مقدمة
تشكل القصور الصحراوية في الجنوب الجزائري أحد أكثر الأنساق العمرانية التصاقاً بالبيئة الطبيعية وبالتاريخ الاجتماعي للمنطقة. فهي ليست مجرد تجمعات سكنية مغلقة شُيّدت لحماية السكان من المناخ القاسي أو من الأخطار الخارجية، بل هي أيضاً بنى مركبة تتقاطع فيها الوظائف الدفاعية والاقتصادية والدينية والعلمية والرمزية. ومن ثم فإن دراسة القصر الصحراوي لا تقتصر على وصف مادته البنائية أو تخطيطه العمراني، وإنما تستلزم قراءة موقعه داخل تاريخ المجال، وفي صلة ذلك كله بأنماط الاستقرار، وشبكات التجارة، ونظم التضامن الاجتماعي، وآليات إنتاج المعنى داخل الجماعة المحلية.
وفي هذا الإطار تبرز منطقة توات بوصفها مجالاً غنياً بالقصور التي شكّلت عبر القرون بنية حضارية متكاملة، ارتبطت بالحركة التجارية العابرة للصحراء، وبالاستقرار الزراعي الواحاتي، وبالمراكز العلمية والدينية التي أسهمت في بناء مكانة الإقليم داخل الجنوب الغربي الجزائري. ويُعد قصر كوسام واحداً من النماذج الأكثر دلالة في هذا السياق؛ إذ ما يزال يحتفظ بقدر معتبر من خصائصه العمرانية التقليدية، كما أنه يمثل حالة لافتة من التفاعل بين المحافظة على الأصل المعماري وبين محاولات الترميم والتحديث وإعادة الإدماج في محيطه الثقافي والسياحي.
تنطلق هذه الورقة من الإشكالية الآتية : إلى أي مدى استطاع قصر كوسام أن يحافظ على بنيته القصورية الأصيلة، وأن يعيد تفعيل وظائفه الاجتماعية والعلمية والرمزية، في ظل التحولات العمرانية والثقافية التي عرفتها منطقة توات؟ وتفترض الدراسة أن صمود هذا القصر لا يرتبط فقط بمتانة بنيته المادية، بل كذلك باستمرار وظائفه المقدسة والعلمية، وبقدرة الفاعلين المحليين والمؤسسات العمومية على تحويله من أثر عمراني مهدد إلى مورد تراثي قابل للتثمين.
وتهدف الدراسة إلى : أولاً، التعريف بقصر كوسام جغرافياً وتاريخياً؛ ثانياً، تحليل فضاءاته الرئيسة ووظائفها السوسيو-مجالية؛ ثالثاً، إبراز الآليات المعتمدة في إعادة الاعتبار لهذا القصر، سواء على مستوى الترميم أو صون المخطوطات أو التنشيط الثقافي أو الإدماج السياحي؛ ورابعاً، اقتراح تصور عام لفهم العلاقة بين حفظ التراث القصوري والتنمية المحلية المستدامة.
وتعتمد الورقة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تجميع المادة التاريخية والعمرانية المتصلة بالقصر، والاستناد إلى الوثائق المحلية الخاصة بخزانته ومدرسته، وإلى الأدبيات التي تناولت عمران توات ووظائفه الاجتماعية، فضلاً عن قراءة المعطيات الوصفية المتعلقة بفضاءات القصر ومرافقه المختلفة. وبهذا المعنى، تسعى الدراسة إلى الانتقال من الوصف الجزئي إلى التأويل البنيوي الذي يربط المعمار بوظائفه، والفضاء بذاكرته، والموروث المادي بمقومات استدامته في الحاضر.
1. قصر كوسام : التحديد الجغرافي والتأصيل التاريخي
لا يمكن فهم وضعية قصر كوسام الحالية من دون العودة إلى محدداته الجغرافية والتاريخية؛ فالمعمار القصوري في الصحراء لا ينشأ اعتباطاً، وإنما يتشكل استجابةً لشروط الموقع، ولمقتضيات الأمن، ولمتطلبات التبادل الاقتصادي، ولأنماط العيش المستقرة التي تترسخ تدريجياً حول الماء والزراعة ومؤسسات الجماعة.
1.1 الموقع الجغرافي
يقع قصر كوسام فلكياً بين خطي طول 0.3494 وخط عرض 27.8444، ويتموضع جغرافياً غرب ولاية أدرار، على مسافة تقارب سبعة كيلومترات من مقر الولاية. ويتبع إدارياً لبلدية أولاد أحمد تيمي، التي تبعد عن مدينة أدرار بنحو ثلاثة كيلومترات، وتبلغ مساحتها 4650 كلم²، في حين بلغ عدد سكانها 13,547 نسمة حسب إحصاءات سنة 2008. ويحد القصر شمالاً قصرا المنصورية وملوكة، وجنوباً أرض بور، وشرقاً الطريق الوطني رقم 06، وغرباً قصر بوزان.
وتكمن أهمية هذا التموضع في أنه يضع القصر داخل شبكة قصورية متجاورة ومتصلة، بما يسمح بقراءته لا بوصفه وحدة معمارية معزولة، بل جزءاً من نظام مجالي متكامل في توات، حيث تتوزع القصور تبعاً لمقتضيات الماء والزراعة والتنقل والأمن. ومن ثم فإن الموقع لا يؤدي وظيفة تحديدية فقط، وإنما يفسر أيضاً بعض خصائص القصر العمرانية ووظائفه الاقتصادية والاجتماعية.
الشكل 1. التحديد المجالي لقصر كوسام ضمن المجال القصوري لتوات. المصدر : عليق، 2001، ص. 165.
المصدر: عليق (2001، ص. 165).
2.1. لمحة تاريخية عن القصر
يُعد قصر كوسام من القصور الصحراوية العتيقة الضاربة في تاريخ توات، وتشير المعطيات المحلية إلى أن وجوده سابق لسنة 598هـ، وهو ما يمنحه عمقاً تاريخياً واضحاً داخل الذاكرة العمرانية للمنطقة. وتذكر الوثائق أن القصر كان يعرف قديماً باسم « تيسان »، وأنه شكّل سوقاً ومركزاً تلتقي فيه القوافل العابرة، لما كان يتوافر عليه من واحات ومصادر تزود، إضافة إلى مكانته العلمية والحضارية خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين.
ويورد سلكة عبد الرحمن، في مذكراته حول توات، أن القصور الثلاثة : كوسام وبوزان وملوكة، شُيِّدت في الفترة نفسها على يد رجال عرب قدموا من تافيلالت، وأن كوسام وملوكة كانتا مقرين للتدريس الشرعي، إلى جانب وجود مكتبة مهمة تضم مخطوط « سيدي خليل » كاملاً (عليق، 2001، ص. 51). ومع نهاية القرن الثالث عشر الهجري، سطع نجم كوسام بوصفه مركز إشعاع علمي وحضاري يقصده طلبة العلم.
وفي سنة 1278هـ دخل البلباليون القصر بعد شراء جزء منه، وأسسوا به المدرسة الكوسامية في شهر ربيع الثاني من السنة نفسها. ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسم القصر بالخزانة والمدرسة والقضاء، فضلاً عن احتفاظه إلى اليوم بمعالمه الأثرية من أبراج وقصبات وخزانة مخطوطات يقصدها الطلبة والباحثون والزوار. ويشير هذا المسار التاريخي إلى أن قيمة كوسام لا تختزل في كونه عمراناً طينياً قديماً، بل تتصل كذلك بدوره في إنتاج المعرفة، وبموقعه داخل التاريخ الثقافي لتوات.
2. البنية المكانية والوظيفية لقصر كوسام
تتحدد المورفولوجيا المجالية للقصر الصحراوي من خلال تفاعل معقد بين الشروط الطبيعية، والحاجات الدفاعية، وأنماط القرابة والتعاون، وتعاليم الدين الإسلامي المتصلة بالحرمة والحياء وتنظيم المجال. ولهذا لا تظهر فضاءات القصر كأجزاء مادية متجاورة فحسب، بل بوصفها نظاماً وظيفياً يوزّع السكان والأنشطة والرموز داخل نسق متماسك. ومن هذا المنظور يمكن قراءة قصر كوسام من خلال ثنائية الفضاء المدنس والفضاء المقدس، مع الانتباه إلى أن هذه الثنائية ليست قطيعة، بل تمايز وظيفي داخل وحدة عمرانية واحدة.
1.2. الفضاء المدنس : مجال السكن والحركة والحاجات اليومية
يشمل هذا الفضاء مختلف العناصر المرتبطة بالممارسات الاعتيادية، وبإشباع الحاجات الفيزيولوجية والاجتماعية، وبالتنظيم الداخلي للجماعة، ولذلك تتحدد العناصر المعمارية فيه وفق منطق الخدمة والانتفاع والحماية.
1.1.2. الأسوار والأبراج
يشكل السور والأبراج سمة أساسية في العمارة الصحراوية، ولا سيما في البيئات المفتوحة التي لا توفر مرتفعات جبلية ذات وظيفة تحصينية. فالسور عبارة عن جدار مرتفع، غالباً ما يكون مربّعاً أو مستطيلاً، يحيط بالمجمع السكني ويؤمنه، وقد يصل علوه إلى ستة أمتار أو يزيد. أما الأبراج فتأخذ شكلاً هرمياً عريضاً في القاعدة يضيق كلما ارتفع، وتتموضع عادة في الزوايا، وتحتوي على سلالم داخلية ومزاغل للمراقبة، كما تُستغل في أسفلها مخازن للمحاصيل والأملاك الجماعية (ثياقة، 2015، ص. 115).
ولا يزال قصر كوسام يحتفظ بسوره وبأبراجه الأربعة، وهو ما يدل على استمرار البعد الدفاعي في بنيته، حتى وإن كانت وظيفة التحصين اليوم قد فقدت كثيراً من ضرورتها المباشرة. ومع ذلك فإن حضور السور لا يزال يؤدي معنى رمزياً مهماً، إذ يحدد حدود الجماعة ويفصل بين داخل القصر وخارجه، بين المجال المؤطَّر اجتماعياً والمجال المفتوح.
الشكل 2. جزء من السور الخارجي وأحد الأبراج بقصر كوسام. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام.
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
2.1.2 المساكن
تتسم بيوت القصر بالتشابك والتلاصق، وتأخذ في الغالب شكلاً مربعاً أو مستطيلاً، وتتراوح مساحتها بين 90 و100م². ويعبّر هذا التلاصق عن منطق عمراني لا ينفصل عن منطق اجتماعي؛ فالتقارب بين البيوت ليس مجرد اقتصاد في المساحة أو استجابة للمناخ، بل هو أيضاً تجسيد لقيم التآخي والتكافل والتساند بين أبناء القصر الواحد.
وما يزال قصر كوسام يحتفظ بأغلب مساكنه، وإن كانت بعضها قد عرف تعديلات وتوسيعات أُلحقت بها خارج السور، استجابةً للنمو الديمغرافي وتحول حاجات السكن. وهنا تتبدى إحدى القضايا المركزية في دراسة القصر : فالتحديث ليس دوماً نقيضاً للأصالة؛ إذ قد يكون في بعض حالاته آلية استمرار، شريطة ألا يفكك منطق التنظيم الأصلي أو يطمس الدلالة المكانية للفضاءات التقليدية.
3.1.2 الأزقة والأبواب
تقوم الأزقة داخل القصر بدور حيوي يشبه ما تؤديه الشرايين في الجسد؛ فهي تربط المساكن بعضها ببعض، وتحوّل الكتلة العمرانية إلى شبكة متصلة. وتُعد هذه المسالك ملكية جماعية يخضع تنظيم استعمالها وصيانتها للجماعة، كما نُفِّذت وفق معايير تراعي الحرمة والحياء، ويحيط بعضها بعتبات صغيرة تستخدم للجلوس والمؤانسة (حوتية وبوسليم، 2021، ص. 51).
وفي قصر كوسام تتخذ الأزقة شكلاً منعرجاً ومسقوفاً، وتفضي إلى مختلف فضاءات القصر. ويبرز داخل القصر ممران رئيسيان، شرقي وغربي، يربطان بين الفضاء المقدس عند المدخل وبين باقي الفضاءات المرتبطة بالحياة اليومية، بينما تنتظم المساكن على جانبي الأزقة في هيئة توحي بتماسك البنية الداخلية. أما الأبواب فتؤدي وظيفة الفصل والوصل معاً؛ فهي تحدد العتبة الفاصلة بين العام والخاص، وتضبط إيقاع الدخول والخروج. ويحتوي القصر على مدخل رئيسي من الجهة الجنوبية، كان يغلق بباب خشبي ذي مصرع واحد ما تزال بقاياه شاهدة على التنظيم الدفاعي والرمزي للمجال (حوتية، 2007، ص. 406).
الشكل 3. زقاق داخلي مسقوف ضمن النسيج العمراني لقصر كوسام. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
2.2 الفضاء المقدس : الحياة الروحية والعلمية والرمزية
يشمل هذا الفضاء المجالات المرتبطة بالحياة الدينية والروحية والعلمية، أي تلك التي تمنح القصر بعده المعنوي وتؤسس لسلطته الرمزية داخل محيطه. وإذا كان الفضاء المدنس ينظم ضرورات العيش اليومي، فإن الفضاء المقدس ينظم علاقة الجماعة بالمقدس وبالعلم وبالذاكرة الجماعية.
1.2.2 المسجد والمصلى
يعد المسجد من الفضاءات التي لا يخلو منها أي قصر، لأنه يمثل المركز الديني والروحي للجماعة، وفيه تؤدى الشعائر، كما تُنظر فيه بعض الشؤون الدنيوية. ويضم قصر كوسام مسجداً داخل القصر تُقام فيه الصلاة خلال فترات البرد، ومصلى خارج القصر عند مدخله الرئيسي تُقام فيه الصلاة في المناخ الحار. ويدل هذا التوزيع المكاني على عقلانية عمرانية تراعي المناخ وتكيف وظائف العبادة مع شروط الاستعمال، من دون الإخلال بمركزية الفضاء الديني في حياة السكان.
الشكل 4. المسجد الداخلي بوصفه مركزاً روحياً واجتماعياً داخل القصر. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام.
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
2.2.2 خزانة القصر ومدرسته
تُعد خزانة كوسام ومدرسته من أهم ما يميز هذا القصر عن غيره من القصور، إذ تحوّل بفعلها إلى مركز إشعاع علمي لا إلى مجرد تجمع سكني. وقد أُسست الخزانة على يد الشيخ سيدي عبد الله بن أحمد الحبيب البلبالي سنة 1278هـ/1860م، بالتزامن مع تأسيس المدرسة داخل القصر وتعيين الشيخ سيدي عبد الله بن الشيخ سيدي أحمد البلبالي للتدريس بها (شاري وتسکورث، 2021، ص. 426).
وتوجد الخزانة داخل القصر على مساحة تقارب 120م²، وقد ذاع صيتها مع نهاية القرن الثالث عشر الهجري بفضل المكانة التي اكتسبها القصر كمركز علمي يقصده طلبة العلم. ويرتبط هذا الازدهار بأعلام البلباليين، وعلى رأسهم العلامة سيدي عبد الله بن الشيخ سيدي أحمد البلبالي (1353هـ/1934م). وتضم الخزانة أكثر من 250 مخطوطة في التاريخ والفقه والقضاء والمعاملات والحديث والسيرة وغيرها، على الرغم من ضياع عدد من مخطوطاتها (بوسليم، 2015، ص. 26).
أما من الناحية المعمارية، فقد شُيِّدت الخزانة بالطين وسُقفت بجذوع النخيل ومشتقاته، وتوزعت رفوف الكتب في خزائن جدارية صغيرة مغلقة بأبواب من الخشب والزجاج. وتُعد هذه الخزانة من أفضل خزائن المنطقة من حيث الظروف الطبيعية للحفظ (مولاي، 2009، ص. 205). ولا تنفصل هذه الخصائص عن البيئة المحلية، إذ ظل الطين المادة الأساسية في تشييد بنايات المنطقة لوفرة استعماله وملاءمته للمناخ (Raoul & Adjalla Luc, 1989-1990, p. 18). أما المدرسة البلبالية بكوسام فتمثل، بحسب شهادة أحد خريجيها، أول مدرسة داخلية في توات حوالي سنة 1300هـ، وهو ما يعزز الطابع المعرفي للقصر (خزانة بني تامر)
الشكل 5. مدخل خزانة الشيخ سيدي عبد الله البلبالي بقصر كوسام. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام.
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
الشكل 6. جزء من محفوظات خزانة كوسام المخطوطة. المصدر : خزانة كوسام / مركز مخطوطات أدرار
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
3.2.2 المقبرة والضريح
تقع المقبرة خارج القصر وتمتد على مساحة واسعة، وتضم ساحة كبيرة (مصلى) تؤدى فيها الشعائر الجنائزية وبعض المناسبات الدينية، مثل صلاة العيدين. وبمحاذاة المصلى من الجهة الشرقية يوجد ضريح أبيض اللون للولي الشيخ عبد القادر الجيلالي، يأخذ شكلاً هرمياً مدبباً، وشُيِّد من الطين والحجارة وطُلي بالجير، ويُعاد تبييضه سنوياً في المناسبات الاحتفالية.
ويكشف هذا الفضاء عن حضور الذاكرة الدينية والرمزية داخل المجال القصوري؛ فالأضرحة لا تؤدي هنا وظيفة تذكارية فحسب، بل تدخل في تشكيل الحس الجماعي بالقداسة والانتماء والحماية، إذ تمثل، كما تشير بعض الدراسات، ملتقىً بين العالمين الدنيوي والأخروي (Mastapha, 2002, p. 24).
الشكل 7. الضريح بوصفه علامة رمزية ضمن الفضاء المقدس للقصر. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
4.2.2 مجلس القضاء ودار القاضي
يُبرز مجلس القضاء بعداً آخر من أبعاد المكانة التي حازها كوسام داخل توات. فقد نقل مجلس قضاء الجماعة التواتية إلى هذا القصر، وبُني المجلس أمام مدخله، ليغدو قبلة لحل النزاعات، خصوصاً في نهاية القرن الثالث عشر الهجري. وتشير الشهادات المحلية إلى أن كوسام وملوكة كانتا مقرين للعلماء، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الرحمن البلبالي (باي بالعالم، 2005، ص. 48).
ولا تزال آثار هذا المجمع العلمي والقضائي شاهدة إلى اليوم من خلال الجدران وبقايا الباب عند المدخل، بما يكشف عن الطابع المؤسساتي الذي اكتسبه القصر. كما تُبرز الروايات المحلية دلالة دار القاضي المعزولة نسبياً داخل الشارع الغربي للقصر، بما ترمز إليه من هيبة السلطة ومركزيتها. وتفيد الوثائق بأن سيدي عبد الله بن أحمد الحبيب تولى قضاء الجماعة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري لأكثر من أربعين سنة، ثم واصل القضاء سراً بعد الاحتلال الفرنسي إلى وفاته سنة 1319هـ، قبل أن يخلفه ابنه وأخوه إلى غاية انتقال القضاء إلى تمنطيط (خزانة كوسام).
5.2.2 الواحات والفقارة
تشكل الواحة امتداداً عضوياً للقصر، لأنها تمثل مجاله الاقتصادي والإنتاجي، وتضم المساحات الزراعية العائلية الواقعة في مستوى طبوغرافي منخفض يسمح بجريان المياه من الفقارات إلى البساتين. ومن ثم لا يمكن تصور قصر صحراوي من دون واحة ومنظومة ري تقليدية قائمة على السواقي ومجاري المياه الجوفية.
وعلى غرار القصور الأخرى، يزخر قصر كوسام بآبار الفقارة من الجهة الغربية، وقد بلغ عددها ستاً، منها أربع مستعملة واثنتان غير مستعملتين (سالمي، 2020، ص. 95). وتسقي هذه الفقارات البساتين المقابلة لمدخل القصر، وهو ما يبرز الترابط بين المجال السكني والمجال الزراعي. كما لوحظ وجود أحد آبار الفقارة تحت البرج الغربي، الأمر الذي يمكن تفسيره بكونه مورداً احتياطياً للماء زمن الحصار أو الغارات، وربما منفذاً سرياً يربط بين البئر وبعض الممرات الداخلية. ويكشف هذا الترتيب عن ذكاء عمراني يجمع بين الاقتصاد والدفاع.
3. سبل إعادة الاعتبار وتثمين قصر كوسام
لا تعني إعادة الاعتبار إلى القصر الصحراوي مجرد ترميم جدرانه أو استحضار قيمته الرمزية في الخطاب الثقافي، بل تفترض إعادة إدماجه في الدورة الاجتماعية والتنموية عبر سياسات تحفظ أصالته وتعيد تشغيل وظائفه. ومن هذه الزاوية تبدو تجربة كوسام مهمة لأنها تجمع بين الترميم المادي، والتأهيل الثقافي والعلمي، والتنشيط الجمعوي، والانفتاح على السياحة البيئية والثقافية.
1.3. ترميم القصبة والمحافظة على النسيج العتيق
عرفت قصبة القصر ترميمات شملت الجزء الذي يحتضن الفضاءات المقدسة، حيث رُمِّم السور باستعمال الرمل والطين بما ينسجم مع النمط المعماري التقليدي، وأعيد تسقيف الأزقة بمواد النخيل ومشتقاته. كما أُدمجت بعض المباني المهجورة المجاورة ضمن النسيج القائم مع الحفاظ على المواد القديمة من طين وحجارة، بما أبقى على صورة القصبة وأقواسها ودكاكينها ودعاماتها.
وتكمن أهمية هذه التدخلات في أنها لم تتجه نحو إحلال مواد غريبة أو نحو طمس هوية المكان، بل سعت إلى تحقيق نوع من التوازن بين إصلاح البنية المتداعية والمحافظة على المنطق البنائي الأصلي. وهذا التوازن هو الشرط الأساس في كل سياسة جادة لصون العمارة الترابية الصحراوية.
الشكل 8. استعمال جذوع النخيل في التسقيف التقليدي داخل القصر. المصدر : تصوير ميداني، قصر كوسام.
المصدر: تصوير المؤلفة من قصر كوسام
2.3. تحديث الهياكل العلمية والثقافية
تكفلت السلطات المحلية بترميم مكتبة خزانة المخطوطات وطلي جدرانها وتجهيزها بأثاث جديد وبأجهزة حديثة تستخدم للنسخ والجرد والرقمنة. وتتكون المكتبة من ثلاث غرف ومخزن للحفظ ومرافق ضرورية، كما تضم تجهيزات مثل الحاسوب والماسح الضوئي وآلة النسخ والقاعة الكبرى. وإلى جانب ذلك أُنشئت دار للضيافة تستقبل الطلبة والأساتذة والباحثين والزوار، كما عرفت المدرسة توسعة بضم بعض المساكن المهجورة المحيطة بها (مولاي، 2009، ص. 206).
وتظهر قيمة هذه التحديثات في أنها لا تنقل القصر من التراث إلى الحداثة على نحو قَطْعي، بل تجعل الحداثة في خدمة الحفظ؛ إذ توظف الوسائل التقنية الجديدة من أجل صون الذاكرة المكتوبة وتوسيع إمكانات الاستقبال والبحث والتداول العلمي.
3.3. جرد المخطوطات ورقمنتها ونسخها
تستقبل خزانة كوسام زواراً وباحثين وطلبة علم من مناطق مختلفة، وهو ما يجعل صون مخطوطاتها مسألة مركزية في مشروع تثمين القصر. ولهذا يسعى القائمون عليها، بالتنسيق مع المركز الوطني للمخطوطات، إلى جرد المخطوطات ورقمنتها وفق عناصر تشمل تحديد فضاء الحفظ ودرجة استعماله، وإعداد بطاقة جرد دقيقة، ووصف حالة الحفظ ونوع التلف ودرجة التدخل المطلوبة.
وإلى جانب ذلك، تمثل عملية النسخ اليدوي للمخطوطات بُعداً آخر من أبعاد إعادة الاعتبار للموروث العلمي. فقد اضطلع الشيخ شاري الطيب، أحد أحفاد الشيخ البلبالي والقائم على الخزانة، بدور مهم في إعادة كتابة عشرات المخطوطات التي تعرضت للتلف، وبلغ عدد ما نسخه بيده أكثر من 120 مخطوطاً (عماري وقصباوي، 2019، ص. 266). وتشمل هذه النسخ موضوعات في القضاء والنحو وأصول الفقه والتفسير والتوحيد والفلك والأدب والنوازل والحديث والعقيدة، ومن أشهرها مخطوط « مقتصد المسائل » الذي أعيد نسخه بعد تعرضه للتلف، رغم أن عمره الزمني يتجاوز ستة قرون (شاري، 2011).
وإذا كانت الرقمنة تمثل خياراً حديثاً للحفظ والإتاحة، فإن النسخ اليدوي يعكس استمرارية تقليد علمي محلي في العناية بالمخطوط وصيانته. ومن ثَمّ فإن الجمع بين الرقمنة والنسخ يحقق توازناً بين متطلبات الحفظ الحديثة واستمرارية الخبرة التراثية المحلية.
4.3. التنشيط الجمعوي والثقافي
لا ينفصل الحفاظ على القصر عن وجود فاعلين محليين يتولون إحياء ذاكرته ومرافقة مشروعاته الثقافية. وفي هذا السياق برزت « جمعية الشيخ سيدي عبد الله البلبالي الثقافية التاريخية بقصر كوسام »، التي تأسست يوم 22 نوفمبر 2018، وجعلت من أهدافها إعطاء طابع حضاري للخزانة، وإعادة تنظيم المخطوطات وجردها، وفهرستها ورقمنتها، وتنظيم معارض لها.
وقد قامت الجمعية بعدة أنشطة، من بينها تنظيم معارض وطنية للتعريف بالخزانة، وعقد ندوات علمية، وتكريم حفظة القرآن، وإطلاق مشاريع للدعم المدرسي، وتنظيم محاضرات لفئات مختلفة من المجتمع المحلي، إلى جانب إصدار مجلة « قراطيس » بوصفها مجلة ثقافية سنوية تعنى بقضايا المخطوطات والتراثيات وكل ما يتصل بإقليم توات. ويؤكد هذا الحضور أن تثمين القصر لا يتم فقط عبر الجدران والبرامج الرسمية، وإنما أيضاً عبر الفعل الثقافي المدني الذي يعيد وصل الأجيال بالمكان.
5.3. الإدماج السياحي والبيئي
في إطار فك العزلة عن عمارة قصر كوسام، اتجهت السلطات المحلية إلى إنشاء فضاءات ذات بعد سياحي وبيئي، من بينها مشروع « المربع الأخضر » الذي أُقيم بتاريخ 01/08/2022 على مساحة قدرها 20 هكتاراً، ويضم آلاف الأشجار ومرافق ثقافية وسياحية تحمل اسم الشيخ سيدي محمد بن الكبير.
ويؤشر هذا المشروع إلى محاولة تحويل القصر ومحيطه إلى وجهة للترفيه والتثقيف والسياحة العائلية، عبر برمجة أنشطة رياضية وثقافية، وغرس الأشجار، وإنشاء فضاءات بيئية وتربوية ومحلات للحرفيين. كما روعي في مواد البناء استعمال الطين والخشب المحليين من أجل الحفاظ على الانسجام مع العمارة الصحراوية التقليدية، مع الاعتماد على الطاقة المتجددة في تشغيل بعض التجهيزات. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهيناً بقدرته على عدم تحويل القصر إلى مجرد ديكور سياحي، بل إلى فضاء يعيش من داخله منطقه التراثي والمعرفي.
الشكل 9. مشروع المنتزه السياحي والبيئي « المربع الأخضر » بكوسام. المصدر : وثائق محلية للمشروع / خلية الإعلام والاتصال لولاية أدرار، 2022
خاتمة
يُظهر قصر كوسام أن القصر الصحراوي ليس أثراً ساكناً من الماضي، بل بنية حضارية متعددة الوظائف، تتداخل فيها السكنى والدين والعلم والقضاء والزراعة والذاكرة الجماعية. ومن خلال هذا المثال يتبين أن العمارة القصورية في توات لا تُفهم على نحو صحيح إذا اقتصر النظر إليها على بعدها الشكلي أو الإنشائي؛ ذلك أن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها تنظيماً سوسيو-مجالياً متكاملاً أنتجته البيئة الصحراوية وصاغته الجماعة عبر الزمن.
وقد كشفت الدراسة أن خصوصية كوسام تتمثل في ثلاثة عناصر مترابطة : أولها محافظة القصر على قدر مهم من نسيجه العمراني الأصلي؛ وثانيها استمرار مؤسساته الرمزية والعلمية، وفي مقدمتها المسجد والخزانة والمدرسة ومجلس القضاء؛ وثالثها وجود مساعٍ محلية ومؤسساتية لإعادة تأهيله عبر الترميم، والرقمنة، والتنشيط الثقافي، والانفتاح على التنمية السياحية والبيئية.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل في حاجة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تجعل من التثمين مشروعاً شاملاً، لا مجرد مبادرات متفرقة. فالحفاظ على القصور الصحراوية يقتضي صون مادتها البنائية، وتوثيق خرائطها ومسالكها وفضاءاتها، وحماية مخطوطاتها من الضياع والنهب، وتكوين موارد بشرية متخصصة في العمارة الترابية، وتعزيز انخراط السكان المحليين في عملية الحفظ بوصفهم حملة الذاكرة الحقيقيين.
وبناءً على ذلك، تقترح الدراسة جملة من التوصيات : إعداد مخططات وخرائط افتراضية للقصور والقصبات ووضعها في متناول الباحثين؛ مراجعة الأطر القانونية الخاصة بحماية المباني الأثرية والمخطوطات؛ دعم الاستثمار الثقافي والسياحي المنضبط في هذه الفضاءات؛ تقديم دعم مادي وتقني لأصحاب الخزائن؛ إعادة بعث برامج ترميم القصبات مع احترام طابعها المعماري؛ فتح المجال أمام بحوث ميدانية معمقة حول الموروث المادي واللامادي للقصور؛ وتشكيل لجان مختصة لمراقبة محاولات التعدي على ممتلكات القصور، ولا سيما المخطوطات. وبهذا المعنى، فإن إعادة الاعتبار لقصر كوسام ليست قضية محلية تخص فضاءً محدوداً، بل جزء من سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحويل التراث الصحراوي إلى رافعة للمعرفة والهوية والتنمية المستدامة في الجزائر.









