مقدمة
لم تعد دراسة العنف في الرواية المعاصرة ممكنة من داخل حدود السرد وحده؛ ذلك أن العنف، حين ينتقل من التجربة التاريخية إلى التمثيل الأدبي، ثم من لغة إلى أخرى عبر الترجمة، يصبح موضوعا مركّبا تتقاطع فيه اللغة والذاكرة والسياسة والأخلاق. ومن ثمّ فإن رواية « فرانكشتاين في بغداد » لا تعرض العنف بوصفه حدثا عراقيا معزولا، بل تشكّله خطابيا من خلال الجسد المفكك، والمكان المنتهك، والهوية الموزعة بين الضحية والجلاد، والحياة اليومية التي استحال فيها الموت بنية سردية لا حادثة عابرة. ومن هذه الزاوية، تكتسب الترجمة الإنجليزية للرواية قيمة اختبارية خاصة، لأنها تكشف حدود قابلية العنف للانتقال بين أفقين لغويين وثقافيين مختلفين.
تسعى هذه الدراسة، لذلك، إلى مساءلة ترجمة العنف بوصفها إعادة إنتاج ثانية لما أعادت اللغة المصدر إنتاجه من خراب وتمزق. ولا تنحصر المقاربة في الحكم على جودة الترجمة أو مطابقة المفردات، بل تنظر في أثر الاختيارات المعجمية والتركيبية والثقافية في إعادة بناء المشهد العنيف وتوجيه تلقيه. وتنبثق عن هذا المنظور أسئلة بحثية مترابطة : هل تحافظ اللغة الهدف على كثافة تمثيل العنف في النص العربي؟ وما الذي يُنقل بدقة، وما الذي يخفّ أو يتبدل؟ وكيف تتصرف الترجمة إزاء المفاهيم ذات الحمولة الدينية والطائفية والجندرية حين تنتقل إلى قارئ لا يمتلك بالضرورة السياق الإدراكي نفسه؟
وتقوم فرضية المقال على أن ترجمة العنف الأدبي لا تنفصل عن الترجمة الثقافية والدلالية، ولا عن الفعل التواصلي الذي يجعل النص قابلا للقراءة خارج حدوده الأصلية. لذلك، فإن نقل العنف قد يسهم في بناء تعاطف عابر للثقافات، لكنه يظل فعلا محفوفا بمخاطر التلطيف، أو التعميم، أو إعادة التأويل الأيديولوجي. ومن هنا تأتي ضرورة الجمع بين أدوات اللسانيات والترجمة الأدبية والتحليل النقدي للخطاب، مع الانفتاح على الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لفهم ما ينتقل في الترجمة وما يبقى عصيا على النقل الكامل.
1. مفهوم العنف : مقاربات فلسفية ولسانية
يرى ن. ل. نيوبورغ أن العنف يُعرَّف ببساطة على أنه فعل التدمير والتخريب وإلحاق الأضرار والخسائر التي توجه إلى أهداف أو ضحایا مختارة أو ظروف بیئیة أو وسائل أو أدوات. كما يسلط الضوء على استخدام العنف أداة للضغط والسيطرة، سواء من خلال التهديد أو الردع أو الإكراه أو الترهيب أو الابتزاز. (Nieburg, 1969) وبالرغم من الجذور اللغوية لهذا المفهوم والتصور الشائع حوله، فإن العلاقة بين العنف والقوة هي إحدى أكثر القضايا إثارة للجدال في الأدبيات المتعلقة بالعنف.
وربما يسير طرح ورد عند كريستوفر أ. ج. كودي في الاتجاه ذاته؛ لأنّه يذكر أن الفهم الطبيعي والعادي لكلمة « العنف » هو الأفعال الشخصية المنطوية عادة على إلحاق الأذى الجسدي، مما يشير إلى أنه لا يمكن ضبط هذا المفهوم بشكل مستقل عن مفهوم القوة. (Coady, 1986) ويبدو أن هذا التقارب القوي بين مفهومي « العنف » و« القوة » مبرَّر من خلال قاموس أكسفورد الإنجليزي، حيث يُعرَّف العنف بأنه « ممارسة القوة البدنية بهدف إلحاق الأذى بهدف إلحاق الضرر بشخص أو تدميره ». (Oxford English Dictionary, 3rd ed.)
إن من الباحثين، إذن، من لا يتردد في تعريف العنف بربطه القوة. وبصرف النظر عن هذا التقارب بين المفهومين، يمكن أيضا تصور العنف من حيث الفعل « انتهاكا »؛ أي انتهاك حد أو معيار ما أو تجاوزهما. ويذهب نيكولاس گارفر إلى حد اقتراح أن فكرة العنف مرتبطة ارتباطا وثيقا بفكرة الانتهاك أكثر من ارتباطها بفكرة القوة. (Garver, 1973)
ويتفق عدد من منظري العنف المعاصرين على فكرة تعريف العنف من حيث الانتهاك، غير أنه يبدو أن هناك خلافا حول ما يُنتهك بالضبط عند حدوث عمل من أعمال العنف. فتبعا لبيرنهارد فالدنفيلس يعرّف العنف بأنه انتهاك مطالب النزاهة المحدودة الواجب الاستجابة لها. وهو يناقش العنف ليس باعتباره ظاهرة ذات جوهر ثابت، بل قوة تحويلية تتسلل إلى مختلف مجالات الحياة. ويُشدّد على أن العنف يتجاوز نية الفاعل، حيث يُعتبر تجربة مؤلمة تفتح بعدا يتجاوز الفعل نفسه، مشيرا إلى التناقض الذاتي في العنف : فعندما يُحوِّل الفاعل المُتلقّي إلى شيء ليُدمَّر، فإنه يلغي فعل التوجيه نفسه. كما يبين أن العنف قد ينشأ في مجالات غير مرتبطة به ظاهريا، مثل البيروقراطية والاقتصاد والطب والسياسة والحياة اليومية، حيث قد يتخفى تحت أشكال غير ملحوظة ولكنها مؤثرة. (Waldenfels, 2005)
1.1 حول لسانيات العنف
يشير مفهوم « لسانيات العنف » إلى استخدام اللغة بطريقة تسبب الضرر دون اللجوء إلى القوة الجسدية. وقد يظهر هذا الشكل من العنف عبر الضرر النفسي أو الظلم الاجتماعي. إنه الاستخدام المتعمد أو غير المتعمد للكلمات لإهانة الأفراد أو المجموعات وتحقيرهم، وبالتالي تعزيز التمييز وعدم المساواة.
ويشدد غاي على قوة اللغة في تشكيل الواقع الاجتماعي وتعزيز الديناميات السلطوية. فقد يسهم مثلا استخدام المصطلحات التحقيرية أو التلاعب المتعمد باللغة لتهميش مجموعات معينة في ثقافة العنف والقمع. مما قد يؤثر نفسيا بشدة على الأفراد والمجتمعات، وغالبا ما تؤدي إلى ضرر اجتماعي وعاطفي طويل الأمد.
وفي دراسة أخرى يتساءل غاي هل تمارس اللغة العنف؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يمكن التغلب على العنف اللغوي؟ فاللغة يمكن أن تمارس العنف إذا كان لا يتطلب استخدام القوة الجسدية، ويمكن التغلب على العنف اللغوي إذا أمكن تجنب استخدامه. وهناك وسائل مختلفة لتجنبه. ومن ثم، على الرغم من أن العنف اللغوي قد يحدث ويحدث بالفعل، إلا أنه يمكن أيضا التغلب عليه. ويركز الكثير من أعماله الأخيرة على كيفية ممارسة اللغة، غير المعتمدة على القوة الجسدية، العنف بشكل متكرر. إن العنف اللغوي يحدث عندما نتأذى نفسيا من الكلمات ونتعرض للأذى الاجتماعي بسببها. ففي الوقت الذي لا يدرك معظم الناس الألم الذي قد تسببه الكلمات، فإن العديد من المجموعات الاجتماعية غالبا ما تكون غير واعية بالظلم الذي تسهم اللغة في خلقه واستدامته. وكشف هذه الأشكال من العنف اللغوي هو الخطوة الأولى. (Gay, 1999)
2.1 تعريف العنف اللغوي وأشكاله
يعرِّف غاي العنف اللغوي بأنه الاستخدام المتعمد للغة بطريقة تهدف إلى إيذاء الآخرين نفسيا أو معنويا. ويشمل ذلك التعبيرات التي تقلِّل من قيمة الآخرين، وإهانتهم، وحرمانهم من الاحترام، أو التأثير عليهم بطرق تؤدي إلى شعورهم بالخوف أو الإذلال أو الاغتراب. وفي هذا الإطار يوضح كيف يمكن للغة أن تسبب ضررا عبر خلق الظلم الاجتماعي واستدامته، على أساس العلاقة الوطيدة بين العنف اللغوي والعنف المؤسسي، مشيرا بالعنف اللغوي إلى توظيف اللغة لإلحاق الأذى النفسي أو تهميش الآخرين وإيذائهم بالتلاعب أو قمع الأفراد أو الجماعات. كما يشدد على ضرورة التعرف على الألم النفسي والضرر الاجتماعي الذي قد يسببه العنف اللغوي، لأن هذا الوعي مهم لتخفيف آثاره وتعزيز ممارسات التواصل غير العنيفة. (Gay, 1999)
ويرى غاي أن العنف اللغوي ليس مجرد ظاهرة لغوية، بل هو فعل اجتماعي يحمل دلالات تتجاوز الكلمات، حيث قد يؤثر على العلاقات الاجتماعية ويعمّق الانقسامات الثقافية والعرقية. كما يشير إلى أن هذا العنف قد يكون مقدمة أو عاملا مساعدا للعنف الجسدي عبر تعزيز خطاب الكراهية أو التمييز.
ويتخذ العنف اللغوي الأشكال الآتية :
-
اللغة الضارة : إذ تستخدم اللغة التمييزية لإلحاق الأذى النفسي أو تهميش الآخرين أو قمعهم. وقد يشمل ذلك خطاب الكراهية، الشتائم، الإهانات، وغيرها من أشكال الإساءة اللفظية التي تعزز الفجوات الاجتماعية والمؤسسية.
-
التلاعب والخداع : فاللغة تستخدم أيضا للتلاعب وخداع الناس، مما يؤدي إلى الأذى عبر المعلومات المضللة والمراوغة أو الدعاية.
-
الإقصاء اللغوي : حيث يُستبعَد بعض الأفراد والجماعات من الفضاءات اللغوية بسبب لغتهم أو لهجتهم. قد يتضمن ذلك تعبيرات تصف لهجات أو لغات معينة بأنها أقل شأنا.
-
التنميط اللغوي : يشمل تصنيف الأشخاص أو الجماعات بناء على خصائص معينة، مثل العرق، أو الجنس، أو الطبقة الاجتماعية، مما يعزِّز الصور النمطية والتحامل على الآخرين.
-
التهديدات اللفظية : استخدام اللغة لتخويف الآخرين أو إرغامهم، سواء كان تهديدا فعليا أو مجرد تحريض.
-
التنقيص من قيمة الآخرين : استخدام اللغة للإساءة إليهم أو إهانتهم، بالتقليل من احترامهم أو نعتهم بأوصاف تحقيرية.
-
التشويه اللفظي : بتحريف الحقائق عبر اللغة أو تعديلها، أو تقديم أكاذيب أو تفسيرات غير دقيقة للتلاعب في فهم الناس للأحداث أو الأفراد.
3.1. العنف اللغوي والمساواة الإنسانية
العنف اللغوي، سواء كان متعمدا أم غير متعمد، هو عدم احترام الأشخاص الذين يُوجَّه إليهم، وعادة ما يُبدأ بالعنف اللغوي أولا ثم يُدعَّم بالعنف الجسدي. والواقع أن إهانة الأفراد والجماعات أو قتلهم يغدو أسهل باستخدام الألفاظ لوصف الآخرين بالتقليل من قيمتهم واعتبارهم أقل شأنا أو حتى غير بشريين.
على النقيض من ذلك، يزيل اللاعنف اللغوي كلمات عدم الاحترام وقد يقلل من العنف الجسدي ضد الأشخاص. إذ يمكن أن يسهم اللاعنف اللغوي، من خلال تغيير لغتنا، في تغيير أفكارنا وفي تشكيل مواقف وسلوكيات تعزز المساواة الإنسانية وتدعم السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية Gay, 1998)).
وقد سعى غاي لدعم الادعاءات المتعلقة بارتباط العنف اللغوي بالمساواة الإنسانية، فاستعرض مفهوم العنف اللغوي بتوضيح بعض تجلياته. حيث يُعتمد العنف الجنسي، والعنف العنصري، وغيرها من أشكال العنف على اللغة المهينة.
في المقابل يفصِّل في مفهوم اللاعنف اللغوي بالبحث في دوره في الحد من العنف الجسدي موازاة مع العنف اللغوي؛ إذ يمكن استخدام مصطلحات وأساليب بديلة أكثر حيادية وإيجابية في التحدث والكتابة.
يربط غاي أيضا بين اللاعنف اللغوي بالسعي لتحقيق العدالة الشاملة والمساواة للجميع. مع التأكيد على ضرورة أن يكون هذا السعي عالميا ويرتبط بالاستراتيجيات غير العنيفة للاحتجاج والتغيير الاجتماعي والسياسي.
يظهر العنف اللغوي في سياق الخطابات السياسية والثقافية؛ فقد يعزز استخدام اللغة اللاإنسانية في وسائل الإعلام والسياسة الصور النمطية ويهمش مجموعات معينة، مما يسهم في توسيع العنف الاجتماعي والثقافي. (Gay, 2020) وعموما يؤثر العنف اللغوي في تشكيل الواقع الاجتماعي وأهمية التواصل الواعي والمحترم للحد من الضرر وتعزيز العدالة.
2. العنف والفوضى في رواية « فرانكشتاين في بغداد »
لم يعد العنف موضوعا مسكوتا عنه، بل صار محور اهتمام السياسيين والإعلاميين والأدباء، حيث تعكس اللغة في الأعمال الأدبية مظاهر العنف وتعيد إنتاجه.
وتقدم رواية « فرانكشتاين في بغداد » (سعداوي، أحمد، 2014) صورة أدبية حية لواقع العراق بعد الاحتلال الأمريكي، مسلطة الضوء على آثار الإرهاب والفوضى التي اجتاحت المجتمع. يبدأ السرد فيها بحادث انفجار عنيف يعكس المشهد الدموي الذي أصبح سمة يومية للحياة في بغداد. وترسم الرواية خارطة مفصلة لأشكال العنف التي لحقت المدنيين، من التفجيرات العشوائية إلى النزوح القسري، حيث باتوا محاصرين بين خطر الموت المفاجئ وجوع الناهبين الذين يسلبونهم كل ما يملكون. في هذا السياق، تبرُز الرواية برصد التحولات الاجتماعية في ظل تصاعد العنف، مستعرضة ممارسات القتل واستباحة الجسد العراقي، في سياق الاحتلال وتداعياته.
1.2 تمثيلات العنف لسانيا في الرواية
يرتبط العنف في رواية « فرانكشتاين في بغداد » بمفاصل الحياة اليومية في مظاهرها المختلفة؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ويُجسَّد لغويا بعدة طرق عبر عدة جوانب، منها :
استخدام الألفاظ العنيفة والواقعية : يوظف سعداوي تعبيرات صريحة تعكس العنف الجسدي والنفسي الذي تعاني منه بغداد؛ فالكلمات تنقل بوضوح حالة الفوضى والاضطراب فيها.
السرد الوصفي التفصيلي للمشاهد العنيفة : تتضمن الرواية مشاهد وصفية تفصيلية للعنف المحيط بالشخصيات بمظاهر متنوعة توضح بشاعته وتأثيره العميق على الشخصيات والمجتمع. ومنه وصف الجثث المتناثرة في الشوارع والهجمات الانتحارية.
الحوار بين الشخصيات : يجسد حوار الشخصيات التوتر والعنف الكامن في العلاقات الاجتماعية. إذ يُدار مشحونا بالتهديدات والشتائم واللوم المتبادل وبطريقة تعكس الخوف والقلق وانعدام الثقة بين الناس.
التلميحات السياسية والاجتماعية : ينعكس العنف السياسي والاجتماعي عبر الرموز والتلميحات؛ إذ تمثل شخصية « الشسمة » أو « فرانكشتاين » صورة مجازية للمجتمع العراقي بعد الاحتلال. هذا الكائن العجائبي الذي جمّعه هادي العتّاك من أشلاء ضحايا التفجيرات، مع أنه لا يطابق مفهوم الجثة الواحدة، (سعداوي، 2014، 96) يجسد واقعا متفككا أُعيد تشكيله قسرا تحت وطأة العنف. ويعكس هذا البناء السردي بلدا أنهكته الصراعات، حيث تمثل الجثة مجتمعا ممزقا يسعى للملمة ذاته وسط الفوضى.
الرمزية والاستعارات اللغوية : تعتمد الرواية على الاستعارات لترسيخ دلالات العنف في بنيتها السردية، حيث يجسد جسد « فرانكشتاين »، المكوّن من أشلاء القتلى، دورة عنف مستمرة متجذرة في نسيج المجتمع. وكل قطعة منه تحمل تاريخا من المعاناة، مما يجعله تجسيدا مأساويا لتداخل مصائر الضحايا. ولا يقتصر « الموت » على معناه الحرفي، بل يمتد ليشمل الدمار النفسي والاجتماعي والثقافي، مظهرا خرابا يتجاوز الأجساد ليمتد إلى الهوية والانتماء.
وتتمثل نتيجة ذلك في أثر العنف في الهوية الشخصية والجماعية؛ فالشخصيات تعاني اضطرابات نفسية عميقة ينشأ عنها تغير سلوكاتها وتفاعلاتها، وينكمش الإحساس بالهوية الوطنية والدينية التي تتعرض للضغط والانهيار تحت وطأة العنف.
2.2. تمثيلات العنف بين الأصل والترجمة : دراسة تطبيقية
يرتكز القسم التطبيقي على مقابلة مقاطع مختارة من النص العربي بترجمتها الإنجليزية، مع تحليل مستويات المعجم والتركيب والصورة الثقافية والتأثير التداولي. ولا تُقرأ الاختلافات بوصفها « أخطاء » آلية، بل بوصفها انزياحات دلالية وثقافية قد تغيّر درجة العنف أو شكل تلقيه.
تتطلب دراسة إعادة إنتاج العنف في النسخة المترجمة من الرواية (Saadawi, 2018)) فحصا دقيقا لأساليب نقل التعبيرات اللغوية والصور الفنية المجسّدة للعنف من النص الأصلي إلى الترجمة، مع مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي والتأثير النفسي للنص المصدر. وقد اعتمدنا منهجية تحليلية ترتكز على الخطوات التالية :
-
اختيار مشاهد محددة من الرواية تتضمن توصيفا للعنف.
-
تحليل الأساليب اللغوية والسردية المستخدمة في النص العربي لوصف هذه المشاهد.
-
إجراء مقارنة دقيقة بين النص العربي والترجمة الإنجليزية للمقاطع المختارة.
-
دراسة الاختلافات في الألفاظ والتراكيب اللغوية بين النسختين وتأثيرها على المعنى والدلالة.
-
تقييم أثر الترجمة على تجربة القارئ وفهمه للمشهد العنيف في النص الهدف.
يساعد هذا التحليل في تحديد مدى قدرة الترجمة على الحفاظ على البعد الدلالي والتأثيري للعنف كما ورد في النص الأصلي، وما إذا كانت التعديلات اللغوية والثقافية قد أثرت على تمثيله في النسخة المترجمة.
3.2. تحليل معجمي وأسلوبي ودلالي لتمثيلات العنف في الرواية وترجمتها
المقطع الأول : النص المصدر : « كان المكان هادئا، فحفلة الموت قد انتهت منذ ساعات طويلة. لكن آثارها ظلت واضحة للعيان... شاهد بقع دم وبقايا شعر من فروة رأس على العمود، كانت البقايا البشرية تبعد بضعة أشبار عن أنفه وشاربه الأبيض فداهمه شيء من الخوف. (سعداوي، 2014، 14) »
Target text : « The street was quiet. The slaughter had ended several hours ago, but the destruction was still clearly visible. It might have been the neighborhood’s biggest explosion…There was blood and hair on the pole, mere inches from his nose and his thick white mustache. He felt a tremor of fear. (Saadawi, 2018, 14-15) »
تعكس الترجمة الإنجليزية المعنى العام للنص العربي، لكنها تتضمن تغييرات معجمية وأسلوبية قد تؤثر على تأثيره الأصلي.
المعجم : ترجم تعبير « حفلة الموت » تُرجم إلى « the slaughter »، وهي ترجمة دقيقة جزئيا لكنها تحوّل المعنى من تصوير مجازي قوي في العربية إلى تعبير أكثر مباشرة. وبتحويل تعبير : « آثارها ظلت واضحة للعيان » إلى « the destruction was still clearly visible »، ركزت الترجمة على الدمار المادي بدلا من الأثر العام للحادثة. كما اختُصِر تعبير « بقايا شعر من فروة رأس » إلى « hair on the pole »، مما يفقد النص بعضا من دقته.
الأسلوب : البنية السردية للعبارة الأولى مؤثرة جدا، بينما جعلت الترجمة الجمل أكثر استقلالية وأقل اتساقا وانسجاما، وأكثر اختصارا بسبب حذف بعض العناصر الأسلوبية التأملية.
الدلالة والتأثير : يستبطن النص العربي نبرة درامية بتصعيد تدريجي للخوف، بينما تخففه الترجمة. أما تعبير « داهمه شيء من الخوف » في الترجمة مناسب لكنه أقل حدة، إذ يفتقد إيحاءات المباغتة والشدة التي يحملها الفعل العربي.
المقطع الثاني : النص المصدر : « كان هادي يراقب المشهد بعد همود الصوت وارتفاع غيمة الدخان الكبيرة التي ولدها الانفجار وبقاء خيوط دخانية ترتفع من السيارات مع ألسنة اللهب وتناثر أجزاء صغيرة محترقة... كان هناك جرحى يئنون، والكثير من الأجساد النائمة أو المتحاضنة والمكومة فوق بعضها على الرصيف وقد تغطت بمزيج من اللونين الأحمر والأسود (سعداوي، 2014، 28-29)«
Target text : « Hadi was watching the scene after the commotion had died down and the big cloud of smoke had lifted. Trails of black smoke continued to rise from the cars, and flames licked small burning objects scattered on the pavement. Injured people were groaning and bodies were lying in heaps on the asphalt, covered in blood and singed black by the heat. (Saadawi, 2018, 25) »
الألفاظ والتعابير : تجسد العنف لغويا بصورته الحادة والمباشرة في النص بالعربية بتوظيفِ معجم تصويري مكثف مثل « الأشلاء المتناثرة »، « الدماء »، « الصراخ والبكاء »، و« بقايا الأجساد المتحاضنة » ووصفٍ تفصيليٍّ يعكس وحشية المشهد بصورة قوية.
يلاحظ التماثل في استخدام الألفاظ والتعابير في النصين المصدر والهدف، مما يشير إلى أن الترجمة حافظت على التعابير ذاتها تقريبا لنقل مظاهر العنف مثل « Injured »، و« groaning and bodies were lying » لكنها تعبيرات أكثر حيادية وأقل درامية تخفِّف الشحنة العاطفية وتجعل الوصف أكثر حيادية. واختيار « small burning objects scattered » بدلا من « تناثر أجزاء صغيرة محترقة »، و« flames » بدلا من « ألسنة اللهب » يُغيِّب الطابع التصويري مما قد يقلل وقع العنف الحسي.
ينقل الإيقاع الثقيل والمؤثر في النص المصدر طابعا مأساويا. بينما النص الإنجليزي أكثر إخبارية ومباشرة؛ فترتيب الجملة يختلف، مما يجعل السرد أكثر سلاسة للقارئ الإنجليزي. والوصف أكثر تكثيفا وأقل انفعالية. كما استبدلت بعض الصور البلاغية بتعبيرات مباشرة. وبذلك فالترجمة تحافظ على جوهر المعنى ومشهدية العنف، لكنها تفقد بعض القوة الدلالية التي يحملها الأسلوب العربي المكثف، مما قد يضعف التأثير العاطفي والواقعي عينهما للمتلقي الهدف.
4.2 المستوى التركيبي وإنتاج أثر العنف
يجسد المستوى التركيبي للعبارات العنف داخل الرواية بتوظيف الجمل القصيرة والمجزأة لتعزيز الفوضى، والجمل المعقدة والمركبة لخلق صورة شاملة ومعقدة للمشاهد، والبناء المتسق للتعبير عن تتابع الأحداث، والجمل الوصفية الطويلة لإضفاء بعد بصري وتفصيلي للمشهد. وتسهم هذه الاستراتيجيات التركيبية في نقل مشاعر العنف والتوتر للقارئ بشكل فعال.
ولفهم كيف تعيد الجمل تركيبيا إنتاج العنف في الرواية وتجسيده عبر الترجمة، نعمد إلى تحليل بنية الجمل وطبيعة تركيبها في النص المصدر ومقارنتها بالنص الهدف.
1.4.2. تركيب الجمل البسيطة مقابل المعقدة
المقطع الثالث : النص المصدر : « رأى هذه الوسادة مغطاة بلعاب كثير وببقع دم يابس من جروح رأسه. كان يظن أنها سكرة قوية، ولكنه تذكر سريعا انفجار مساء البارحة، ثم تذكر الجثة تحت المسقفة. (سعداوي، 2014، 41) »
Target text : « When Hadi lifted his head, he saw that the pillow was covered with saliva and spots of dried blood. At first he thought he must have been very drunk, but then he remembered the explosion. And then the body in the shed. (Saadawi, 2018, 35) »
حافظت الترجمة على التركيب البسيط للجمل، مما يضمن بقاء التأثير الحاد والسريع ذاته. وتُوحي طبيعة التراكيب البسيطة المترابطة في النص المصدر بتدفق سردي طبيعي يعزز حدة العنف واستفحاله، فيجعل المتلقي يشعر بالتوتر والضغط النفسي. بينما تبدو الجمل في الترجمة الإنجليزية، وإن كانت بسيطة أيضا، أكثر اختزالا؛ إذ حذفت بعض التفاصيل مثل « جروح رأسه » التي تحولت إلى « spots of dried blood » دون الإشارة إلى موضع الجروح.
بخصوص مدى نقل العنف؛ ثمة توتر واضح في الجملة الأولى بالعربية، حيث توصف الوسادة بوجود « لعاب كثير » و« بقع دم يابس »، مما يضفي إحساسا بالقذارة والمعاناة، بينما الوصف في التعبير الهدف أقل تأثيرا، لأن « covered with » قد لا تنقل الدرجة نفسها من الإحساس بالقرف الذي تحمله الصياغة العربية. كما حذفت بعض التفاصيل؛ إذ لم تترجم العبارة : « كان يظن أنها سكرة قوية » كليا، بل اختُزِلت إلى « he must have been very drunk »، فأصبح النص أكثر مباشرة تغيب فيها بعض الإيحاءات المتعلقة بالصدمة والغموض. وتُظهر الفقرة الأصلية تسلسلا واضحا بين السُكر والانفجار والجثة، بينما تضعف الترجمة هذا الترابط لعدم احتفاظها بالتركيب السردي ذاته.
2.4.2. تحقق الوصف عبر الجمل المركبة
المقطع الرابع : النص المصدر : « وقف أمام جثث الشحاذين الأربعة المتجمدين في وضعية الجلوس داخل الزقاق... أي رعب هذا مع بداية النهار. من الذين قتل هؤلاء الشحاذين..؟ كانوا جالسين على شكل مربع، يمسك كل واحد منهم بعنق الذي أمامه، وكأن الأمر يتعلق بلوحة ما أو شكل من أشكال العروض المسرحية. ملابسهم قذرة وممزقة من كثرة الاستخدام، ورؤوسهم تتدلى إلى الأمام. (سعداوي، 2014، 80)«
Target text : « Nearby sat the bodies of four beggars who had been found sitting upright in the lane... What a terrible start to the day. Who had killed these poor beggars ? Each of the beggars had his hands around the neck of the man in front of him. It looked like some weird tableau or theatrical scene. Their clothes were dirty and tattered, and their heads hung forward(Saadawi, 2018, 64) »
تؤكد مقارنة المقطعين على تأثير التراكيب النحوية في التعبير على العنف والتوتر والشدة المعاناة. يوظف النص العربي تراكيب معقدة تربط بين الأفكار باستخدام أسلوب السرد المتصل. إذ يعزز استخدام الجمل المتتابعة الشعور بالاستمرارية والتصاعد والعنف. ولم ينقل النص الهدف تتابع العنف وتصاعد الشعور بقوته ذاتها، إذ فُصل وصف المشهد عن رد الفعل العاطفي، مما جعل الترجمة أكثر تفكيكا وأضعف تماسك الصورة السردية.
العبارة الواصفة لطريقة جلوس الشحاذين تولد إحساسا بالصورة الحية والمشهد البصري المكثف. أما الترجمة الإنجليزية فبالرغم من نقلها المعنى، فإن وصف « شكل المربع » لم يُرحَّل، مما قد يؤثر على دقة الصورة المرسومة للقارئ الإنجليزي ويخفف من التأثير الدرامي للوصف. ويتضح ذلك أيضا في تحويل الجمل الوصفية الطويلة إلى جمل أقصر في الجملة العربية الأخيرة التي تصف ملابس الشحاذين، والتي تتضمن وصفا دقيقا مرتبطا بالحالة الفيزيائية للشحاذين. بينما في الترجمة الإنجليزية، رغم دقتها، يقلص استخدام « dirty and tattered »التفصيل الموجود في العربية كالإشارة إلى « كثرة الاستخدام » غير مباشرة. وبذلك تميل الترجمة إلى تفكيك الجمل المركبة في النص العربي إلى جمل أقصر، مما قد يقلل من الترابط السردي وتأثير الوصف القوي في بعض المواضع. كما بُسِّطت بعض التفاصيل الدقيقة أو اُغفِلت، مما قد يؤثر على تجربة القارئ في تلقي الصورة الدرامية الكاملة للنص الأصلي.
3. أبعاد الترجمة الدلالية والثقافية في رواية « فرانكشتاين في بغداد »
يؤسس بيتر نيومارك نظريته في الترجمة من منطلق اعتبار الفعل الترجمي جزءا لا يتجزأ من العملية التواصلية، مستندا في ذلك إلى إطار مفهومي حديث يُشكِّل الأساس لتحديد طبيعة الترجمة التواصلية والترجمة الدلالية.
الترجمة التواصلية تهدف إلى إحداث التأثير ذاته لدى متلقي النص المترجم كما هو الحال مع متلقي النص المصدر، عبر نقل المعنى في سياقه بشكل دقيق، مع مراعاة وضوح الأسلوب وسلاسة التعبير لضمان القبول والفهم لدى المتلقي.
الترجمة الدلالية تركز على تقديم المعنى بدقة وفقا للبنية الدلالية والتركيبية للنص المصدر، مع السعي للحفاظ على بنيته الأصلية قدر الإمكان. (Newmark, 1981, 39)
ومن أبرز التحديات التي تواجه الترجمة الأدبية نقلُ الألفاظ الثقافية الحاملة معاني ودلالات عميقة خاصة في الثقافة العربية. في « فرانكشتاين في بغداد »، تكشف أمثلة عديدة صعوبة نقل الألفاظ الثقافية المرتبطة بالعنف إلى الإنجليزية، حيث قد تفقد الترجمة أبعادها الثقافية أو العاطفية القوية في النص العربي.
1.3. المعجم الثقافي وطبيعة الألفاظ الموظفة
1.1.3. الملجأ Shelter
المقطع الخامس : النص المصدر : « كان الملجأ مزدحما، والناس متكدسون في زواياه، يهربون من جحيم القصف والدمار (سعداوي، 2014، 132). »
Target text : « I was looking for shelter from this torment, in a world where people feared it might collapse. (Saadawi, 2018, 108) »
ترد كلمة « الملجأ » مفردة أو جمعا في وصف أماكن يلوذ بها الناس هربا من العنف، لكنها تتجاوز المعنى المادي للمأوى في اللغة العربية، إذ تمثل أيضا ملاذا نفسيا وروحيا في ظل الفوضى والعنف. وترجمتها بـ « shelter » قد تفقد هذا المعنى العميق الذي يرتبط بالعلاقة بين الأمان الداخلي والخارجي في الثقافة العربية.
2.1.3. الغرابة والغربة Strangeness
المقطع السادس : النص المصدر : « ها هو يترك المدينة التي لم يعد يعرفها، وباتت تتغرب وتتنكر له. أصبح غريبا فيها بعد ثلاثة وعشرين عاما قضاها هنا. (سعداوي، 2014، 270) »
Target text : « having washed his hands of Baghdad, a city he no longer recognized. After twenty-three years, the city had abandoned him, becoming a place of murder and gratuitous violence.) Saadawi, 2018, 198) »
لا تقتصر لفظة « الغربة » في الثقافة العربية على البعد الجسدي، بل تشمل الاغتراب الثقافي والروحي، حيث يفقد الفرد شعوره بالانتماء والاندماج رغم إقامته في المكان. وفي الترجمة الإنجليزية يصعب نقل هذه الأبعاد العميقة؛ إذ لم تُنقل دلالة « غريب » بدقة، بل تحولت إلى « تخلي المدينة عنه »، مما غيّر إحساس الشخصية بالمكان. كذلك، لم يُترجم تعبير « تتنكر له » مباشرة، مما أفقد النص بعض أبعاده الشعورية. ومع ذلك، عوّض المترجم ذلك بإضافة « place of murder and gratuitous violence » لتعزيز الشعور بالاضطراب في المدينة، لكنه تأويل وليس ترجمة دقيقة.
3.1.3. التدمير والخراب Destruction / Ruin
المقطع السادس : النص المصدر : « شاهد الساحة فارغة، وحفرة غير عميقة بقطر مترين، وبسطات وعربات متفحمة. تخيل حينها حجم الانفجار الذي حصل وما خلفه من دمار وضحايا. (سعداوي، 2014، 50) »
Target text : « The square was deserted, and he imagined how big the explosion had been and how much death and destruction it had wrought.) Saadawi, 2018, 41) »
يلاحظ من مقارنة المقطعين تخفيف حدة الوصف : ففي النص المصدر، الصورة أكثر وضوحا ورعبا بسبب استخدام تفاصيل محددة مثل « حفرة غير عميقة »، و« بسطات وعربات متفحمة » التي تعطي انطباعا بصريا قويا عن آثار الانفجار. وقد غُيِّبت هذه التفاصيل في الترجمة، واختُزِل المشهد في فكرة عامة عن « حجم الانفجار » و« الدمار والموت »، مما قد يخفف من الأثر العاطفي والمشهدي للعنف.
تشير « الدمار » في النص العربي إلى دورة الخراب المادي (كالحفرة والعربات المتفحمة) وإلى الانهيار النفسي والاجتماعي الشامل في سياقات أخرى. وقد استخدمت كلمة « destruction » بديلا، وهي وإن كانت صحيحة لغويا فإنها لا تنقل الحدة ذاتها التي قد تحملها كلمة مثل « devastation » الأقرب إلى الإحساس بالخراب الشامل. كما أن الترجمة اعتمدت على تجريد المفهوم إلى تأثير عام، مما قد يقلل من قوة المشهد ويفقده البعد الرمزي العميق.
4.1.3. الموت المؤجل Postponed Death
المقطع السابع : النص المصدر : « الناس البسطاء ماتوا بسبب خوفهم من الموت. كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه …هذا جند نفسه وصنع ميليشيات لحماية نفسه من القاعدة. صنع آلة موت مضادة بسبب الخوف من الآخر. وسنشهد موتا وأكثر بسبب الخوف. على الحكومة وقوات الاحتلال أن تقضي على الخوف. تلقي القبض عليه، إذا أرادوا حقا أن ينتهي مسلسل الموت هذا. (سعداوي، 2014، 137)«
Target text : « The people on the bridge died because they were frightened of dying…It has created a death machine working in the other direction because it’s afraid of the other. And we’re going to see more and more death because of fear. The government and the occupation forces have to eliminate fear. They must put a stop to it if they really want this cycle of killing to end.) Saadawi, 2018, 108) »
يحيل « الموت المؤجل » في الأدب العربي إلى حالة القلق المستمر والانتظار الأكثر قسوة من الموت الفعلي نفسه. وقد لا تكون هذه الفكرة واضحة تماما في الترجمة؛ إذ تفتقر إلى الأبعاد النفسية والوجودية التي تحملها في الثقافة العربية.
ترحيل دلالات الرموز الموظفة : تعتمد رواية فرانكشتاين في بغداد على خلفية ثقافية ودينية غنية تتشابك مع أحداثها وشخصياتها. فالعديد من الرموز والقصص الشعبية الواردة فيها قد لا يفهمها بالطريقة نفسها المتلقي الهدف، بسبب التباين الثقافي واللغوي. وقد لا يتفاعل مع البعد الدلالي لهذه الرموز بالقوة الشعورية ذاتها.
2.3. ترحيل دلالات الرموز الموظفة
مفهوم « الجثّة المتعددة » أو « الشسمة » « The Whatsitsname » : يُشكَّل من بقايا جثث ضحايا الانفجارات والعنف في بغداد. ويرمز إلى المعاناة الجمعية للشعب العراقي. كما يرد في التداول اليومي بدلالات المجهول الذي لا اسم له أو لسد الثغرة في الكلام عند جهل المتحدث عنه. وبالتالي فهذا المفهوم تعبير عن معاناة العراق : الكيان الممزق الذي يعيد تشكيل نفسه باستمرار، لكنه يظل غارقا في دوامة العنف.
وقد ترتبط عند القارئ العراقي، الشخصية ضمنيا بفكرة يوم القيامة والبعث بعد الموت في الإسلام، وكذلك بفكرة « الثأر الجماعي ». لكن المتلقي الهدف قد يراها ببساطة وحشا دون إدراك الأبعاد الروحية والاجتماعية.
تشير الرواية إلى دور « الشهداء » في المجتمع العراقي، وتحمل الكلمة في العربية البُعدَيْن الديني والسياسي، إذ تدل على التضحية في سبيل الله والوطن. وقد يلتبس معناها على المتلقي الهدف، مما يؤثر على فهمه لدور الضحايا في السرد. وقد تُرجمت إلى « martyr » في الإنجليزية. (Saadawi, 2018,15-21-62-75) ومع ورودها في الديانة المسيحية واليهودية، فإن نقلها لا يحمل جميع الأبعاد الثقافية والدينية المرتبطة بأصلها في الإسلام. مما يستدعي التفكير في الخيارات المتاحة وتأثيرها على فهم المتلقي الهدف.
تؤكد بيكر أن ترجمة هذه المصطلحات تشكل تحديا، إذ تتطلب فهما دقيقا لسياقها الثقافي والديني في اللغة المصدر، واختيار مقابل مناسب في اللغة الهدف، مع الوعي بتأثيرات الاختيار الإيديولوجية. (Baker, 2006, 66) وفي هذا السياق تشير أيضا إلى أن تحليل التكافؤ يتحقق على سلسلة من المستويات؛ مستوى الكلمة ومستوى فوق الكلمة ومستوى النحو ومستوى البنية الموضوعية ومستوى التداول، أي الطريقة التي تستعمل بها الألفاظ في مواقف تواصلية. (Baker, 1992, 217) وبذلك قد يواجه المترجم خيارين متعارضين : الالتزام بالنص الأصلي بكل عنفه اللفظي ورمزيته، مما قد يثير انتقادات أخلاقية، أو تلطيفه، مما قد يشوه واقعه. في هذا السياق، يمكن توظيف استراتيجيات فيناي وداربلنيه1، مثل التكييف والتعديل والتحويل، والتي تستند أساسا إلى التأويل المرتبط بالسياق.
وقد أدى التركيز على التأويل في تحليل الترجمة إلى نقلة جوهرية في نظريتها، مما جعلها أكثر تفاعلا مع تطورات المعرفة. ولم تعد مجرد نقل لغوي بل عملية حيوية تتقاطع مع استراتيجيات القراءة والتأويل التي طورها هانس روبير ياوس Hans Robert Jauss وفولفغانغ إيزر Wolfgang Iser فالمترجم، بوصفه متلقيا نشطا، يؤدي دورا محوريا في إعادة بناء المعنى، منتبها للعلاقة الجدلية بين النص الأصلي وتأويلاته المتعددة عبر الزمن (الكدية، 1995، 58).
وسواء تبنى المترجم مقاربة تفاعلية مع النص على غرار إيزر، أو سعى إلى تأويله وفق منظور القارئ كما عند ياوس، فإن كلا الاتجاهين يفتحان أفقا جديدا أمام نظرية الترجمة، مما يعزز انسجامها مع التطورات المعرفية الحديثة كنظرية التلقي وتحليل الخطاب. وبهذا المعنى، لا تقتصر الترجمة على نقل مباشر من لغة إلى أخرى، بل يمكن اعتبارها فعل قراءة نشط، يربط بين النصين المصدر والهدف عبر تحليل معمّق. ومن خلال هذا المنظور، يكتسب المترجم دورا حيويا لا يقل أهمية عن دور الكاتب أو المبدع، حيث يصبح فاعلا رئيسيا في إعادة إنتاج النص وإثرائه دلاليا (فولفغانغ، د. ت، 33-36).
إشارة الرواية إلى الاعتقاد العربي بالعدالة الإلهية، خاصة من خلال فكرة « دعوة المظلوم »، التي يُعتقد أنها مستجابة بلا حجاب. يجسد هذا المفهوم العدالة الغيبية المتحققة عبر قوة خارقة، وهو راسخ في الثقافة الإسلامية والعربية. لكن هذا الاعتقاد غير وارد في الثقافة الغربية التي تتداول مفاهيم العدالة ضمن أطر قانونية ولاهوتية مختلفة، لا تمنح « دعوة المظلوم » الحمولة التداولية نفسها.
3.3. القصص الشعبية والمرجعيات الغيبية
1.3.3. الحكايات العراقية عن الجن والأشباح والكائنات الخارقة
الشسمة يجسد بطريقة ما أسطورة « الجنّ » أو الكائنات الغيبية التي يُعتقد في الثقافة الشعبية أنها تعاقب الظالمين. وقد يتداخل في رمزية « الشسمة » عند القارئ العربي البعد الأسطوري والميتافيزيقي، بينما قد يفسره المتلقي الغربي فقط في سياق الرعب التقليدي، دون إدراك أبعاده الدينية أو الغيبية، مما يجعله مجرد استعارة فنية أو شبيها بشخصيات الرعب الغربية.
ومعنى هذا أن هذه الأساطير تمتزج في الثقافة العربية، بالتراث الشعبي والديني2، مما يمنحها تأثيرا عميقا في المخيال الجمعي، بينما تُتلقّى غالبا في الثقافة الغربية الحديثة بوصفها إرثا أدبيا أو فلسفيا لا واقعا اعتقاديا مباشرا. ويفسر من منظور رمزي أو نفسي، وأداة لتحليل الواقع أو نقده أو التعبير عن الصراع بين الخير والشر، دون أن يكون لها بعد ميتافيزيقي مؤثر في الحياة اليومية.
إن أغلب الأساطير الغربية مستمد من الميثولوجيا اليونانية والرومانية، حيث يكون أبطالها آلهة أو أنصاف آلهة، مما يجعلها أقرب إلى الفلسفة منها إلى العقيدة. أما أسطورة فرانكشتاين نفسها3، كما وردت في الأدب الغربي، فتُقرأ غالبا رمزا للصراع بين العلم والأخلاق، وليس بوصفها حقيقة محتملة.
والغالب أن تباين التلقي العربي والغربي لهذه المفاهيم مرده غياب السياق الديني المشترك؛ فبينما يرد ذكر الجن في القرآن الكريم، لا تتقاسم الثقافة الغربية الحديثة، في عموم تلقيها العلماني، المرجعية القرآنية التي تجعل الجن جزءا من المتخيل الديني واليومي. لذلك قد يُستقبل هذا العنصر، في أفق القراءة الغربية، بوصفه مكوّنا تخييليا محضا. كما أن تصورات الرعب تختلف بين الثقافتين؛ فالرعب في الروايات الغربية يميل غالبا إلى التفسير النفسي أو العلمي، كما في فرانكشتاين بوصفه مزيجا من العلم والجنون، بينما يتجذر الرعب العربي، في كثير من تمثلاته الشعبية، في الماورائيات والغيبيات.
ولذلك فإن مقاربة نيومارك (Newmark 1988)4 في التمييز بين الترجمة الدلالية Semantic Translation والترجمة التواصلية Communicative Translation يمكن أن تساعد في تخفيف غرابة الألفاظ في الثقافة الهدف. فبالنسبة لمؤشر الثقافة تبقي الترجمة الدلالية تحافظ على ثقافة اللغة المصدر حتى ولو نتج عنها فقدان بعض المعنى، بينما تكيف الترجمة التواصلية النص ليتناسب مع ثقافة اللغة الهدف رغم مراعاتها صيغة اللغة المصدر. ويشير نيومارك إلى أن الترجمة الدلالية تظل وفية للنص المصدر حتى في أخطائه اللغوية وتبالغ في ذلك لدرجة قد تسجل خسارة في المعنى، بينما تميل الترجمة التواصلية إلى تحقيق التقبل لدى القارئ، مما قد يؤدي إلى استيعاب أفضل للمفاهيم الأجنبية.
4.3. التعبيرات اللغوية الثقافية
«1.4.3. المظلومية » و« القصاص »
إن استخدام تعبيرات معينة أو أحداث مستمدة من الصراعات الطائفية يعمق الفهم عند المتلقي العربي عامة والعراقي خاصة، لكنها قد تُترجم بشكل سطحي بالنسبة للمتلقي الهدف.
المقطع الثامن : النص المصدر : « سأقتص، بعون الله والسماء، من كل المجرمين سأنجز العدالة على الأرض أخيرا، ولن يكون هناك من حاجة لانتظار ممض ومؤلم لعدالة تأتي لاحقا؛ في السماء أو بعد الموت..سأحاول، في الأقل، أن أنجز »أمثولة« القصاص. قصاص الأبرياء الذين لا ناصر لهم إلا خلجات أرواحهم الداعية لدفع الموت وإيقافه. (سعداوي، 2014، 157) »
Target text : « With the help of God and of heaven, I will take revenge on all the criminals. I will finally bring about justice on earth, and there will no longer be a need to wait in agony for justice to come, in heaven or after death... I will at least try to set an example of vengeance-the vengeance of the innocent who have no protection other than the tremors of their souls as they pray to ward off death.) Saadawi, 2018, 124) »
تتحدد مشكلة ترجمة هذا المقطع في أن المعنى الروحي العميق لمفهوم « روح المقتول » في الإسلام المرتبط بالدّيْن أي بالقصاص والجزاء، قد يضيع في الترجمة لأنه لا يُقابَل بتصور مماثل في الثقافة الغربية. ولذا فإن تحدي الترجمة هو عدم تفاعل القارئ الغربي مع هذه الرموز بالقوة الشعورية ذاتها التي يستشعرها المتلقي العربي بسبب الفجوات الثقافية؛ الأمر الذي قد يفقد الرواية ثقلها الرمزي والدلالي، وقد يؤدي الفارق في الترجمة إلى فقدان العواطف العنيفة والمعاني الثقافية العميقة.
تحتفظ الترجمة بجزء من المعنى العنيف عبر استعمال « take revenge » (الانتقام) بدلا من « retribution » (القصاص)، غير أن هذا الاختيار ينقل المفهوم من أفق العدالة الشرعية أو القانونية إلى أفق الانفعال الذاتي والرغبة في الثأر؛ ذلك أن كلمة « قصاص » في العربية لا تحيل إلى الانتقام الفردي وحده، بل إلى منظومة جزائية ذات سند ديني وأخلاقي وقانوني.
وقد حافظت الترجمة في التعامل مع مفهوم العدالة على المضمون الأساسي، لكن التعبير عن « انتظار ممض ومؤلم » ترجم إلى « wait in agony » رغم دقته قد يخفف من وقع الألم الذي تعكسه الجملة الأصلية.
ولنقل « أمثولة القصاص » وظف المترجم تعبير « set an example of vengeance » الذي قد يعني تقديم مثال أو نموذج للانتقام؛ وبذلك يغيب ما يختزن التعبير المصدر من بعد ثقافي أقوى، قد يرتبط بالمرويات الدينية والتاريخية حول العدالة. كما اتسم تصوير العنف من خلال مشاعر الضحايا وخلجات أرواحهم بدلالة روحانية وقوة شعائرية، بينما تركز الترجمة أكثر على الاضطراب والخوف، مما قد يضعف البعد العاطفي الذي يحمله النص الأصلي.
حياة البرزخ : يعد الإيمان بحياة البرزخ جزءا من الإيمان باليوم الآخر؛ لأنّه أول عتباته؛ ولا يكتمل الإيمان باليوم الآخر إلا بالتصديق بما يسبق القيامة الكبرى، أي البعث والنشور، والتي توافرت الأدلّة الصحيحة الصريحة عليها. ويعتقد المسلمون أن البرزخ هو عالم وسطي يتم فيه اختبار الأرواح، حيث تنعم أرواح الصالحين في « روضة من رياض الجنة »، بينما تعاني أرواح العصاة في « حفرة من حفر النار ».
أما في الفكر المسيحي والغربي، فلا يوجد مفهوم مطابق تماما للبرزخ بالمعنى الإسلامي، وإن وجدت مفاهيم قريبة جزئيا، مثل « المطهر » (Purgatory) في التقليد الكاثوليكي، حيث تُطهَّر الأرواح قبل دخول الجنة، أو « العالم السفلي » (Underworld)، أو « الليمبو » (Limbo) في بعض التصورات اللاهوتية. وقد اختار المترجم لفظ « limbo »، وهو اختيار مفهوم من زاوية التقريب الثقافي، لكنه لا يستوعب الحمولة العقدية الكاملة لمفهوم « البرزخ ». وقد أشير إلى هذا المفهوم في الرواية، ومنه :
المقطع التاسع : النص المصدر : « ... فأين هو جسده الذي ينبغي أن يعود إليه كي يغدو ساكنا طبيعيا من سكان عالم البرزخ؟ (سعداوي، 2014، 44) »
Target text : « Where was the body to which it should return in order to take its place among those who live in a state of limbo ? (Saadawi, 2018, 37) »
وفقا لمبدأي « الحتمية اللغوية » و« النسبية اللغوية »، ليس العالم كيانا موحدا بل منظومات إدراكية مختلفة تتشكل عبر اللغات المتعددة. وفي سياق فرانكشتاين في بغداد، تحمل اللغة العربية دلالات ثقافية للعنف قد لا تكون بالحدة ذاتها في الإنجليزية، مما يجعل عملية الترجمة أكثر تعقيدا. فعلى سبيل المثال، لمفاهيم مثل « القصاص » و« الشهادة » في الثقافة العربية أبعاد تاريخية ودينية وسياسية لا تمتلك مكافئا مباشرا لها في الإنجليزية، ما يطرح تحديات في كيفية نقل هذا العنف الرمزي في الترجمة.
وتعكس هذه الصعوبة ما تطرحه « فرضية سابير وورف »، التي تربط بين اللغة والإدراك، مما يجعل ترجمة العنف تحديا مزدوجا : لا يقتصر فقط على نقل المفاهيم الدلالية، بل يشمل أيضا إعادة تشكيل التصورات الثقافية بين اللغات.
إذن هذه التحديات الثقافية في ترجمة العنف، أو النسبية الثقافية واستحالة النقل الكامل في سياق اختلاف التصورات بين الثقافتين العربية والإنجليزية، تجد تفسيرها في النظرية السوسيوثقافية5. إذ تفترض أن المعنى مرتبط بالسياق الثقافي، وأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل انعكاسا للثقافة ذاتها، والترجمة وسيلة لنقلها. وعليه، فإن اختلاف الرؤى الثقافية بين العربية والإنجليزية يؤدي إلى صعوبات جوهرية في نقل المفاهيم والتجارب البشرية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بترجمة نصوص حمّالة بدلالات ثقافية عميقة، كالنصوص التي تتناول العنف والتجارب التاريخية والاجتماعية.
2.4.3. التلقي والتأويل ومشهدية العنف
المقطع العاشر : النص المصدر أ- « شاهد بقع دم وبقايا شعر من فروة رأس على العمود، كانت البقایا البشریة تبعد بضعة أشبار عن أنفه وشاربه الأبیض فداهمه بشيء من الخوف.)سعداوي، 2014، (14 »
« ب- ضربات قلبه تزداد بسرعة وتجاهل الآلام التي تصل في عظامه، دخل في مرحلة من الرعب، فأين يا ترى ذهبت الجثة. توقف في منتصف الحوش خائفا ومضطربا... (نفسه، 42) »
Target text : a- « There was blood and hair on the pole, mere inches from his nose and his thick white mustache… He felt a tremor of fear. (Saadawi, 2018, 15-16) »
b- « His heart was beating faster and faster, and he forgot about the pains that racked his bones. Where on earth had the corpse gone ? He stopped in the middle of the courtyard, afraid and confused. (Saadawi, 2018, 35) »
تركز العبارة في النص العربي على الأحاسيس النفسية العميقة المتعلقة بالهلع والفزع الناتج عن العنف والدمار. هذه الأحاسيس قد لا تكون شفافة في النص الإنجليزي لأن الترجمة لا تعكس تماما السياق النفسي الثقافي الذي يعانيه العراقيون في ظل الحروب.
3.4.3.مقارنة في وصف الدمار العام
المقطع الحادي عشر : النص المصدر : « كان الوقت عدوي، فهو لا يكفي لإنجاز المهمة. وبت آمل أن ينتهي القتل هناك في الشوارع، حتى ينتهي »إنتاج » الضحايا، وأنتهي أنا بدوري ذائبا في مكاني. لكن القتل كان في بدايته. هذا على الأقل ما كان يبدو لي من خلال الشرفات المفتوحة الخالية من الزجاج في العمارة التي أقيم فيها. حتى أني في بعض الأحيان حين أخرج أمر على أجساد قتلى عديدين مطروحين في الأزقة كأنهم نفاية. (سعداوي، 2014. 168-169«
Target text : « Time was my enemy, because there was never enough of it to accomplish my mission, and I started hoping that the killing in the streets would stop, cutting off my supply of victims and allowing me to melt away. »But the killing had only begun. At least that’s how it seemed from the balconies in the building I was living in, as dead bodies littered the streets like rubbish. (Saadawi, 2018, 132) »
الترجمة هنا دقيقة وتعكس الفكرة الأصلية بشكل جيد، وتنقل الجو العام للعنف، حيث احتُفِظ بالاستعارة المتعلقة بالوقت عدوا، وهي فكرة ذات صلة قوية بالسياق العنيف في النص.
بحسب نظرية التلقي والتأويل عند ياوس وإيزر، يعتمد فهم القارئ للنص على خلفيته الثقافية وتوقعاته. مما يطرح تحديا إضافيا عند ترجمة الدمار العام ومظاهر العنف المختلفة. فلا يكفي توخي الدقة اللغوية في الترجمة، بل ينبغي مراعاة الفجوات الإدراكية بين الثقافات وكذا التركيبة النفسية للمتلقي الهدف. في رواية سعداوي، لا يحدث العنف جسديا فقط، بل هو حالة اجتماعية ونفسية وسياسية مرتبطة بسياق تاريخي خاص. وهنا تبرز إشكالية الترجمة : أينبغي نقل العنف كما هو رغم غياب الألفة معه عند المتلقي الغربي؟ أم ينبغي إعادة صياغته لينسجم أكثر مع الثقافة الهدف؟ تعكس هذه التساؤلات صعوبة تحقيق التوازن بين الأمانة للنص المصدر والتأثير المتوقع في النص الهدف. ومن ذلك الصعوبات التي تطرح في المقطع السابق. في تصوير استمرار العنف : نلاحظ اختلافا دلاليا طفيفا في ترجمة بعض التعابير؛ حيث يعكس « إنتاج الضحايا » في النص العربي تصورا أكثر ميكانيكية للعنف وكأنه عملية تصنيع مستمرة، بينما وظفت الترجمة « cutting off my supply of victims »، وهو فرق دلالي مهم بين النصين لا ينقل التعبير عن التهديد النفسي والمعاناة الاجتماعية بسبب الفقدان والدمار.
وفي تشبيه الجثث بالنفايات، تبدو الترجمة دقيقة إلى حد كبير وتحافظ على الصورة العنيفة للجثث التي هي عبارة عن جزء من مشهد الخراب، غير أن كلمة« littered » قد توحي بعشوائية أكثر من التشبيه المباشر بـ« النفاية » كما في النص المصدر، مما قد يخفف من وقع المشهد العنيف. أما ترجمة « كأنهم نفاية » بـ« like rubbish » فتحقق دلالة مماثلة لكنها قد تبدو أخف وقعا في اللغة الإنجليزية، حيث قد يُفهم « rubbish » على أنه مجرد فضلات وليس بالضرورة شيئا تُعُمِّد التخلص منه بعنف. والحال أنه يمكن تعديلها دلاليا بتعبير من قبيل : « discarded like worthless trash » لتعزيز الدلالة السلبية القوية التي يحملها النص العربي.
وبصفة عامة لم تحافظ الترجمة على البنية التركيبية العربية تامة، إذ أعيد صياغة بعض العناصر البلاغية مثل التشبيه والاستعارة بأسلوب يناسب اللغة الإنجليزية لكن بتأثير دلالي قد يكون مختلفا قليلا.
4. التحليل النقدي للخطاب في ترجمة العنف : مقاربة مقارنة
ينقل هذا القسم التحليل من مستوى المقارنة اللغوية إلى مستوى البنى الخطابية التي تجعل العنف قابلا للتسمية والتصنيف والتداول. فاختيار مفردة بعينها، أو تخفيف صورة، أو إعادة تأطير مفهوم طائفي أو جندري، ليس إجراء لغويا محضا، بل جزء من سياسة تمثيل تؤثر في بناء المعنى لدى المتلقي الهدف.
سبق للفلاسفة -ومنهم الفلاسفة الألمان كجورج فيلهلم فريدريش هيجل (G. W. F. Hegel) أن بحثوا في الارتباط الوثيق بين العنف والسلطة، على افتراض أن لا سلطة دون عنف، وأن العنف قوة داعمة للسلطة حين يكون الضعيف تحت إرادة سلطة الأقوى. ويربط هيجل العنف بمفهوم الجدل الديالكتيكي، حيث يكون العنف ضروريا أحيانا لتحقيق التقدم التاريخي، لأنه يعكس الصراعَ بين السيد والعبد6، واستخدامَه أداة لفرض الهيمنة. لكنه في الوقت نفسه يولِّد وعيا جديدا يؤدي إلى التحرر. وفي طرحه لهذا المفهوم يستعرض هيجل الصراع من أجل الاعتراف، حيث يدخل فردان في مواجهة قد تصل إلى حد الصراع المميت، بهدف تحقيق الاعتراف المتبادل. فيُبرِز هذا الصراع العنف وسيلة لتحقيق الذات والوعي الذاتي. كما يتناول مفهوم العنف في سياق تطور الوعي والروح عبر التاريخ، مشيرا إلى الدور الهام للعنف في التغيرات والتحولات التاريخية. وهو ما يظهر في مناقشاته حول الصراعات والتناقضات التي تقود إلى تطور الوعي البشري والمجتمعات.
للعنف إذن علاقة بالسلطة بأشكالها المختلفة، كما أن للخطاب علاقة بها. وبالتالي فهناك علاقة جدلية بين الخطاب والسلطة من ناحية وبين السلطة والعنف من ناحية أخرى. وقد أشار فيركلاف إلى أهمية العلاقة بين اللغة والسلطة، مع التركيز على كيفية تأثير استخدام اللغة في ترسيخ التفاوت في علاقات القوة، خاصة في المجتمع البريطاني الحديث. وهو في ذلك يحاول تصحيح الفهم الشائع الذي يبخس من دور اللغة في بناء العلاقات الاجتماعية للسلطة واستمرارها أو تغييرها. كما يسعى أيضا إلى تعزيز الوعي بكيفية مساهمة اللغة في هيمنة بعض الفئات على غيرها، انطلاقا من قناعة أن إدراك هذا التأثير يشكل الخطوة الأولى نحو التحرر من تلك الهيمنة. « (Fairclough, 1989, 1)
ومن خلال هذه العلاقة المركبة بين العنف والسلطة والخطاب7 نرى أن اختيارنا التحليل النقدي للخطاب مسوَّغ. فمقاربته للخطاب باعتباره ممارسة تكشف عن كيفية تحديد البنيات الاجتماعية لسمات خطابها وكيفية إسهام الخطاب في تحديد البنيات. ((Fairclough, 1989, 739تعد أساسية في دراسة النصوص التي تتناول العنف وبالتالي مساءلة ترجمة العنف في الرواية. حيث يتيح هذا التحليل فهم التحولات التي تطرأ على المعاني العنيفة عند نقلها بين اللغات، كما يكشف عن البنى الإيديولوجية والسلطوية التي تحكم تمثيل العنف لغويا وسرديا والعلاقة بينها. (Fairclough, 1995) وعند ترجمة العنف في الرواية، يصبح هذا التحليل أكثر إلحاحا، لأن الترجمة لا تقتصر على نقل الكلمات وإيجاد المعادلات اللغوية لها، بل تشمل إعادة بناء الخطاب ليتناسب مع السياقات الثقافية والمعرفية المختلفة. (Baker, 2006) فاللغة ليست أداة محايدة، بل تُعيد تشكيل تمثلات العنف وفقا للبنية السردية للنص المصدر واستراتيجيات المترجم في النص الهدف.
ونراهن باعتماد منهج التحليل النقدي للخطاب في الترجمة على أنه يُمكّن من رصد الفجوات الدلالية، وتحليل الانزياحات الإيديولوجية التي قد تطرأ على تمثيل العنف عند نقله من ثقافة إلى أخرى، مما يسهم في تحقق ترجمة واعية تتجاوز البُعد اللغوي إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية للخطاب المترجَم. ونستحضر في هذا الصدد ألفاظ تحمل دلالة إيديولوجية كـ« الطائفيّة » الذي ذُكر في سياقات مختلفة تتناول الصراعات داخل بغداد. والمعروف أنه يعكس في اللغة العربية صراعا ثقافيا ودينيا بين الجماعات المختلفة في المجتمع، ويترسخ هذا المفهوم في السياق العراقي خصوصا، حيث يطغى الصراع بين الطوائف المختلفة على الحياة اليومية. وقد وردت إشارة إلى الصراعات الطائفية التي زادت من حالة الانقسام الاجتماعي في بغداد. وترجمته بـ « sectarianism »قد تكون غير كافية، لأنها تفتقر إلى الأبعاد الاجتماعية والتاريخية العميقة التي تحملها الكلمة في السياق العربي.
تُظهر مقاربة التحليل النقدي للخطاب أن الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل هي عملية معقدة تؤثر على فهم تجربة العنف وتمثيلها. ويساعد هذا التحليل في الكشف عن كيفية تشكيل الخطاب للعنف وتأثير التصنيفات الأيديولوجية على إدراك القارئ في النص المترجم. يستند فيركلاف إلى مفهوم « نظام التصنيف الخاص »، الذي يشير إلى كيفية تقسيم الواقع وتمثيله وفق توجهات إيديولوجية تخدم علاقات السلطة، ويرى أن التصنيفات الأيديولوجية تُستخدم كأدوات غير واعية في تشكيل الإدراك وترسيخ علاقات السلطة؛ وهي بذلك انقسامات مُسبقة التشييد ومسلَّم بها، تُوظَّف في توليد رؤية مستمرة للعالم. ((Fairclough, 2003, 130وبهذا، فاللغة لا تعكس الواقع فحسب، بل تساهم في تشكيله عبر تصنيف الأشخاص والأحداث بطرق تدعم قوى معينة. ومثال ذلك طبيعة المفردات التي وظفت في الرواية لتقديم صورة عن العراق، والصورة التي جاهد سعدواي في بنائها على مدار الرواية كلها في اختياراته لتوصيفات سلبية لبغداد بصفة خاصة والعراق بصفة عامة : وطن منهار مدمر، أشلاء منتشرة في الأزقة، الإحساس بالرعب وانعدام الأمان والأمن... وتجسد الرواية هذا التصنيف أيضا من خلال موقفها الواضح تجاه النظام السياسي العراقي؛ إذ تُبرز الرواية كيف يتم تصنيف الضحايا والجناة وفق انتماءاتهم السياسية والطائفية، مما يتوافق مع رؤية فيركلاف حول أن الخطاب ليس محايدًا، بل يُستخدم لترسيخ علاقات القوة. كما في قول السعداوي « إنني مثال للمواطن الأنموذجي الذي فشلت الدولة العراقية في إنتاجه منذ أيام الملك فيصل الأول وحتى الاحتلال الأمريكي » (سعداوي، 2014، 160-161).
وتكشف هذه الإشكالات عن تعقيدات الترجمة الدلالية، إذ إن إعادة إنتاج هذه التصنيفات الأيديولوجية ونقلها بين اللغات لا يقتصر على إيجاد مكافئات لفظية، بل يتطلب تفكيكا لكيفية ترميز المعاني في السياقات المختلفة، مما قد يؤدي إلى انزياحات دلالية تؤثر على تمثيل العنف وإعادة تشكيل الخطاب وفهمه في اللغة الهدف.
ترد هذه الإشكالات أيضا عند منى بيكر التي نبهت، فضلا عن تحديات ترجمة المصطلحات ذات الحمولة الثقافية والسياسية، إلى أهمية تحليل الخطاب في الترجمة، ولا سيما عند التعامل مع ألفاظ مشبعة بأبعاد سياسية واجتماعية. ويقتضي ذلك أن يكون المترجم واعيا بالتحيزات الممكنة، وأن يسعى إلى نقل المعاني بأمانة من غير أن يفصلها عن سياقاتها التداولية والأيديولوجية. ومن ذلك أيضا التحديات المرتبطة بموضوع التحيزات الجندرية والعنف الاستعماري في الترجمة؛ إذ يؤدي اختيار المصطلحات دورا حاسما في تشكيل صورة الآخر داخل النص المترجم، وقد تسهم الترجمة، إن لم تكن يقظة، في إعادة إنتاج الصور النمطية بدل تفكيكها.
إن لهذا الطرح حول التحيزات الجنسية والعنف الاستعماري صلة وثيقة بتمثيل العنف في الرواية ومن ثم بترجمته. إذ يواجه المترجمون تحديات عند التعامل مع نصوص تحتوي على لغة وصور تحمل دلالات أخلاقية سلبية للمجتمع، مثل الإشارات للنوع الاجتماعي أو الإرث الاستعماري عبر التمجيد الضمني للماضي الإمبريالي لأمريكا أو الاستبداد. وتتقاطع هذه التحديات مع ترجمة مشاهد العنف في رواية فرانكشتاين في بغداد، حيث يتعين على المترجم مراعاة الأبعاد الثقافية والأخلاقية للنص الأصلي. وضرورة وعي المترجم بهذه الأبعاد لتقديم ترجمة تعكس المعاني المقصودة دون تعزيز الصور النمطية أو التحيزات. ويمكن أن نرصد تجليات لهذه المستويات فيما يلي :
تبرز مسألة إعادة إنتاج الخطاب الاستعماري عبر الترجمة؛ إذ قد تفضي ترجمة بعض الألفاظ والصور النمطية إلى تكريس رؤية إيديولوجية معينة حول العنف والتاريخ الإمبريالي. وفي فرانكشتاين في بغداد، يعكس العنف الممارس ضد الشخصيات، سواء كان ذلك عبر التفجيرات، القتل العشوائي، أو حتى تفكيك الأجساد وإعادة تركيبها في شخصية « الشسمة »، آثار الحروب والتدخلات الأجنبية في العراق، وهو ما يمكن أن يقرأ ضمن إطار استعماري جديد.
المرأة ضحية في مشاهد العنف : تصوّر النساء في الرواية بوصفهن ضحايا ثانويات للعنف السياسي والطائفي، حيث يعانين من تداعيات العنف دون أن يشكّلن جزءا مباشرا منه. فأم دانيال، مثلا، تعاني بسبب فقدان ابنها، لكنها تظل صامتة وعاجزة عن اتخاذ أي موقف في ظل هيمنة العنف الذي يفرضه الرجال المسلحون والجماعات المتقاتلة.
الذكورية المهيمنة والعنف الموجّه ضد الرجال معيارا للهيمنة : تبرز الرواية نموذجا للعنف الذكوري الذي تمارسه الميليشيات والمسلحون بفرض سلطتهم عبر القتل والانتقام، بل إن « الشسمة » أيضا يعكس هذه الفكرة، حيث يُستخدم العنف أداة لإعادة « تحقيق العدالة » لكن من منظور ذكوري تماما، دون أن يفتح أفقا واضحا لأشكال أخرى من العدالة الاجتماعية.
صورة المرأة في ظل انعدام الأمن وتأثيره على حريتها : ترد في الرواية إشارات إلى أن حركة النساء بحرية في الشوارع قليلة جدا خوفا من الاختطاف أو الاعتداء، مما يعكس مدى تهديد العنف الممارس ضدهن. وهو ما يطرح إشكالا أثناء الترجمة يتوافق مع ما ناقشته منى بيكر حول كيفية التعامل مع اللغة التي تعكس التمييز ضد المرأة في الترجمة.
تهميش النساء وغياب الأدوار القيادية في صناعة القرار السياسي والعسكري : إذ لا تشير الرواية بتاتا إلى شخصيات نسائية تؤدي دورا قياديا أو تمتلك سلطة سياسية أو عسكرية، بل إنهن مهمشات لصالح الهيمنة الذكورية على المشهد السياسي والأمني. فعند تحليل دور المرأة نجد أن الرواية تركز بشكل كبير على العنف والفوضى التي تعيشها بغداد في فترة ما بعد الغزو الأمريكي، وهو سياق تهيمن عليه الشخصيات الذكورية المنخرطة في الصراع السياسي والعسكري المباشر، ولا تمنح الرواية النساء أدوارا رئيسية أو محورية في الحبكة، كما توضح الجدول المقارن الآتي :
جدول 1. توزيع الأدوار السردية والجندرية في تمثيل العنف
|
المستوى السردي |
الذكور من الشخصيات |
الإناث من الشخصيات |
|
الدور في القصة |
فاعلون في الأحداث الأساسية ومؤثرون فيها، مثل هادي، والشسمة، وفرج الدلال، والمسؤولين الأمنيين، والصحفيين، والسياسيين. |
شخصيات هامشية أو رمزية، مثل أم دانيال، والراهبة في الكنيسة، ونساء يظهرن في سياقات الفقدان والتأثر بالعنف. |
|
التفاعل مع العنف |
مشاركون في العنف، سواء بوصفهم ضحايا أو فاعلين أو وسطاء في تدويره. |
متأثرات بالعنف غالبا، من دون امتلاك أدوات المشاركة المباشرة في صناعته أو إيقافه. |
|
السلطة والتأثير |
يمتلكون السلطة السياسية أو العسكرية أو الرمزية التي تحرك مسار الحكاية. |
يظهرن غالبا في موقع الضحية أو الذاكرة أو الحداد، مع تأثير محدود في تطور الحبكة. |
|
الرمزية |
يجسدون السلطة والعنف والتحولات السياسية وصراعات الاعتراف. |
يجسدن الحزن والفقدان والتأمل الروحي واستمرار الذاكرة العائلية. |
إن الإشكال المطروح في الترجمة هو كيف يمكن للترجمة التعامل مع تهميش الأدوار النسائية في النص الأصلي؟ هل ينبغي نقله حرفيا، أم أن الترجمة قد تعيد تشكيله دون قصد؟ وكيف تُنقل دلالات العنف الذكوري دون تحريف الخطاب؟ هل تعكس الترجمة المخاوف المرتبطة بالعنف الجندري كما وردت في النص العربي، أم أن طبيعة اللغة الهدف قد تُخفي بعض أبعاده الثقافية؟
خلاصات واستنتاجات
العنف ظاهرة ومفهوم في الآن نفسه؛ فهو، من جهة أولى، ظاهرة ذات تجليات مادية ورمزية أفرزتها التجربة الإنسانية، أفرادا وجماعات، في مختلف مراحلها التاريخية، وتتحكم فيها محددات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية. وهو، من جهة ثانية، مفهومٌ نظريٌّ مجرد ينفتح على مداخل معرفية متعددة تروم العلوم الإنسانية والاجتماعية استكشاف مظاهره، ووصف بنياته، وفهم آليات اشتغاله داخل اللغة والخطاب والتمثيل الأدبي.
لا يتجسد العنف في الرواية في مجرد وصف للأحداث كما أنه ليس عنفا جسديا فقط، بل جزءا من الخطاب السياسي والاجتماعي الذي ينتقد الوضع العراقي أثناء الاحتلال الأمريكي وبعده؛ هو خطابٌ يُعبّر عن تداعيات الاستعمار، والطائفية، والفوضى الأمنية، وهو ما يجعل ترجمته تتطلب وعيا بالسياقات السياسية والتاريخية. وأي تعديل في الترجمة قد يؤدي إلى فقدان نبرة النص المصدر النقدي، ومنه ما قد يحصل أثناء تعديل الإشارات الجندرية في الرواية أثناء الترجمة، كما ورد في تحذير بيكر من تخفيف الطابع الجنسي أو العنيف لبعض العبارات في النصوص المترجمة.
إن ما شغلنا في هذا البحث ليس تقييم الترجمة وقياس مدى جودتها، ولا اختبار الترجمة باختزالها في مجرد عملية نقل للغة، بل كان مساءلة إعادة إنتاج لخطاب العنف ومدى تحوله عبر الترجمة. وهو ما يضع المترجم أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة. لكن التحديات المرصودة تبقى عائقا أمام ترجمة معيارية لا تبخس من عمل المترجم.
يعيد المستوى التركيبي للعبارات إنتاج العنف في « فرانكشتاين في بغداد » باستخدام الجمل البسيطة والمركبة والعبارات الوصفية التي تعكس التوتر والفوضى. والترجمة الإنجليزية تحتفظ عموما بإخلاص بالتراكيب النحوية نفسها لضمان بقاء التأثير الدرامي والجمالي للنص، مما أسهم في تجسيد العنف بالطريقة ذاتها في النص المترجم. كما تعتمد الترجمة على دقة الترجمة في نقل الألفاظ، ويُظهر التحليل أن الترجمة كانت ناجحة في تحقيق هذه العناصر إلى حد بعيد.
تُظهر المقارنة المنجزة أن الرواية « فرانكشتاين في بغداد » المترجمة اجتهدت في الحفاظ على تجليات العنف بأغلب الدلالات الثقافية والاجتماعية والصور الفنية والسياق الثقافي والتأثير النفسي للنص المصدر. مما أسهم في نقل التجربة العراقية إلى القارئ العالمي نقلا فعالا ودقيقا. ويمكن لهذه الدراسة أن تكون أساسا لدراسات أوسع تشمل مقاطع أخرى من الرواية وتحليلا أعمق لتجليات العنف في النصين.
غير أن نقل المستوى التداولي ودلالات الألفاظ الثقافية والقيم الدينية والعقائدية والطائفية يبقى صعبا إلى حد ما، إذ يستبطن العديد من الألفاظ المعجمية الثقافية العربية معاني عميقة ترتبط بالسياق الاجتماعي والسياسي والديني. وقد تؤدي الترجمة إلى فقدان هذه الأبعاد الثقافية العميقة، مما يُغيِّب الشعور عينه والتأثير العاطفي أو الثقافي المرتبط بهذه الألفاظ في النص العربي.
نقترح حلولا للترجمة المعيارية تضمن نقل تجربة العنف بالقوة ذاتها والتأثير نفسه إلى القارئ الإنجليزي، وتراعي المعنى والإحساس والإيديولوجيا في اللغة الهدف؛ ترجمة تتطلب منهجا متعدد الأبعاد يجمع بين الدقة اللغوية، والحساسية الثقافية، والتحليل النقدي للخطاب. ومن الركائز الأساسية التي يمكن اعتمادها :
التوازن بين الترجمة الدلالية والتواصلية باعتماد مقاربة بيتر نيومارك المطروحة والتي تميز بين الترجمة الدلالية المحافظة على المعنى الحرفي، والترجمة التواصلية الساعية إلى نقل التأثير نفسه إلى القارئ الهدف؛ إذ عند ترجمة مشهد عنيف، لا يفترض استهداف نقل المعنى الحرفي فقط، بل ينبغي إعادة إنتاج الأثر العاطفي الذي يحمله النص المصدر بسبر أغوار البنية النفسية للمتلقي الهدف.
التحليل النقدي للخطاب في الترجمة : تطبيق مقاربة فيركلاف لفهم كيف يرتبط العنف بالسياق الاجتماعي والسياسي. لأن بعض العبارات العنيفة في النص العربي قد تحمل إيحاءات دينية أو استعارات ثقافية لا يمكن ترجمتها حرفيا، بل ينبغي تأويلها بشكل يعكس قوتها في الثقافة الهدف.
مراعاة الحساسية الثقافية في نقل الإيديولوجيا؛ فبعض الألفاظ العنيفة قد يختلف مدى قوتها حسب اللغة والثقافة، لذا حري بالمترجم أن يحدد حدود اعتماده على التغريب Foreignization بنقل المصطلح كما هو، أو بالتوطين Domestication بإعادة تأطيره ليكون أكثر فهما للقارئ الهدف.
اعتماد اختيارات أسلوبية لتمثيل العنف بواقعية؛ بالتنويع في استخدام استراتيجيات الترجمة كما حددها فيناي وداربلنيه للحفاظ على تأثير العنف. فالترجمة الحرفية تكون حسنة عندما يكون المشهد صريحا ولا يحتاج إلى تعديل، بينما يُستحسن توظيف استراتيجيات أخرى كالتكييف والتكافؤ الوظيفي بتعديل بعض العبارات مع الحفاظ على الأثر النفسي للقارئ. أما إعادة الصياغة التأويلية فهي إجراء وظيفي عند الحاجة لتفسير العبارات الثقافية المشحونة دلاليا لأن ترجمة العنف المعيارية تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الأمانة للنص المصدر والتكيف مع الثقافة الهدف، مع وعي نقدي بالخطاب المهيمن وسياق الإنتاج اللغوي والاجتماعي.
لطالما قيل إن الترجمة فعل إنساني؛ وهي هاهنا فعلا كذلك لأن الترجمة تتفاعل مع الأزمات، وقد أسهمت في عولمة العنف الذي تصوره الرواية بتشاركه والتعريف بأشكاله في شتى الميادين وبلغات مختلفة مما قد يسهم في الشعور بالقدر نفسه من التأثير الذي يتحقق عند المتلقي المصدر، مما يسهم في تعزيز التضامن والتعاطف مع الأفراد الذين عانوا أو يعانون من هذا العنف، فتكون بذلك الترجمة سلاحا ضد الاضطهاد.
