لبنان ديستوبيا الحرب ويوتوبيا السَّلام في أدب سلام الرَّاسي

Le Liban, dystopie de la guerre et utopie de la paix dans l’œuvre de Salam al‑Rassi

Lebanon : the Dystopia of War and the Utopia of Peace in Salam al‑Rassi’s Works

YunasS Zalzali

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

بحث إلكتروني

YunasS Zalzali, « لبنان ديستوبيا الحرب ويوتوبيا السَّلام في أدب سلام الرَّاسي », Aleph [على الإنترنت], Vol 12 (5) | 2025, نشر في الإنترنت 25 décembre 2025, تاريخ الاطلاع 23 février 2026. URL : https://aleph.edinum.org/15960

يعنى البحث بتجلِّيات العنف واللاعنف في الأدب الشَّعبيّ في كتب سلام الرَّاسي، حيث يزاوج بين صور اليوتوبيا (السَّلام والعيش المشترك) والدِّيستوبيا (العنف والانقسام الطَّائفيّ). فيُبْرِزُ الرّاسي القيم الإنسانيَّة والتَّسامح والتَّعايش بين اللبنانيِّين في مقابل الانقسامات الطَّائفيَّة والحروب.

يتناول البحث نقد سلام الرّاسي سلوكيّات العنف في المجتمع اللبنانيّ، ومكافحته بالأدب الشَّعبيّ آفات الحرب وآثارها على أخلاق الناس وطباعهم من خلال حكاياتٍ وأمثالٍ ومرويّات ومأثورات أوردها في مجموعة من كتبه الصَّادرة في العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأوّل من القرن الحاليّ. كما يناقش الرّاسي في هذه المؤلَّفات تأثير الميليشيات في الحرب على الحياة اليوميَّة في لبنان وأثر الطَّائفيَّة قديمًا وحديثًا على مفهوم الانتماء الوطنيّ، وما أفضت إليه من انعزال واقتتال.

يقارب البحث ثنائيَّة العنف واللاعنف في الأدب الشَّعبي اللبنانيّ الذي ينقل خطاب اللبنانيّين المحكيّ في حياتهم اليوميَّة، ليلاحظ ازدواجيّة المعايير والقيم والثّقافة والأخلاق بين أهل العنف وأهل اللاعنف في مقارباتهم الاجتماعيّة والسّياسيّة. يختتم البحث باستخلاص نواتج استلهام اللاعنف ورفض العنف في الأدب الشّعبي في كتب سلام الراسي بما ينتصر للقيم الإنسانيّة كالكرامة والنّزاهة والصِّدق والتّسامح والإخاء والمحبّة، ويدعو إلى إعادة بناء لبنان، على أسس التّعايش والانفتاح والوحدة والشّراكة بعيدًا من الطَّائفيَّة والتَّعصُّب والغلبة.

L’étude s’intéresse aux manifestations de la violence et de la non-violence dans la littérature populaire à travers les ouvrages de Salam Al-Rassi, où se conjuguent les images de l’utopie (paix et coexistence) et de la dystopie (violence et divisions confessionnelles). Al-Rassi met en lumière les valeurs humaines, la tolérance et la coexistence entre les Libanais face aux clivages confessionnels et aux guerres.
L’étude analyse également la critique que Salam El-Rassi formule à l’encontre des comportements violents dans la société libanaise, et comment il combat, à travers la littérature populaire, les fléaux de la guerre et leurs effets sur les mœurs et les caractères. Cela se fait au moyen de récits, de proverbes, de contes et de traditions qu’il a recueillis dans plusieurs de ses ouvrages publiés entre la fin du XXe siècle et le début du XXIe siècle.
Ces ouvrages abordent aussi l’influence des milices sur la vie quotidienne pendant la guerre et l’impact ancien et actuel du confessionnalisme sur le sentiment d’appartenance nationale, menant à l’isolement et aux affrontements.
La recherche traite la dualité violence/non-violence dans la littérature populaire libanaise, qui reflète le discours quotidien des Libanais. Elle met en évidence la dualité des normes, des valeurs, de la culture et de l’éthique entre les partisans de la violence et ceux de la non-violence dans leurs approches sociales et politiques.
L’étude conclut en soulignant les résultats de l’inspiration de la non-violence et du rejet de la violence dans les livres de Salam El-Rassi, qui valorisent des principes humains tels que la dignité, l’honnêteté, la vérité, la tolérance, la fraternité et l’amitié, et appellent à reconstruire le Liban sur les bases de la coexistence, de l’ouverture, de l’union et du partenariat, loin du confessionnalisme, du fanatisme et de la domination.

This study examines the manifestations of violence and non-violence in Lebanese popular literature through the works of Salam Al-Rassi, where images of utopia (peace and coexistence) intersect with those of dystopia (violence and confessional divisions). Al-Rassi highlights human values, tolerance, and coexistence among Lebanese communities in the face of sectarian cleavages and war. The study also analyses the critique he addresses to violent behaviours within Lebanese society and the ways in which, through popular literature, he confronts the scourges of war and their impact on morals and dispositions. This is achieved through narratives, proverbs, tales, and inherited traditions gathered and reworked across several of his books published between the late twentieth century and the early twenty-first century. These works further address the influence of militias on everyday life during wartime, as well as the long-standing and contemporary effects of confessionalism on national belonging, leading to isolation and confrontation. Finally, the study underscores the outcomes of Al-Rassi’s inspiration of non-violence and rejection of violence : his texts champion dignity, integrity, truth, tolerance, fraternity, and friendship, and call for rebuilding Lebanon on the foundations of coexistence, openness, unity, and partnership, away from confessionalism, fanaticism, and domination.

مدخل

سلام الرّاسي(1911-2003)، هو أديب لبنانيّ عني بجمع مأثورات النَّاس الشّفويّة من قصصٍ ومواقف وأمثال وشعر وزجل من جولاته في قرى لبنان ومدنه في مجموعة كتب في الأدب الشّعبي خوّلته أن يصبح شيخ الأدب الشَّعبيّ في لبنان. جمع الأمثال والحكايات والمرويات من قرى لبنان ومدنه، ليصوغ من الثّقافة الشّعبيّة رؤيته لشعبه ووطنه. فهو يقول في تعريفه الوطن : « لا السّهل والوديان والجبل وطني ولا الأنهار والسُّبل. كلّا ولا الأطلال... بل وطني النَّاس ما قالوا وما فعلوا » (غريزي، 2003).

أراد سلام الرّاسي للأدب الشّعبيّ أن يكون تراثًا وطنيًّا ثمينًا، لأنّه يؤمن بالعلاقة بين التّراث والتّراب، وهي المرادف بنظره للعلاقة بين الشّعب والوطن. ويستعظم إهمال هذا الأدب بقوله :

ويلٌ لأمّةٍ بلا جذور. لا بدّ من وجود قرابة بين التُّراث والتُّراب، وقد يكون التَّثبُّت بالتُّراث أحد أجدى الدَّوافع الى التَّثبُّت بالتُّراب، لأنّ من كانت له جذور عميقة في تراث آبائه وأجداده يصعب اقتلاعه من بيته وأرضه ووطنه (زاهي، 21 شرين الثَّاني 2014).

إنَّ منطلقات سلام الرَّاسي التُّراثيَّة ترتكز إلى إحساسٍ وحدويّ، وروح وفاقيّة، فيتوخَّى من أدبه أن يكون مدخلًا الى تعزيز العيش المشترك. وفي هذا السِّياق يؤثر عنه قوله، وفي مناسبات كثيرة،

إنّ التُّراث يخصّ جميع النَّاس، لذلك فهو يجمع ولا يفرّق، ويعدّ من مقوّمات وحدة الأرض والشعب، ولا مواطنية بلا ولاء إلى تراث وتقاليد (زاهي، 21 شرين الثَّاني 2014).

وقد عاين سلام الرَّاسي الحرب وأهوالها، وكان شاهدًا على مآسيها المتنقِّلة في طول البلاد وعرضها، فكان واحدًا من المواطنين الَّذين آلمتهم تجلِّيات الطَّائفيَّة البغيضة في تفتيت روابط المواطنة، وتقسيم الشَّعب بين مناطق وطوائف وجماعات متناحرة ومتنافرة، وما استتبع ذلك من انهيار مريع في منظومة القيم اللبنانيَّة، لكنَّه آل على نفسه أن يظلّ مثلًا صالحًا للمواطنة الوفاقيَّة والوطنيّة الحريصة على الوئام والسَّلام، فكان بأدبه وسلوكه ترسيخًا لثقافة الحوار والانفتاح والتّسامح، والشَّراكة وحسن الجوار والمعاشرة مع الآخر المختلف، وقدوة في التَّمسُّك بالوطن الواحد، وهو الَّذي آمن بأنّ اللبنانيّ أخٌ للبنانيّ مهما اختلفت المشارب والمنطلقات والانتماءات.

لعلّ في هذا المنحى التَّجاوزيّ المتسامي للوضعيَّة الطَّائفيَّة وصراعاتها المذهبيَّة، يكمن سرّ من أسرار إجماع اللبنانيِّين على تقدير أدب سلام الرَّاسي، والتمسّك بذكراه. (زاهي، 21 شرين الثَّاني 2014)

ولأنّ الادب الشّعبيّ هو لسان حال العامّة في التّعبير عن مختلف شؤونهم وشجونهم، فإنّه سجلّ لمواقفهم وتجاربهم واتّجاهاتهم. لذلك، يمكن القول إنّ في هذا الأدب المجموع نقلًا عن ألسنة كبار النّاس وصغارهم، ونسائهم ورجالهم، وأمّيّيهم ومتعلّميهم، وقرويّيهم ومدنيّيهم سجلًّا تأريخًّيًّا وأرشيفًا لقرنٍ من الزّمان خبر فيه اللبنانيّون الحرب والسّلام، والوفاق والاختلاف، والعيش الواحد والانقسام. إنّ هذا الأدب صورة المجتمع في حقب الشّقاء والرّخاء، وفي الحلول والأزمات. يستبطن في سرديّته صورة الشّعب الجدليّة الّتي تتراوح بين الحُبّ والحرب، وبين اللطف والعنف. فتكاد تظنّ في هذا التّفاوت انتقالًا مكانيًّا من مجتمع إلى آخر. لكنّه في حقيقته مقاربة مختلفة في الزّمان، تجعل اللبنانيّين شعبًا ينطبق عليه توصيف الرَّئيس الأسبق للجمهوريَّة بشير الجميِّل :  »نحن قدِّيسو هذا الشَّرق وشياطينه«  (جزِّيني، 2022). ولعلَّ سيرة الجميّل الشَّخصيَّة، وسيرة غيره من قادة الأحزاب المتحاربة تتماهى مع هذا التّوصيف في الانتقال من قيادة الحزب والميليشيا إلى قيادة الدَّولة، وفي سيرة محازبيهم نعاين أيضًا هذا التَّحوُّل المفاجئ والعاصف من حزبيّين مسلّحين على الحواجز وخطوط التَّماس الَّتي كانت تفصل بينهم إلى مواطنين يلتحقون بإدارات الدّولة، ووزاراتها وبلديّاتها وأسلاكها العسكريَّة والأمنيَّة، ويجتمعون في أروقتها كما لو أنَّهم لم يقتتلوا يومًا.

فهل استطاع سلام الرّاسي بموروث الحُبّ والحياة أن يتغلّب على موروثات الحرب والموت؟ وهل استطاعت الثّقافة الشّعبيّة معه أن ترجّح كفّة اللاعنف على العنف وتصل بين ما كان في الماضي وبين ما نكونه نحن الآن؟ هل قدّمت رؤية بديلة للواقع والتّراث والتّاريخ عن الرّؤى التي رمت البلاد في أتون الحرب وويلاتها؟

تتوخّى هذه المقاربة استجلاء لبنان الديستوبيّ واليوتوبيّ في أدب سلام الرّاسي، أو لبنان  »غير شكل«  كما وصفه نقلًا عن شاعر :  »لبنان عايش غير شكل وميزتو أنّو بتبقى غير شكل معيشتو و ه« الغير شكل » علّة وجودو من الأساس و ه« الغير شكل » من الأساس مصيبتو«  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 17). كما تطالعنا بيروت الدّيستوبيا واليوتوبيا في نصّ واحد للرّاسي : فنقرأ مطلعه ردّة شاعر :  »بيروت ! ليش اليوم قلّوا المخلصين وتكاثروا المتحاربين المخرّبين؟«  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 186) ثمّ نقرأ خاتمته لشاعر آخر :  »بيروت يا بيروت ! لا تحرمينا طيب أنفاسك خلّي التّصافي، مثل ما كان، طول الدّهر نبراسك«  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 186).

سنعاين هذا الأدب الشّعبيّ لندرس فيه انتروبولوجيا لبنان الثّقافيّة، وأخلاق اللبنانيّين في زمن الحرب وقبلها وبعدها، وتجلّيات العنف واللاعنف أو الحرب والسّلام في خطابهم الشّفهيّ المنقول للمفارقة بقلم أديبٍ اسمه سلام، وكنيته أبو علي (وهو المسيحيّ في بلد مبتلى طائفيًّا)، وقيل له في هذه المفارقة :

يا بو علي هانت عليك المشكلة — من حيث اسمك من رموز المرجلة
بتكون مع أهل السّلام اسمك سلام — بتصير مع أهل المشاكل، بو علي
(الرَّاسي، من كلّ وادي عصا، 1998، صفحة 37).

في الوطن والمواطنيّة، يرى سلام الرَّاسي أنّ الوطن أرض وقوانين وحقوق وواجبات، أمَّا المواطنيّة فانتماء إلى تراث وطنيّ وتقاليد وعيش مشترك. وتراث المواطنيّة ذكريات وحكايات وتقاليد وعادات ومفاهيم ومعتقدات وجيران وصداقات ومساقط رؤوس وقبور آباء وأجداد... لكنّ الحرب خرابٌ للبشر كما الحجر، لأنّها تحتّم صراع رغبتين : الفناء، والبقاء. فتتداخل يوتوبيا الخلود والشّهادة مع ديستوبيا العنف والقتل والدّمار في حربٍ لا بدّ أن تنعكس على الأدب الشّعبيّ الّذي يشكّل ثقافة الحياة في وجه ثقافة الموت.

1. الدّيستوبيا السياسيّة/الطّائفيّة والحرب

1.1. بيروت من يوتوبيا القبضاي إلى ديستوبيا الميليشيويّ

يُذَكِّر سلام الرّاسي قرَّاءه ببيروت قبل الحرب، أي قبل عهد الميليشيات والتّشبيح في الشّوارع والقنص عن السّطوح والخطف على الهويّة. فيستعيد ماضي العاصمة الحافل بتقاليد  

القبضايات من الرّجال الّذين تخلّقوا بأخلاق « فرسان من زمان »، وملأوا ذاكرة بيروت الشّعبيّة بحكايات المروءة والنّجدة ومراعاة حقوق جيرانهم، فكانت الكرامات محفوظة والحُرُمات مصونة (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 32)

في أيَّامهم. ثمُّ يمرّ على تجلِّيات الوئام والعيش الواحد في سلوك بعض اللبنانيّين من مسلمين ومسيحيّين كانوا يعيشون في محلّة رأس بيروت، ممَّن كانوا  »إخوانًا بالحليب« ؛ ثمّ يبيّن انعكاس هذه الظَّاهرة على هذه المحلّة في كونها من أقلَّ المناطق تأثُّرًا بالطَّائفيَّة السِّياسيَّة وأبعدها من العنف في زمن الحرب والأحداث الدَّامية :

فإذا وَلَدَت المرأة المسلمة ولدًا بحثت عن امرأة مسيحيّة مُولِدة، وتناوبت وإيّاها على إرضاع ولديهما، فيصير الولدان « أخوين بالحليب. (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 124)

ويذكر الرَّاسي أنّ مصطفى الدّاعوق المسلم المعروف في رأس بيروت، على سبيل المثال، كان أخاً « بالرِّضاعة » لجرجي ربيز المسيحيّ الَّذي كان مختار هذه المحلَّة البيروتيَّة. وينقل عن لسان هذا الأخير قوله : إنّ بيروت ما زالت « تتقلّد تقاليد قبضياتها » الذين ملأوا ذاكرتها الشعبية بحكايات المروءة ومراعاة حقوق جيرانهم، من أيّ طائفة كانوا. لذا لم ينقطع حبل المودّة بينهم (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 124). يضيف جرجي ربيز : « كان أبو ابراهيم مصطفى الدَّاعوق، المسلم، أخي أنا المسيحيّ، لأنَّه رضع من حليب أُمِّي، ورضعت من حليب أمِّه » (الرَّاسي، إقعد أعوج وإحكي جالس، 1997، صفحة 152). غير أنّ عهد القبضايات الشرفاء، أسياد المدينة، انطوى بسيطرة الميليشيات الطَّائفيّة آنذاك، لتبقى منه ذكريات، ومنها حكاية التَّعاقد بين القبضاي أبي سعد الداعوق، والقبضاي بركات ربيز في تعهّدهما بمنع أيّ تطرّف مسلم أو مسيحيّ في محلَّة رأس بيروت، كلّ من جهته، فعرف أبناء رأس بيروت في عهد هذين الرّجلين تعايشًا وحسن مجاورة، ولم يتورّطوا في أيّ عمل طائفيّ بغيض. وقد كان كمال جرجي ربيز ابن المختار جرجي أمينًا على مبادئ والده ووفيًا لهذا الإرث من العيش الواحد، فجمع تراث محلّة رأس بيروت في كتابٍ بعنوان« رزق الله عهيديك الأيَّام يا راس بيروت »، أورد في مقدّمته كلامًا يحاكي سيرة أبيه المختار : « وكتابي هذا هو كتاب المحبَّة التي عاشت وتعيش في قلوب أهل هذه المحلَّة (الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 68) ».

2.1. يوتوبيا الدِّين وديستوبيا الطّائفيّة

يميّز سلام الرّاسي بين الطّوائف والطّائفيّة في بيروت، فالطّوائف هي نعمة التَّنوُّع الّتي امتاز بها لبنان، وجعلته موطنًا لأكثر من ثماني عشرة طائفة. لكنّ هذه النّعمة سرعان ما تنقلب إلى نقمة إذا ابتليت هذه الطّوائف أو بعض أبنائها بلعنة الطّائفيّة، واعتنقوا التّعصُّب الذي يبعدهم عن شركائهم في الوطن والمصير، ويضعهم في متاريس وخنادق متقابلة لا حوار بينها إلّا حوار المدفع والبارود والخراب والدَّمار. فسلام الرّاسي كان يصبو إلى أن يرى طوائف بيروت على صورة الإمام الأوزاعي الذي دافع عن المسيحيّين في العصر العبّاسيّ بعد ثورة المنيطرة (ثورة مسيحيّي الجبل ضد الحكم العبّاسي 759م، وكذلك على صورة مار جريس (الخضر عند المسلمين)، فيرى أنّ مناقب الأوزاعي ومار جريس جعلتهما من الأولياء المشتركين عند المسلمين والمسيحيّين. ثمّ يأتي على ذكر مآثر الشّيخ مصطفى نجا والمطران غراسيمس مسرّة حين قصف الأسطول الإيطاليّ مرفأ بيروت في العام 2011 لتدمير قطع الأسطول العثمانيّ فيه. فأخذ الاعتداء طابعًا طائفيًّا. لكنّ هذين الرّجلين طيّبا الخواطر وبدّدا المخاوف. فالمطران حين فتح الأديرة والكنائس لاستقبال البيارتة الهاربين، قال لرعيّته : « إن شبعنا شبعوا قبلنا، وإن جعنا فلا يجوعون إلّا بعدنا » (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، الصفحات 29-30)

لكنّ الطّائفيّة فرّقت شمل اللبنانيّين، فاستعان سلام الرّاسي عليها بسؤال طرحه الرّئيس الأسبق فؤاد شهاب : « لماذا ترك اللبنانيّون الدِّين واعتنقوا الطَّائفيّة؟ » (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 171). وبقي السُّؤال عصيًّا على الإجابة. وحين أُعلِنَتْ بيروت عاصمة ثقافيّة للعالم العربيّ في نهاية القرن الماضي، تحسّر سلام الرّاسي على المدينة التي لم تبرأ من جروح الحرب، وتساءل : ما هي هذه الثّقافة التي نستطيع أن نقدّمها إلى إخواننا العرب « بعين مفتوحة »، فيتناولونها منّا بيد غير مرتجفة؟ ثقافةُ بيروت مدينة العشرين طائفة : « وخذوا أسلحة واقتلوا بعضَكم بعضا، أم ثقافةُ تصفية رجال الفكر؟ (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 176)

3.1. حرب أهليّة لا حرب الآخرين على أرض لبنان

لتثبيت مسؤوليّة الحرب على اللبنانيّين يستشهد سلام الرّاسي بشاعرة من جنوب لبنان، لُقِّبت بشاعرة جبل عامل، اسمها زهرة الحرّ، إذ تقول :

تعدَّدَت الطّوائف والمذاهب— وقَلَّ الدِّينُ واختفَتِ المناقب
وباتَتْ كلُّ طائفةٍ تُغَنِّي— على وَتَرِ المكاسبِ والمناهب
يقاتل بعضُنا بعضًا بعنفٍ— ونُلْقي اللوم فيه على الأجانب. (الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 103)

ويتابع سلام الرَّاسي استنادًا إلى زهرة الحُرّ تحميل اللبنانيّين مسؤوليّة ما اقترفته أيديهم بحقّ وطنهم أرضًا وإنسانًا وقِيَمًا، فيورد من شعرها المقطع الآتي :

 لنا وطنٌ ذبحناه— وأحرقنا بقاياهُ
ولم يسلمْ به شيءٌ— سوى ما قَدَّرَ اللهُ
فهيَّا ندفن القتلى— أمام بيوتنا الثَّكلى
شبابًا من رُبى لبنانَ— لا أحلى ولا أغلى
وهيَّا ندفن الليمونّ— والزَّيتونَ والنَّخلا
وندفن في التُّرابِ المســـــــــــــ— تباحِ الحقَّ والعدلا  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 213).

وفي تصوير ضراوة الحرب التي تضع الأشقَّاء وأبناء العمومة والجيران وأهل المنطقة الواحدة وجهًا لوجه في قتالٍ لا هوادة فيه، يستحضر من التَّاريخ العربيّ صورة الأخوة وأبناء العمّ الأعداء، فينتقل في توصيف المتحاربين في بيروت من قصّة ابني العمّ كليب وجسَّاس في العصر الجاهليّ إلى قصّة الشَّقيقين الأمين والمأمون في العصر العبّاسيّ، ليقول عن مقتل الجار على يد جاره في الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة :

لوين رايح يا بو لْياس — ومن وين جايي يا مراية
مِنّا منقذّفك حجار — ومنّا منبوسك عْلى الشَّاية
(الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 178)1

أمَّا عن مقتل الأخ على يد أخيه في حروب الأخوة الأعداء، وما أكثرها في هذه الحرب ! يقول سلام الرَّاسي :

بيروت ليش اليوم قَلُّوا المخلصين — وتكاثروا المتحاربين المخرّبين؟
ما كان بدّي عيش هالعمر الطّويل__ وشوف ببيروت مأمون وأمين  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 186)2).

(ثمّ يرد في هذا السِّياق ندبٌ مؤجَّل التّنفيذ، استشرف فيه أحد الشُّعراء اللبنانيّين (عجاج المهتار) المستقبل القاتم الذي سيحلّ على لبنان وأهله، فحزم حقائبه ورحل نهائيًّا من لبنان قبل وقوع الكارثة، لكنّه استودع سلام الرَّاسي قبل هجرته بيتين من الشِّعر ندبًا، وهو لم يكن ندَّابًا. لكنّه أراد أن تكون ندبته على القتيل مؤجَّلة التَّنفيذ، لا تُندَب إلَّا بعد اكتشاف القتلة ومحاكمتهم رافضًا إدانة البريء بقتله وترك القاتل يشارك في تشييعه على قاعدة المثل الشَّعبيّ القائل « بيقتل القتيل وبيمشي بجنازتو »، فيقول المهتار للرَّاسي :

ولادي ببيتي تْقاتلوا.. وتْقَتَّلوا — ومجروح أنا.. والنَّزف بعدو بأَوَّلو
لا تتهموا بْقتلي بَري.. وتلقْطوا — بالماشيين بجنازتي.. وما بيخجلوا
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 123).

4.1. الحرب وَلَّادَة الخراب والفساد

كانت حادثة عين الرّمّانة الدّامية في 13 نيسان 1975 العاصفة الّتي دمّرت سدود التّعايش بين اللبنانيّين وأغرقتهم في طوفان من الدّموع والدّماء. يورد سلام الرّاسي في وصف حال لبنان بعد الحرب زجلًا لشاعر شعبيّ يقول :

إبدا بعين الرّمّانة —بالتّاريخ خليفاني
بدنا نوح بفِلْكو نسوح — بهالطّوفان اللبناني 
(الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 93)

انعكست سلوكيّات الحرب وعُنْفُها على أخلاق النّاس، فأفسدت طباعَهم، وأباحت كلَّ شيء، وتركت ندوبًا عميقة في كرامة الإنسان وعيشه الكريم. فشغل الرَّاسي بمصير المواطن الحرّ الصَّالح والنَّزيه في وطنٍ غابت فيه العدالة، وامتُهِنت الكرامة، وعمَّ الفساد. فيقول سلام الرَّاسي تحت عنوان  »القرش الحلال  :

سبعتعشر عام فوضى واقتتال —بعدها، رخصت كرامات الرّجال
جِبْلي مواطن أدَمي وحُرّ ونقي— وقادر يعيش اليوم من قرش الحلال  (الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 78).

لكنّ سلام الرّاسي الموظّف في مصلحة المباني بقي آدميًا ولم يقبل رشوة مواطن أنجز معاملته، فقال له المواطن : صحيح إنّك ابن حكومة بس هيئتك ابن أوادم. (الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 81)

وفي تأريخ الحرب وأهوالها حيرة وضياع في قول شاعر :

إن سكتنا وما قلنا —« شو عملنا » مصيبة ولا باس
بس إنْ قلنا شو عملنا— «  يا جرستنا بين النّاس » (الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 94)-(الجرسة تعني الفضيحة)(

يجيبه شاعر آخر :

ليش إنت قادر إن عرفت تقول —شو صار وشو ما صار وشو المعقول
القاتل عرفتو اتركو مجهول — واكتفي بالقبض عالمقتول 
(الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 95)

في لقاء مع الرّئيس تقيّ الدّين الصّلح تساءل قائلًا :  »قد يستطيع المسلّحون المتحاربون الّذين دمّروا مدينتنا البريئة أن يبرّروا عملهم بأسباب سياسيّة أو طائفيّة أو استراتيجيّة، ولكن من ذا الّذي يستطيع أن يبرّر أو يفسّر لنا أعمال النّهب والسّرقة بالجملة والمفرّق الّتي طاولت فنادق المدينة ومصارفها ومتاجرها وعنابرها العامّة والخاصّة؟«  فيجيب سلام الرّاسي عن تساؤل الرّئيس الصّلح مفسّرًا لدولته ذلك بردّة من الزّجل منسوبة إلى الخوري يوسف عون، قال :

سَلِّح ابنك يا مهبول — واقرأ فعل النّدامة
بيصير قاتل أو مقتول—ابنك...يمّا حرامي
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 148)

عندما بدأ الانحدار يتزايد، والفساد يستشري في الإدارات والمؤسّسات، شعر اللبنانيّون بأنّ شرعة حقوق الإنسان وإسهام مواطنهم شارل مالك في وضعها لا تعنيان الذين أمعنوا في الفساد، وفي هذا يورد الرّاسي زجلًا لشاعرٍ جنوبيّ :

 »لبناني«  واضع قانون —بيصون حقوق الإنسان
والإنسان اللبناني — ببلادو مبهدل منهان
بدّنا نعرف هالقانون — بنعرف شو صار بلبنان
أو ناسي أو متناسي إنّو اللبناني إنسان  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 155).

وفي هيمنة الميليشيات المتقاتلة على حياة اللبنانيّين، وجعل الانتماء إليها امتيازًا لا يحظى به المواطن المغلوب على أمره في هذه الحرب، شاعت عبارة « يا ميليشي يا مَشِي (لا شيء). تعني هذه العبارة أنّ انتماءك إلى إحدى الميليشيات المسلّحة في بيروت، فأنت شيء مهمّ، وإذا لم تكن منتميًا، فأنت لا شيء » (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 190). يعلّق سلام الرّاسي على ذلك، وعلى تقرير لمسؤول في قوى الأمن الدّاخليّ عن اعتقال متظاهرين حزبيّين و« ميليشيين » و« شبّيح » واحد. فيسأله محرّر صحفيّ عن الفرق بين الميليشيّ والشّبّيح، يجيب الرّاسي :

الميليشي أصله تلميذ — تارك بالبيت كتابو
ولاحق رَبعو... والشَّبِّيح — فاتح وحدو عحسابو« 
(الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 112)

2. المخيال الشعبيّ : الحكاية/المثل/السخرية بوصفها مقاومة

1.2. المثل الشّعبيّ والحكاية بين اليوتوبيّ والدّيستوبيّ

استخدم سلام الرَّاسي المثل والحكاية في مقاربته لليوتوبيا والدّيستوبيا في سلوك اللبنانيّين الحافل بالمفارقات بين السِّلم والحرب. يُشكّل المثل الشَّعبي والحكاية ركيزتين أساسيّتين في البناء السَّرديّ للأدب الشَّعبي، إذ يُختزل فيهما الوعي الجمعيّ، وتُصاغ عبرهما رؤى النَّاس للواقع والمأمول. في أدب سلام الراسي، تتداخل هذه العناصر بسلاسة لتكشف عن موقف مزدوج من العالم : يوتوبيّ حالم أحيانًا، وديستوبيّ ساخر أحيانًا أخرى. فالرَّاسي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يوظّفها أداة نقديَّة يُسلّط بها الضَّوء على التَّناقضات الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة. ومن خلال استحضار الأمثال الشَّعبية، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح القارئ مدخلًا لفهم تحوّلات المجتمع اللبنانيّ وتقلّباته. وعليه، فإنَّ تحليل هذا التَّداخل بين اليوتوبيا والدِّيستوبيا في أدبه يفتح آفاقًا لفهم أعمق لأدب الحكاية بوصفه مرآةً للواقع ومتنفسًا للمأمول والمرتجى.

  1. تحت عنوان  »بعد الفَلَتَان، فلت الملقّ في لبنان« ، يقول الرّاسي :  »راجت كلمة « فَلَتان » في السّنوات الأولى من السّبعينيّات، وعندما بدأت الأسلحة تظهر في أيدي الميليشيات، وتحدث بعض التّعدّيات. فاستخدمها السّياسيّون، وأكثروا من الحديث عن الفلتان الأمنيّ. فيرى سلام الرّاسي أنّ الدّولة لم تتدارك هذا الفلتان، ففلت الملقّ ودامت الحرب سبع عشرة سنة :

يخاف النّاس من « فلتان أمنٍ » — وأسوأ منه إن « فَلَتَ الملقُّ »
فلا رأيٌ لذي رأيٍ يُرَاعَى — ولا حقٌّ لشعبٍ يُستَحَقُّ
(الرَّاسي، إقعد أعوج وإحكي جالس، 1997، صفحة 65).

و« الملقّ هو وثاق من الصّوف أو خابور خشبيّ يُربَط به إناء الزّيت بإحكام لينقله المكاري على ظهر حماره، متحاشيًا تلويثه بالزّيت كيلا يرتخي ويفلت » (الرَّاسي، في الزَّوايا خبايا، 1997، صفحة 164)، فلا يندلق الزّيت (يوتوبيا في القرية)، ويفلت الملقّ (ديستوبيا في بيروت).

  1. وفي المثل الشَّائع في لبنان « كلّ عنزة معلّقة بكرعوبها »يوضح سلام الرَّاسي ارتداد اللبنانيين إلى طوائفهم في الأزمات فيندمج البعد الفرديّ بالطاَّئفيّ في تقاسم المسؤوليّة والانتماء، ويغيب الحسّ الوطنيّ الجمعيّ. فحين تتفاقم الأزمات، ينكفئ كثير من اللبنانيين إلى طوائفهم وتصبح كلّ جماعة مسؤولة عن نفسها (الأمن الذَّاتيّ)، وينعكس ذلك في الخطاب والممارسة انعزالًا وتفريطًا بالتَّضامن الوطنيّ الأشمل. يُصبح المثل وكأنَّه تبرير ضمنيّ لهذا الانكفاء : كل ابن طائفة « مُعلّق بكرعوب طائفته »، أي يلجأ إليها وحدها باحثًا عن خلاصه وخلاصها بمعزل عن الآخرين. بذلك، يتحوّل المثل من سلوك فرديَّ إلى سلوك جماعي يرسّخ الانقسام ويُضعف الهويَّة الوطنيَّة الجامعة، في لحظة مأزومة يُفترض فيها أن تكون المسؤوليَّة والتَّكافل مشتركين. وفي هذا يقول شعرًا :

لمّا الرّزيّة بتلفحك بهبوبها — إرجع لطايفتك وهزّ قلوبها
ببلادنا تنساش شو قال المثل : — « كلّ عنزة معلّقة بكرعوبها ».
(الرَّاسي، الأعمال الكاملة، الجزء الثاني، 2000، صفحة 213)

ويضيف الرَّاسي إلى هذا المثل مثلًا مشابهًا : « لبس قبعه وتبع ربعه، ليؤكّد المثلين بثالث :  »إن حزّت المحزوزيّة، كلّ عنزة بتلحق قطيعها، فلحق كلّ واحدٍ من المتحاربين قطيعه«  (الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 28). لكنّ احتدام المعارك وضراوتها، ذهبت بعقول الذين لبسوا قبعهم وتبعوا ربعهم أو لحقوا قطعانهم. فلم يعد أحد يصغي لصوت العقل، وعمّ الجنون. لذلك، انتقل سلام الرَّاسي من الحديث عن تعلّق كلّ لبنانيّ بكرعوب طائفته وجماعته إلى الحديث عن مثلٍ شعبيّ آخر هو  »إن جنُّوا ربعك عقلك ما بينفعك« ، وأجرى على هذا المثل حكاية طريفة :  »حدث أنَّ رجلًا عرفناه بعيدًا عن الطَّائفيَّة والحزبيَّة الضَّيِّقة. ولمَّا تفاقمت الأحداث الأمنيَّة، وانقسم اللبنانيُّون فئات متنازعة، رأيناه ينخرط في أحد التَّنظيمات المذهبيَّة. ولمَّا سُئِل عن قناعته في موقعه بين جماعته، قال : إنْ جنُّوا ربعك عقلك ما ينفعك ! (الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، الصفحات 27-28)« 

وحين استحكم الجنون بالمتحاربين، وتلاشى صوت العقل، واحتدم القتال واشتعلت الجبهات، لم يجد بعض اللبنانيّين أفضل من الهجرة بعيدًا من الحرب التي أشعلت بلادهم، ومن الطَّائفيّة التي فرَّقت المواطنين وهزّت أركان الوطن، على قاعدة المثل الشَّعبيّ  »ابعد عن الشَّرّ وغنّيلو« . فودَّع الشَّاعر عجاج المهتار لبنان مهاجرًا إلى أميركا، مغنّيًا وطنه ومتغنِّيًا به، ومتأسِّفًا على ما أصابه :

لبنان ما عندي وطن بمعزّتو — ما كان بدّي ابتعد عن أرزتو
كان الجبل عالي وما تهزّو رياح — هبَّت رياح الطَّائفيّة وهزّتو
(الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 17)

ثمّ يلجأ سلام الرَّاسي إلى الحكاية في توصيف الحوار غير المجدي بين الزّعماء اللبنانيّين في مدينتي جنيف (1983) ولوزان (1984) في سويسرا، فيشبّه هذا الحوار اللبنانيّ في سويسرا بحكاية جحا مع خاتمه الذي أضاعه في العتم وبحث عنه في النّور، ويقول :

بعد سبع سنوات من الاقتتال الطّائفيّ في لبنان، وبعد انتخاب أمين الجميّل رئيسًا حدث انفراج أمنيّ، وذهب الزّعماء إلى لوزان في سويسرا حيث تصارحوا وتصالحوا على صيغة الحلّ. فالتقى سلام الرّاسي بأديب حدّاد (الفنّان أبو ملحم) وذكّره بردّة زجل مشهورة له في مناسبة سابقة : (
بتعرفوا درب الخلاص، وبتبعدوا — وبهالطريقة كيف بدكم تهتدوا
مثل الذي بالبيت ضيَّع خاتمو — وفتَّش عليه عالدّرب، ما كان يوجدو ( الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 47).

فأجابه أبو ملحم مرتجلًا ومستعيدًا المثل الشَّائع « رجعت حليمة لعادتها القديمة ». يرتبط هذا المثل « بحكاية تُروى عن زوجة حاتم الطَّائي، الذي اشتهر بالكرم في عرب الجاهليَّة. فكانت حليمة – زوجته – معروفة بالبخل، وتكره الإسراف في العطاء، خلافًا لطباع زوجها. ويُقال إنَّها بدأت تُقلّد كرمه مجاراة له، لكنَّها ما لبثت أن عادت إلى بخلها بعد موته أو عند أوَّل فرصة، فقالوا :  »رجعت حليمة لعادتها القديمة« . وهكذا أصبح المثل يُستخدم للدَّلالة إلى العودة إلى الطَّبع الأصليّ بعد محاولة التَّطبُّع أو التَّظاهر بعكسه، وفي جوابه كان يعكس عدم تفاؤله بحوارات جنيف ولوزان بين الزُّعماء اللبنانيّين، فيقول :

قالوا بلوزان الجماعة تقاربوا — وتفاهموا وتصالحوا وتحاببوا
مِنْخاف لمّا بيرجعوا متفاهمين —  »ترجع حليمة«  ويرجعوا يتحاربوا
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 48)

وصدق ظنّ أبو ملحم، ومعه ناشر جريدة السَّفير اللبنانيّة طلال سلمان، ففشل المتحاورون في التَّوصُّل إلى حلّ ينهي حرب لبنان،  »لأنَّهم كانوا يمثّلون طوائفهم«  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 48)، فلم يمتثلوا لما كان يرتجيه منهم وطنهم وشعبهم. ثمَّ عادوا واستؤنفت الحرب بشراسة أكبر. فمن أضاعوا لبنان في لبنان، لم يجدوه في سويسرا، ولن تعود سويسرا الشّرق إلى سابق عهدها ما لم تبرأ من الطّائفيّة.

2.2. الأدب الشّعبيّ يقارع الحاكمين بالسّخرية

  1. الحرب بالشَّتائم بعد الهزائم : »بعد اتّفاق القاهرة الّذي سمح للفدائيّين الفلسطينيّين إنشاء قواعدهم العسكريّة « فتح لاند » في منطقة العرقوب في حاصبيا، انطلق العمل العسكريّ الفلسطينيّ من هناك إلى الدّاخل الفلسطينيّ، وردّت إسرائيل بقصف قرى العرقوب قصفًا قوبل ببيانات استنكار لبنانيّة وعربيّة، وتهديدات فلسطينيّة لفظيّة مضادّة، فوصف سلام الرّاسي ردود الفعل على الاعتداءات :

نحنا ما عنّا سلاح خرج مْدافعة — عنّا تشاقيع وشتائم لاذعة
منقذف شتيمة عالقذيفة القادمة — بتردّها صوب الأعادي راجعة
(الرَّاسي، إقعد أعوج وإحكي جالس، 1997، صفحة 88).

  1. التّسويات الفوقيّة المؤقّتة: هدَنات هشّة تُرحّل الأزمة : أمّأ التّسويات الفوقيَّة المؤقَّتة التي عُقدت خلال الحرب بين زعماء الميليشيات والقوى السياسية، والتي غالبًا ما جاءت نتيجة ضغوط إقليميَّة ودوليَّة، لا بفعل توافق داخليّ حقيقيّ. هذه التَّسويات، وإن بدت حلولًا آنيَّة لوقف العنف، إلا أنها بقيت هشّة، لم تقم على أسس إنشاء دولة مدنية عادلة. فهي « فوقيّة » بطبيعتها، تُبرَم بين الزعماء في الغرف المغلقة، فتتّسم بأنَّها « مؤقّتة » لا تُعالج جذور الأزمة بل تُرحّلها. لذلك، بدت هذه التسويات أشبه بهدنات مرحليّة كانت تُبقي البلاد في حالة توازن هش، فيبقى خطر الانفجار قائمًا بعدها ما دامت البُنى العميقة للأزمة على حالها. لم ترق هذه التّسويات للرَّاسي، فقال فيها :

بعد القتال تصالحوا الكبار — فرحنا كتير نحنا بهيك اخبار
رجعنا سألنا مجرّبين قالوا — « القطّ والفار تصالحوا... يا خراب الدّار »
(الرَّاسي، إقعد أعوج وإحكي جالس، 1997، صفحة 95).

  1. الأمل النقديّ: إيمانٌ بلبنان أقوى من الحرب والطّائفيّة : 3-لكنّ إيمان سلام الراسي بلبنان الأقوى من الحرب والانقسام جعله يسوق الحكايات والأمثال التي تعكس روح التّفاؤل والإيمان. لم يكن إيمانه ساذجًا أو مثاليًّا، بل نقديٌّ، يدرك مكامن العلل لكنّه لا يفقد الأمل. فحتَّى في لحظات الانقسام والحرب، ظلّ يرى بلاده عزيزة وقادرة على تجاوز الطَّائفيَّة والمذهبيّة. فكان يبحث عن لبنان الحقيقيّ رافضًا لبنان مشوَّه حرب وسياسات :

ألاا ليت شعري ما يُرادُ لأمّةٍ — تقاسمَها حكّامها والمذاهب
« بلادي وإنْ جارَت عليّ عزيزةٌ » — ولو كان لي فيها وزيرٌ ونائب...
(الرَّاسي، إقعد أعوج وإحكي جالس، 1997، صفحة 197)

3. العيش المشترك واللّاطائفيّة

1.3. نوستالجيا العيش المشترك

يعود سلام الرّاسي إلى التّاريخ، ليجد في هذا المسار الطّائفيّ الطّويل وقفة عزّ وكرامة حين اجتمع المسيحيّون والدّروز والشّيعة والسُّنَّة في عامّيّة أنطلياس ضدّ ابراهيم باشا المصري في العام 1840، وتعاهدوا فيما بينهم على أن يحاربوا ليستردّوا استقلالهم أو أن يموتوا... ولمعت في ذلك الزّمان أسماء مثل شبلي العريان وأحمد داغر، وأبو سمرا غانم ويوسف الشّنتيري اللذين خلَّدَتْهما رَدَّة حداء شعبيّة تقول : « بو سمرا والشَّنتيري، بيسووا ثلثين الدِّيرة » (الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، صفحة 48).

ويمتدح الرّاسي الخرافة السّمحاء ضدًّا للطّائفيّة العمياء، فيراها في الزّمن الغابر عامل عيش مشترك، حين

كان اللبنانيّون يؤمنون بخرافاتٍ عابرة للطّوائف منها : الخرزة الزّرقاء لصيبة العين ونضوة الفرس فوق الباب والدّقّ على الخشب والتّشاؤم من نعيق الغراب ونعيب البوم ونباح الكلب بالمقلوب والعدد 13، ناهيك عن اجتماعهم على تفسير الأحلام، فالغنم غنيمة والمعزى عزاء والماء بلاء، وإيمانِهم بالخبز والملح وأخوّة الحليب وطاسة الرّعبة والحجابات والأحراز. بالوعي، انحسرت الخرافة الّتي تجمع، لكنّ الطّائفيّة الّتي تفرّق باقية ومستشرية مهما تقادم الزّمان وتقدّم (الرَّاسي، ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب، 1998، الصفحات 16-21).

2.3. لبنان اللاطائفيّ

يذكر سلام الرّاسي شواهد كثيرة عن لبنانيّين رفضوا الانغماس في الانقسام الطّائفيّ والإمعان في تعميق الهوّة بين أبناء وطنهم، فيورد مثلًا من كتاب« من أيّام العمر » لجبرائيل جبّور عن الإمام موسى الصَّدر تحت عنوان « إمام مسلم يقرأ فصولًا من الإنجيل:

كنت في أوائل السّبعينيّات رئيسًا للجنة المدارس الإنجيليّة الوطنيّة، ودعونا سماحة الإمام موسى الصّدر ليكون خطيب حفلة التّخرّج في المدرسة، وكان من منهاج الحفلة أن يبدأ راعي الطّائفة الإنجيليّة بقراءة فصل من الإنجيل، وعندما تأخّر الرّاعي قال الإمام الصّدر لمضيفه : إذا لم يحضر سيادته في الموعد المحدّد، فأنا أقرأ الإنجيل.

ويضيف :

يشهد الله أنّي تمنّيت من صميم قلبي أن يغيب الرّاعي ويسمع الجمهور من مسلمين ومسيحيّين إمامًا مسلمًا يقرأ في حفلٍ مسيحيّ فصلًا من الإنجيل، ويدركوا معنى المحبّة والتّساهل الدّينيّ. وكانت رسالة الإمام في تلك الحفلة دعوة إلى المحبّة والصّلاح والخير والوئام، والجمهور معجبٌ بروعة خطابه وسماحة روحه (الرَّاسي، 1995، صفحة 106).

وعاد الإمام الصّدر ليحقّق رغبة جبرائيل جبّور فيلقي عظة الصّيام في بداية الصّوم الكبير عند المسيحيّين من على منبر كنيسة الكبوشيّين في بيروت في شباط من العام 1975، لتكون خطابًا إنسانيًّا جامعًا وصرخة في فضاء الوطن، تحثّ النّاس على اللقاء قبل فوات الفرصة على اجتماعهم ونشوب الحرب، لكنّ هذا الصّوت لم يفلح في استنقاذ الوطن من حربه بعد شهرين من خطبة الكنيسة في 13 نيسان 1975. ونستقي بعضًا من اليوتوبيا الواردة في هذه الخطبة :

اجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان، وكانت واحدة في خدمة الهدف الواحد دعوة إلى الله وخدمة للإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة. وعندما نسينا الهدف وابتعدنا عن خدمة الإنسان، نسينا الله وابتعد عنّا، فأصبحنا فرقًا واختلفنا. والآن نعود إلى الإنسان ليعود الله إلينا؛ نلتقي على الإنسان المستضعف لكي نلتقي في كل شيء، ولكي نلتقي في الله فتكون الأديان واحدة (الصَّدر، 2009).

ثمّ يعيد الرّاسي الحديث عن لبنان اللاطائفيّ، فيورد كلامًا للمربّي الأستاذ أنيس المقدسي عن لبنان اللاطائفيّ مؤدّاه :

كيف يكون لبنان طائفيًّا، والأب لويس شيخو والأب هنري لامنس اليسوعيَّان يؤلِّفان وينشران روائع الأدب العربيّ والإسلاميّ؟ ويضيف : اشترك يوسف الأسير الأزهريّ (نسبةً إلى الجامع الأزهر) في تعريب الكتاب المقدَّس (التَّوراة والإنجيل)، ونظم ترانيم روحيَّة مسيحيَّة يترنَّم بها الإنجيليُّون في الكنائس والمنازل على الدَّوام، وقد حوتها كتب ترانيمهم  (الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 62).

4. الدولة/الاستقلال/الأمل : من الدّيستوبيا إلى إمكان اليوتوبيا

1.4. الاستقلال بين اليوتوبيا والدّيستوبيا

يُقارب هذا المحورُ تمثّلاتِ الاستقلال عند سلام الرّاسي بوصفه مفهومًا مُلتبسًا يتأرجح بين الوعد السياديّ والخيبة الاجتماعيّة والسياسيّة. فبدل أن يظهر الاستقلال حدثًا مُكتمل الدلالة، يكشف الخطاب الشعبيّ—شعرًا وحكايةً ومثلًا—عن فجوةٍ عميقة بين رمزية العيد الوطنيّ وبين واقع الناس المعيشيّ، كما في صوت الجنوب سنة 1973 حيث يتحوّل السؤال عن “معنى الاستقلال” إلى مساءلةٍ عن الجوع والبرد والقهر. ويتوسّع المنظور مع الاغتراب سنة 1976، إذ تُصبح السخرية من السياسات والقوانين علامةً على استقلالٍ “مُفرَّغ” لا يحمي الوطن ولا يصون كرامة مواطنيه. وفي المقابل، يستدعي الرّاسي لحظة 1943 لتفكيك ازدواج الولاءات بين من استبطن منطق الانتداب ومن انحاز إلى مشروع التحرّر، مُبرزًا كيف تصنع المصلحة ضدّ الاستقلال خطابًا مناهضًا له، وكيف تُعيد يوتوبيا الوحدة الوطنيّة (بدنا بشارة بدنا رياض — إسلام ومسيحيّة) تأسيس الاستقلال على قاعدة الإجماع الشعبيّ والكرامة المشتركة. بهذه الحركة المزدوجة—نقدًا لديستوبيا الاستقلال واستعادةً ليوتوبياه—يضع الرّاسي الاستقلال في قلب سؤال أخلاقيّ وسياسيّ: متى يكون الاستقلال سيادةً فعليّة، ومتى يغدو شعارًا تُكذّبه الوقائع؟

  1. الاستقلال المُفارِق: جوعُ الجنوب يُسائل معنى السيادة :في الجانب الدّيستوبيّ للبنان الاستقلال، ينقل سلام الرّاسي أنّه في ذكرى الاستقلال زار وفد إعلاميّ الجنوب في العام 1973 لمعاينة احتفاليّة الاستقلال جنوبًا، فوصل إلى مرجعيون ليجري تحقيقا عن واقع تلك القرى،  »وكان السّؤال للمواطنين هناك عن اسم المواطن المستصرَح وما يعنيه له الاستقلال، فيجيب أحد الجنوبيّين :

لا تسألني أنا مين — وشو بيعنيلي الاستقلال
ما بيكفيني سين وجين — وكيف الصّحّة وكيف الحال
جوعانين وبردانين — ومقهورين وعنّا عيال
وبتسألني أنا مين — وشو بيعنيلي الاستقلال؟
(الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 48)

  1. استقلالٌ مُفرَّغ: سخرية المغترب من سياسات الدولة : وفي زيارته البرازيل في العام 1976 بعد اندلاع الحرب واحتدام حرب السّنتين العنيفة، أتى معه ببيتين من الشّعر من المغتربين هناك فيهما نقد للسّياسات المودية إلى ضياع الاستقلال :

فهمنا كلَّ سياستكم — وقوانينَ حكومتكم
إن كان هيك الاستقلال — العوض بسلامتكم
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 156).

  1. « واحد ضدّ الاستقلال »: فضحُ أنصار الانتداب ومصالحهم :يميّز سلام الرَّاسي أبناء وطنه بين من رضي بالانتداب وبين من انحاز إلى الاستقلال في العام 1943، فيستعين على من أعلنوا ولاءهم للانتداب على حساب المصلحة الوطنيّة، وأرادوا ديمومة هيمنته على البلاد ساعين إلى إفشال الاستقلال بأيّ وسيلة ممكنة بصرخة واعية يطلقها أديب حدَّاد (أبو ملحم) في وجوههم :

واحد بيضحّي بمالو — حتّى ينال استقلالو
وواحد ضدّ الاستقلال — حتّى يحافظ عَ « جلالو »
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 185)3

أمّا في الجانب اليوتوبيّ للبنان الاستقلال، يستعيد سلام الرَّاسي وحدة اللبنانيّين في معركة الاستقلال في العام 1943 منطلقًا من نداء تقيّ الدِّين الصُّلح على درج المجلس النِّيابيّ (بدنا بشارة بدنا رياض : بشارة الخوري رئيس جمهوريّة الاستقلال ورياض الصّلح رئيس حكومة الاستقلال)، ومن إضافة المتظاهرين خلف تقيّ الدِّين الصُّلح إلى عبارته (بدنا بشارة بدنا رياض إسلام ومسيحيّة)، فيهتف الجميع :

بدنا بشارة بدنا رياض — إسلامْ ومسيحيّهْ
بدنا حكومتنا ترجع — والوحدهْ الوطنيَّهْ
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 185).

فكان هذا تأسيسًا لتراجع الفرنسيّين عن مشروع إسقاط الحكم الوطنيّ، وإفراجهم عن رجاله المعتقلين. ونُسِبَ يومئذٍ إلى ميشال شيحا، أحد أشهر رجالات ذلك العهد قوله :  »إنَّ تقيّ الدِّين الصُّلح أفشل، بمبادرته، مخطَّط الانتداب الفرنسيّ«  (الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال، 1998، صفحة 185).

2.4. لبنان اليوتوبيا : ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !

لا يركن سلام الرّاسي إلى التّشاؤم، فسرعان ما يتداوى من الحرب وويلاتها وشرورها بقريضٍ من الوطنيّات وبمثلٍ يغبط لبنان وأهله على نعمة هذا البلد. فيستعين مجدَّدًا بزهرة الحرّ شاعرة جبل عامل، حيث يزهو لبنان وإنسانه على لسانها في قولها الَّذي ينقله سلام الرَّاسي :

حَيَّيْتُ في وطني، أهلي وإخواني — تحيّة الحبّ، من قلبي ووجداني
أهلُ الكرامةِ أهلي والوفاءِ، وإنْ — سُئِلْتُ عنهم، فأهلي شعبُ لبنانِ
(الرَّاسي، القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال, 1998، صفحة 218).

ثمّ يذهب إلى شحرور الوادي الشّاعر الشّعبيّ أسعد الفغالي، فيأتي منه بهذا القول المتفائل بلبنان وطنًا سينهض من محنته ويجمع شتات أبنائه تحت ظلال أرزه :

لبنان ما عندي وطن بمعَزّتو — ما احلى التّظلّل تحت فَيِّة أرزتو
لا بدّ يا لبنان ما نرجع نقول —  »نيّال من لُو فيك مرقد عنزتو« 
(الرَّاسي، يا جبل ما يهزّك ريح، 2000، صفحة 16).

ولمّا وضعت الحرب أوزارها، وتفاءل اللبنانيّون بقيامة وطنهم ونهوضه بعد سنوات الاقتتال والدّمار والتّهجير، فعبّر شاعر آخر عن أمنياته بالتئام شمل اللبنانيّين بإرادة صادقة ومحبَّة صافية، وقال :

لا تسألوني شو بتتمنّى — تمنّيت نرجع متل ما كنّا
ويعود يعمر  »مرقد العنزة«  — بالصّدق والإخلاص يجمعنا
(الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 18).

ويبقى سؤال أديب حدّاد بين لبنان اليوتوبيا والدّيستوبيا رائجًا إلى يومنا هذا في محاولة حثيثة لفهم ما حلّ بهذا البلد من ويلات ومحن جعلت بلاد الأرز مرتعًا للذِئاب :

لبنان يا أغلى وطن، بدّنا جواب — ليش صار  »مرقد عنزتك«  مرتع ذياب؟
(الرَّاسي، النَّاس أجناس، 1995، صفحة 20)

أمّا وصفة سلام الرّاسي لاسترجاع لبنان اليوتوبيا من براثن الدّيستوبيا، فبسيطة جدًّا، مؤدّاها :

 أوّلًا لا تسويات وأنصاف حلول متراجعًا عن مقولته الحكم بالتّراضي أفضل من حكم القاضي، وثانيًا لا يجوز أن يتولّى الّذين دمّروا لبنان إعادة تعميره، لأنّ « من يصلحْ للتّدمير لا يصلحُ للتّعمير (الرَّاسي، 1995، صفحة 45).

خاتمة

  • ساعد سلام الرّاسي بأدبه الشّعبيّ على صناعة الأمل بحياة أفضل، وأسهم في غرس وعي بمواطنيّة تنتمي إلى منظومة القيم لا إلى الطّائفة. فرسَّخ صورة مثلى لوطنه عبر شخصيَّاته البسيطة التي تواجه قسوة الواقع بروح من الفكاهة والحكمة. فبدلًا من الانجرار إلى الطَّائفيَّة، ركّز على القيم الإنسانيَّة المشتركة كالكرامة، والعدل، والصّدق، التي تتجاوز الانتماءات الضَّيِّقة. وبذلك، أسهم في غرس وعي مدني يجعل من المواطنة أساس الانتماء، لا الطَّائفة أو الزَّعيم.

  • يمكن القول أنّ قارئ سلام الرّاسي سيدرك أنّ عقليّة الانفتاح والثّقة والحوار هي المطلوبة لقيامة لبنان لا عقليّة التّعصّب والكره والخوف من الآخر المختلف. فالدّيستوبيا تنشأ من الانغلاق أو التَّمترس الطَّائفيّ، أمَّا اليوتوبيا، فتكون بالانفتاح والتّلاقي واجتماع إرادة اللبنانيّين على النّهوض بوطنهم، وإسقاط الحواجز المصطنعة بين الطَّوائف والمناطق. بهذا المعنى، يُوجّه الرّاسي رسالة واضحة مفادها أنَّ الثقة والحوار هما السَّبيل إلى وطن واحدٍ ونهائيّ، لا الخوف والعزل والانعزال واستبطان العداء.

  • طرح سلام الرّاسي رؤية بديلة تستلهم التّراث والتّاريخ لمعالجة الواقع وأزماته. فهو لا يلجأ إلى التُّراث الشَّعبيّ والتَّاريخ، حنينًا للماضي، بل يريدهما مرآة نقديَّة لفهم الحاضر. في حكاياته وأمثاله، استحضر حكمة الأسلاف والمعاصرين، ليُضيء بها جوانب من أزمات الواقع، ويستلهم القيم الأصيلة في معالجة شروخ الحرب وآفاتها.

  • أعلى سلام الرّاسي شأن القيم وجعلها حجر الأساس في منظومة اجتماعنا الوطنيّ مقدِّمًا إيَّاها على المصالح الشَّخصيَّة والفئويَّة. فانتصر للصّدق، والنَّزاهة، والكرامة، وعدَّها أسسًا لأيّ نهضة وطنيَّة حقيقيَّة، في مقابل ازدرائه للطَّائفيَّة والفساد والانتهازيَّة. من خلال شخصيَّاته الشَّعبيَّة، صوّر الرَّاسي كيف يمكن للتَّمسُّك بالقيم أن يُشكّل مقاومة أخلاقيَّة في وجه ممارسات الحرب وارتكابات المتحاربين.

  • ربط سلام الرّاسي مخيالنا الجمعيّ بالمكان، وقال بترابط عميق بين التّراث والتّراب في الانتماء والهويّة الأصيلة والمنفتحة والإنسانيّة. فجعل من الحكايات والأمثال مرآة لذاكرة الأرض وناسها. في أدبه، لم يكن التُّراث مجرّد سرد ماضٍ جامد، بل امتداد حيّ للتّراب، يعكس علاقة الإنسان بجغرافيَّته وثقافته. بهذا التَّرابط، صاغ رؤية لهويّة أصيلة تنبع من الأرض، لكنَّها منفتحة وإنسانيَّة، تحتضن التَّنوُّع بدل أن تنغلق عليه.

  • آمن سلام الرَّاسي بالتّثاقف وجعل بمرويّاته كلّ مواطن مثقِّفًا ينقل لسواه موروث الحُبّ والحياة. فهو لا يرى الثقافة حكرًا على النُّخب، بل هي فعلٌ يوميّ يتشارك فيه النَّاس بما ينعقد عليه اجتماعهم من الحكايات والأمثال والتَّجارب الحياتيّة. لقد جعل من كل مواطن، مهما كان بسيطًا، « مثقِّفًا » ينقل للآخرين قيم الحُبّ، والحكمة، والحياة، من خلال روايته للواقع بلغته المحكيَّة البسيطة. بهذا المفهوم، ارتقى بالثَّقافة الشَّعبيَّة إلى مقام التَّأثير والتَّنوير، معزِّزًا دور النَّاس في صناعة الوعي الجمعيّ منطلقًا للخلاص.

1 (كُلَيب وجَسَّاس المقتول والقاتل في حرب البسوس الجاهليّة ).

2 المأمون والأمين ابنا هارون الرّشيد قتل الأوّل الثّاني في الصّراع على الحكم).)

3  الجِلال : كساء يوضع على ظهر الدَّابّة.

المراجع

أحمد ابراهيم الشَّريف. (27 آب, 2020). الأمين والمأمون من الظالم؟.. ابنا هارون الرشيد يتقاتلان حتى الموت. اليوم السابع. تم الاسترداد من : Youm7 (4948357)

الجزيرة الوثائقيَّة. (24 تموز, 2022). « البسوس ».. حرب الـ40 عامًا في الجزيرة العربية. الجزيرة نت. تم الاسترداد من : Aljazeera (Doc)

أيمن جزِّيني. (22 تشرين الثَّاني, 2022). بشير الجميّل : قدّيس لبنان وشيطانه. أساس ميديا. تم الاسترداد من : Asas Media (42219)

سلام الرَّاسي. (1995). النَّاس أجناس. بيروت : نوفل، ط1. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 9789953260518)

سلام الرَّاسي. (1997). إقعد أعوج وإحكي جالس. بيروت : دار نوفل، ط2. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 9789953260891)

سلام الرَّاسي. (1997). في الزَّوايا خبايا. بيروت : نوفل، ط6. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 9789953265803)

سلام الرَّاسي. (1998). ثمانون أو العمر الدَّائب في البحث عن المتاعب. بيروت : دار نوفل، ط2. معلومات الكتاب على : Neelwafurat

سلام الرَّاسي. (1998). القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال. بيروت : نوفل، ط2. معلومات الكتاب على : Naufal (Hachette Antoine)

سلام الرَّاسي. (1998). من كلّ وادي عصا. بيروت : دار نوفل. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 3000000001349)

سلام الرَّاسي. (2000). الأعمال الكاملة : المجلّد الثاني. بيروت : دار نوفل. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 3000000153512)

سلام الرَّاسي. (2000). يا جبل ما يهزّك ريح. بيروت : دار نوفل. معلومات الكتاب على : Antoine Online (EAN 3000000001363)

موسى الصَّدر. (12 كانون الأوَّل, 2009). حفاظًا على الإنسان. مركز الإمام موسى الصَّدر للأبحاث والدّراسات. تم الاسترداد من : imamsadr.net (5950)

ناضر زاهي. (21 تشرين الثَّاني, 2014). رجل حكمة وحكاية وتراث. السَّفير. تم الاسترداد من : Archive Assafir

وفيق غريزي. (1 تمُّوز, 2003). ثقافة وفنون : منهجية محببة في إحياء التراث الشعبي. الموقع الرِّسميّ للجيش اللبنانيّ. تم الاسترداد من : LebArmy

1 (كُلَيب وجَسَّاس المقتول والقاتل في حرب البسوس الجاهليّة ).

2 المأمون والأمين ابنا هارون الرّشيد قتل الأوّل الثّاني في الصّراع على الحكم).)

3  الجِلال : كساء يوضع على ظهر الدَّابّة.

YunasS Zalzali

Lebanese University

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article