؤسسية لتحقيقها. أما إدارة اللغة فتركز على الجهود المباشرة التي يبذلها فاعل يمتلك سلطة أو موردا لتعديل الممارسة اللغوية. ويسمح هذا التمييز بفهم أن وجود نص رسمي لا يعني بالضرورة وجود تخطيط فعال؛ فقد تظل السياسة معلنة من غير أدوات، وقد تمارس المؤسسات إدارة لغوية فعلية من غير نص مكتوب، كما يحدث حين تختار جامعة لغة تدريس أو تضع مؤسسة شروطا لغوية للتوظيف.

يقترح سبولسكي النظر إلى السياسة اللغوية من خلال ثلاثة مكونات : الممارسات الفعلية، والمعتقدات أو الأيديولوجيات اللغوية، والإدارة المقصودة (Spolsky, 2004, 2009). وبناء على ذلك، فإن تحليل وثيقة بيروت لا يكتمل باستقراء ما تطلبه من المؤسسات، بل يتطلب أيضا رصد التصور الذي تبنيه للعربية ولغيرها من اللغات، ومقارنة ذلك بالواقع الذي يفترض أن تتدخل فيه. فالوثيقة تمنح العربية قيمة سيادية وهووية ومعرفية، لكنها تميل في مواضع عدة إلى تصوير العالقة باللغات الأخرى في صورة منافسة صفرية. ويقتضي التحليل العلمي اختبار هذا الافتراض بدل تبنيه مقدمة غير قابلة للنقاش.

كما يميز أدب التخطيط بين تخطيط الوضع، الذي يعيد توزيع الوظائف والمجالات؛ وتخطيط المتن، الذي يهتم بالمصطلح والمعيار والتحديث؛ وتخطيط الاكتساب، الذي ينظم التعليم والتعلم؛ وتخطيط الهيبة أو الصورة، الذي يعمل على الاتجاهات والتمثلات (Cooper, 1989 ; Kaplan & Baldauf, 1997 ; Hornberger, 2006). ولا تتحقق سياسة متوازنة إذا بالغت في أحد هذه الأبعاد وأهملت البقية. فرفع المكانة القانونية للعربية لا يعالج وحده نقص المراجع العلمية، وإنتاج المصطلحات لا يضمن تداولها، وإلزام المدارس بالفصحى لا يغني عن تكوين المعلمين، كما أن الحملات الرمزية لا تعوض ضعف المحتوى الرقمي أو غياب الحوافز الاقتصادية.

ويتقاطع هذا الفهم مع تعريف البريدي (2013، ص. 44) للتخطيط اللغوي بوصفه نشاطا مستقبليا منظما يربط الأهداف بالتشريعات والقرارات والبرامج طويلة الأجل. كما تكشف معالجة كساس (د. ت.، ص. 381) للتهجين اللغوي في الجزائر أن التخطيط لا يعمل في فراغ معياري، بل يواجه ممارسات اجتماعية متجذرة وعوائق مؤسسية؛ ولذلك ينبغي أن يجمع بين التنظيم القانوني، وبناء الكفايات، وفهم دوافع المتكلمين، بدل اختزال المشكلة في المنع أو التصحيح.

2.1. السياسة اللغوية بوصفها سياسة عامة

حين تُدرس السياسة اللغوية بوصفها سياسة عامة، تصبح أسئلتها قريبة من أسئلة الحوكمة : ما المشكلة العامة؟ ما حجمها؟ ما الفئات المتأثرة؟ ما البدائل الممكنة؟ ما الكلفة؟ من ينفذ؟ وما مؤشرات النجاح والفشل؟ وهذه المقاربة ضرورية لأن اللغة تتقاطع مع قطاعات متعددة، ولا يمكن تحميل مجمع لغوي أو وزارة تربية وحدهما مسؤولية نتائج تعتمد أيضا على الإعلام، والاقتصاد، والاتصالات، والجامعات، والإدارة المحلية، والقضاء، والنشر، والصناعات الثقافية ‎(Johnson, 2013 ; Tollefson, 1991)‎.

ويقتضي الانتقال من الرغبة إلى السياسة بناء سلسلة منطقية تربط المدخلات بالأنشطة والمخرجات والنتائج والأثر. فإذا كان الهدف، مثلا، رفع حضور العربية في البحث العلمي، فلا يكفي الأمر بالنشر بها؛ بل يلزم تمويل الدوريات، وتحسين التحكيم، وبناء قواعد البيانات، وتطوير الترجمة العلمية، وضمان الاعتراف الأكاديمي بالمخرجات العربية، وقياس الاستشهاد والانتشار. وإذا كان الهدف تحسين الكفاية اللغوية للطلبة، وجب تحديد معيار للكفاية، وأداة قياس صادقة، وبرامج علاج، وتكوين للمدرسين، ومتابعة للفوارق الاجتماعية والمناطقية.

من هذا المنظور، تُقرأ وثيقة بيروت باعتبارها وثيقة لوضع الأجندة أكثر منها خطة تنفيذية مكتملة. إنها تحدد مجالات القلق، وتوزع المسؤوليات، وتقترح اتجاهات عامة؛ لكنها لا تقدم في صورتها الأصلية نظاما متكاملا للتنفيذ. وهذه النتيجة لا تنتقص من قيمتها التاريخية، بل تحدد وظيفتها على نحو أدق، وتمنع مطالبتها بما لم تُصمم أصلا لتقديمه.

أما مفهوم « الإصلاح » الذي يستعمله الخطاب اللغوي، فيحيل معجميا إلى نقيض الفساد وإعادة الشيء إلى حال الاستقامة (ابن فارس، د. ت.، ج. 3، ص. 303؛ ابن منظور، 1997، ج. 4، صص. 60–61). غير أن السياسة العامة لا تستطيع الاكتفاء بهذا المعنى القيمي؛ فالإصلاح اللغوي يقتضي تشخيصا قابلا للتحقق، ونظرية للتغيير، وأدوات متناسبة، ومؤشرات تقيس التحسن من غير تحويل الاختلاف اللغوي ذاته إلى « فساد » ينبغي محوه.

2. المتن والمنهج

يتكون المتن الرئيس من وثيقة بيروت المعنونة « اللغة العربية في خطر : الجميع شركاء في حمايتها »، الصادرة عن المجلس الدولي للغة العربية سنة 2012. واستُعين، للتحقق من المسار المؤسسي، بالتقرير النهائي لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، المنعقد بالرياض سنة 2015، وبالبيان الختامي للمؤتمر الدولي للقوانين والأنظمة والتشريعات والسياسات والتخطيط اللغوي، المنعقد في جامعة الدول العربية سنة 2022. ولا تُعامل هذه النصوص بوصفها متنا واحدا؛ بل تُستخدم الوثائق اللاحقة لتحديد التحولات التي طرأت على الأفكار والصفة المؤسسية، ولتمييز التوصية من مشروع القانون ومن النص المعتمد داخل هيئة معينة.

اعتمد البحث تحليل الوثائق النوعي، وهو إجراء يجمع القراءة المتكررة، واستخراج الوحدات الدلالية، والتصنيف الموضوعاتي، وفحص سياق الإنتاج والغرض والجمهور والمؤلف المؤسسي ‎(Bowen, 2009)‎. وقد نُفذ التحليل في أربع مراحل : التحقق الخارجي من عنوان الوثيقة وتاريخها وناشرها؛ وتقسيم النص إلى وحدات بحسب مجالات التدخل؛ وترميز الوحدات ضمن تخطيط الوضع والمتن والاكتساب والهيبة والحوكمة؛ ثم تقويم قابليتها للتنفيذ بالاستناد إلى ستة معايير : وضوح الهدف، وتحديد المسؤول، وتناسب الأداة، وتوافر الموارد، وقابلية القياس، ووجود المراجعة.

لم يُستخدم التكرار العددي وحده دليلا على الأهمية؛ لأن الوثيقة ليست استبيانا ولا متنا لغويا متجانسا. لذلك جُمعت القراءة الوصفية بالقراءة النقدية، مع الحرص على الفصل بين وصف ما تقوله الوثيقة والحكم على ما يمكن أن يترتب عليه. كما تجنبت الدراسة استبدال المواقف المعيارية للمؤلف المؤسسي بموقف الباحث، وصرحت بحدودها : فهي لا تقيس تنفيذ الوثيقة فعليا في دولة بعينها، ولا تختبر اتجاهات الجمهور، بل تحلل بنية النص وإمكانات تحويله إلى سياسة.

3. الضبط التوثيقي : وثيقة 2012 ليست « قانون اللغة العربية »

« اللغة العربية في خطر : الجميع شركاء في حمايتها » (المجلس الدولي للغة العربية، 2012، الغلاف).

تثبت بيانات النشر أن وثيقة بيروت صدرت سنة 2012، وأن المؤتمر الذي انبثقت عنه انعقد في بيروت بين 19 و23 مارس من السنة نفسها. وهي وثيقة في ست وثلاثين صفحة، قدمت عشرين محورا أو بندا واسعا، وصاغت نداء إلى القيادات والمؤسسات والأفراد. ومن ثم لا يصح وصفها بأنها « وثيقة بيروت 2018 »، كما لا يصح نسبة جميع مواد « قانون اللغة العربية » إليها. فالوثيقة الأصلية تتضمن تشخيصات وتوصيات مطولة، بينما ظهرت لاحقا صياغات قانونية استرشادية أكثر تقنينا، وانتقلت إلى مسارات نقاش واعتماد داخل هيئات عربية.

يكشف التقرير الوزاري لسنة 2015 هذا الفرق بوضوح؛ إذ يتحدث عن « مقترح قانون اللغة العربية الصادر عن المجلس الدولي للغة العربية »، ثم يورد توصيات لدعم الفصحى، وتنسيق المجامع، والتقنيات، والترجمة، والبحث العلمي. فالصفة في ذلك السياق هي « مقترح »، لا قانون وطني نافذ. أما تداول القانون في اجتماعات لاحقة واعتماده داخل مؤسسات عربية، فلا يلغي أن إلزاميته داخل كل دولة تظل رهينة مسارها الدستوري والتشريعي. ومن هنا يجب على الدراسة العلمية أن تذكر بدقة : من أصدر النص؟ متى؟ بأي صفة؟ ولمن يوجه؟ وما نطاق إلزامه؟

يترتب على هذا التصحيح إعادة صياغة سؤال البحث. فبدل السؤال عما إذا كانت بنود الوثيقة « قانونا » جاهزا، يصبح السؤال : كيف يمكن استثمار وثيقة معيارية في إعداد تشريعات وسياسات وطنية تراعي اختلاف السياقات؟ وهذا التحول يعيد للبحث بعده المقارن والمؤسسي، ويمنعه من نقل أحكام موحدة إلى بيئات متعددة من غير دراسة دستورية واجتماعية.

4. البنية الموضوعاتية لوثيقة بيروت

1.4. السيادة والدستور وتخطيط الوضع

تضع الوثيقة اللغة العربية في قلب السيادة الوطنية، وتربط النصوص الدستورية باستعمال العربية في الإدارة والتعليم والاقتصاد والإعلام. وهذا الربط يمنح اللغة وظيفة تتجاوز الرمز إلى تنظيم الوصول إلى الخدمات والحقوق. فحين تكون لغة الدولة غير مستعملة فعليا في الوثائق والإجراءات، تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسة، ويصبح الحق الدستوري شكليا. لذلك تتمثل قوة الوثيقة في أنها لا تحصر العربية في التعليم أو الأدب، بل تدرجها ضمن عمل الدولة والحياة الاقتصادية.

غير أن نقل مبدأ السيادة إلى سياسة عملية يحتاج إلى تمييز المجالات. فلغة القضاء لا تخضع للأدوات نفسها التي تخضع لها لغة الإعلان التجاري، ولغة البحث العلمي لا تعالج بالوسائل نفسها التي تعالج بها لغة النماذج الإدارية. كما أن بعض المؤسسات تحتاج إلى ترتيبات انتقالية، وترجمة موازية، ومعايير جودة، لا إلى منع فوري. والتشريع الجيد يحدد نطاق التطبيق، والاستثناءات المبررة، والجهة الرقابية، والتدرج الزمني، والعقوبة المتناسبة، وحق الطعن.

ويُستحسن أن يُعاد تأطير السيادة اللغوية بوصفها قدرة مؤسسية على تقديم الخدمة والمعرفة بالعربية، لا مجرد سلطة على المنع. فالمؤسسة التي تلزم موظفيها بالعربية من غير تدريب أو أدوات مصطلحية قد تنتج نصوصا ضعيفة، بينما المؤسسة التي توفر المعاجم وقوالب الكتابة والتكوين والمراجعة تحقق أثرا مستداما. ومن ثم فإن تخطيط الوضع ينبغي أن يقترن بتخطيط الموارد والكفايات.

2.4. التعليم وتخطيط الاكتساب

يشغل التعليم مساحة مركزية في الوثيقة، من التعليم العام إلى الجامعة وتعليم العربية للناطقين بغيرها. وتفترض الوثيقة أن ضعف الكفاية اللغوية يؤثر في التحصيل وفي قدرة الخريج على العمل، وتقترح اختبارات للكفاية، وبرامج لإعداد المعلمين، ومراكز متخصصة، ومناهج حديثة. وهذه العناصر تنتمي إلى تخطيط الاكتساب، وهو المجال الذي تتحول فيه السياسة إلى خبرة يومية يعيشها المتعلم.

لكن الاختبار الموحد لا ينبغي أن يتحول إلى أداة إقصاء. فلكي يكون عادلا، يجب أن يُبنى على إطار مرجعي معلن، وأن تُختبر خصائصه السيكومترية، ولا سيما الصدق والثبات، وأن يراعي الفروق بين التخصصات، وأن يتبعه دعم علاجي مجاني. كما يجب الفصل بين اختبار تشخيصي يرشد التدريس واختبار عالي المخاطر يقرر القبول أو التخرج. إن اشتراط الكفاية من دون تمكين المتعلم منها ينقل مسؤولية الإخفاق من النظام إلى الفرد.

أما التعليم الجامعي، فلا يمكن اختزاله في ثنائية العربية أو الأجنبية. المطلوب بناء سياسة متعددة المسارات تضمن للطالب إتقان العربية الأكاديمية، وتمكنه في الوقت نفسه من اللغات الضرورية للوصول إلى الأدبيات العالمية. يمكن للجامعات أن تعتمد التدريس بالعربية حيث تتوافر الموارد، وأن تطور مقررات ثنائية اللغة، ومختبرات مصطلحية، ووحدات للكتابة الأكاديمية، وبرامج ترجمة مستمرة. وبهذا تصبح اللغات الأجنبية جسرا للمعرفة لا بديلا هوياتيا، وتصبح العربية لغة إنتاج لا مجرد لغة تلقين.

وفي تعليم العربية للناطقين بغيرها، تُصيب الوثيقة حين تدعو إلى المعايير والتكوين والمواد المتخصصة، لكنها تحتاج إلى تجاوز تصور موحد للمتعلمين. فالأهداف تختلف بين طالب جامعي، وعامل مهاجر، وباحث في التراث، وطفل من أصول عربية. لذلك يجب أن يبدأ التخطيط بتحليل الحاجات، وتحديد مستويات الأداء، وتصميم مسارات مرنة، وربط التقويم بالكفايات التواصلية والأكاديمية.

3.4. التعريب والترجمة وإنتاج المعرفة

تمنح الوثيقة الترجمة والتعريب موقعا بنيويا، وتدعو إلى مؤسسات قادرة على نقل المعرفة وتنسيق المصطلحات. وهذا الاختيار وجيه؛ لأن اللغة العلمية لا تتطور بقرارات لغوية داخلية فقط، بل باشتباك مستمر مع البحث والصناعة والتقنية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التعريب بوصفه توليد المصطلحات أو توطينها، والترجمة بوصفها نقل نصوص ومعارف، والتأليف الأصلي بوصفه إنتاجا علميا بالعربية. لا يعوض واحد من هذه المسارات الآخر.

يتطلب نجاح التعريب دورة حياة للمصطلح : رصد الحاجة، واقتراح البدائل، واختبارها لدى الخبراء والمستعملين، واعتمادها، ونشرها رقميا، ثم مراقبة تداولها وتحديثها. أما نشر قوائم مصطلحية من غير تكامل مع المناهج والبرمجيات ودور النشر، فيبقي المصطلح خارج الممارسة. لذلك يُقترح أن تعمل المجامع مع الجامعات والقطاعات المهنية وشركات التقنية ضمن منصات مفتوحة قابلة للبحث والتحديث.

وتحتاج الترجمة العلمية إلى سياسة حقوق ونشر وتمويل، وإلى اختيار استراتيجي للأعمال لا إلى السعي غير الواقعي إلى ترجمة « كل » ما يصدر. يمكن بناء نظام رصد للأدبيات ذات الأولوية، وعقود ترجمة جماعية، ومراجعة علمية ولغوية مزدوجة، وإتاحة رقمية منضبطة، مع قياس الاستعمال في التدريس والبحث. كما يجب دعم الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، لأن المكانة العلمية تُبنى أيضا بقدرة المعرفة المنتجة بالعربية على العبور إلى المجال الدولي.

أما البحث العلمي بالعربية، فلا يكفي أن يُطلب من الباحث النشر بها ما لم تُصلح منظومة التقييم. فإذا ظلت الترقية مرتبطة حصريا بقواعد أجنبية، وظلت الدوريات العربية ضعيفة التمويل والفهرسة، فسوف تتعارض الحوافز الفعلية مع الخطاب الرسمي. ومن ثم فإن السياسة اللغوية للبحث تتطلب إصلاح التحكيم، والبيانات الوصفية، والمعرفات الرقمية، والانفتاح، والاقتباس، والتكوين في الكتابة العلمية، مع عدم تحويل اللغة إلى معيار يغطي ضعف البحث.

4.4. المشهد اللغوي والفضاء العام

تتناول الوثيقة واجهات المحال واللافتات بوصفها جزءا من المظهر العام والهوية. وينتمي هذا المجال إلى المشهد اللغوي، حيث تكشف العلامات المكتوبة عن علاقات القوة والاقتصاد والهيبة. إن ضمان حضور العربية السليمة في الفضاء العام هدف مشروع، لأنه ييسر الوصول إلى المعلومة ويحمي حق المستهلك ويجعل المؤسسة مرئية بلغته.

غير أن التنظيم الفعال لا يقوم على المنع المجرد. ينبغي وضع دليل وطني للافتات يحدد مقروئية الخط، وسلامة الترجمة، وترتيب اللغات، وحجم الكتابة، ومتطلبات العلامات التجارية، وحقوق اللغات المحلية، مع خدمة استشارة لغوية للمؤسسات الصغيرة. ويمكن أن يسبق الجزاءَ تنبيهٌ ومهلةٌ للتصحيح، وأن تتدرج العقوبات بحسب الضرر والتكرار. كما يمكن استخدام الحوافز، مثل علامة جودة لغوية أو تخفيض رسوم الترخيص للمؤسسات الملتزمة.

وتتيح الرقمنة بناء منصة للإبلاغ عن الأخطاء، ومكتبة للقوالب، وقاعدة للأسماء التجارية المعربة. بهذا يتحول المشهد اللغوي من مجال عقابي إلى مجال للتعاون بين البلدية والجامعة والغرفة التجارية والمصمم والمستهلك.

5.4. اللهجات واللغات المحلية والأجنبية : ضرورة التأطير الإيكولوجي

تقر الوثيقة بأهمية اللغات المحلية، لكنها تجعل حمايتها مشروطة بعدم تعارضها مع « اللغة الوطنية الجامعة ». وفي المقابل، تتخذ موقفا أكثر تشددا من اللهجات العامية، إذ تنظر إليها في بعض المواضع بوصفها خطرا على الفصحى والوحدة. ويحتاج هذا التصور إلى مراجعة علمية؛ لأن الازدواجية العربية ليست مجرد انحراف قابل للإزالة بقرار، بل توزيع تاريخي ووظيفي بين أنماط متعددة ‎(Ferguson, 1959)‎. وقد أظهر البحث السوسيولساني أن اللهجات تؤدي وظائف الهوية والقرب والتنشئة، بينما تؤدي الفصحى وظائف الكتابة الرسمية والتعليم والتواصل العابر للأقاليم.

لا يعني ذلك ترك الفصحى من غير سياسة، بل يعني أن تعزيزها يجب أن يقوم على توسيع مجالات الإتقان والاستعمال، لا على وصم الممارسة اليومية. يمكن للمدرسة أن تبني جسورا بين الرصيد الشفهي للمتعلم والعربية الأكاديمية، وأن تعلّم الوعي بالتنوع والسجل والمقام. كما يمكن للإعلام أن يحافظ على الفصحى في الأخبار والبرامج المعرفية مع الاعتراف بالأنماط المحلية في الأجناس الأخرى. إن السياسة التي تتجاهل الواقع قد تنتج مقاومة أو ازدواج خطاب، بينما السياسة الإيكولوجية تستثمر الموارد اللغوية الموجودة.

أما اللغات المحلية، فيجب التعامل معها ضمن الحقوق الثقافية والتعليمية وبحسب السياق الدستوري لكل دولة. وحمايتها لا تنتقص بالضرورة من العربية؛ إذ يمكن أن تتعايش لغة مشتركة مع لغات وطنية أو محلية في توزيع وظيفي عادل. ويقتضي ذلك بيانات عن المتكلمين، ومواد تعليمية، وتكوين مدرسين، وخدمات عامة مناسبة، ومشاركة المجتمعات المعنية في القرار. ويتسق هذا المنظور مع المقاربات التي تربط السياسة اللغوية بحقوق الأقليات والتعليم متعدد اللغات ‎(May, 2012 ; UNESCO, 2003)‎.

وفي شأن اللغات الأجنبية، تتبنى الوثيقة موقفا مزدوجا : تعترف بقيمتها في التبادل، لكنها تخشى أن تحل محل العربية. ويمكن حل هذا التوتر بسياسة إضافة لا إحلال : العربية لغة أساسية للدولة والمعرفة العامة، واللغات الأجنبية أدوات للاتصال والبحث. ويُقاس النجاح بارتفاع الكفاية في العربية واللغات الأخرى معا، لا بانخفاض إحداها لصالح الأخرى.

6.4. توزيع المسؤوليات والحوكمة متعددة المستويات

من أبرز مكاسب الوثيقة أنها لا تجعل اللغة شأنا خاصا بأقسام العربية، بل توزع المسؤولية على الفرد والأسرة والمعلم والجامعة وسوق العمل والإعلام وصانع القرار. ويتوافق هذا مع التخطيط الجزئي الذي يرى أن المؤسسات المحلية والوسطى ليست منفذة سلبية، بل فاعلة تعيد تفسير السياسة. غير أن التوزيع الواسع قد يؤدي إلى تشتت المسؤولية إذا لم تحدد القيادة والتنسيق. وهو ما تؤكده أدبيات التخطيط الجزئي والمحلي ‎(Baldauf, 2006 ; Liddicoat & Baldauf, 2008)‎.

لذلك تحتاج الحوكمة إلى مؤسسة وطنية ذات تفويض واضح، لا تحتكر القرار اللغوي، بل تجمع البيانات وتنسق الخطط وتصدر المعايير وتراقب التنفيذ. ويجب أن تضم ممثلين عن التربية والتعليم العالي والثقافة والعدل والاقتصاد والاتصالات والمجامع واللغات المحلية والمجتمع المدني. كما ينبغي إنشاء وحدات قطاعية داخل الوزارات والجامعات والبلديات، مع تقارير سنوية علنية.

ويجب أن يكون للمجتمع المهني دور حقيقي. فالمترجمون والمحررون والمعلمون والمهندسون والمبرمجون يعرفون مشكلات التنفيذ التي قد لا تظهر في النص المركزي. إن الاستشارة، والتجريب المحدود، والتغذية الراجعة، والمراجعة الدورية، شروط تحول السياسة إلى تعلم مؤسسي بدل أن تبقى أمرا من أعلى.

5. من الوثيقة إلى التنفيذ : مصفوفة سياسة لغوية قابلة للقياس

تقترح الدراسة تحويل المبادئ العامة إلى سبعة مسارات مترابطة. ولا تمثل المصفوفة قانونا موحدا للدول العربية، بل إطارا استرشاديا يُكيَّف بحسب الدستور والتركيب اللغوي والموارد.

الجدول 1. مصفوفة مقترحة لتحويل المبادئ إلى سياسة لغوية قابلة للقياس

المسار

الهدف

الأدوات

المؤشرات

الفاعلون

التشخيص وخط الأساس

مسح استعمال اللغات والكفايات والموارد في القطاعات

مسوح وطنية؛ تدقيق لغوي مؤسسي؛ خرائط بيانات

توافر خط أساس منشور؛ نسبة تغطية القطاعات؛ دورية التحديث

جهاز الإحصاء؛ الجامعات؛ هيئة اللغة

الحوكمة والتنسيق

تحديد القيادة وتقاسم المسؤوليات

مجلس وطني؛ وحدات قطاعية؛ لجان مشتركة

نسبة الخطط المعتمدة؛ انتظام الاجتماعات؛ نشر التقارير

رئاسة الحكومة؛ الوزارات؛ المجامع

التعليم والاكتساب

رفع الكفاية في العربية الأكاديمية مع تعددية مضافة

إطار كفايات؛ تكوين المدرسين؛ دعم علاجي؛ مواد رقمية

تحسن نتائج الاختبارات؛ تضييق الفوارق؛ رضا المتعلمين

التربية؛ التعليم العالي؛ مراكز التكوين

المعرفة والترجمة

زيادة إنتاج المعرفة وتداولها بالعربية

صناديق ترجمة؛ منصات مصطلحية؛ دعم دوريات؛ كتابة أكاديمية

عدد الترجمات المستعملة؛ نمو المحتوى؛ فهرسة الدوريات

الجامعات؛ دور النشر؛ المجامع؛ المكتبات

الإدارة والعدالة اللغوية

ضمان خدمة عامة مفهومة ودقيقة

قوالب موحدة؛ مراجعة لغوية؛ تدريب الموظفين؛ ترجمة عند الحاجة

زمن الخدمة؛ نسبة النماذج المطابقة؛ شكاوى الفهم

الإدارة؛ العدل؛ الجماعات المحلية

المشهد اللغوي والاقتصاد

تعزيز العربية في الفضاء العام مع صون التعدد اللغوي المشروع

دليل للافتات؛ خدمة استشارة؛ حوافز؛ جزاءات متدرجة

نسبة المطابقة؛ انخفاض الأخطاء؛ مشاركة المؤسسات

البلديات؛ التجارة؛ حماية المستهلك

التقويم والمراجعة

تحويل السياسة إلى دورة تعلم ومساءلة

لوحة مؤشرات؛ تقييم مستقل؛ استشارة عامة؛ مراجعة كل 3–5 سنوات

نشر التقارير؛ تنفيذ التوصيات؛ تحسن المؤشرات

البرلمان؛ هيئة اللغة؛ المجتمع المدني

المصدر : إعداد الباحثة استنادا إلى التحليل الوثائقي.

كما يبين الجدول 1، تبدأ المصفوفة بالتشخيص؛ لأن السياسة من دون خط أساس لا تستطيع أن تثبت نجاحها. ويجب أن تجمع البيانات بين مؤشرات الكم، مثل لغة النشر والخدمات واللافتات، ومؤشرات الكيف، مثل جودة النص ورضا المستعملين وقدرتهم على الفهم. كما ينبغي تفكيك النتائج بحسب المنطقة والجنس والوضع الاجتماعي والتخصص، حتى لا تخفي المتوسطات فوارق مهمة.

وتأتي الحوكمة قبل العقوبات. فحين تكون المسؤولية موزعة، يحتاج كل قطاع إلى هدف محدد وميزانية وجدول زمني. ويمكن اعتماد عقود أداء لغوي للمؤسسات العامة، تتضمن التزامات قابلة للقياس، على أن تقدم الهيئة الوطنية الدعم الفني وتراجع التقارير. ولا ينبغي تحويل الهيئة إلى شرطة لغوية تراقب الألفاظ الفردية؛ وظيفتها الأساسية بناء القدرة المؤسسية وحماية الحقوق.

أما التحفيز، فيشمل الجوائز والمنح والعقود والمشتريات العامة. تستطيع الدولة أن تشترط في البرمجيات والأجهزة المتعاقد عليها دعما عربيا عالي الجودة، وأن تمول المحتوى المفتوح، وأن تمنح نقاطا إضافية للمشروعات التي تنتج أدوات لغوية أو تعليمية. وبهذا تصبح العربية جزءا من الاقتصاد الرقمي لا مجرد موضوع ثقافي.

ويجب أن تُراجع السياسة دوريا على أساس الأدلة. فاللغة مجال سريع التغير بسبب التقنية والهجرة والتعليم والإعلام. وقد تكون أداة مناسبة في مرحلة ثم تفقد أثرها أو تنتج أثرا عكسيا. لذلك تحتاج السياسة إلى بنود انقضاء أو مراجعة، وإلى تقييم مستقل يدرس الفعالية والعدالة والكلفة.

6. مناقشة : قيمة الوثيقة وحدودها

تكشف القراءة أن وثيقة بيروت أدت وظيفة تاريخية في وضع العربية على أجندة مؤسسات متعددة، وفي تفكيك الاعتقاد بأن اللغة شأن أدبي محض. وقدمت شبكة واسعة من المجالات، من الدستور إلى الصناعة والتقنية. كما شددت على أن الحماية لا تقتصر على الدفاع الرمزي، بل تتطلب ترجمة وتعليما وبحثا ومؤسسات. وهذه عناصر تمنحها قيمة مرجعية في النقاش العربي.

إلا أن خطاب « الخطر » يظل سلاحا ذا حدين. فهو قادر على تعبئة الاهتمام، لكنه قد يدفع إلى التعميم والتهويل، ويحول التنوع إلى تهديد، ويغطي اختلاف المشكلات بين الدول والقطاعات. ومن الناحية العلمية، لا بد من تفكيك الخطر إلى مؤشرات : هل المقصود تراجع الكفاية؟ أم انخفاض الاستعمال في مجال معين؟ أم ضعف المحتوى العلمي؟ أم فقدان حق الوصول؟ لكل مشكلة سبب وأداة مختلفة.

كما أن الوثيقة تمزج أحيانا بين الهوية والفعالية. إن الدفاع عن العربية لا يحتاج إلى افتراض أنها هوية واحدة متجانسة، بل يمكن تأسيسه على حقوق المواطن، والعدالة المعرفية، وكفاءة المؤسسة، والقدرة على المشاركة. هذا الأساس أوسع وأصلب، لأنه يستوعب المواطنين متعددي اللغات، ويجعل العربية موردا مشتركا لا علامة استبعاد.

وتظهر المقارنة بين الوثيقة ومسار « قانون اللغة العربية » أن الانتقال من النص المعياري إلى النص القانوني ليس مجرد اختصار البنود. فالقانون يحتاج إلى تعريفات دقيقة، ونطاق، واختصاص، وإجراءات، وضمانات، وتناسب، بينما تحتاج السياسة إلى أدوات وموارد ومؤشرات. وقد يكون بعض أهداف الوثيقة أنسب لبرنامج حكومي أو معيار مهني أو تمويل بحثي منه لمادة عقابية. لذلك يُستحسن توزيع المضامين على حزمة سياسات بدل حشرها في قانون واحد.

وتؤكد الدراسة أن تمكين العربية لا ينبغي أن يُبنى على معادلة صفرية مع اللغات الأخرى. إن المجتمع الذي يرفع الكفاية في العربية الأكاديمية، ويضمن تعلم لغات أجنبية قوية، ويحمي لغاته المحلية، يملك رصيدا لغويا أوسع. أما إضعاف التعدد فال يضمن تلقائيا قوة العربية، وقد يحرم الأفراد من موارد تعليمية وثقافية. والمطلوب هو ضبط علاقات القوة ومنع الإحلال غير العادل، مع بناء تعددية مضافة.

وأخيرا، لا يمكن فصل السياسة اللغوية عن جودة المحتوى. فليس كل نص عربي دقيقا، وليس كل تدريس بالعربية ناجحا، وليس كل تعريب مفيدا. يجب أن يظل معيار الجودة حاضرا : سلامة اللغة، ووضوحها، وملاءمتها للمقام، وصحة المعرفة، وقابلية الاستخدام. إن تحويل العربية إلى لغة علم وإدارة يتطلب مهننة التحرير والترجمة والمصطلح والتعليم والتقنية.

خاتمة

أجابت الدراسة عن السؤال الأول بأن وثيقة بيروت تقدم بنية موضوعاتية واسعة تشمل السيادة والتعليم والترجمة وإنتاج المعرفة والمشهد اللغوي وتوزيع المسؤوليات. وتتمثل قيمتها الأساسية في توسيع أجندة التخطيط وربط العربية بعمل الدولة والاقتصاد والتقنية والفضاء العام، لكنها لا تمثل في ذاتها قانونا نافذا ولا خطة تنفيذ مكتملة.

أما السؤال الثاني، فتجيب عنه النتائج بأن الوثيقة تستجيب جزئيا لمقتضيات السياسة اللغوية الحديثة. فهي تحدد مجالات التدخل والفاعلين وتعرض جملة من الأدوات، لكنها لا ترتب الأولويات، ولا تبني خطوط أساس، ولا تحدد الموارد والميزانيات، ولا تضبط مؤشرات الأداء وآليات التظلم والمراجعة. ومن ثم، تظل قوتها في وضع الأجندة أوسع من قدرتها على توجيه التنفيذ المباشر.

وفيما يخص السؤال الثالث، يمر الاسترشاد بالوثيقة عبر دورة متكاملة للسياسة العامة : تشخيص موثق، وأهداف محددة، وقيادة مؤسسية، وموارد، وخطط قطاعية، وحوافز، ومؤشرات، وتقويم دوري. إن غياب هذه العناصر يترك النص في مستوى النية، بينما إدراجها يحوله إلى برنامج قابل للمساءلة. وقدمت الدراسة مصفوفة يمكن استخدامها لإعداد خطط وطنية أو قطاعية من دون افتراض نموذج واحد لجميع البلدان.

وتقترح الدراسة مستقبلا إجراء بحوث مقارنة تتبع كيفية حضور أفكار الوثيقة في القوانين والسياسات الوطنية، ودراسات حالة داخل الجامعات والإدارات والبلديات، وتحليلات لآثار الاختبارات اللغوية وسياسات اللافتات والترجمة. كما يلزم إشراك المتعلمين والمهنيين والمتكلمين باللغات المحلية في تقييم السياسات؛ فالسياسة اللغوية المستدامة لا تُبنى فقط من أجل الناس، بل معهم، ولا تقاس بصرامة النص، بل بقدرتها على توسيع المعرفة والمشاركة والإنصاف.

ابن فارس، أحمد. (د. ت.). معجم مقاييس اللغة (عبد السلام هارون، تحقيق). دار الجيل.

ابن منظور، محمد بن مكرم. (1997). لسان العرب. دار صادر.

البريدي، عبد الله. (2013). التخطيط اللغوي : تعريف نظري ونموذج تطبيقي. في أعمال الملتقى التنسيقي للجامعات والمؤسسات المعنية باللغة العربية (ص. 44). مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية.

بلعيد، صالح. (2012). دروس في اللسانيات التطبيقية (ط. 7). دار هومة.

بشير، حسن. (2014). السياسة اللغوية العربية : منهج للتأصيل والتطوير ومواكبة العصر. في التعدد اللساني واللغة الجامعة (ج. 1، ص. 83). المجلس الأعلى للغة العربية.

السعران، محمود. (1963). اللغة والمجتمع : رأي ومنهج (ط. 2). دار المعارف.

كساس، صفية. (د. ت.). التهجين اللغوي وسياسة التخطيط المحكم في الجزائر : دراسة في الأسباب والعوائق. في أعمال الملتقى الوطني حول التخطيط اللغوي (ص. 381).

المجلس الدولي للغة العربية. (2012). وثيقة بيروت : اللغة العربية في خطر، الجميع شركاء في حمايتها.

المجلس الدولي للغة العربية. (2022). البيان الختامي للمؤتمر الدولي للقوانين والأنظمة والتشريعات والسياسات والتخطيط اللغوي (18–19 ديسمبر 2022، جامعة الدول العربية).

المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. (2015). التقرير النهائي والقرارات والتوصيات للدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي.

Baldauf, R. B., Jr. (2006). Rearticulating the case for micro language planning in a language ecology context. Current Issues in Language Planning, 7(2–3), 147–170. https://doi.org/10.2167/cilp092.0

Bowen, G. A. (2009). Document analysis as a qualitative research method. Qualitative Research Journal, 9(2), 27–40. https://doi.org/10.3316/QRJ0902027

Cooper, R. L. (1989). Language planning and social change. Cambridge University Press.

Ferguson, C. A. (1959). Diglossia. Word, 15(2), 325–340. https://doi.org/10.1080/00437956.1959.11659702

Fishman, J. A. (Ed.). (1974). Advances in language planning. Mouton.

Hornberger, N. H. (2006). Frameworks and models in language policy and planning. In T. Ricento (Ed.), An introduction to language policy : Theory and method (pp. 24–41). Blackwell.

Johnson, D. C. (2013). Language policy. Palgrave Macmillan.

Kaplan, R. B., & Baldauf, R. B., Jr. (1997). Language planning from practice to theory. Multilingual Matters.

Liddicoat, A. J., & Baldauf, R. B., Jr. (Eds.). (2008). Language planning and policy : Language planning in local contexts. Multilingual Matters.

Lo Bianco, J. (2010). Language policy and planning. In N. H. Hornberger & S. L. McKay (Eds.), Sociolinguistics and language education (pp. 143–174). Multilingual Matters. https://doi.org/10.21832/9781847692849-008

May, S. (2012). Language and minority rights : Ethnicity, nationalism and the politics of language (2nd ed.). Routledge.

Ricento, T. (Ed.). (2006). An introduction to language policy : Theory and method. Blackwell.

Schiffman, H. F. (1996). Linguistic culture and language policy. Routledge.

Shohamy, E. (2006). Language policy : Hidden agendas and new approaches. Routledge.

Spolsky, B. (2004). Language policy. Cambridge University Press.

Spolsky, B. (2009). Language management. Cambridge University Press.

Suleiman, Y. (2003). The Arabic language and national identity : A study in ideology. Georgetown University Press.

Tollefson, J. W. (1991). Planning language, planning inequality. Longman.

UNESCO. (2003). Education in a multilingual world.

عائشة عبيزة — Aïcha Abiza

جامعة عمار ثليجي بالأغواط، الجزائر — Université Amar Telidji de Laghouat, Algérie
BP 37G, route de Ghardaïa, 03000 Laghouat, Algérie
ai.abiza@lagh-univ.dz
https:0000-0002-2423-734X

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.