مقدمة
تُعدّ عمارة المساجد في الجزائر من أبرز الحقول التي تسمح بقراءة التفاعل بين الاستمرارية والتحوّل في تاريخ الفن الإسلامي بالمغرب الأوسط. فمنذ الفتح الإسلامي، رسخت في المنطقة تقاليد معمارية واضحة المعالم، قوامها المسجد ذو الأعمدة والدعامات، والصحن، والمئذنة المربّعة، وبعض العناصر الزخرفية الجصية والخشبية التي تدرّجت في النضج مع الدول المتعاقبة، ولا سيما الحمادية والمرابطية والزيانية والمرينية. غير أنّ العهد العثماني أدخل، ابتداءً من النصف الأول من القرن السابع عشر، تعديلات مهمّة مست البنية العامة للمسجد وبعض مفرداته الإنشائية والزخرفية، من غير أن تُفضي إلى قطيعة كاملة مع الإرث المحلي.
ينصرف هذا المقال إلى فحص هذا التحوّل من خلال جامع الباشا بوهران، وهو واحد من أهم الشواهد المعمارية التي تُبرز بوضوح كيف تلقّى المعماري الجزائري التأثيرات الوافدة من المجال العثماني، ثم أعاد صوغها داخل أفق بنائي محلي. وتنبع أهمية هذا الجامع من كونه يجمع، في تخطيطه وفي عناصره، بين خصائص عثمانية بارزة، مثل مركزية القبة وهيئة المئذنة وبعض تنظيمات الصحن، وبين خصائص مغاربية أندلسية ظلّت حاضرة في العقود، وفي بعض الحلول الزخرفية، وفي منطق المزج ذاته.
وتقوم إشكالية الدراسة على السؤال الآتي : إلى أي مدى مثّل جامع الباشا تطبيقًا مباشرًا للطراز العثماني الوافد، وإلى أي مدى كشف عن مبادرة ابتكارية محلّية أعادت توطين هذا الطراز ضمن تقاليد البناء في الجزائر؟ وتفترض الدراسة أنّ المعماري الجزائري لم يكن مجرّد منفّذ لنموذج خارجي جاهز، بل كان فاعلًا معماريًا مارس الانتقاء، والمواءمة، وإعادة التركيب؛ الأمر الذي يجعل من جامع الباشا وثيقةً مادية لفهم دينامية التهجين المعماري في الجزائر العثمانية.
ومن أجل معالجة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة منهجًا وصفيًا تحليليًا مقارنًا. فهي تنطلق من المعطيات التاريخية الخاصة بالوجود العثماني في الجزائر وباسترجاع مدينة وهران، ثم تنتقل إلى الوصف الدقيق للمسجد موضوع الدراسة، قبل أن تُحلّل أهمّ مظاهر التجديد في التصميم والعناصر المعمارية والزخرفية، مع الاستناد إلى المقارنة ببعض المساجد الجزائرية العثمانية وبنماذج أناضولية كلما كان ذلك لازمًا لتوضيح مصدر التأثير أو خصوصية التكييف المحلي.
1. الوجود العثماني في الجزائر : الإطار التاريخي العام
شهد المغرب الأوسط في أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر وضعًا جيوسياسيًا مضطربًا، تداخلت فيه الأزمة الاقتصادية مع التفكك السياسي والصراعات بين القوى المحلية، وهو ما أتاح للقوات الإسبانية التمدد على أجزاء واسعة من الساحل الجزائري. وفي هذا السياق، استنجدت بلاد الجزائر بالقوة العثمانية البحرية التي كانت ناشطة في حوض البحر الأبيض المتوسط بقيادة الأخوين عروج وخير الدين بربروس. وقد أسهم هذا التدخل في طرد الإسبان من معظم السواحل الجزائرية، باستثناء وهران التي ظلت تحت السيطرة الإسبانية إلى أن استُرجعت نهائيًا سنة 1792.
ومنذ 1518 ارتبطت الجزائر بالباب العالي، فغدت إيالةً عثمانية استمر وجودها إلى غاية الاحتلال الفرنسي سنة 1830. وخلال هذه المرحلة الطويلة، شهدت البلاد نشاطًا عمرانيًا معتبرًا شمل المنشآت الدينية والمدنية والعسكرية. غير أنّ حضور النفوذ العثماني في المجال المعماري لم يَظهر، في ما يخصّ المساجد، على هيئة إحلال مباشر وفوري للطراز العثماني محلّ الطراز المحلي؛ إذ تكشف المعطيات المتاحة أنّ الفترة الممتدة تقريبًا بين 1516 و1622 ظلّت وفيّة، في معظمها، لتقاليد البناء المغاربية السائدة.
ويبدو من هذا المنظور أنّ السلطة العثمانية في الجزائر لم تتجه، في البداية، إلى فرض نموذج معماري إمبراطوري موحّد، بل تركت حيّزًا معتبرًا لاستمرار الممارسات المحلية في البناء، سواء بسبب رسوخ خبرة البنّائين المحليين أو بسبب طبيعة العلاقة بين المركز العثماني والأطراف المغاربية. ومن ثمّ فإنّ ما يظهر لاحقًا من تأثيرات عثمانية في عمارة المساجد ينبغي فهمه بوصفه مسارًا تدريجيًا من الاستيعاب والانتقاء، لا بوصفه نسخة مطابقة لنماذج إسطنبول أو أدرنة.
2. عمارة المساجد قبل العهد العثماني : ثبات التقليد المحلي
قبل العهد العثماني، استقرّ في المغرب الأوسط طراز المساجد ذات الأعمدة والدعامات، وهو الطراز الذي تعود أصوله البعيدة إلى التنظيم المبكر للمسجد النبوي، ثمّ تبلورت صيغته الناضجة في نماذج المشرق والمغرب معًا. وقد اكتسب هذا الطراز، في البيئة المغاربية، خصائص محلية واضحة : بيت صلاة مُقسّم إلى بلاطات بواسطة الأعمدة أو الدعامات، وصحن يتوسطه في الغالب حوض مائي، وأروقة تحيط به من جهات متعددة، ومئذنة مربعة، وسقف جمالوني من الخارج، مع حضور قبّة أمام المحراب في بعض النماذج، إضافة إلى زخارف جصية تتفاوت كثافتها بحسب العصور والمراكز.
وقد استمر هذا النموذج، مع اختلافات جزئية، في المساجد الحمادية والمرابطية والزيانية والمرينية، بما جعل منه تقليدًا معماريًا راسخًا، لا يقتصر على الحلول الإنشائية، بل يشمل أيضًا الذائقة البصرية ومفاهيم التنظيم الفضائي داخل المسجد. ومن ثَمّ فإنّ أيّ قراءة للتحولات التي طرأت في الفترة العثمانية لا بد أن تنطلق من الاعتراف بمتانة هذا الإرث، لأنّ المعماري المحلي لم يبدأ من فراغ، بل من مدرسة بنائية متجذّرة ذات منطق تركيبي واضح.
وتنبّه هذه الخلفية إلى أنّ التجديد في العهد العثماني لا ينبغي تأويله باعتباره قطيعةً مع الماضي، بل باعتباره إعادة توجيه لبعض الثوابت. فالقيمة التحليلية هنا لا تكمن في السؤال عمّا إذا كان الطراز العثماني قد دخل الجزائر أم لا، بل في الكيفية التي جرى بها تمثّل هذا الدخول، وما الذي احتُفظ به من الموروث المحلي في لحظة التغيير.
3. عمارة المساجد في الجزائر خلال العهد العثماني : من الاستمرارية إلى التهجين
ظلّ نمط المساجد ذات الأعمدة والدعامات هو النمط السائد في الجزائر خلال نحو قرن كامل بعد الوجود العثماني. غير أنّ النصف الأول من القرن السابع عشر شهد بدايةَ تطبيق صيغة جديدة في بعض المساجد، هي صيغة المساجد ذات القبة المركزية. وهذه النقلة لا تعني اختفاء النموذج المحلي القديم، بل ظهور طراز جديد إلى جانبه، الأمر الذي يشي بسياسة معمارية مرنة وبمناخ مهني لم يكن قائمًا على الاستبدال الشامل بقدر ما كان قائمًا على التعايش والتهجين.
وقد ظهرت هذه الصيغة الجديدة خصوصًا في عواصم البايلكات وبعض المدن الكبرى، مثل الجزائر العاصمة وقسنطينة ومعسكر وعنابة وتلمسان ووهران. كما ظهرت آثار التأثير العثماني في عناصر معمارية أخرى، مثل المآذن المثمنة أو الأسطوانية أو المركبة، وفي صياغة المداخل، وفي توزيع القباب، وفي أنظمة التغطية والعقود. غير أنّ هذه المؤثرات لم تنفصل عن المخزون المحلي؛ بل أُعيد تكييفها ضمنه، وهو ما يفسّر اختلاف نتائج التطبيق الجزائري عن النماذج الأناضولية الكبرى.
وعليه، فإنّ جامع الباشا بوهران يمثّل حالة بالغة الدلالة لفهم هذا التحول. فهو ليس أوّل مسجد عثماني الطابع في الجزائر، لكنه من أكثرها وضوحًا من حيث اجتماع عناصر التأثير الوافد مع بقايا الحسّ التركيبي المغاربي، سواء في مستوى التكوين العام أو في مستوى المفردات البنائية والزخرفية.
4. جامع الباشا بوهران : التأسيس والسياق العمراني
يقع جامع الباشا في حيّ سيدي الهواري بمدينة وهران، قبالة قصر الباي، ضمن نسيج عمراني قديم تحدّه أحياء سكنية وشوارع متقاربة، وتتميّز الأرض التي شُيّد عليها بانحدار واضح من الجنوب إلى الشمال. وتنبع أهمية موقعه من صلته بوهران العثمانية بعد استرجاعها من الاحتلال الإسباني، ومن كونه معلمًا يرتبط سياسيًا ورمزيًا بلحظة إعادة أسلمة المدينة وتجديد عمرانها.
تشير المعطيات التاريخية إلى أنّ الباي محمد بن عثمان، المعروف بمحمد الكبير، تمكّن سنة 1792 من استرجاع وهران من الإسبان بعد احتلال دام قرابة ثلاثة قرون. وفي إطار الاحتفاء بهذا الحدث، شرع في بناء الجامع سنة 1796 بأمر من الداي حسن باشا. وتدلّ اللوحة الوقفية المحفوظة بمتحف أحمد زبانة بوهران على هذا التاريخ، كما تؤكد ارتباط المشروع برمزية سياسية ودينية واضحة، تتمثل في إعادة تثبيت الحضور الإسلامي في المدينة بعد استعادتها. وقد أشرف على أعمال البناء أمين البنّائين محمد الشرشالي بن تدبيرت، وهو ما يذكّر مرة أخرى بحضور اليد المحلية في تنفيذ المشروع.
تعرض الجامع بعد الاحتلال الفرنسي للاستعمال العسكري قبل أن يعود إلى الجزائريين سنة 1835، ثم صُنّف معلمًا تاريخيًا في الحقبة الاستعمارية، وأعيد تصنيفه بعد الاستقلال. وهذه المسارات اللاحقة لا تهمّ فقط تاريخ الصيانة والحماية، بل تكشف أيضًا عن القيمة الاستثنائية التي أُسندت إلى هذا المبنى بوصفه شاهدًا على مرحلة مفصلية من تاريخ وهران والجزائر.
ومن الخارج، يلفت الجامع النظر بواجهته التي تُبرز انحناء الصحن نصف الدائري وبمئذنته المثمنة وبقبابه التي تميّز كتلة بيت الصلاة. أمّا تخطيطه العام، فيقوم على صحن نصف دائري تحيط به بائكة مغطاة بسقف مسطح محمول على أعمدة وعقود حدوية منكسرة، ويتقدّم هذا الصحن بيتُ صلاة يكاد يكون مربعًا، يتوسطه فضاء مركزي تعلوه قبة كبيرة، وتحيط به أروقة مغطاة بالأقبية المتقاطعة والقباب الصغيرة في تناوب منتظم. ويكشف هذا التنظيم، منذ الوهلة الأولى، عن مشروع بنائي غير مألوف بالقياس إلى السائد في المساجد الجزائرية السابقة.
5. التجديد من ناحية التصميم المعماري
يظهر التجديد في جامع الباشا على مستويين رئيسيين : تصميم بيت الصلاة، وتصميم الصحن. وهذان المستويان معًا هما اللذان يمنحان المبنى شخصيته الخاصة داخل تاريخ عمارة المساجد بالجزائر. فالمسألة لا تتعلق بإضافة عناصر معمارية جديدة إلى مخطط قديم، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين الفضاءات الأساسية للمسجد على نحو يكشف عن مشروع معماري جديد.
1.5. بيت الصلاة ومنطق القبة المركزية
يُعدّ بيت الصلاة أبرز فضاء يتجلّى فيه التجديد المعماري في جامع الباشا. فبدل المخطط القائم على بلاطات متعددة تمتد أمام جدار القبلة في انتظام أفقي كما في المساجد المغاربية ذات الأعمدة والدعامات، نجد هنا مربعًا مركزيًا تغطيه قبة كبيرة، تحيط به أروقة منظّمة في طبقات من التغطية المختلفة. وهذا الترتيب يُدخل الجامع ضمن فئة المساجد ذات القبة المركزية، وهي الفئة التي لم تظهر في الجزائر إلاّ في سياق العهد العثماني.
الصورة 1: داخل بيت الصلاة بجامع الباشا بوهران
وتقوم القبة المركزية على ثماني نقاط ارتكاز تتمثل في أعمدة مزدوجة ودعامات تحمل عقودًا نصف دائرية، بينما تؤمّن الحنايا الركنية منطقة الانتقال إلى بدن القبة. ويبلغ قطر هذه القبة نحو 9.50 م، وارتفاعها نحو 11 م، بما يجعلها العنصر المهيمن بصريًا ووظيفيًا على فضاء بيت الصلاة. أمّا الرواق الأقرب إلى المركز فمغطّى بأقبية متقاطعة، في حين يغطي الرواق الثاني نظامُ تناوب بين القباب الصغيرة والأقبية المتقاطعة. والنتيجة هي فضاء داخلي يتدرّج من المركز إلى الأطراف، ويمنح القبة وظيفةً تنظيميّة تتجاوز البعد الإنشائي الصرف.
الصورة 2: منظر خارجي لبيت الصرة بجامع الباشا بوهران
ويحيل هذا الترتيب إلى تقاليد المساجد ذات القبة المركزية التي تطورت في الأناضول، حيث ارتبط السعي إلى الوحدة المكانية بالتقليل من الإحساس بتقطيع الفضاء بواسطة كثرة الركائز. ومن هذا المنظور، تمثل القبة المركزية في العمارة العثمانية محاولةً لتوحيد مجال الصلاة بصريًا وإدراكيًا، وهو ما بلغ ذروته في التجارب الكبرى للعمارة العثمانية الكلاسيكية. غير أنّ تطبيق هذا المبدأ في الجزائر لم يكن مطابقًا للنماذج الأناضولية؛ إذ ظلّت بعض ملامح الحسّ المحلي حاضرة في طريقة تنظيم الأروقة وفي نوعية العناصر الوسيطة.
ويُظهر جامع الباشا، على هذا المستوى، قرابةً تركيبية مع الجامع الكبير بمدينة فان في الأناضول، من حيث وجود الفضاء المركزي المقبّب والأروقة المحيطة به، مع اختلافات في جهة القبلة وفي عدد الأروقة وتوزيعها. وهذه المقارنة لا تُقصد لردّ الجامع الجزائري إلى أصله التركي ردًّا ميكانيكيًا، بل لإبراز القنوات المحتملة للتأثير من جهة، وإثبات أن المعماري المحلي مارس تعديلًا واعيًا على النموذج من جهة أخرى.
الشكل:1 الجامع الكبير بفان Van بتركيا (1399م)
(Aslanapa, 1977 :. 178)
كما أنّ تصنيف المسجد ضمن مجموعة المساجد ذات ثماني نقاط ارتكاز يضعه في سياق بعض مساجد الجزائر العثمانية التي اعتمدت المنطق نفسه، مثل جامع علي بتشين، وجامع كتشاوة، وجامع الداي في الجزائر العاصمة، وجامع عين البيضاء بمعسكر. وهذا يعني أنّ جامع الباشا لا يمثّل حالة معزولة، لكنه من بين أكثر النماذج اكتمالًا ووضوحًا في التعبير عن هذه الصيغة الجديدة.
2.5. الصحن : بين الضرورة الوظيفية والجرأة الشكلية
إذا كان بيت الصلاة هو الموضع الذي يعلن انتماء الجامع إلى طراز القبة المركزية، فإنّ الصحن هو الفضاء الذي يكشف بأقوى صورة عن جرأة المشروع التجديدي في هذا المبنى. فمن حيث الموقع، جاء صحن جامع الباشا محاذيًا لبيت الصلاة من الجهة الشمالية الشرقية، في حين جرت العادة في كثير من المساجد المغاربية أن يقع الصحن خلف بيت الصلاة أو في امتداد جهته الشمالية الغربية. وهذا الانزياح في الموقع ليس تفصيلًا ثانويًا، بل يؤشر إلى إعادة نظر في بنية المسجد وفي علاقته بالنسيج العمراني المحيط.
|
الصورة 3: صحن جامع الباشا من الداخل |
الشكل 2، مخطط أفقي لجامع الباشا خلال 1840-1843 |
|
|
|
|
من اعداد الباحثين |
Amable Ravoisié 1848 |
|
الشكل 3: مخطط أفقي لجامع الباشا 2025 |
الصورة 4: مقطع ثلاثي الأبعاد لقاعة الصلاة والصحن |
|
|
|
|
من اعداد الباحثين |
من اعداد الباحثين |
أمّا من حيث الشكل، فقد اتخذ الصحن هيئة نصف دائرية يبلغ قطرها نحو 50.29 م، وهي صيغة نادرة، بل فريدة، في عمارة المساجد بالجزائر. وتكمن أهمية هذا المعطى في أنّه يبتعد بوضوح عن التخطيط المستطيل أو شبه المستطيل المعتاد في صحون المساجد المغاربية. كما أنّ هذا الشكل يذكّر بصحن جامع نور عثمانية بإسطنبول، ذلك الجامع الذي ارتبط في القرن الثامن عشر ببدايات دخول الذوق الباروكي إلى العمارة العثمانية.
ولا يعني هذا التشابه بالضرورة أنّ صحن جامع الباشا هو نسخة محلية عن نور عثمانية، لكنه يكشف عن أفق بصري ومعماري جديد أصبح متاحًا للمعماري الجزائري في أواخر القرن الثامن عشر. فالصحن هنا لا يؤدي وظيفة إنارة وتهوية الفضاءات الداخلية فحسب، بل يكتسب قيمة تشكيلية بارزة، لأنّ انحناءه نصف الدائري يغيّر صورة المسجد من الخارج ويمنحه شخصية معمارية مميّزة. كما أنّ التكوين المنحني قد يكون مرتبطًا أيضًا بموضع المبنى وبالطريق المحاذي له، بحيث نشأت علاقة جدلية بين شكل الصحن ومسار الشارع.
وتفيد المقارنة بين الوضع الحالي وبعض المخططات التاريخية، ولا سيما مخطط رافوازييه، أنّ الصحن لم يبقَ مطابقًا تمامًا لهيئته الأولى، غير أنّ الجزء الأكبر من شكله نصف الدائري ظل قائمًا، وهو ما يكفي لإثبات أصالة هذا الخيار التخطيطي في المشروع الأصلي نفسه. وهنا يظهر أنّ التجديد في جامع الباشا لم يكن متركّزًا فقط في تبني القبة المركزية، بل شمل أيضًا إعادة تعريف الصحن باعتباره فضاءً معماريًا له ثقله التركيبي والرمزي.
|
الشكل 4: مخطط أفقي لجامع الباشا بوهران |
الشكل5: جامع نور عثمانية بإستانبول |
|
|
|
|
بلحاج معروف,128. 2011 : |
(Aslanapa, 1986 : 392) |
|
الشكل 6: مخطط أفقي لجامع الباشا بوهران |
الشكل 7: مخطط أفقي في مستوى 2 م لجامع الباشا بوهران |
|
|
|
|
من اعداد الباحثين 2025م |
من اعداد الباحثين 2025م |
6. العناصر المعمارية
تشمل العناصر المعمارية في جامع الباشا المئذنة والمداخل والقباب والمحراب والركائز والعقود والتيجان، وكلّها تكشف بدرجات متفاوتة عن حضور النزعة التجديدية. ولا تقتصر قيمة هذه العناصر على وظيفتها الإنشائية، بل تمتد إلى ما تؤديه من دور في التعبير عن التوازن بين المرجع العثماني والإرث المغاربي.
1.6. المئذنة المثمنة
تُعدّ مئذنة جامع الباشا من أكثر عناصره تميّزًا. فالمئذنة المربّعة كانت، في العمارة المغاربية، أحد السمات الراسخة للمساجد ذات الأعمدة والدعامات، غير أنّ المعماري في هذا الجامع اختار مئذنةً ذات قاعدة وبدن مثمنين، ينتهيان بجوسق مثمن تعلوه قبيبة وسفود. ومن ثمّ فإنّنا نكون أمام مفردة جديدة نسبيًا في السياق الجزائري، تشهد على انتقال بعض الصيغ العثمانية إلى المجال المحلي.
وتقع المئذنة في الركن الجنوبي من الصحن، ويبلغ ارتفاعها نحو 32 مترًا. وفي داخلها نواة مركزية مثمنة يلتف حولها سلم صاعد من نحو 150 درجة. ويكتسب اتجاه هذا السلم أهمية خاصة، لأنه يسير عكس عقارب الساعة، وهو اتجاه نجده في عدد من مآذن الجزائر خلال العهد العثماني، كما نلحظه في نماذج مغاربية أقدم. وقد يكون لهذا الاختيار بعد عملي مرتبط براحة الصاعدين، وربما أيضًا بعد رمزي له صلة بتصورات الدوران والطقس في الثقافة الإسلامية.
وينقسم بدن المئذنة إلى مستويات زخرفية تتكرر فيها العقود النصف دائرية المفصصة، ويفصل بينها شرائط من البلاطات الخزفية، مع طنف بارز يقطع الكتلة العمودية ويضفي عليها إيقاعًا بصريًا يجعلها تبدو كأنها ثلاث طبقات متراكبة. وهذه المعالجة لا تمنح المئذنة رشاقةً شكلية فقط، بل توضح أيضًا أن الابتكار لم يكن قائمًا على تغيير الهيئة العامة فحسب، بل شمل كذلك تفصيلاتها الزخرفية والإنشائية.
وتؤكد المقارنة مع مآذن أخرى مثمنة في الجزائر العثمانية، مثل جامع صفر وجامع الداي بالجزائر العاصمة، وجامع سيدي لخضر بقسنطينة، وجامع عين البيضاء بمعسكر، أنّ المئذنة المثمنة أصبحت إحدى العلامات الدالة على التأثير العثماني. غير أنّ مئذنة جامع الباشا تظل من أجمل هذه النماذج وأكثرها اكتمالًا من حيث التناسب والارتفاع والمعالجة الزخرفية.
|
الصورة5: مئذنة جامع الباشا بوهران |
الصورة 6: مئذنتا جامع البراني وجامع الداي بالقصبة في الجزائر العاصمة |
|
|
|
|
من اعداد الباحثين 2025م |
من اعداد الباحثين 2025م |
2.6. المداخل
تمتاز مداخل جامع الباشا بوضوح حضورها وبغناها الشكلي. فالمدخل الرئيسي التذكاري بارز ومتوَّج بقبة مضلعة، وتحيط به زخارف جصية نباتية وهندسية وكتابية. كما ينتظم في وسط بائكة الصحن نصف الدائرية، بما يمنحه مكانةً محورية في توجيه الحركة وفي تمثيل هيبة المبنى. ويتألف هذا المدخل من فتحة محصورة بين عمودين يعلوهما تاج مكعّب، تعلوها عقود حدوية منكسرة محمولة على أعمدة مزدوجة، ثم فضاء داخلي تعلوه قبة مثمنة تحملها عقود مفصصة مفلطحة.
وتُبرز هذه البنية أنّ المدخل لم يعد مجرد عنصر نفعي للعبور، بل أصبح مشهدًا معماريًا مستقلًا يهيّئ الداخل نفسيًا وبصريًا إلى فضاء المسجد. كما أنّ اللوح الزخرفي الجانبي المؤلف من عقود ثلاثية الفصوص المحمولة على أعمدة رخامية يدل على عناية تركيبية لا نجدها عادة في مداخل المساجد الجزائرية السابقة للعهد العثماني.
أمّا المدخل الثانوي، فتتخذ فتحته شكل عقد حدوي مسنّن تحمله أعمدة مركبة ذات جزء سفلي مضلع وجزء علوي حلزوني، في حين يبدو مدخل بيت الصلاة أقل بروزًا، إذ تعلوه فتحة نصف دائرية تحملها دعامتان مدمجتان تزين تيجانهما أوراق الأكنثس. وعلى الرغم من اختلاف درجات الإبراز بين هذه المداخل، فإنّ الجامع يكشف، في مجموعها، عن تحوّل في تصور وظيفة المدخل المعماري، بحيث صار المدخل عنصرًا دلاليًا وجماليًا، لا مجرد حدّ فاصل بين الخارج والداخل.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إنّ مدخلي الجامع الرئيسي وبيت الصلاة يمثّلان واحدًا من أبرز وجوه الابتكار في المبنى؛ لأنّ فكرة المدخل البارز المؤدي إلى بيت الصلاة لا نجدها على هذا النحو في كثير من المساجد الجزائرية السابقة، وهو ما يجعل جامع الباشا مختبرًا فعليًا لتمثّل حلول معمارية جديدة.
الصورة 7: مدخل جامع الباشا بوهران عن/https://www.almouatinmagazine.com
من اعداد الباحثين 2025م
|
الصورة 8: صورة حديثة للمدخل الرئيسي لجامع الباشا |
الصورة 9: صورة قديمة للمدخل الرئيسي لجامع الباشا |
|
من اعداد الباحثين 2025م |
من اعداد الباحثين 2025م |
3.6.القباب
القباب هي العنصر الأكثر حضورًا في تشكيل صورة الجامع، والأكثر ارتباطًا بفكرة الانتماء إلى الطراز العثماني. فالقبة المركزية الكبيرة تهيمن على بيت الصلاة، في حين تتوزع القباب الصغيرة في الرواق الثاني وفي المساحة المتقدمة للمحراب، كما تظهر قبة مضلعة عند المدخل الرئيسي وفوق النافورة. ويعكس هذا التعدد في مواقع القباب إدراكًا معماريًا لدورها في تنظيم الفضاء وفي خلق الإيقاع البصري داخل المبنى وخارجه.
وقد كان حضور القبة في مساجد الجزائر قبل العهد العثماني محدودًا في الغالب بقبّة أمام المحراب أو في البلاطة الوسطى المستعرضة. أمّا في جامع الباشا، فإنّ القبة لم تعد عنصرًا موضعيًا تابعًا للمحراب فقط، بل صارت مركز التنظيم كله. وهذا التحول هو الذي يمنح المبنى بعده العثماني الأوضح، لأنّ القبة المركزية كانت منذ القرن السادس عشر أحد أكثر الشعارات المعمارية تعبيرًا عن السيادة العثمانية.
غير أنّ قيمة هذا التحول لا تكمن فقط في تبني القبة الكبرى، بل في الطريقة التي جرى بها دمجها مع قباب مضلعة صغيرة وأقبية متقاطعة على نحو يحقّق توازنًا بين التنويع والوحدة. فالمعماري لم يكتفِ بوضع قبة في المركز، بل بنى حولها نظامًا كاملاً من التغطيات المتعاقبة، وهو ما يمنح بيت الصلاة درجة عالية من الانسجام التركيبي.
4.6. المحراب
يأتي المحراب في جامع الباشا ضمن منظومة العناصر التي تجمع بين الوظيفة والتمثيل. فهو يتخذ شكلًا خماسي الأضلاع، وتعلوه طاقية، وتنقسم واجهته إلى مستويين يفصل بينهما طنف بارز. أمّا فتحة المحراب فتتشكل في هيئة عقد حدوي مدبب يكتنفه عمودان رخاميّان بقاعدة مربعة وبدن يجمع بين التثمين في الجزء السفلي والحلزنة في الجزء العلوي، في حين ينتمي التاج إلى الصيغة الكورنثية مع حضور واضح لورقة الأكنثس والهلال.
ويسمح هذا الوصف بالقول إنّ المحراب ليس استمرارًا حرفيًا للمحاريب المغاربية السابقة، ولا هو اقتباس عثماني خالص، بل هو موضع يتكثف فيه منطق المزج نفسه الذي يحكم الجامع كله. فالعقد الحدوي المدبب، وبعض المعالجات الزخرفية الجصية، والشمسيات الثلاث أعلى الواجهة، تستبقي ذاكرة محلية واضحة، في حين تشير بعض تفاصيل الأعمدة والتيجان إلى حساسية زخرفية أكثر انفتاحًا على التجديد.
كما أنّ استحضار الوظيفة الأصلية للمحراب، باعتباره تجويفًا يحدد جهة القبلة ويؤوي الإمام، يذكّر بأنّ المعمار الإسلامي كان، في جوهره، معمارًا يسعى إلى الاقتصاد الفضائي وإلى المواءمة بين الرمز والاستعمال. ومن هذا المنظور، يندرج محراب جامع الباشا ضمن هذه الفلسفة العامة، لكنه يلبسها صياغةً أكثر زخرفةً وتركيبًا.
الصورة 10: محراب جامع الباشا بوهران
من اعداد الباحثين 2025م
5.6. الركائز والعقود والتيجان
تؤدي الركائز في جامع الباشا دورًا مركزيًا في حمل السقوف والعقود وتنظيم المجال الداخلي. ويتكوّن الجهاز الحامل من أعمدة ودعامات متفاوتة الوظائف. فهناك أربعة وعشرون زوجًا من الأعمدة داخل بيت الصلاة، تحمل ثمانيةٌ منها القبة المركزية، بينما تتكفّل البقية بحمل البوائك الفاصلة بين الأروقة. وتمتاز هذه الأعمدة بضخامتها وبتيجانها التي تتخذ هيئة هرم ناقص مقلوب، كما أنّها تخلو من القاعدة في بعض المواضع، بما يعزّز شعور الكتلة والصلابة.
وفي الصحن، تحمل ثمانية أعمدة بائكة الرواق، وقد كُسي بدنها في الوضع الراهن بقطع من الفسيفساء الخزفية، بينما يتخذ تاجها هيئة زهرة رباعية الفصوص موزعة على الزوايا. وإلى جانب ذلك، نجد ستة أعمدة مركبة ذات بدن مثمن وحلزوني، أربعة منها تحمل دكة المبلّغ داخل بيت الصلاة، واثنان يكتنفان فتحة المحراب. أمّا الدعامات، وعددها اثنتا عشرة، فتأخذ شكلًا مربعًا وتنتهي بتيجان تشبه الهرم المدرّج المقلوب.
وتكشف هذه التعددية في أنواع الركائز عن ميل إلى التنويع التركيبي والزخرفي داخل النظام الحامل نفسه. فالمبنى لا يكتفي بحلّ إنشائي واحد، بل يوزع وظائف الحمل على منظومة مركّبة، تُظهر في الوقت ذاته قدرة المعماري على التحكم في التناسب والإيقاع.
أمّا العقود، فقد جاءت بأشكال متعددة : العقد الحدوي، والعقد النصف دائري، والعقد الحدوي المنكسر، والعقد المفصص. وتنتشر هذه العقود في بيت الصلاة، وفي بائكة الصحن، وفي بعض النوافذ، وفي بدن المئذنة. ومن الواضح أنّ جانبًا مهمًا من هذه الصيغ ينهض على الإرث المغربي الأندلسي، وهو ما يدل مرة أخرى على أنّ المعماري الجزائري لم يُلغِ موروثه، بل استعان به لخلق تركيب جديد يتعايش فيه الوافد العثماني مع المخزون المحلي.
وتندرج التيجان بدورها ضمن هذا التفاعل؛ إذ تظهر بعض التيجان مركّبة من عناصر أيونية وكورنثية، ولا سيما في الأعمدة الحاملة لدكة المبلّغ وعقد المحراب. وهذه الصيغ ليست مجرد زينة مضافة، بل تعلن عن ذائقة معمارية متجددة، تتجاوز البساطة الوظيفية إلى وعي أكبر بأثر التفاصيل في رسم هوية المبنى.
7. البرنامج الزخرفي : استمرارية محلية وانفتاح عثماني
يُظهر البرنامج الزخرفي في جامع الباشا أنّ التجديد لم يقتصر على المخطط العام أو على العناصر الإنشائية، بل شمل أيضًا لغة التزيين وموادها وتقنياتها. فقد استُعملت في الجامع مواد مألوفة في العمارة الإسلامية، مثل الجص، والبلاطات الخزفية، والرخام، والخشب، غير أنّ صياغتها داخل المبنى جاءت في إطار تركيبي يوازن بين الوفاء للموروث والانفتاح على بعض الأذواق الجديدة.
في الجص، تظهر تقنيتان رئيسيتان : الأولى تعتمد الحفر المباشر بأداة معدنية فيما يُعرف في المغرب بـ« نقش الحديدة »، والثانية تقوم على إعداد طبقة من الملاط ثم تغطيتها بعجينة الجص قبل تنفيذ الزخرفة بالحفر الغائر بحيث تبدو العناصر بارزة. وتدل هذه التقنيات على رسوخ الخبرة الحرفية لدى البنّائين والزخرفيين المحليين، كما تؤكد أن الجامع يستند إلى تقاليد تنفيذية متينة وليست طارئة.
وتتوزع الموضوعات الزخرفية على العناصر النباتية والهندسية والكتابية. ففي الزخارف النباتية، نجد المراوح النخيلية، وأنصاف الأوراق، وأوراق العنب والأكنثس، وبعض الأزهار المتشابكة المنفذة على الجص، وإن كانت هذه الزخارف أقل كثافة من نظيراتها في بعض العمائر المغاربية السابقة. أمّا الزخارف الهندسية، فتتجلى في التشبيكات والمعينات والنجوم، ولا سيما في المدخل التذكاري وفي أجزاء من المئذنة. وتكشف هذه العناصر عن استمرارية الذائقة الهندسية التي بلغت ذروتها في المغرب والأندلس، لكنها تستمر هنا في بيئة عثمانية التأثير.
وتحتل الزخرفة الكتابية مكانة خاصة، بحكم الصلة الوثيقة بين الخط العربي والفضاء الديني الإسلامي. ويبدو أنّ فنان الجامع استعان بالخط النسخي المغربي في بعض الأشرطة الكتابية التي تزين الميضأة ومدخل بيت الصلاة، كما استُخدم الخط الكوفي في المدخل الرئيسي. وهذا التوزيع بين أكثر من نسق خطي يعكس وعيًا بجمالية الحرف وبقيمته الرمزية، كما يضع الكتابة في قلب التجربة المعمارية بوصفها عنصرًا بصريًا ودلاليًا معًا.
ومن اللافت أنّ الجامع، رغم استئناسه ببعض العناصر الزخرفية ذات الصلة بالعالم العثماني، لم يتحول إلى فضاء تتوارى فيه الهوية المحلية؛ بل على العكس، يبدو أن الفنان الجزائري قد أعاد تركيب هذه العناصر ضمن نظام بصري يظل فيه الانتماء المغاربي قائمًا بقوة. وهنا تتأكد مرة أخرى فكرة التهجين لا التبعية.
8. مناقشة النتائج
تكشف القراءة التركيبية لجامع الباشا أنّ قيمته لا تنحصر في فرادة بعض مفرداته، بل في طبيعة المنطق الذي يحكم اجتماع هذه المفردات. فبيت الصلاة ذو القبة المركزية يعلن انفتاحًا واضحًا على النموذج العثماني، لكن الأروقة والعقود وبعض الحلول الزخرفية تستبقي حضورًا محليًا. والصحن نصف الدائري يقدّم حلًا غير مألوف في البيئة الجزائرية، غير أنّ اندماجه في نسيج المدينة وفي وظيفة المسجد يجعله جزءًا من مشروع توطين لا من مجرّد اقتباس. والمئذنة المثمنة تخرج عن المألوف المغاربي، إلاّ أنّ معالجتها الزخرفية والإنشائية تنسجم مع البيئة التي وُضعت فيها.
وتقود هذه الملاحظات إلى إعادة النظر في الخطابات التي تختزل العمارة العثمانية في الجزائر في منطق النقل من المركز إلى الهامش. فجامع الباشا يدل على أنّ البناء في الإيالات لم يكن مجرد تطبيق لنماذج سلطانية جاهزة، بل كان مجالًا لإنتاج صيغ وسيطة تستجيب لاعتبارات الموقع، ولخبرات البنّائين، وللرغبة في تمثيل السلطة، ولتقاليد الاستعمال الديني المحلية. وفي هذا المعنى، فإنّ الجامع يعكس تفاوضًا بين مرجعيتين معماريتين، لا انتصارًا كاملاً لإحداهما على الأخرى.
كما أنّ هذا الجامع يبرهن على أنّ الابتكار المعماري في الجزائر العثمانية لا ينبغي ربطه فقط بعناصر « كبيرة » مثل القبة والمئذنة، بل ينبغي قراءته أيضًا في التفاصيل : في نوع العقود، وفي معالجة المداخل، وفي اختيار مواقع العناصر، وفي توزيع الكتل، وفي صوغ الانتقالات بين أجزاء المبنى. فهذه المستويات الدقيقة هي التي تكشف، في النهاية، عن حساسية المعماري وعن درجة استقلاله الإبداعي.
ومن هنا، يمكن اعتبار جامع الباشا أحد النصوص المعمارية الأساسية لفهم تشكل هوية مسجدية جزائرية في العصر العثماني؛ هوية لا تنكر انفتاحها على المجال الإمبراطوري العثماني، لكنها لا تتخلى عن ذاكرتها المغاربية ولا عن قدرتها على إنتاج صياغتها الخاصة.
خاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أنّ جامع الباشا بوهران يمثّل نموذجًا متقدّمًا للابتكار والتجديد في عمارة المساجد بالجزائر خلال العهد العثماني، لا لأنّه تبنّى بعض العناصر العثمانية فحسب، بل لأنّه أعاد تركيبها داخل منطق بنائي محلي أنتج صيغةً جديدة ذات طابع خاص. فقد كشف تحليل بيت الصلاة عن حضور واضح لمنظومة القبة المركزية بوصفها مظهرًا عثمانيًا بارزًا، كما أبرز تحليل الصحن فرادةَ الحلّ نصف الدائري وارتباطه بأفق بصري جديد. وأوضحت دراسة المئذنة والمداخل والقباب والمحراب والركائز والعقود والتيجان أنّ التجديد شمل المنظومة المعمارية كاملة، لا عنصرًا منفردًا دون غيره.
كما تبيّن أنّ المعماري الجزائري لم يكن في هذا الجامع ناقلًا سلبيًا للنموذج الوافد، بل مارس فعلًا إبداعيًا قائمًا على الانتقاء والمواءمة والتهجين. ولذلك فإنّ جامع الباشا يندرج ضمن تاريخ العمارة الجزائرية بوصفه شاهدًا على انتقال نوعي من طور الاستمرار المحض للتقليد المحلي إلى طورٍ جديد من التفاعل المنتج بين المحلي والعثماني.
وعلى هذا الأساس، يغدو الجامع وثيقةً معماريةً ذات قيمة مضاعفة : فهو من جهة يضيء تاريخ وهران بعد استرجاعها من الإسبان، ومن جهة ثانية يتيح إعادة تقييم العمارة العثمانية في الجزائر خارج ثنائية التقليد/القطيعة. ومن ثمّ فإنّ دراسته تفتح المجال أمام أبحاث أخرى تُعنى بالمقارنة بين مساجد البايلكات، وبشبكات انتقال النماذج المعمارية داخل الفضاء العثماني المغاربي، وبأدوار البنّائين المحليين في تشكيل هذه الصيغ الهجينة.

















