العنف الرمزي الممارس ضد المرأة في الثقافة الشعبية الجزائرية : قراءة سوسيوثقافية في الأمثال الشعبية

La violence symbolique exercée contre les femmes dans la culture populaire algérienne : lecture socioculturelle des proverbes

Symbolic Violence against Women in Algerian Popular Culture : A Sociocultural Reading of Proverbs

باغور يمينة Baghor Yamina

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

بحث إلكتروني

باغور يمينة Baghor Yamina, « العنف الرمزي الممارس ضد المرأة في الثقافة الشعبية الجزائرية : قراءة سوسيوثقافية في الأمثال الشعبية », Aleph [على الإنترنت], Vol 13 (1) | 2026, نشر في الإنترنت 22 mai 2026, تاريخ الاطلاع 24 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17096

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أشكال العنف الرمزي الممارس ضد المرأة في الثقافة الشعبية الجزائرية من خلال المثل الشعبي بوصفه خطابا مكثفا، متداولا، ومحملا بسلطة اجتماعية تتجاوز حدوده اللغوية المباشرة. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الأمثال لا تكتفي بوصف صورة المرأة، بل تشارك في إنتاجها وإعادة تثبيتها داخل الوعي الجمعي عبر آليات التعميم، والتشبيه، والتبخيس، وربط قيمة المرأة بالطاعة والخصوبة والشرف والزواج. وتعتمد المقالة مقاربة وصفية تحليلية، تستند إلى تفكيك عينة من الأمثال الشعبية الجزائرية التي تمثل المرأة في صور متعارضة ظاهريا؛ فهي في بعض الأمثال أم، وبيت، وخصب، واستمرار للحياة، لكنها في أمثال أخرى كيد، وفتنة، وعبء، وخيانة، ونقص عقل، ومصدر للهدم أو الشؤم. وتبين الدراسة أن هذا التمثيل لا يعمل بصورة محايدة، بل يؤدي وظيفة معيارية تضبط السلوك وتبرر الهيمنة الذكورية، وقد تسهم المرأة نفسها، بفعل التطبيع الثقافي، في تداوله وإعادة إنتاجه. وتخلص الدراسة إلى أن نقد هذه الأمثال لا يعني رفض الثقافة الشعبية في ذاتها، وإنما قراءتها قراءة واعية تميز بين الذاكرة الجماعية بوصفها رصيدا رمزيا، وبين المضامين التي تكرس التمييز وتطبع العنف ضد النساء.

Cette étude analyse les formes de violence symbolique exercées contre les femmes dans la culture populaire algérienne à partir du proverbe, envisagé comme un discours bref, mémorisé, socialement légitime et fortement prescriptif. L’hypothèse centrale est que les proverbes ne se contentent pas de refléter une image de la femme : ils contribuent à la produire, à la stabiliser et à la transmettre par des mécanismes de généralisation, de comparaison, de dévalorisation et de naturalisation des rôles sexués. La méthode adoptée est descriptive et analytique : elle consiste à lire un corpus de proverbes algériens en interrogeant leurs présupposés, leurs métaphores, leurs oppositions axiologiques et leurs effets sociaux. L’analyse montre que la femme est construite de manière ambivalente : valorisée lorsqu’elle est associée à la maternité, au foyer, à la fécondité ou à l’honneur, elle est dépréciée lorsqu’elle est représentée comme source de ruse, de désordre, de malheur, d’infidélité, d’irrationalité ou de division. La recherche conclut que ces formules participent à la reproduction de la domination masculine tout en étant parfois reprises par les femmes elles-mêmes, ce qui confirme le caractère discret, incorporé et socialement accepté de la violence symbolique.

This article examines symbolic violence against women in Algerian popular culture through the study of proverbs considered as concise, memorable and socially authoritative discourse. It argues that proverbs do not merely reflect representations of women ; they also help produce, normalize and transmit them through generalization, analogy, devaluation and the naturalization of gender roles. The study adopts a descriptive and analytical approach based on a corpus of Algerian popular proverbs, focusing on their presuppositions, metaphors, axiological oppositions and social effects. The analysis shows that women are represented ambivalently : they are praised when associated with motherhood, fertility, domestic order and honour, yet depreciated when portrayed as cunning, irrational, dangerous, talkative, unfaithful, divisive or destructive. The article concludes that such sayings contribute to the reproduction of masculine domination, especially because their symbolic authority often makes them appear as common sense rather than as historically situated discourse. Critically reading these proverbs therefore does not imply rejecting popular culture as a whole ; it means distinguishing cultural memory from representations that legitimize gender inequality and violence.

مقدمة

تعد الثقافة الشعبية أحد الخزانات الكبرى للذاكرة الاجتماعية؛ فهي لا تحفظ العادات والطقوس والتمثلات فحسب، بل تمنحها كذلك شكلا لغويا قابلا للتداول والاستعادة في الحياة اليومية. ومن بين الأشكال التعبيرية التي تحتل موقعا مركزيا في هذه الثقافة يبرز المثل الشعبي، لأنه يجمع بين الإيجاز، وكثافة المعنى، وسهولة الحفظ، وقوة الاستعمال في مواقف التواصل المختلفة. فالمثل لا يقال عادة باعتباره عبارة لغوية معزولة، بل يستدعى في مقام اجتماعي محدد من أجل الحكم، أو التوجيه، أو السخرية، أو التحذير، أو تبرير موقف من المواقف. ولهذا يبدو المثل الشعبي خطابا صغير الحجم، لكنه كبير الأثر، لأنه يتحول في كثير من الأحيان إلى قاعدة سلوكية أو معيار ضمني تقاس به الأفعال والأدوار والعلاقات.

يندرج هذا البحث ضمن الاهتمام بالسؤال الآتي : كيف تمارس الثقافة الشعبية، من خلال الأمثال تحديدا، عنفا رمزيا ضد المرأة؟ لا يتعلق الأمر هنا بالعنف بوصفه فعلا جسديا مباشرا أو اعتداء لفظيا صريحا فحسب، بل بالعنف الذي يعمل عبر اللغة والصور والرموز والأحكام المألوفة التي تبدو طبيعية لأنها متوارثة ومقبولة اجتماعيا. ومن ثم فإن خطورة المثل الشعبي لا تكمن في كونه يحمل صورة سلبية عن المرأة فقط، وإنما في قدرته على جعل هذه الصورة تبدو بديهية، غير قابلة للمساءلة، بل صالحة للتكرار في التربية، والمجالس العائلية، والنصح، والخصومات، وتفسير الأدوار الاجتماعية.

تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية يمكن صياغتها على النحو الآتي : بأي آليات لغوية ورمزية تسهم الأمثال الشعبية الجزائرية في إنتاج صورة نمطية عن المرأة، وفي ترسيخ موقعها داخل بنية اجتماعية أبوية تمنح الرجل سلطة التسمية والحكم والتقويم؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة أخرى : هل تكتفي الأمثال بوصف تمثلات اجتماعية قائمة، أم أنها تشارك في تثبيتها وإعادة إنتاجها؟ كيف تتحول بعض الصور المادحة للمرأة نفسها إلى صور مشروطة ومقيدة، تربط قيمتها بالزواج والإنجاب والعفة وخدمة الأسرة؟ وكيف يمكن للمرأة أن تكون موضوعا للعنف الرمزي وفاعلا في إعادة تداوله في الوقت نفسه؟

وعليه، لا تنظر هذه المقالة إلى الأمثال باعتبارها نصوصا تراثية بريئة أو مجرد تعبيرات فكاهية متداولة، بل باعتبارها وحدات خطابية تحمل تصورا للعالم، وتنتج أحكاما معيارية حول الجسد، والشرف، والعقل، والطاعة، والأنوثة، والرجولة. إن المثل الشعبي، بما يملكه من سلطة الاختصار والتعميم، يميل إلى محو الفروق الفردية، فيحوّل تجربة جزئية أو حادثة مفترضة إلى قاعدة كلية. وهنا يتجلى العنف الرمزي : إذ تصير المرأة، في كثير من الصيغ المثلية، ذاتا محكوما عليها سلفا، لا بما تفعل، بل بما تنسبه الثقافة إلى جنسها من صفات ثابتة.

تهدف هذه الدراسة، أولا، إلى ضبط مفهوم العنف الرمزي وبيان علاقته بالثقافة الشعبية وبالخطاب المثلّي. وتهدف، ثانيا، إلى تحليل عينة من الأمثال الشعبية الجزائرية التي تحضر فيها المرأة بوصفها موضوعا للمدح المشروط أو التبخيس الصريح. كما تهدف، ثالثا، إلى إبراز الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه الأمثال في تكريس الأدوار النمطية وفي تبرير أشكال أخرى من التمييز أو العنف. ولا تدعي الدراسة الإحاطة بكل الأمثال المتداولة في الجزائر، ولا تعميم نتائجها على كل مناطقها أو لهجاتها، وإنما تسعى إلى تقديم قراءة تحليلية لعينة دالة، تكشف آليات اشتغال المخيال الشعبي عندما يصوغ صورة المرأة داخل علاقات سلطة غير متكافئة.

أما المنهج المعتمد فهو المنهج الوصفي التحليلي، لأنه يسمح، من جهة، بتقديم وصف مفهومي للثقافة الشعبية والمثل والعنف الرمزي، ويسمح، من جهة أخرى، بتفكيك البنية الدلالية للأمثال المختارة من حيث معجمها، وصورها التشبيهية، وافتراضاتها المضمرة، وأحكامها القيمية، والوظائف الاجتماعية التي تؤديها. ولذلك فإن التحليل لا يقتصر على شرح معنى المثل، بل ينتقل إلى مساءلة ما يخفيه المثل من سلطة، وما يضمره من تصور للجسد الأنثوي، وما ينتجه من آثار في ترتيب العلاقة بين المرأة والرجل داخل المجتمع.

1. الإطار النظري : العنف الرمزي والثقافة الشعبية والمثل

1.1. في مفهوم العنف الرمزي

يتكون مصطلح العنف الرمزي من لفظتين متلازمتين : العنف والرمز. يدل العنف، في معناه اللغوي العام، على الشدة والقسوة وغياب الرفق، بينما يدل الرمز على العلامة أو الإشارة أو الصورة التي تحيل إلى معنى يتجاوز مادتها المباشرة. وفي الاستعمال السوسيولوجي لا يكون الرمز مجرد وسيلة محايدة للتواصل، بل يتحول إلى حامل للمعنى والسلطة في آن واحد. فاللغة، والصور، والإيماءات، والألقاب، والنعوت، والأمثال، والنكات، كلها أدوات رمزية تستطيع أن ترفع من شأن فئة اجتماعية أو تحط منه، وأن تمنح الشرعية لبعض الأدوار أو تنزعها عن أدوار أخرى.

ارتبط مفهوم العنف الرمزي بأعمال بيير بورديو وجون كلود باسرون حول إعادة الإنتاج، ثم اتسع في أعمال بورديو اللاحقة حول الممارسة والهيمنة الذكورية. ويشير المفهوم، في جوهره، إلى شكل من أشكال العنف غير المباشر، لا يمارس غالبا بالإكراه الجسدي، وإنما عبر أنظمة المعنى والتصنيف والتقويم التي يتقبلها الخاضعون لها لأنها تبدو لهم طبيعية أو بديهية أو جزءا من النظام العادي للأشياء. لذلك يكون العنف الرمزي أكثر التباسا من العنف المادي؛ فهو لا يترك بالضرورة أثرا جسديا ظاهرا، لكنه يترك أثرا عميقا في الوعي، وفي صورة الفرد عن ذاته، وفي الحدود التي يرسمها المجتمع لما يجوز له أن يكونه أو يفعله.

من هذا المنظور، لا يختزل العنف الرمزي في الشتيمة أو التحقير المباشر، بل يظهر أيضا في النكتة المتداولة، وفي الحكمة الموروثة، وفي التسمية، وفي المقارنة الحيوانية، وفي تحويل أحكام اجتماعية تاريخية إلى حقائق طبيعية. فإذا قيل عن المرأة إنها ناقصة عقل، أو كثيرة الكلام، أو سبب الفتنة، أو إن قيمتها لا تتحقق إلا بالزواج والإنجاب، فإن هذه العبارات لا تعبر فقط عن رأي فردي، بل تشارك في إنتاج نظام رمزي يجعل دونية المرأة قابلة للتصديق والتكرار.

لذلك يمكن القول إن العنف الرمزي يعمل عبر أربعة مستويات متداخلة : مستوى التبخيس، حين تنسب إلى المرأة صفات النقص والدونية؛ ومستوى الإنكار القيمي، حين لا يعترف بقدراتها خارج أدوار محددة مسبقا؛ ومستوى الاستلاب، حين تدفع إلى النظر إلى نفسها من خلال عين الرجل أو الجماعة؛ ومستوى التطبيع، حين يصبح هذا كله مألوفا لا يثير مقاومة ظاهرة. ومن هنا تكمن أهمية تحليل الأمثال الشعبية، لأنها تمنحنا مادة لغوية مكثفة تظهر فيها هذه المستويات بصورة واضحة.

2.1. الثقافة الشعبية بوصفها ذاكرة ومعيارا

تشير الثقافة الشعبية إلى مجموع التصورات والمعتقدات والسلوكات والتعبيرات الرمزية التي تتداولها جماعة اجتماعية ما عبر الزمن. وهي لا تتكون فقط من عناصر مادية أو احتفالية، بل تتضمن كذلك طرائق في الحكم على الأشخاص والأشياء، وأنماطا في تفسير الخير والشر، والشرف والعار، والقوة والضعف، والذكورة والأنوثة. ولهذا فالثقافة الشعبية ليست مجرد تراث محفوظ في الماضي، بل هي ممارسة يومية تعاد صياغتها في الكلام والسلوك والتنشئة.

عرف إدوارد تايلور الثقافة، في التعريف الكلاسيكي المعروف، بوصفها ذلك الكل المركب الذي يضم المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعرف وما يكتسبه الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع. ويستفاد من هذا التعريف أن الثقافة لا تولد مع الفرد بيولوجيا، وإنما تكتسب اجتماعيا. ولذلك فإن التمثلات التي يحملها الفرد عن المرأة والرجل ليست فطرية أو طبيعية في معناها الاجتماعي، بل تتشكل من خلال التربية، والأسرة، والمدرسة، والإعلام، والدين، والحكاية، والمثل، واللغة اليومية.

أما الثقافة الشعبية، في معناها الأدق، فهي ذلك المخزون الشفهي والرمزي الذي ينتج داخل الجماعة ويعاد تداوله بين أفرادها. وهي، كما يبين الطيب بودربالة، لصيقة بالإنسان في حضوره الاجتماعي ونشاطه اليومي، لأنها ترتبط بالأبنية الأنثروبولوجية العميقة وبحاجات الجماعة إلى المعنى والانتظام. غير أن هذه الأهمية لا تمنع مساءلة الثقافة الشعبية عندما تتحول بعض عناصرها إلى أدوات لتبرير التمييز أو ترسيخ اللامساواة. فالتراث لا يكتسب قيمته العلمية بمجرد قدمه أو انتشاره، بل بقدر ما يخضع لقراءة نقدية تميز بين الذاكرة بوصفها رصيدا رمزيا، وبين الصور التي تؤذي فئات بعينها باسم الحكمة أو العرف.

3.1. المثل الشعبي : من الحكمة إلى الضبط الاجتماعي

المثل الشعبي صيغة لغوية قصيرة، متداولة، مجهولة القائل في الغالب، تتولد عادة من تجربة أو حادثة أو ملاحظة اجتماعية، ثم تستقل عن سياقها الأول لتصير قاعدة قابلة للاستعمال في سياقات متعددة. وتكمن قوته في أنه يقدم نفسه بوصفه خلاصة خبرة جماعية لا رأيا فرديا؛ فالمتكلم حين يستشهد بالمثل لا يتكلم باسمه وحده، بل يستدعي سلطة الأسلاف والجماعة والذاكرة المشتركة.

غير أن هذه السلطة نفسها تجعل المثل قابلا لأن يكون أداة ضبط وإخضاع. فالمثل لا يصف دائما، بل يأمر ويمنع ويحذر ويصنف. إنه يحدد ما يجب أن تكون عليه المرأة، وما يجب أن يخافه الرجل منها، وما ينبغي للجماعة أن تتوقعه من البنت والزوجة والأم والمطلقة والعاقر. وبذلك يمكن اعتباره، في لغة بورديو، جزءا من الرأسمال الرمزي الذي يستدعيه الأفراد لإضفاء الشرعية على موقف أو حكم أو ممارسة. فحين يقال : « شاور مرتك وخالف رأيها »، لا يتعلق الأمر بمجرد طرفة، بل بآلية رمزية تنزع عن المرأة أهلية الرأي، وتمنح الرجل حق الاستشارة الشكلية والمخالفة الفعلية في الوقت نفسه.

ينبغي، مع ذلك، تجنب قراءة تبسيطية تجعل الثقافة الشعبية كتلة واحدة معادية للمرأة. فالأمثال نفسها تتضمن صورا متباينة؛ بعضها يمجد الأم، وبعضها يعترف بدور المرأة في استمرار البيت والحياة. إلا أن التحليل يكشف أن هذا المدح غالبا ما يكون مشروطا : فالمرأة تمدح حين تكون أما، أو زوجة صالحة، أو حافظة للشرف، أو مصدرا للخصوبة. أما حين تخرج عن هذه الشروط، فإنها تتحول في المثل إلى مصدر للقلق أو الشر أو الخطر. ومن هنا تتشكل بنية رمزية مزدوجة : تقديس مشروط من جهة، وتبخيس دائم من جهة أخرى.

2. المنهجية وبناء الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على عينة من الأمثال الشعبية الجزائرية المتداولة في الذاكرة الشفوية، والتي تحضر فيها المرأة بوصفها موضوعا مباشرا للقول أو طرفا في مقارنة أو تشبيه أو حكم قيمي. وقد تم اختيار الأمثال على أساس حضورها الدلالي في تمثيل المرأة، لا على أساس إحصائي يدعي الشمول. فالمطلوب هنا ليس قياس نسبة انتشار المثل، وإنما فهم البنية الرمزية التي تسمح له بإنتاج صورة اجتماعية عن المرأة وترسيخها.

تقوم القراءة التحليلية على أربعة مستويات مترابطة. المستوى الأول معجمي، يهتم بالألفاظ والنعوت والصور التي تلحق بالمرأة. والمستوى الثاني دلالي، يحدد المعاني التي تنتجها المقارنة أو الاستعارة أو الحكم. والمستوى الثالث تداولي، يدرس الوظيفة التي يؤديها المثل في مقام استعماله، مثل التحذير من النساء، أو تبرير تزويج البنت، أو السخرية من المطلقة، أو إقصاء المرأة من الرأي. أما المستوى الرابع فهو اجتماعي، يتتبع أثر هذه الأمثال في إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية وفي بناء صورة المرأة عن ذاتها.

وتقتضي الأمانة العلمية التنبيه إلى أن هذه الأمثال ترد غالبا بالدارجة الجزائرية، بما تحمله من اختلافات صوتية وجهوية. لذلك تم الإبقاء على الصيغ المتداولة قدر الإمكان، مع شرح دلالتها حين يكون ذلك ضروريا. كما أن تحليل المثل لا يعني أن كل أفراد المجتمع يؤمنون به أو يطبقونه، بل يعني أن وجوده في التداول يكشف تصورات متراكمة وراسخة في الذاكرة الجمعية. فالمثل وثيقة ثقافية، لكنه ليس حقيقة علمية؛ إنه مادة للتحليل لا برهان على طبيعة المرأة.

3. المرأة في الثقافة الشعبية : حضور مركزي وتمثيل متوتر

تحضر المرأة بقوة في الثقافة الشعبية الجزائرية، في الحكاية، والأغنية، والندبة، والطقس، والمثل. غير أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة اعترافا كاملا بذاتيتها واستقلالها، بل غالبا ما يأتي مشروطا بالأدوار التي يسندها إليها المجتمع : البنت، الزوجة، الأم، الحماة، العجوز، الأرملة، المطلقة، العاقر. وبذلك لا تظهر المرأة عادة كذات اجتماعية حرة، بل كوظيفة داخل نظام القرابة والشرف والتكاثر والبيت.

من أهم القيم التي ظلت ملتصقة بصورة المرأة في الأمثال : الحياء، الشرف، العفة، الإنجاب، الأمومة، الخدمة، الطاعة، وفي المقابل : الخديعة، المكر، الثرثرة، الفتنة، العناد، الشؤم، ونقص العقل. وتكمن خطورة هذا التقابل في أنه لا يصف أفعالا محددة، بل يصنف النساء ضمن جوهر أخلاقي عام. فإذا صلحت المرأة فلأنها أطاعت وحافظت على الحدود، وإذا فسدت فلأن طبيعتها، كما يزعم المخيال الشعبي، قابلة للكيد والتجاوز والفتنة.

هذا التوتر ظاهر في أمثال تجمع بين طرفي الخير والشر في صورة واحدة، مثل قولهم : « مرا تعييك ومرا تعليك »، وقولهم : « الخير مرا والشر مرا ». في الظاهر تبدو هذه الأمثال متوازنة لأنها تعترف بإمكان الخير والشر في المرأة، لكنها في العمق تجعل المرأة قوة قدرية تتحكم في مصير الرجل؛ فهي قد ترفعه أو تهدمه، تباركه أو تشؤمه. واللافت أن الرجل هو مركز القياس : قيمة المرأة تحدد بمدى أثرها فيه، لا بما تكونه في ذاتها. وهذا يعني أن التمثيل، حتى حين يبدو إيجابيا، يظل محكوما بمنظور ذكوري يربط صورة المرأة بحاجات الرجل وخوفه ورغبته.

4. المدح المشروط : العنف الرمزي في الأمثال الإيجابية

قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمثال التي تمدح المرأة تقع خارج العنف الرمزي، لأنها تمنحها قيمة إيجابية. غير أن القراءة الدقيقة تبين أن كثيرا من هذا المدح لا يعترف بالمرأة كذات مستقلة، بل يختزلها في وظيفة أسرية أو إنجابية أو أخلاقية. فقولهم : « الدار بلا مرا مظلمة » يمنح المرأة دورا أساسيا في البيت، لكنه يحصر هذا الدور داخل الفضاء المنزلي. وقولهم : « الرجل ساقية والمرا جابية » يشبه الرجل بالمجرى الذي يجلب الماء، والمرأة بالخزان أو الوعاء الذي يحفظه، وفي ذلك اعتراف بالتكامل، لكنه تكامل مبني على تقسيم رمزي للأدوار : الرجل حركة خارجية، والمرأة حفظ داخلي. أما قولهم : « لو كان ما المريا ما يجينا ولد ولا بنية » فيربط قيمة المرأة بالإنجاب واستمرار النسل.

في هذه الأمثال تظهر المرأة قرينة الحياة والخصب والبيت والشرف. فهي تشبه بالأرض التي تنبت، وبالماء الذي يحيي، وبالجابية التي تحفظ، وبالستر الذي يصون. غير أن هذا التمثيل الإيجابي يحمل في داخله قيدا واضحا : قيمة المرأة تظل مرتبطة بجسدها وبوظيفته الاجتماعية. فهي محترمة ما دامت تحفظ العفة قبل الزواج، وتثبت الخصوبة بعد الزواج، وتحافظ على بيت الرجل ونسبه وشرفه. فإذا انتفت هذه الشروط، أو تعذر الإنجاب، أو وقع الطلاق، أو تأخر الزواج، انقلب التقدير إلى تبخيس.

ومن هنا نفهم أن جسد المرأة في المخيال الشعبي لا يخصها وحدها، بل ينظر إليه بوصفه امتدادا لجسد الجماعة. فالعفة ليست فضيلة فردية فحسب، بل علامة على شرف الأسرة؛ والخصوبة ليست قدرة بيولوجية فقط، بل استمرار للنسب؛ والزواج ليس علاقة شخصية، بل آلية إدماج اجتماعي. ولذلك يصبح جسد المرأة موضع مراقبة مضاعفة : يراقبه الأب والأخ والزوج والجماعة. والمثل القائل : « ما تقوم القيامة إلا على مطيرة ولا ضفيرة » يكشف عن ارتباط الصراع الاجتماعي بالشرف الأنثوي وبالخصوبة، حيث تصبح المرأة محور تنازع بين الرجال، لا فاعلة مستقلة في تحديد مصيرها.

بهذا المعنى، فإن المدح المشروط جزء من العنف الرمزي لأنه يرفع المرأة حين توافق الصورة المنتظرة منها، ويخفضها حين تخرج عنها. فالمرأة لا تمدح لكونها ذاتا عاقلة ومواطنة وفاعلة، بل لكونها أما، أو زوجة، أو حافظة للبيت، أو حارسة للشرف. وهذا النوع من المدح أكثر التباسا من الذم الصريح؛ لأنه يبدو تكريما، بينما يعمل في العمق على تثبيت حدود الدور الاجتماعي المقبول للمرأة.

5. الأمثال السلبية : خرائط التبخيس وإنتاج الدونية

إذا كانت الأمثال التي تمدح المرأة تكشف، في كثير من الأحيان، عن مدح مشروط يربط قيمتها بالأمومة والخصوبة والبيت والشرف، فإن الأمثال السلبية تكشف عن مستوى أكثر مباشرة من العنف الرمزي، لأنها لا تكتفي بتقييد صورة المرأة داخل أدوار اجتماعية محددة، بل تلحق بها صفات النقص والخطر والشر والفتنة. وتكمن قوة هذه الأمثال في طابعها التعميمي؛ فهي لا تتحدث عن امرأة بعينها، ولا عن سلوك فردي قابل للنقاش، بل تحول صفات مخصوصة إلى أحكام كلية تلصق بالنساء بوصفهن جنسا اجتماعيا. وهكذا تنتقل التجربة الجزئية، أو الحادثة المفترضة، إلى مرتبة الحقيقة العامة، ويتحول المثل إلى قاعدة رمزية توجه النظر والسلوك والحكم.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الأمثال باعتبارها عبارات معزولة أو صيغًا لغوية بريئة، لأنها تشتغل داخل بنية ثقافية أوسع، قوامها النظام الأبوي وسلطة الجماعة وهيمنة الصوت الذكوري في إنتاج المعنى. فهي تصوغ المرأة في صور متعددة، لكنها صور تتقاطع جميعا في نزع الاعتراف عنها بوصفها ذاتا عاقلة وفاعلة ومستقلة. فهي تارة مصدر للكيد والخيانة والفساد، وتارة عبء اجتماعي يجب التخلص منه بالزواج، وتارة صوت زائد لا ينتج إلا الثرثرة والنميمة، وتارة عقل ناقص لا يصلح للرأي والقرار، وتارة قوة هدم وشؤم وفتنة، ثم تبلغ بعض الأمثال ذروتها حين لا تكتفي بتبخيس المرأة رمزيا، بل تبرر العنف المعنوي والجسدي ضدها.

1.5. إنتاج الريبة : المرأة بين الكيد والخيانة والفساد

تؤسس طائفة واسعة من الأمثال الشعبية لصورة المرأة بوصفها كائنا غير مأمون، ينبغي الحذر منه وعدم الوثوق به. وتقوم هذه الأمثال على معجم التحذير والارتياب والخطر، كما يظهر في قولهم :

• بهت النسا بهتين، من بهتهم جيت هارب، يتحزموا باللفاع ويتخللوا بالعقارب.
• مزين النسا بضحكات لو كان يدوموا، الحوت في الماء يعوم وهوما بلا ماء يعوموا.
• بالاك تنسى وتأمن النسا.
• ثلاثة ما فيهم أمان : المرأة والبحر والسلطان.
• النسا كيدهم ما يتنسى.
• تولد البغلة وتقمط الجمل.
• خافت من القمرة وهربت في الظلمة.

تعمل هذه الأمثال على بناء صورة المرأة بوصفها ذاتا ماكرة، لا يمكن الاطمئنان إليها أو الوثوق بكلامها أو ابتسامتها. فالمرأة، في هذا التصور، ليست شريكا اجتماعيا، بل مصدر خطر ينبغي التحسب له. وتزداد حدة التبخيس حين تقارن بالأفاعي والعقارب، لأن التشبيه الحيواني لا يصف الفعل فقط، بل ينزع عن المرأة صفة الإنسانية ويجعل الخديعة جزءا من طبيعتها المتخيلة. ومن ثم لا يعود الحذر من المرأة موقفا شخصيا عابرا، بل يتحول إلى « حكمة » شعبية يعاد تداولها بوصفها خلاصة تجربة جماعية.

ويتعزز هذا البناء الرمزي حين تربط أمثال أخرى المرأة بالخيانة وعدم الوفاء، كما في قولهم :

• لا تغرك شمس الشتاء ولا تغرك ضحكة النسا.
• ما في الشتاء ريح دافي وما في النسا عهد وافي.
• مزينة يا لحبيب لو ما فيها ريحة الذيب.

تقوم هذه الأمثال على تشبيه المرأة بعناصر توحي بالبرودة والخداع والخطر، مثل شمس الشتاء والذئب. فالشمس التي تبدو مضيئة لا تمنح الدفء، والضحكة التي تبدو ودية لا تمنح الأمان. وبذلك تصبح علامات اللطف الأنثوي نفسها موضع اتهام. فالابتسامة لا تقرأ بوصفها تواصلا إنسانيا، بل بوصفها ستارا لخطر محتمل. أما عبارة « ما في النسا عهد وافي » فهي حكم كلي يلغي الاستثناء، ويجعل نقض العهد سمة ملازمة للنساء، لا فعلا يمكن أن يصدر عن فرد في سياق مخصوص.

وتتسع دائرة الريبة لتبلغ المجال الأخلاقي، حيث تصور المرأة بوصفها أقرب إلى الفساد والشر منها إلى الصلاح، كما في الأمثال الآتية :

• النسا إذا خدموا الصلاح داخوا، وإذا خدموا الفساد بدعوا.
• اللي عينو في العذاب يخالط النسا والكلاب.
• كل بلية سبابها ولية.
• العجوز إذا لحقت للستين تخدم خدمة الشياطين.
• الستوت كي تنصح تخطف سنين الكلب وهو ينبح.

تكشف هذه الأمثال عن حكم أخلاقي شديد القسوة؛ فهي لا تحاكم فعلا محددا، بل تصدر حكما على القدرة الأخلاقية للمرأة ذاتها. ففي المثل الأول، تبدو المرأة عاجزة عن الصلاح، مبدعة في الفساد، وكأن الخير استثناء طارئ، والشر طبيعة راسخة. أما ربط النساء بالكلاب أو بالشياطين فيضاعف من أثر التبخيس، لأنه يحول المرأة إلى كائن يقع خارج معيار الطهارة والعقلانية. واللافت أن هذا التمثيل لا يتوقف عند المرأة الشابة أو الزوجة، بل يمتد إلى العجوز والمرأة المتقدمة في السن، بحيث يتحول العمر، لا إلى علامة حكمة وخبرة، بل إلى علامة حيلة وخطر وشر.

بهذا المعنى، فإن صورة المرأة الماكرة أو الخائنة أو الفاسدة لا تعمل بوصفها وصفا محايدا، بل تؤدي وظيفة اجتماعية واضحة : إنها تبرر مراقبة المرأة، والحد من حريتها، والتشكيك في كلامها وابتسامتها ونواياها. وهنا يتجلى العنف الرمزي في تحويل الريبة إلى فضيلة، والثقة إلى سذاجة، والوصاية الذكورية إلى إجراء وقائي مشروع.

2.5. إنتاج العبء الاجتماعي : البنت، العزباء، المطلقة والعاقر

لا تقتصر الأمثال الشعبية على تمثيل المرأة بوصفها مصدرا للخطر الأخلاقي أو الرمزي، بل تصورها كذلك بوصفها عبئا اجتماعيا يثقل كاهل الأسرة والجماعة. ويظهر هذا المعنى بوضوح في الأمثال التي تتناول ولادة البنت ومصيرها الاجتماعي :

• الطفل يزيد بفرحة ويتزوج بفرحة ويموت قرحة، والطفلة تزيد قرحة وتتزوج قرحة وتموت قرحة.
• لما قالوا ولد أنشد ظهري وأسند، ولما قالوا بنية اطبقت الدار علي.
• ضرستك لكان وجعاتك نحيها، وبنتك لكبرت اعطيها.
• هم البنات حتى الممات.
• زوج احناش في غار ولا زوج بنات في دار.
• قالت الموكة : أنا خير من ثلاثة : اللي قال كلمة وما وفاها، واللي دار قصعة وما ملاها، واللي كبرت بنته وما عطاها.

تظهر البنت في هذه الأمثال بوصفها مصدرا للهم منذ الولادة إلى الزواج. ويكمن العنف الرمزي هنا في أن الأنثى لا تستقبل باعتبارها مولودا كامل القيمة، بل باعتبارها عبئا مستقبليا : عبء النفقة، وعبء الشرف، وعبء تزويجها، وعبء الخوف من كلام الناس. أما الولد فيظهر سندا وامتدادا للظهر والنسب. وبهذا تنشأ مفاضلة رمزية بين الذكر والأنثى قبل أن تتشكل شخصية كل منهما، بل منذ لحظة الإعلان عن الجنس.

إن قول المثل « هم البنات حتى الممات » لا يصف حالة نفسية عابرة، بل يثبت البنت في موقع القلق الدائم. وحين تقارن بنتان بحيتين في غار، فإن التشبيه يبلغ درجة عالية من القسوة، لأنه يجعل وجود البنات في البيت أشد خطرا من وجود الزواحف. وهذا لا ينتج فقط نظرة اجتماعية دونية، بل قد ينعكس على التنشئة، إذ تكبر البنت وهي تسمع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن وجودها مصدر عبء، وأن خلاص الأسرة منها يكون بالزواج.

وتتواصل هذه النظرة في الأمثال التي تربط قيمة المرأة بالزواج والإنجاب، وتجعل الحالات الخارجة عن النموذج الاجتماعي المقبول موضوعا للتبخيس أو الوصم، كما في قولهم :

• الزواج سترة.
• يستر الرجال اللي ستروا عيوب النسا.
• تزوجي لا يقولوا بايرة، أولدي لا يقولوا عاقرة.
• المرا بلا أولاد كي الخيمة بلا أوتاد.
• الهجالة من ربي والمطلقة من فعايلها.

تكشف هذه الأمثال أن النظام الرمزي لا يقيم النساء بالقيمة الإنسانية نفسها، بل يرتبهن بحسب قربهن أو بعدهن من النموذج المقبول : المرأة المتزوجة، المنجبة، المستقرة في بيت الزوج. فالعزباء توصم بالبوار، والعاقر بالنقص، والمطلقة بالمسؤولية عن طلاقها، بينما تخف حدة الحكم على الأرملة لأن موت الزوج خارج إرادتها. وفي ذلك تمييز واضح بين حالات اجتماعية وبيولوجية لا ينبغي أن تكون أساسا للتبخيس.

ولا تكمن المشكلة في اعتبار الزواج مؤسسة اجتماعية ذات قيمة، بل في جعله شرطا لستر المرأة ومنحها الاعتراف. فعبارة « الزواج سترة » لا تقدم الزواج بوصفه علاقة إنسانية بين طرفين، بل بوصفه آلية لإخفاء عيب مفترض في المرأة. أما الرجل فيظهر بوصفه من يمنح الستر، أي من يملك القدرة الرمزية على إدماج المرأة ومنحها قيمتها الاجتماعية. وبذلك تصبح المرأة مدينة للرجل بمكانتها، لا لأنها ذات مستقلة، بل لأنها لا تنال الاعتراف إلا من خلاله.

يتجلى العنف الرمزي هنا في تحميل المرأة مسؤولية ما قد لا يكون من صنعها. فالعقم قد يكون لأسباب متعددة، والطلاق قد يكون نتيجة ظلم أو عنف أو تعذر العيش، وتأخر الزواج قد يكون اختيارا أو ظرفا. لكن المثل يلغي التعقيد، ويحول الحالة إلى وصمة. ومن ثم فهو لا يشرح الواقع، بل يبسطه تبسيطا عقابيا يقع عبؤه الأكبر على المرأة.

3.5. إسقاط الأهلية الرمزية : الكلام، العقل وسلطة القرار

تعمل مجموعة أخرى من الأمثال على نزع القيمة عن كلام المرأة وعن رأيها، أي على إسقاط أهليتها الرمزية والمعرفية داخل الأسرة والمجتمع. ويظهر ذلك، أولا، في الأمثال التي تحصر كلام المرأة في الثرثرة والنميمة :

• اللي يحب الهراج يكثر النسا والدجاج.
• أنتوما النسا هدرتكم ما تنحصى ومرقتكم ما تنحسى.
• مشات للحمام جابت أخبار العام.

يحصر هذا الصنف من الأمثال كلام المرأة في الثرثرة والنميمة، ويقارنها بالدجاج في الحركة والصوت والكلام غير المفيد. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد نقد لكثرة الكلام، بل بنزع القيمة عن كلام المرأة بوصفه كلاما. فالمرأة لا تناقش ولا تفكر ولا تشهد ولا تسرد تجربة، بل « تهدر » و« تجيب أخبار العام ». وهكذا يفقد صوتها مشروعيته المعرفية قبل أن يسمع.

ويكتسب الحمام، في المثل الأخير، دلالة ثقافية مهمة؛ فهو فضاء نسائي واجتماعي تتبادل فيه النساء الأخبار والخبرات، غير أن المثل لا يراه فضاء تواصليا مشروعا، بل يحوله إلى مصدر للنميمة وخرق السر. وبذلك تصبح اجتماعية النساء نفسها موضوع شبهة، ويصبح تجمعهن خطرا على النظام الاجتماعي. إن العنف الرمزي هنا يمارس ضد الكلام النسائي وضد فضاءات التواصل النسائية في الوقت نفسه.

ويتضاعف هذا الإسقاط الرمزي حين تنتقل الأمثال من نزع القيمة عن الكلام إلى نزع الأهلية عن الرأي والقرار، كما في قولهم :

• شاور مرتك وخالف رأيها.
• ما تاخذ راي المرا، ما تبع الحمار من ورا.
• سوق النسا سوق مطيار، يا داخلو رد بالك، يوريولك من الربح قنطار ويديولك راس مالك.

تسلب هذه الأمثال المرأة أهلية الرأي والتقدير. فالمثل الأول يسمح باستشارتها شكليا، لكنه يأمر بمخالفتها فعليا، أي إنه يحول الاستشارة إلى إجراء فارغ. أما المثل الثاني فيقرن الأخذ برأي المرأة باتباع الحمار من الخلف، فيجمع بين التحقير الحيواني والسخرية من العقل النسائي. وفي المثل الثالث يتحول فضاء النساء إلى سوق خادع يبيع الوهم ويأخذ رأس المال.

إن هذا النمط من الأمثال لا ينتج فقط صورة سلبية عن المرأة، بل يبرر إقصاءها من القرار داخل الأسرة والمجتمع. فإذا كانت المرأة، بحسب المثل، ناقصة التقدير، فإن قيادة الرجل تصبح أمرا بديهيا لا يحتاج إلى نقاش. وبذلك ينتقل العنف الرمزي من اللغة إلى التنظيم الاجتماعي : من حكم على العقل إلى توزيع غير متكافئ للسلطة.

واللافت أن هذه الأمثال لا تعلن دائما كراهية المرأة، بل تقدم نفسها بوصفها خبرة عملية أو نصيحة اجتماعية. فهي لا تقول للرجل : احتقر المرأة، بل تقول له : لا تثق بكلامها، لا تأخذ برأيها، لا تنخدع بمجالسها، لا تجعلها شريكة في القرار. وهنا تكمن قوة العنف الرمزي؛ فهو لا يحتاج إلى خطاب عدائي مباشر، بل يشتغل من داخل صيغ مألوفة تبدو خفيفة أو ساخرة أو حكيمة.

4.5. المرأة بوصفها قوة تهديد : الفتنة، الهدم، الشؤم والعناد

إلى جانب صورة المرأة الناقصة أو الثرثارة أو الخائنة، تنتج الأمثال الشعبية صورة أخرى تبدو في ظاهرها اعترافا بقوة المرأة، لكنها في حقيقتها تحول هذه القوة إلى تهديد. فالمرأة لا تمثل هنا ذاتا فاعلة أو صاحبة قدرة، بل قوة اضطراب وتفريق وهدم وشؤم. ويظهر ذلك في الأمثال التي تجعلها سببا للفتنة بين الرجال :

• ما يخسر بين الرجال غير النسا والدراهم.
• اضرب الغنم بالعصا واضرب الرجال بالنسا.

تظهر المرأة هنا كقوة تفريق بين الرجال، تماما كما تفعل الدراهم في الخصومات والمصالح. ويكشف هذا التصور عن مركزية العلاقات الذكورية في المخيال الشعبي : فالخسارة الحقيقية هي ما يقع « بين الرجال »، أما المرأة فهي العامل الذي يحدث الخلل في هذه العلاقة. وبذلك لا ترى المرأة ذاتا لها مصالحها ورغباتها، بل وسيطا يهدد تماسك الجماعة الذكورية.

أما المثل الثاني فيحمل عنفا واضحا في بنيته : الغنم تضرب بالعصا، والرجال « يضربون » بالنساء. والمرأة تتحول هنا إلى أداة عقاب أو وسيلة لإخضاع الرجل، لا إلى شخص مستقل. وهذه البنية تؤكد أن العنف الرمزي لا يمارس ضد المرأة وحدها، بل يعيد تنظيم صورة الرجل أيضا : فالرجل الفحل هو من لا تغلبه النساء، ومن استطاعت المرأة التأثير فيه عُدّ منقوص الرجولة.

وتتخذ صورة التهديد صيغة أوضح في الأمثال التي تصور المرأة قوة هدم وتدمير :

• النسا إذا تحزمت والخيل إذا تلجمت.
• كان سبع كي تزوج ولى ضبع.
• ما يغلب الرجال الفحولة غير النسا قلالات الأصل، وما يغلب قلالات الأصل غير صفاح القبور.
• الرجال تهد الجبال والنسا تهد الرجال.
• واش يغلب النار؟ النار يغلبها الماء. واش يغلب الماء؟ الماء تغلبه العقبة. واش يغلب العقبة؟ العقبة تغلبها الخيل. واش يغلب الخيل؟ الخيل يغلبوهم الفرسان. واش يغلب الفرسان؟ آه، الفرسان يغلبوهم نساهم. واش يغلب النسا؟ يغلبوهم أولادهم.

تقدم هذه الأمثال المرأة قوة هدم لا تواجه الأشياء الضعيفة، بل تغلب الرجال الأقوياء. فالرجال « تهد الجبال »، لكن النساء « تهد الرجال ». والمرأة هنا لا تظهر ضعيفة، بل خطيرة؛ غير أن خطورتها لا تتحول إلى اعتراف بقوتها الاجتماعية، بل إلى سبب إضافي لمراقبتها وتخويف الرجل منها. إن المخيال الأبوي يخشى المرأة القادرة، لكنه لا يسمي قدرتها قدرة، بل يسميها هدمًا ومكرا وتمردا.

وتكشف السلسلة المثلية الطويلة عن بناء هرمي للقوى الطبيعية والاجتماعية : النار، الماء، العقبة، الخيل، الفرسان، النساء، الأولاد. وهي تجعل النساء قوة قادرة على هزم الفرسان، لكنها سرعان ما تخضعهن للأولاد. وهذا الترتيب ليس بريئا؛ فهو يعيد المرأة إلى الأمومة بوصفها الحد الذي يكسر قوتها. فالمرأة خطرة حين تكون زوجة مؤثرة، لكنها تضبط حين تتحول إلى أم مرتبطة بأبنائها ومسؤولياتها.

وتبلغ هذه الدلالة مستوى آخر حين يرتبط جسد المرأة وصوتها بالشؤم، كما في الأمثال الآتية :

• اللي عرقوبها يذبح الطير وظلوعها بالغدادي، إذا حب الشر يروح تقوله : أرواح وين غادي.
• صوت حية ولا صوت بنية.

يمثل التشاؤم من صوت المرأة أو شكلها درجة من درجات العنف الرمزي المرتبط بالجسد. فالجسد الأنثوي لا يرى هنا في إنسانيته، بل يتحول إلى علامة فأل أو نحس، تقرأ منها الجماعة مصير الرجل والبيت. وحين يكون صوت الحية أهون من صوت البنت، فإن المثل ينزع عن صوت الأنثى كل قيمة حميمة، ويقرنه بالخطر والاشمئزاز. وهذا النوع من الأمثال يكشف كيف يمكن للثقافة أن تنتج دلالات سلبية انطلاقا من تفاصيل جسدية أو صوتية لا معنى أخلاقيا لها في ذاتها. فالعرقوب والصوت والهيئة تتحول إلى علامات حكم اجتماعي، وبذلك يكون العنف الرمزي مضاعفا : إنه يراقب جسد المرأة، ثم يعاقبه دلاليا بجعله موضع شؤم أو ريبة.

وتندرج في السياق نفسه الأمثال التي تحول ثبات المرأة على موقفها إلى عناد ومكر :

• المرا أخت الأفعى، العظم القاسي ترشيه.
• اللي فيها فيها لو كان تقطعوا لها يديها ورجليها.

يحول هذان المثلان صلابة المرأة إلى عناد سلبي. فالإصرار، إذا صدر عن الرجل، قد يسمى حزما أو ثباتا أو رجولة، أما إذا صدر عن المرأة فيسمى عنادا ومكرا. وهذا يكشف آلية دقيقة من آليات التمييز الرمزي : الصفة نفسها تغير قيمتها بحسب جنس حاملها. فليونة المرأة مطلوبة لأنها تعني الطاعة، أما ثباتها فيفسر بوصفه تحديا للنظام. والتشبيه بالأفعى يعيد المرأة إلى حقل الخطر والسم، ويجعل الإصرار الأنثوي قدرة على إذابة العظم القاسي. وهكذا لا يقرأ المثل مقاومة المرأة بوصفها دفاعا عن الذات أو الرأي، بل بوصفها تهديدا ينبغي الحذر منه.

5.5. من التبخيس إلى الإباحة : شرعنة العنف المعنوي والجسدي

تبلغ الأمثال السلبية أقصى درجات خطورتها حين لا تكتفي بتمثيل المرأة تمثيلا ناقصا أو مشوها، بل تمنح العنف ضدها مشروعية مباشرة أو غير مباشرة. ويظهر ذلك في مجموعة من الأمثال التي تجعل الضرب أو الإخضاع أو الإهانة جزءا من الحكمة المتداولة :

• بط النسا بالنسا وبط الكلب بالعصا.
• ما تضرب مرتك حتى تكتفها.
• اضرب النسا بالنسا ماشي بالعصا.
• اضرب المرا بالمرا يا ولد المرا.
• اضرب مرتك ديما، إذا أنت ما تعرفش علاش هي تعرف علاش.

تختلف هذه الأمثال في صيغها، لكنها تشترك في بنية رمزية واحدة : افتراض قابلية المرأة للعقاب، ومنح الرجل حق التأديب أو الإخضاع. ففعل « اضرب » يتكرر بوصفه أمرا أو نصيحة أو حكمة، بما يجعل العنف ممارسة قابلة للتداول داخل اللغة اليومية. وحين يقال إن الرجل قد لا يعرف سبب الضرب لكن المرأة تعرفه، فإن المثل يفترض ذنب المرأة المسبق، ويعفي الرجل من ضرورة التبرير. بذلك يتحول العنف من فعل مدان إلى ممارسة عادية تقدمها الحكمة الشعبية في صيغة مزاح أو تهكم أو تجربة.

وينبغي التشديد هنا على أن العنف الرمزي ليس منفصلا عن العنف المادي. فاللغة التي تجعل المرأة ناقصة، أو خائنة، أو ماكرة، أو كثيرة الشر، تهيئ الأرضية لقبول العنف ضدها أو التخفيف من خطورته. وقد لا يؤدي كل مثل إلى فعل عنيف مباشر، لكن كثافة هذه الصور وتكرارها يخلقان مناخا ثقافيا يجعل السيطرة على المرأة أمرا مفهوما، وربما مشروعا في نظر بعض الأفراد.

إن خطورة هذه الأمثال تكمن أيضا في أنها لا تقدم نفسها دائما بوصفها دعوة صريحة إلى القمع، بل كثيرا ما تختبئ خلف السخرية أو الدعابة أو المبالغة. غير أن الضحك لا يلغي العنف، بل قد يجعله أسهل تداولا وأقل عرضة للمساءلة. فالعبارة الساخرة، حين تتكرر في المجالس، تترسخ من غير مقاومة، لأن من يعترض عليها قد يتهم بأنه لا يفهم المزاح أو لا يحترم التراث. وهنا يصبح الضحك نفسه أداة من أدوات التطبيع مع التبخيس والإيذاء.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الأمثال السلبية لا ترسم صورة واحدة للمرأة، بل تنتج شبكة كاملة من التصنيفات : المرأة ماكرة، خائنة، فاسدة، عبء، ثرثارة، ناقصة عقل، محدثة للفتنة، هادمة، مشؤومة، عنيدة، ومحتاجة إلى الستر أو التأديب. غير أن تعدد الصور لا يعني تباينها في العمق؛ فهي تلتقي جميعا في نقطة مركزية واحدة، هي نزع الأهلية عن المرأة وجعلها موضوعا للوصاية والرقابة والعقاب. ومن هنا تصبح هذه الأمثال مادة أساسية لفهم كيفية اشتغال العنف الرمزي داخل الثقافة الشعبية، لا لأنها تعبر عن الماضي فقط، بل لأنها تكشف آليات مستمرة في إنتاج المعنى، وتوزيع القيمة، وترتيب العلاقة بين المرأة والرجل داخل المجتمع.

6. ليات العنف الرمزي في الأمثال : التشبيه والتعميم والطبيعة

تكشف الأمثال السابقة أن العنف الرمزي لا يعمل عبر المعنى المباشر وحده، بل عبر آليات بلاغية وثقافية متكررة. وأبرز هذه الآليات التشبيه الحيواني؛ إذ تشبه المرأة بالأفعى والعقرب والذئب والحمار والدجاج والكلب. وهذه التشبيهات لا تملك القيمة نفسها : فالأفعى والعقرب تدلان على السم والخطر، والذئب على الغدر، والحمار على البلادة، والدجاج على كثرة الصوت والحركة، والكلب على النجاسة أو الدونية في بعض الاستعمالات الشعبية. وبهذا ينقل المثل صفات الحيوان المتخيلة إلى المرأة، ثم يقدمها وكأنها صفات طبيعية فيها.

أما الآلية الثانية فهي التشبيه بالعناصر الطبيعية، مثل الماء والبحر والشتاء والجبل. فالماء قد يكون حياة، لكنه قد يصبح هادما؛ والبحر واسع ومخيف وغدار؛ والشتاء بارد لا يمنح الأمان؛ والجبل صلب لا يبوح بالسر. هذه الصور تمنح الحكم على المرأة طابعا كونيا؛ فالأمر لا يبدو رأيا اجتماعيا، بل كأنه قانون من قوانين الطبيعة. وهنا تكمن قوة التعميم الرمزي : إنه يحول التاريخ إلى طبيعة، والثقافة إلى قدر.

الآلية الثالثة هي صيغة الإطلاق. فكثير من الأمثال لا يستخدم ألفاظا تدل على الاحتمال أو النسبية، بل يصدر أحكاما كلية : « ما في النسا عهد وافي »، « كل بلية سبابها ولية »، « هم البنات حتى الممات ». وبذلك يغيب الفرد وتحضر الفئة، وتختفي الاختلافات بين النساء لتحل محلها صورة واحدة مغلقة. إن العنف هنا ليس في السلبية فقط، بل في إلغاء التعدد وإسقاط حكم واحد على جماعة كاملة.

والآلية الرابعة هي الضحك والسخرية. فبعض الأمثال يخفف أثره العنيف لأنه يقال في مقام المزاح أو التندر. غير أن الضحك لا يلغي العنف، بل قد يجعله أسهل تداولا وأقل عرضة للمساءلة. وحين تتكرر الصيغة الساخرة في المجالس، تترسخ الصورة من غير مقاومة، لأن من يعترض عليها قد يتهم بأنه لا يفهم المزاح أو لا يحترم التراث. بهذا يصبح الضحك أداة من أدوات التطبيع.

جدول تحليلي : الرموز المثلية ودلالات العنف الرمزي

نص المثل

الرمز

المعنى الدلالي

مؤشر العنف الرمزي

أمن للحية وما تأمنش للمرا

الأفعى/الحية

تضخيم صورة المكر وربط المرأة بالخطر الخفي والسم

المرأة رمز المكر والخديعة

زوج نسا في الدار كي لعقارب في الغار

العقرب

تصوير اجتماع النساء كخطر سام ومهدد للبيت

المرأة رمز الشر والفتنة

النسا كي الماء كل شيء يذوبوه

الماء

منح المرأة قدرة مرنة وهادمة في الوقت نفسه، بما يحول قوتها إلى تهديد

المرأة رمز الهدم

لا في الجبل سر معلوم ولا في الشتا ليل دافي ولا في العدو قلب مرحوم ولا في النسا عهد وافي

الجبل/الشتاء/العدو

إدراج المرأة ضمن سلسلة من الصور التي توحي بالقسوة والبرودة وانعدام الثقة

المرأة رمز الغدر وعدم الوفاء

شاور مرتك وخالف رأيها

الرأي/الاستشارة

إفراغ الاستشارة من معناها وإقصاء المرأة من سلطة القرار

المرأة رمز نقص العقل

صوت حية ولا صوت بنية

الصوت/الحية

تحويل صوت الأنثى إلى علامة شؤم أو خطر

المرأة رمز الشؤم

الزواج سترة

الستر

ربط قيمة المرأة بالزواج وجعل وجودها خارجه موضع ريبة

المرأة بوصفها عيبا يحتاج إلى ستر

اضرب مرتك ديما، إذا أنت ما تعرفش علاش هي تعرف علاش

الضرب

افتراض ذنب المرأة ومنح الرجل شرعية العقاب دون تبرير

تبرير العنف المعنوي والجسدي

يوضح هذا الجدول أن الرموز ليست زخارف بلاغية بريئة، بل أدوات تصنيف اجتماعي. فحين تقرن المرأة بالحيوان أو بالبرد أو بالشؤم أو بالهدم، ينتقل الحكم من مستوى الوصف إلى مستوى التقييم. وبذلك تصبح الصورة البلاغية بنية رمزية تؤثر في كيفية تصور المرأة والتعامل معها.

7. من التمثيل إلى الأثر : كيف يعاد إنتاج الهيمنة؟

لا تنحصر وظيفة الأمثال في القول، بل تمتد إلى الفعل الاجتماعي. فالأمثال التي تربط المرأة بالفتنة أو نقص العقل قد تسهم في تبرير إقصائها من القرار، والأمثال التي تجعل البنت هما قد تسهم في تفضيل الذكور، والأمثال التي تربط قيمة المرأة بالزواج والإنجاب قد تزيد الضغط على العزباء والمطلقة والعاقر، والأمثال التي تجعل ضرب المرأة أمرا مألوفا قد تخفف من الإدانة الاجتماعية للعنف الأسري. ومن ثم فالمثل ليس مجرد أثر من آثار الثقافة، بل أداة من أدوات إعادة إنتاجها.

وتزداد فعالية العنف الرمزي لأنه لا يحتاج دائما إلى فاعل واع بما يفعل. فقد يردد الرجل المثل لأنه ورثه، وقد تردده المرأة لأنها سمعته من أمها أو جدتها أو محيطها، وقد تستعمله في تربية البنات أو نصحهن أو تقويم سلوكهن. وهنا تتضح فكرة بورديو عن قبول المهيمن عليهم أحيانا بالتصنيفات التي تهيمن عليهم، لا لأنهم يرغبون في الظلم، بل لأن النظام الرمزي يجعل هذه التصنيفات مألوفة ومفهومة و« طبيعية ».

غير أن القول بتأثير الأمثال لا يعني إلغاء قدرة المجتمع على نقدها أو تجاوزها. فالثقافة الشعبية ليست بنية جامدة، بل مجال صراع وتأويل. وكما أنتجت الذاكرة الشعبية أمثالا تبخس المرأة، أنتجت أيضا أشكالا من الغناء والحكاية والقول الشفهي التي تحتفي بصبرها وحكمتها وفاعليتها. لذلك فإن المطلوب ليس إدانة الثقافة الشعبية كلها، بل إعادة قراءتها من منظور نقدي يسمح بفرز ما يحمل قيمة جمالية أو تاريخية، وما يستبقي صورا تمييزية ينبغي تفكيكها.

إن المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة قادرة على تحويل هذه الأمثال من أدوات تكرار إلى موضوعات تحليل. فإذا قيل المثل في درس أو نقاش، لا ينبغي الاكتفاء بشرحه، بل ينبغي طرح أسئلة حوله : من يتكلم فيه؟ ضد من يوجه؟ ما الصورة التي يصنعها؟ ما الذي يخفيه؟ وهل يصلح أن يكون حكمة في مجتمع يسعى إلى الإنصاف والمواطنة؟ بهذه الطريقة يصبح التراث مجالا للتفكير لا للتقديس الأعمى.

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الأمثال الشعبية الجزائرية، في جزء معتبر من صيغها التي تتناول المرأة، لا تكتفي بعكس تمثلات اجتماعية سابقة، بل تشارك في إنتاجها وتثبيتها. فهي تمنح المخيال الأبوي لغة موجزة، سهلة التداول، تبدو في هيئة حكمة جماعية، لكنها تحمل أحكاما قاسية على المرأة : فهي ماكرة، مصدر هم، قابلة للفساد، قليلة الوفاء، كثيرة الكلام، محدثة للفتنة، ناقصة الرأي، هادمة للرجل، مشؤومة، عنيدة، أو محتاجة إلى ستر الزواج والإنجاب. وحتى حين تمدح، فإن مدحها غالبا ما يظل مشروطا بوظائفها الأسرية والجسدية : الأمومة، الخصوبة، الطاعة، حفظ الشرف، وتدبير البيت.

ويظهر العنف الرمزي في هذه الأمثال من خلال آليات متعددة : التعميم الذي يلغي الاختلاف بين النساء، والتشبيه الحيواني الذي ينزع عن المرأة قيمتها الإنسانية، والتشبيه الطبيعي الذي يجعل الأحكام الاجتماعية تبدو قوانين كونية، والسخرية التي تيسر التداول وتمنع الاعتراض، والربط بين المرأة والجسد والشرف بما يجعلها موضع مراقبة دائمة. ومن ثم فإن المثل الشعبي، رغم قصره، يعمل كجهاز رمزي يضبط النظرة إلى المرأة ويعيد إنتاج الهيمنة الذكورية في الحياة اليومية.

غير أن هذه النتيجة لا تعني أن الثقافة الشعبية ينبغي أن ترفض جملة واحدة، ولا أن كل مثل شعبي معاد للمرأة. إنما تعني أن التراث الشفهي يحتاج إلى قراءة نقدية واعية، تميز بين القيمة الثقافية للأمثال بوصفها وثائق للذاكرة، وبين المضامين التي تكرس العنف والتمييز. فالمجتمع الذي يحافظ على ذاكرته لا يكتفي بتكرارها، بل يملك الشجاعة العلمية والأخلاقية لمساءلتها وتجديدها. ومن هنا تصبح دراسة الأمثال الشعبية مدخلا ضروريا لفهم العلاقة بين اللغة والسلطة والجندر، ولتفكيك الصور التي ما زالت تؤثر في موقع المرأة داخل المجتمع.

المراجع

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. (1968). لسان العرب (ط. 3). دار صادر.

البركاوي، نجاة. (2022). صورة ومكانة المرأة في المثل الشعبي المغربي : دراسة سوسيوثقافية. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، 3(12)، 496-505.

العتوم، ميسون. (2013). جسد المرأة والدلالات الرمزية : دراسة أنثروبولوجية بمدينة عمان الأردن. إنسانيات، 59.

بودربالة، الطيب. (2014). الثقافة الشعبية بين حضارة المشافهة وحضارة الكتابة. مجلة معارف، 16، 57-82.

قبايلي، عمر. (2008). مدخل للثقافة الشعبية العربية : مقاربة أنثروبولوجية. مجلة الأثر للآداب واللغات، 7، 172-180.

Bourdieu, P. (1980). Le sens pratique. Paris : Les Éditions de Minuit.

Bourdieu, P. (1998). La domination masculine. Paris : Seuil.

Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les Éditions de Minuit.

Linton, R. (1977). Le fondement culturel de la personnalité (A. Lyotard, trad.). Paris : Bordas.

Rocher, G. (1992). Culture, civilisation et idéologie. Montréal : Hurtubise HMH.

باغور يمينة Baghor Yamina

جامعة أبي بكر بلقايد – تلمسان
yamina.baghor@univ-tlemcen.dz
orcid est : 00090006-4758-6303

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.