مقدمة
تنبني هذه الدراسة على فرضية منهجية مفادها أن « الأنا الساردة » في « أصبحتُ أنتَ » لا تؤدي وظيفة تلفظية فحسب، بل تتحول إلى جهاز تأويلي تنتظم حوله الذاكرة، وصورة الأب، وسؤال اللغة، وتمثيلات الوطن، والرهانات الجندرية. ومن ثمّ فإن قراءة النص لا تستقيم إلا بربط صيغ التلفظ بموقع الذات داخل بنية ثقافية جزائرية مثقلة بآثار الاستعمار، وبخيبات ما بعد الاستقلال، وبصراع الرموز بين العربية والفرنسية، وبين السلطة الأبوية ورغبة الأنثى في التحقق.
تقوم هذه الورقة البحثية على تتبُّع الفضاء النصي الذي وظَّفته أحلام مستغانمي في منجزها السردي « أصبحتُ أنتَ »، وفق الآليات اللغوية والأنساق الثقافية التي خطَّتها داخل المتن. ففي عالمنا المعاصر، الذي يتسم بالتغيرات المتسارعة، تزداد الحاجة إلى فهم عميق لكيفية بناء الفرد لذاته وتحديد هويته في ظل سياقات ثقافية واجتماعية متعددة. من هذا المنطلق، تتجلى أهمية الكتابة السردية في كونها تعكس هذه التحديات، وتوفر فرصة للتأمل في العلاقة بين الأنا الساردة ومسعاها الدؤوب للبحث عن الذات. إنّ الأدب النسوي بشكل خاص، يقدم رؤى فريدة حول هذه القضايا، إذ غالباً ما تتناول الكاتبات تجارب البحث عن الهوية من منظور يراعي تعقيدات الجندر والثقافة.
1. الإطار الإشكالي والمنهجي للدراسة
ينطلق هذا البحث من افتراضٍ عام مفاده أنّ كتاب « أصبحتُ أنتَ » لأحلام مستغانمي لا يقدّم سيرة ذاتية بالمعنى التوثيقي الخالص، بل يبني فضاءً سرديًا وثقافيًا تتقاطع فيه الذات الكاتبة مع الذاكرة العائلية والوطنية، ويتحوّل فيه فعل الكتابة إلى وسيلة لاستعادة الأنا ومساءلة الهوية. ومن ثمّ، فإنّ الاشتغال على هذا النص يقتضي النظر إليه بوصفه خطابًا سيريًا ذا كثافة تخييلية وثقافية، لا بوصفه مجرد تسجيل خطّي لوقائع حياتية أو إحالات مرجعية مباشرة.
تتمثل إشكالية البحث في الكشف عن الكيفية التي تتمظهر بها مركزية الأنا الساردة داخل المتن، وعن الأسباب التي تجعل البحث عن الهوية هاجسًا وجوديًا وثقافيًا ملازمًا للتجربة السيرية. فإذا كان النص يتشابك فيه الذاتي بالجمعي، وتتداخل فيه الأصوات والذاكرات والأمكنة، فإنّ السؤال المركزي الذي يوجّه هذه الدراسة يمكن صياغته على النحو الآتي : كيف تتشكل الأنا الساردة في كتاب « أصبحتُ أنتَ » بوصفها مركزًا لإنتاج المعنى؟ ولماذا يتحول البحث عن الهوية إلى هاجس سردي وثقافي؟ وما الأنساق الاجتماعية واللغوية والجندرية والوطنية التي تسهم في تشكيل هذه الهوية أو في تعميق أزمتها؟
وتقوم الدراسة، انطلاقًا من هذه الإشكالية، على جملة من الفرضيات المترابطة. تتمثل الفرضية الأولى في أنّ مركزية الأنا الساردة في « أصبحتُ أنتَ » لا تتحقق عبر الحضور الضميري فحسب، بل من خلال هيمنة منظور ذاتي كثيف يعيد تنظيم الوقائع، والأمكنة، والشخصيات، والذاكرة وفق وعي سردي مأزوم ومتشظٍّ. أما الفرضية الثانية فتفترض أنّ تشكّل الهوية داخل النص لا يتمّ في عزلة عن المحيط الثقافي والاجتماعي، بل يتأثر بجملة من المحددات المرتبطة بالعائلة، والوطن، واللغة، والذاكرة، وتمثلات الأنوثة. وتذهب الفرضية الثالثة إلى أنّ النص يجعل من الهوية مجالًا للصراع والتفاوض، حيث تتقاطع الأنا مع الآخر، والذات مع الجماعة، والذاكرة الشخصية مع التاريخ الوطني، بما يحوّل السيرة إلى خطاب ثقافي كاشف عن توترات المجتمع الجزائري في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وبناءً على ذلك، تسعى الدراسة إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية. يتمثل الهدف الأول في تحليل تجليات مركزية الأنا الساردة، من خلال تتبع الآليات السردية واللغوية التي تجعل الذات مركزًا للرؤية والتأويل وإعادة بناء العالم. ويتمثل الهدف الثاني في تحديد معالم هاجس البحث عن الهوية، عبر رصد التأمل الذاتي، والانكسارات النفسية، وعلاقة الأنا بالآخر، والبحث عن الانتماء المكاني والرمزي. أما الهدف الثالث فيتصل بتحليل الأبعاد الثقافية المؤثرة في تشكيل هذه الهوية، ولا سيما الأنساق الوطنية واللغوية والجندرية، وما يرتبط بها من قيم اجتماعية وتقاليد وتمثلات ثقافية مضمرة.
أما من حيث المنهج، فإنّ الدراسة تعتمد المقاربة الثقافية بوصفها مدخلًا رئيسًا لقراءة النص، لأنها تتيح التعامل مع العمل السيري لا باعتباره بناءً جماليًا فحسب، بل بوصفه منتجًا رمزيًا يكشف عن القيم، والتمثلات، والصراعات، والأنساق المضمرة داخل المجتمع. لذلك، سينصبّ التحليل على تتبع العلامات الثقافية التي تتخلل المتن، وعلى بيان كيفية اشتغالها في بناء صورة الأنا الساردة، وفي تشكيل علاقتها بالأب، والوطن، واللغة، والجسد، والذاكرة. كما تستعين الدراسة، عند الحاجة، ببعض أدوات التحليل السردي، ولا سيما ما يتصل بالضمير، والرؤية السردية، وبناء الشخصية، والفضاء المكاني، والعلاقة بين الزمن والذاكرة.
وتتحدد حدود هذه الدراسة في الاشتغال على كتاب « أصبحتُ أنتَ » بوصفه نصًا سيريًا ذا طابع تخييلي وثقافي، لا بوصفه وثيقة تاريخية مباشرة. ومن ثمّ، فإنّ الوقائع، والأمكنة، والشخصيات، والضمائر، والاقتباسات تُقرأ هنا بوصفها علامات دالة داخل بنية خطابية، لا بوصفها مجرد إحالات إلى واقع سابق على النص. وبهذا المعنى، لا تسعى الدراسة إلى التحقق من الوقائع الخارجية، بل إلى تحليل طرائق تمثيلها سرديًا وثقافيًا، وإبراز ما تكشفه من توترات الهوية، ومن صراع الأنا مع الآخر، ومن محاولة الذات إعادة بناء حضورها داخل اللغة والذاكرة والوطن.
2. دينامية الأنا وتقاطبيتها مع الآخر
لا تنفصل ثنائية الأنا والآخر في هذا النص عن منطق التمثيل الثقافي؛ فالآخر ليس عنصرًا خارجيًا يُقابل الذات فحسب، بل هو الممر الذي تعبر منه الذات نحو وعيها بذاتها. لذلك تتوزع صورة الآخر بين الأب، والوطن، واللغة، والمؤسسة، والمجتمع الذكوري، فتغدو كل علاقة بالآخر مناسبة لاختبار حدود الأنا وطاقتها على المقاومة وإعادة التسمية.
يتماهى الأنا بشكلٍ مطَّرد مع الآخر، ويتشابك معه ضمن مجموعة من العلاقات المعقدة جدا. حيث تستحوذ على الفرد فكرة الحفاظ على أناه، والاعتداد بها، مقابل ما يراه أمامه على أنه محاولة للنيل من هويته، أو فرض الهيمنة عليه بهوية جديدة، وهو ما يعتبره تهديدا مباشرا له، ما يؤدي إلى إذكاء جذوة صراعٍ ثقافي بينه وبين الآخر.
إذْ تُصبح أحلام هي نفسها المركز داخل عملها، ما يوحي بوجود علاقات تماهٍ كبيرة بينها كذاتٍ سارِدة (مجازي) وبين نفسها كذاتٍ مؤلِّفة (حقيقي). فالسَّرد الفني ليس مجرَّد إعادة استنساخٍ للواقع، لأنَّ هذا يوقع الأديب في مطبَّة التكرار والابتذال. ولعلَّ جنس السيرة الذاتية هو الأقرب إلى تبني الواقع، وتوثيقه من خلال تدوين تفاصيله وجزئياته. وبناءً على ذلك يتمُّ إنتاج النص السيري الذاتي وفق وجود مراجع خارجية، تمثل نقاط انطلاق أساسية لا مناص منها، فأولى شروط السرد الفني هو إعادة صياغة الوجود والواقع، ليس كما هو، بل وفق علامات نصية مجازية، تكتسب بعدها الفني والإيحائي كبؤر دلالية تتشظى إلى أنساق جمالية.
وقد عملت الظروف مجتمعة على تشكيل القالب الشخصي والسيكولوجي والثقافي للكاتبة أحلام، ليكون الأنا الخاص بها على مرمى الآخر؛ الذي هو والدها. وهو ما يقودنا إلى القبض على قطبين أساسيين داخل المتن السردي، الأنا والآخر. إذْ حاولتْ جاهدة أن تلغي كل المعالم الفاصلة بينها وبين والدها، لتُظهرها في ثوب الرجل الجزائري المكافح، الذي لا يقبل المهادنة ولا الرضوخ. فالمسألة تتعلق بمنطق الرَّفض، الذي اتخذته الكاتبة كمنطلق أساسي لمعاينة الأوضاع السائدة في جزائر ما بعد الاستقلال، عبر رؤية بانورامية راصدة للتطورات الحاصلة، وللصراعات الناشئة التي شقَّت طريقها إلى البلد. فالنص السردي الذي بين أيديينا يطرح أسئلة البحث عن الهوية، محدِّداتها وهواجسها، من خلال إسقاطها على الوالد.
تنطلق الكاتبة أحلام مستغانمي في نصها استنادا على القوة التي تشي بها الأنا، محاوِلةً إسقاط كلِّ النظائر والأشباه عليها، باعتبارها المركز الواعي الذي يمتص المشاهدات ويتشرَّب التلقيَّات. وهي في أساسها نظرة اعتداد، أو قُلِ عنه إنه تمركزٌ حول الذات في تفسير العالَم. فالفرد في تقلباته لابد له من تأسيس أفقٍ قرائيّ، وهذا ما ظهر جليًّا في السيرة الروائية موضوع الدراسة. إذْ تعتبرها أحلام فضاءً رحبا للبوح، وللاحتفاء بالذات المبدعة، فترسم حدود العالم في وعيها الفرداني؛ من حيث هو فسحة تأمُّل لا تعترف بالمحدِّدات الفنية التي ينادي بها كل جنسٍ أدبي.
فالذات الساردة (The Narrative Ego / Narrating I) دومًا تتخذ من أناها بؤرة توتر، لذا جاءت تنطلق من ذاتها ولذاتها، بما تشتمل عليه من سمات وطموحات وهواجس وصراعات وأفكار، فهي في مجموعها تُشكِّل الأنا، فيتم اختزال العالم في كليته ضمن معطًى يحقق من خلاله ذاتها، فالأنا
« تعبير عن النفس الواعية لذاتها، والأنا هو الذات التي تَرِدُ إليها أفعال الشعور جميعها؛ وجدانية كانت أو عقلية أو إرادية….، وليس من اليسير فصله عن أغراضه. ويقابل الآخر والعالم الخارجي ويحاول فرض نفسه على الآخرين » (وهبة، 2007، صفحة 95).
ومن هذا المنطلق هل يحقُّ لنا أن نعتبر الأنا متعاليًا؟ يجيبنا المفكر الفرنسي لالاند قائلا :
« للأنا صفتان : فهو ظالم بذاته، من حيث إنه يصنع ذاته ضد الكل، وهو متنافر مع الآخرين، من حيث إنه يرغب في استعبادهم » (لالاند، 2001، صفحة 824).
والمتتبع لنص أحلام مستغانمي يجدها تتخذ من ضمير الأنا العنصر الأساس، فكان أشبه ما يكون باعترافات شخصية مترجمة لِـما يعتمل في داخلها، « فتتم من خلاله إعادة إنتاج أنا الكاتب، أيْ سيرته الذاتية بمنظور جديد » (عز الدين، 2006، صفحة 69) فهي تحاول القبض على حبائل ذاكرتها، ومحاولة استعادتها بشغف الكتَّاب المبدعين، فرغم كل ما تحمله من مرارة إلاَّ أنها تمثِّل « تطهيرًا » له من الجانب الآخر؛ على حدِّ تعبير « أرسطو ».
فالذاكرة في معظمها تُعتبَر حِملًا ثقيلا يُرهق كاهل الكاتبة، هي مجموع حيواتٍ تعكس خصوصيتها الفردانية، لكنها مع ذلك تضطلع بمهمة الكشف والبوح، فالفن السِّيري قائمٌ على لعبة الإيهام، أيْ أنَّه يحاول الظهور بصورة الصديق الصريح، الذي يتعاطى معك الحقيقة كاملة، عبر فتح قنوات الحوار الشفاف. ما يولِّد ردَّات قرائية تصبُّ في مصبِّ التعاطف. فالمتلقي مدفوع لمعانقة التجربة الشخصية للمبدع، ومن ثم الاستمتاع بها تحت تأثير المشابهة أو الاختلاف، وذاك تحديدا ما يؤسس لجمالية الفنون الإبداعية.
وقد أعلنت أحلام ميلاد أناها السردي والشعري بغياب الآخر؛ الذي هو والدها. فلولاه لَـمَا تولَّدت في داخلها تلك الحياة الخاصة، إذ تقول :
« ربما أصبحتُ روائية يوم أيقنتُ أننا لن نكون بعد الآن معًا، وأن أشياء كثيرة حدثت لن تدري بها أبدا، ولن أرويها لك كما اعتدتُ أن أفعل في الماضي » (مستغانمي، 2023، صفحة 11).
فهي تصرِّح من خلال النسق المضمر (The Implicit Paradigm) أنَّه لا يمكن للفرد ملامسة ذاته وأناه إلا عن طريق الآخر، فالإنسان بطبعه يتوغل في دهاليز ذاته عن طريق تقنية المقارنة، وبمحاولة إيجاد الفروق الناشئة بينه وبين الآخرين. وهذا تحديدا ما تُتيحه الكتابة. فالكتابة انتقال على وجه الأرض، يقتضي بموجبها حصول الاختلاف بشكل من الأشكال لأجل استكمال صناعة الأنا.
ويعتبر هذا الاقتباس مدخلًا مهما من مداخل الالتفاف حول الذات، فقد غدت أحلام تائهة، مهدَّدةً في أية لحظة أمام عدمية الفضاء من حولها، فتشبثت بذكرى أبيها الراحل؛ الذي كان لها السند والحامي، تنشُد فيه الأمان، فالحياة مخيفة مُربكة :
« الفقدان الأكبر لا منطق له، لذا لا يمكن تصديقه. ثلاثون سنة ولَّت ولم أكتب عنك بعد. كما في الحب، ثمة من نكتب إليهم، ومن نكتب عنهم لتأبينهم. كنتُ في كلِّ كتاب أواصل الكتابة إليك لتكذيب حقيقة غيابك » (مستغانمي، 2023، صفحة 12).
فالأنا هنا تستشعر وقع الضياع، وتغرق في دوامة من التلاشي والفناء التدريجي، ضمن حياة عصرية، لا تعترف بالظلمة كناموس طبيعي للكون، لذا فإنها تعمد إلى خلق أساليب ونماذج دفاعية، تتيح لها ممارسة كينونتها. فرغم أنَّ الأب مرادف للحياة والألفة والأمان، إلا أن رحيله يحمل في طياته وقع المؤامرة والتشويه. وهذا يُشعِرُها بالخوف والارتباك، لكأنها أمام تهديد لا نهائي، يسكنها للأبد.
وفي مقاربتنا الثقافية هذه نحاول أن نتوجَّه بجلاء إلى ملامسة مختلف الأنساق، مع استبيان مرجعياتها ودورها الكاشف في صناعة الثقافة والمعرفة، ولا يتم ذلك إلا عن طريق الحفر في بنيات المتن وأنساقه الظاهرة والمضمرة. فيظهر نسق استدعاء الوالد في كامل المتن من طرف أحلام، فرحيله عن عالمها شكَّل لها صدمة معنوية كبيرة، فلم تعُد تملك الأداة الفاعلة التي بواسطتها تطرح هذا الحزن.
فيرتقي الأب إلى مرتبة القداسة، ويكتسب هالة غموضٍ وجلال، وتصبح أحلام أمامه مكبَّلةً بالأغلال والأصفاد، لا تدري كيف تتصرَّف؛ فرحيل الآخر إنما هو رحيل للأنا، واضمحلال تدريجي له، إذ تقول : « ولكن يوم فقدتُك خانني الحبر. لم أعرف كيف أرثيك بقصيدة كما يفعل الشعراء. لعلَّك كنتَ وطني إذن » (مستغانمي، 2023، صفحة 14).
فالخصوصية الفردية لـ أحلام مرتبطة بالآخر، فهي ليست مجرد حالة فردانية منعزلة، وإنما هي في تماسٍ مع الأب. والأب هنا إذْ يمثِّل واجهةً اجتماعية بامتياز، يُلخِّص في ذاته كل تماوجات المجتمع وتعرُّجاته، لتجد أحلام نفسها ترثي مجتمعًا جزائريًا بمواصفات خاصة،
« فالنص بالرغم من خصوصيته الفردية الذاتية، فهو في الغالب الأعم إنتاج مجتمع معين، ووليد ظرفٍ حضاري محدد يتقاطع في أماكن عديدة مع المحيط ويتفاعل معه » (خمري، 2002، صفحة 41).
وإذْ تكبُر أمامها المصائب والخسارات، يصبح العالم حلقة كبرى من الأسئلة لا تكفُّ عن التناسل : « لا أحب أن يعزيني أحد فيمن أحب. يسمون العزاء واجب. كيف أجد في واجبهم عزائي؟ » (مستغانمي، 2023، صفحة 13)، و« الآن، وقد فهمتُ أكثر مما تمنَّيت يومًا أن أفهم، أسألك، لماذا فعلتَ بي كل هذا؟ » (مستغانمي، 2023، صفحة 16)، و« أيّ شقاء أن تكتب للقارئ الوحيد الذي لن يقرأك؟ ما جدوى كل كتبي إذن؟ » (مستغانمي، 2023، صفحة 17).
لقد اعتمل الأنا في داخلها مبكرًا، واشتد وقعه أكثر حين رحيل والدها، فصحَّ اعتباره نقطة انطلاق للرحلة. فطبيعة الرحلة فرضت على أحلام تشكيل المشهد الملائم القادر على تأطير لحظة الانطلاق، فانتصرت للحظات الحميمية الأليفة التي كانت تجمعها بوالدها، مع استحضار تيمة الوفاء كل مرة.
فلم تكتفِ أحلام بطرح سؤال واحد، وإنما تتالت أسئلتها متلاحقة متراصة، ممارِسة تكثيفا دلاليا قويا، عبر بسْط فاعليتها الاستثارية المسيطرة على السياق. وربَّما شكَّلت الأسئلة بطابعها الدلالي الاغترابي المكثف منحًى تنحوه الكاتبة أحلام كل مرة، لتجسِّد به ذاتها. هذه الذات التي لن تتحقَّق وجوديتها إلا بسلطة السؤال. فالسؤال بحث دائم عن الكينونة (Being) والكيان النفسي، السؤال مواجهة مصيرية بين الذات وبين ما يعتريها من تهديد محتمل.
والدها نسخة منها؛ أو العكس. هي مشروعُ محاكاةٍ له، كانت ترى نفسها من خلاله، رحل إلى الدار الآخرة، لكن هذا لن ينتهي في لحظات أو أيام، إنما هو التأثير المتلاحق الذي ما فتئ يتضخَّم. فالوالد يشكِّل القاعدة الرئيسة التي تبني منطقَها الذاتي ووعيها الوجودي. فالآخر« حتمي للذات كما هي حتمية له، فقطب الذات/الأنا لا يستطيع أن يعيش إلا في علاقته بقطب الآخر/الغير » (أحمد القعود، 2012، صفحة 33)، حيث تقول :
« الرثاء حزن قصير الأجل، أما الوفاء فهو في مواصلة الحديث مع الغائبين وكأنهم لم يرحلوا، إلى أن نجد أنفسنا وقد صرنا نتكلم مثلهم، نتبنى أفكارهم، عاداتهم، أحكامهم » (مستغانمي، 2023، صفحة 14).
فتصوُّرُها لـ أناها كان نتاج سياقات نفسية واجتماعية وإنسانية، تمتزج بها استنطاقات الفضاء بالأنا المبدعة والنحن الجمعية. فتستثيرها أحوالها، وأحوال أمها، وأحوال الوطن والناس، إذْ دائما ما تركن إلى عقْد مقارنات لا شعورية بينها وبينهم (الآخر)، فتتصورها كعالم اغترابي نافذ، يترصَّدها ويتهدَّدها في كل وقت. وهو الأمر الذي يدفعه إلى استحضار كينونتها، والتعبير عن أناها في كل مرة، حتى تقف شامخة منتصبة أمام المتغيرات المستحدثة أمامه. فتصبح عملية إحياء الوالد وسيلة ضرورية لا مفر منها، لأنها هي التي تنمِّي فيها شعور الأنا، وتستنبته مجددا، فيتضخَّم من خلال رؤية العالم بمنظارها الذاتي الوجداني.
3. الأنا الساردة بين جدلية الانبهار والخيبة : محور التحولات الشخصية
تتحول التجربة السيرية هنا إلى مسار جدلي تتعاقب فيه لحظتا الانبهار والخيبة. فالانبهار يفتح أمام الذات إمكان الانتماء إلى وطن مستعاد ولغة منتصرة وذاكرة عائلية حامية، بينما تكشف الخيبة عن هشاشة هذا الوعد حين تصطدم الذات بمؤسسات الإقصاء، وبالعنف الرمزي، وبانكسار المثال الثوري في جزائر ما بعد الاستقلال.
تطفو إلى السطح تيمة التحوُّل، وعلاقة الانتقال من حالة أولى إلى ثانية، ولعل هذا التحوُّل هو ما يوحي بشدة الصراع النفسي الحاصل، بين ما هو كائنٌ وبين ما يجب أن يكون. هذا ما تنبئ به الدوال اللغوية المشكِّلة للعتبة الأولى؛ العنوان. فالدلالة هنا تشير إلى عملية تشرُّب كاملة لخصائص ثقافية معينة، فيما يمكن تسميته بالهوية الهجينة، التي تتأرجح بين ثقافتين.
وعلى صعيد آخر، فقد امتلأ الشعب بتفاؤل كبير عقب نيله الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. لكن لم تكن هذه المكونات الجمالية بمعزل عن الجدلية المتداخلة بين الألفة والوحشة. فغداة الاستقلال تعود عائلة أحلام إلى الجزائر قادمة من تونس، حاملة معها الكثير من الآمال المزدحمة في غد أفضل :
« كنَّا، أنا وإخوتي الثلاثة نجلس في الخلف مبتهجين، لا نعي تماما أننا ندخل بلادا هي وطننا، ومدينة ستغدو مدينتنا، سنقضي فيها صبانا وشبابنا » (مستغانمي، 2023، صفحة 83).
ولا يمكن الاستناد إلى التعاقبية الزمنية في النص السيري، لأنَّ مثل هذه التعاقبية الزمنية -رغم وجودها الفعلي- لا يمكن أن تظلَّ كما هي عليه في النص الإبداعي؛ فالسيرة الذاتية، كما يرى المسدي، هي « حصيلة اقتراح نوعين من الكتابة : التدوين التاريخي والحكاية الفنية » (المسدي، 1989، صفحة 116). ومن ثمّ فإنّ المكان الواقعي الذي نفتش عنه في السيرة الذاتية يتكوَّن من المكان المعيش، بوصفه مكانًا حقيقيًا ذا أبعادٍ هندسية، فهو المنطلق لتأسيس نص سردي. فالألفة المتاحة آنئذٍ إنما منشؤها الذاكرة، والمستمدة من دهاليز تاريخية حالمة، حيث تقوم أحلام بإعادة إنتاج اللحظة، آملة هي وعائلتها الوصول إلى البيت الموعود؛ أو العش الدافئ (the warm nest) حسب تعبير « غاستون باشلار ».
فكانت لحظة الانبهار تلك نابعة من عنصر التخييل، رغم أنَّ مرجعيتها واقعية بحتة؛ ذلك أنّ « الخاصية الجوهرية لنص متخيل ما، وبصرف النظر عن كل العلائق التي ينفرد بها والتي تنطبع مع الواقع، هي أنه إثبات قابل للمعاينة » (هاينز، 1990، صفحة 13).
فتنقل أحلام انبهارها هي وعائلتها بالأجواء الجديدة، رغم جهلهم بما تخبئه لهم الفضاءات الجديدة، فتقول :
« لم نكن نعرف بعد ما كانت تخبئه لنا تلك البناية من قصص ومفاجآت. كانت أول عهدنا بالمباني العالية، فقد كان بيتنا في تونس فيلَّا صغيرة من طابق واحد وحديقة. حططنا الرحال ببهجة الأطفال وفضولهم. وجدناك في انتظارنا » (مستغانمي، 2023، صفحة 85).
فقد نقلت الذات الساردة انبهارها بالفضاء الجديد، متكئة في ذلك على استحضار صور سابقة؛ أي بعبارة أخرى، فإن صورة الفضاء الراهن الموشحة بالانبهار لا تتحدد عبر التجليات البصرية فحسب، بل لها علاقات مرجعية بالمتخيل وبالتأملات أيضا. لذا يمكن إدراجها ضمن الفضاءات الخفية -أو المتخيلة- (imagined spaces)، من حيث هي « بناء ذهني، أي أنه نتاجٌ فكري بالدرجة الأولى، أي ليس إنتاجًا ماديًا، في حين أن الواقع هو معطًى حقيقي وموضوعي » (خمري، 2002، صفحة 42). وبذلك فإن « المتخيل يحيل على الواقع ويستند إليه، في حين أن الواقع يحيل على ذاته » (خمري، 2002، صفحة 43).
فكانت أحلام تعايش الحاضر بأناها، المتكون من مجموع أنوات كثيرة، ومن مجموع فضاءات مرجعية مختلفة. فيمكن اعتبار « الحاضر أهم لحظات الوجود، لكونه يحمل في طياته المستقبل، وهو اللحظة المُعاشة، وهو وجود الوجود، أما قبل وبعد فغير موجودين » (بدوي، 1973، صفحة 20).
هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى يمكننا القول إن إدراك الحاضر لا يتم ولا يتجسَّد إلا باستيعاب الماضي، هكذا ترى الكاتبة أحلام من خلال متنها السيري، فقد غدا كل شيء قابل للتدوير الذاتي، أو القراءة الشخصية، فها هي تعتد بالتفاصيل الصغيرة، تمنح لها وجهها المنسي، وتُفرد لها أدوارًا ضمن خارطة العمل الفني؛ في مثل قولها :
« كان الحَـمَامُ في انتظارنا خلف النوافذ المغلقة، ولكنه طار مذعورًا من أصواتنا. لم يفهم ما كان يحدث، فلأول مرة كانت الجدران بتتكلم عربي. ربما احتلَّ الشرفة مطمئنا لخلوّ الشقة، كحال الكثير من الشقق التي غادرها أصحابها آنذاك على عجل إلى فرنسا، تاركين خلفهم ما ثقل وزنه » (مستغانمي، 2023، صفحة 87).
وتظهر الأنا الساردة لا تقوى على إدراك معنًى لوجودها دون أن تتشبث بحبائل الماضي. إنها تستدعي تاريخها الشخصي، بكل ما يحفُل به من حوادث. معتبرة أنَّ ذلك سيمنحها المناعة والحصانة، أمام الفضاء الجديد.
فرغم ارتباط جنس السيرة الذاتية (Autobiography) بالتقريرية في بعض تجلياتها؛ إلا أنَّ هذا لا يمنع الكاتبة أحلام من أن توظف تقنية التوالد السردي، في عرض الأحداث برؤية فنية جديدة. كما « قد تقود الذاكرة بالمكان إلى التقريرية، لأنها تعتمد العين أو السمع » (العسل، 2010، صفحة 118).
فتأتي الجزائر كإطار مكاني فاعل، تحوي داخلها عددا وفيرا من الشخوص المساهمة في تقدم درجة السرد، وإن تفاوتت درجات نفوذها، ومنازلها السياسية والاجتماعية، إلا أنها تتساوى أمام النهايات المأساوية، التي اختارتها الأنا الساردة لها. باعتبارها البؤرة المولدة للأحداث، والمستقطبة لسائر العناصر، في تقلباتها وتواشجاتها.
وقد مثَّلت العودة إلى الجزائر منعرجًا حاسما، من شأنه أن يصنع الكثير من الأمان النفسي، الذي طالما بحث عنه الجزائريون أثناء الثورة التحريرية، لذا جاءت لحظة الدخول إلى أول بيتٍ في الجزائر حاسمة، مليئة بمشاعر الإعجاب والفخر في آن، كرحَّالة يستكشف مناطق جديدة في قاموسه المفعم بالمغامرات.
ومن هنا تحلِّق مدينة الجزائر إلى أجواءٍ من التخيلات التأويلية، التي قد تصل أحيانًا إلى درجة العجائبية الصوفية (Sufi marvelous). فـقد صبغت أحلام الوطن بهالة من الغواية السردية، لتبقي عنفوانه في أعلى درجاته. وتوجُّهها هذا مقصود، كونه يخدم جمالية السرد الفني، عبر استدعاء عنصري الدَّهشة والتوتر، فهما اللذان يضبطان إيقاع فعل الكتابة، ضمن مناخات إيحائية، وليدة تعلُّقٍ شديد بالوطن الجزائري.
وفي ذلك تشرع أحلام تصف لحظة الوصول تلك، وما رافقها من عواطف قد تصل حدَّ الالتباس والتداخل. فأضحى الطرفان؛ الذات الساردة والوطن، كعنصرين فاعلين ضمن حالةٍ عشقية، تقترن بلذة الاكتشاف وسبر الأغوار. فقد جاء الوطن شفيفا، مثقلا باستعارات أنثوية، تحيله إلى فتنة لذيذة، تستحق احتضانها، واختراقها :
« رآنا [الـحَمَام] ندخل البيت ببهجة الفاتحين، نستكشف عالمنا الجديد فرحين، نتنقل بين الغرف، نتقاسم الفضاء، نحدد مواقعنا، نعلق على ما تقع عليه أعيننا، ضاحكين أو متعجبين، نتأمل أشياء يشي الإهمال والغبار بيتمها، أشياء تبوح بحياة سابقة، بذكريات تأخَّرت في المغادرة…. أبواب تفتح دون عناء، جاهزة لاستقبال غرباء سيغدون أصحابها…. كان في غرفة الجلوس مدفأة جدارية من رخام، ما زال فيها حطب، ومشاعر خمدت » (مستغانمي، 2023، صفحة 87).
فقد أخذت الذات الساردة على كاهلها مهمة الكشف، باعتبارها المحرك الأساس لكل الأحداث، والمتماهية مع الشخصيات، والمؤثثة للعناصر المحيطة. لهذا جاءت الأنا الساردة في كامل أطوار العمل تبتغي الظهور؛ بل السيطرة من خلال ما يتصل بها نرجسية ذاتية، فهي ترى في كل ما يحيط بها مشروعًا يمكِّنها من تجسيد طموحاتها الفردية، تحاول أن تفرض منطقها التصوُّري باختراق نمط ثائر، لا يتم القبض على تلابيبه إلا بواسطة التأويل.
ولعل من الاستحالة بمكان أن يحصل الانبهار دون قرينته التقاطبية : الخيبة. فمستوى الإدراك لحظتها يتحدد وفق أفق توقعات سابق. فهو يراهن على عنصر التبادل التأثيري الحاصل. فالنص الأدبي « وِلادة متجددة وأنسجة متشابكة، وسلسلة لا نهائية من الدلالات، تتسع باتساع أفقها الإشاري » (حمر العين، 2010، صفحة 24).
فانتقال الأنا الساردة إلى الفضاء الجديد يترجم رغبتها الشديدة في الاكتشاف، والاكتشاف قرين الانبهار، لأنه يمنح لذة الاكتشاف. فالنص السيري إنما هو رغبة في الإفضاء والبوح، لتجاوز الـ هنا (The here) إلى الـ هناك (The there)، من البسيط إلى المعقَّد، من العادي إلى الغريب، من المبتذل إلى المدهش، من الضيق إلى المطلق. فكلها ثنائيات تقاطبية يقتضيها النص السيري، لأجل العبور بالذات إلى عوالم اللامألوف (the unfamiliar)، حسبما ينادي بذلك الشكلانيون الرُّوس (Russian Formalism).
تصل أحلام إلى تشخيص ذاتي لأناها الساردة، تمزج فيه بين حزنها الدفين وبين خيبتها المريرة في اكتشاف ذلك، فالخيبة من حيث هي عنصر تقاطبي تعتبر محفزًا سرديا، تستدر من خلاله كل التفاصيل المخفية :
« اكتشفتُ باكرًا أنَّ الأنوثة ضعف، وخوف، وشبهة، وخطأ، وخطيئة، وأنَّ الأنثى وحدها المسؤولة عن شرف العائلة، وأنَّ حياتها في كل الأعمار تتحكم فيها ثلاثة أحرف : عيب » (مستغانمي، 2023، صفحة 57).
وينبني على هذا الاكتشاف الرئيس قِوام نصها السيري، فهي تحاول في كل إفضاءاتها أن تلج إلى الداخل، وأن تُحكم قبضتها على أشياء جديدة، في محاولة منها لمواجهة خيبات العالَم. فكانت الكتابة بالنسبة إليها هروبا من الألم، وتخفيفا من أثر الندوب.
وقد ذهب بعض الدارسين إلى اعتبار أنّ
« الشروع في كتابة السيرة الذاتية تعبير عن احتفال مؤكد بالأنا، وصوغ للزهو الذي يشملها، حين تتحول إلى بؤرة (Focal Point)، تستقطب مختلف المركبات […] لعله يتوخى الانتظام، مهما كانت المفارقات، في دائرة الانسجام التي يكونها النص تدريجيًا » (الشاوي، 2000، ص. 136–137).
وبهذا المعنى، تغدو الاكتشافات التي تعاينها الذات الساردة، أو تستعيدها عبر الذاكرة، عناصر محدِّدة للكينونة الفردية والجماعية في آنٍ واحد. فالذات، وهي تضطلع بتجسيد أدوارها الفاعلة داخل النص، لا تكتفي بتسجيل الإحباطات التي تكتنفها، بل تعيد تمثيل التحولات الخطيرة التي طالت كل ما كانت تراه سندًا رمزيًا أو مرهمًا للخلاص.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ النص السيري لا يعكس العالم الخارجي فحسب، بل يعيد إنتاجه من خلال رغبات الأنا الساردة وتمثلاتها وجرحها الوجودي. فالكتابة السيرية، في هذا السياق، تقوم على ضربٍ من المحاكاة المركبة : محاكاة للذات وهي تتأمل ذاتها، ومحاكاة للآخر الذي يسكنها، ومحاكاة للعالم كما انكسر في وعيها. وهذا ما يلتقي مع مفهوم الرغبة المحاكاتية عند رينيه جيرار، حيث لا تتشكل الرغبة في فراغ، بل عبر وسيطٍ أو نموذجٍ آخر تُقاس عليه الذات وتعيد من خلاله تعريف موقعها في العالم. لذلك تبدو الأنا الساردة عند أحلام مستغانمي مشدودة إلى صورة الأب لا بوصفه شخصية عائلية فحسب، بل بوصفه وسيطًا رمزيًا للرغبة في الانتماء، والاعتراف، واستعادة المعنى.
وفي هذا الإطار يمكن فهم قول آرثر :
« فالنصوص لا تعكس العالم فحسب، بل هي مرآة أيضًا لرغبات شخوصها، وأيضًا لرغبات متلقيها ومستمعيها. وبطبيعة الحال، فإن ذلك لا يتم بوعيٍ منا، بل إننا نستجيب إلى رغبة المحاكاة في الأعمال الأدبية بسبب أنها تعكس أفكارنا الدفينة » (آرثر، 2003، ص. 48).
وعلى هذا الأساس، لا تُقرأ خيبة الأب في جزائر ما بعد الاستقلال بوصفها حادثة فردية معزولة، بل باعتبارها صدمة رمزية تتلقاها الأنا الساردة كما لو كانت هي المعنية بها مباشرة. فالأب، في منطق النص، ليس آخر خارجيًا تمامًا، وإنما هو مرآة كبرى تتعرّف فيها الذات إلى صورتها المكسورة. ومن ثمّ تصبح خيبته خيبتها، وانكساره انكسارها، لأنّ العلاقة بينهما تتجاوز رابطة البنوة إلى ضربٍ من التماهي السردي والثقافي، حيث يغدو الأب والوطن والذات وجوهًا متداخلة لجرحٍ واحد.
ومن هنا تتأكد خصوصية الجنس السيري، إذ لا يظهر هذا الجنس الأدبي إلا في
« المجتمعات التي تعي ذاتها بصورة واقعية، وتجعل محاسبة الذات مجال عملٍ واسع في مجالات الحياة المختلفة، وهو ما يعني مرور المجتمع بثورة ثقافية تؤهله لأن يخوض مثل هذه المغامرة الكتابية » (العسل، 2010، ص. 90).
فقد كان والدها مدفوعا بحماس المجاهدين يتفنَّن في التضحية والجهاد ضد المحتل الفرنسي، كان يعتقد في قرارة نفسه أنه يبني الوطن الحلم، لكن اصطدم بالخيانة من أقرب مقربيه. فكان هذا إيذانًا بتحوُّل عميق على المستوى الشخصي، فقَدَ معه كل مسوغات الحياة التي كان يتمناها. فلم يكن أسهل على خصومه من اعتباره مجنونًا أو على أعتاب الجنون، فتم الزج به في مصحة عقلية ليفسح لهم الطريق واسعا :
« صدمتان كانتا في انتظارك : الأولى وجودك في المستشفى، فككل من يعانون من انهيار عصبي، كنتَ ترى أنك سويٌّ، وأن كل ما تقوله أو تقوم به منطقي. أما الصدمة الثانية، فاكتشافك أن الطبيب الذي سيتابع علاجك هو ضابط فرنسي، وأنه اطلع على ملفك » (مستغانمي، 2023، صفحة 160).
وتتسلل الخيبة بوصفها لحظة انكشاف، ووعي إلى ذات الآخر، لكن بمنظور الأنا الساردة. فالكاتبة ترصد تداعي الأحلام، وسقوط الأقنعة، واصطدام الأنا بصورة الآخر الذي كسّر أفق التوقعات (horizon of expectations). هذا التحول من الانبهار إلى الخيبة، ليس مجرد خيانة أو مجرد رفض، بل هو انكشاف ثقافي. وفي هذا الصدد يتجلى أمامنا :
4. هاجس الهوية : مستوياتها الوطنية واللغوية والجندرية
يستدعي هاجس الهوية في هذا السياق تفكيكًا متعدد المستويات؛ ذلك أن الهوية ليست جوهرًا سابقًا على التجربة، بل هي تركيب سردي وثقافي يتشكل في مناطق التوتر بين الذات والجماعة، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين اللغة بوصفها بيتًا رمزيًا واللغة بوصفها أثرًا من آثار الهيمنة.
ويمكن اعتبار الهوية إحدى أكثر الثيمات تداولا في المشهد السردي السيري لـ أحلام مستغانمي، ومرد تصنيفه ضمن هذا الملمح يعود إلى التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الجزائري، بدءًا بالتحولات التاريخية والسياسية وصولا إلى التحولات الاجتماعية والثقافية في جزائر ما بعد الاستعمار. خاصة ما تعلَّق منها بالأزمات الداخلية التي تلت تسليم السلطة إلى الجزائريين.
وكان من الضروري بمكان التعرُّض إلى الأنساق المضمرة التي تحتفي بها المقاربات النقدية، من خلال تسرُّبها داخل المتن السردي، وتشظيها. فرغم أنَّ أحلام كانت تكتب نفسها ضمن نصٍّ سيري، إلا أنَّ هذا لم يمنع من اكتشاف أنساق ثقافية كثيرة، تتوارى تحت الإطار الظاهري للنص.
ويمكن اعتبار النص السيري وثيقة فنية، وليدة رحم الفضاءات المجتمعية، فـ
« هي المجسد لعالمها، والمعبر عن قضاياها بقوة…. فهي قارب صغير، يجتهد لتجميل هذا البحر الصاخب، المتجدد في صخبه وزبده وقلقه وأمواجه العاتية » (بدر يوسف، 2015، صفحة 244).
وداخل هذه الفضاءات المجتمعية تتستّر هذه الأنساق المضمرة. فهي ليست مُعلنة بشكلٍ صريح، لكن يمكن القبض عليها متلبِّسة باللغة الجمالية للنص، مثلما يعتبر الناقد السعودي « عبد الله الغذامي » أنَّ النصوص الأدبية ليست مجرد رصف لكلمات فنية، بل هي في تداخلها وتشابكها تنتج أنساقا ثقافية، تمارس سطوتها على القارئ وتوجه وعيه، وفي أغلبها تكون مناقضة للنسق الظاهر المعلن داخل المتن.
ويتيح لنا البحث عن الهوية داخل كتاب « أصبحتُ أنتَ » الكشف عن البعد الوطني واللغوي والجندري، محاولين إظهار كيف تتعالق تجربة الأنا الساردة مع مختلف الأنساق الثقافية، الحاوية للمشهد الجزائري :
1.4.الهوية الوطنية
تتخذ الأنا الساردة أحلام من شخصية والدها المناضل الوطني المثالي، الذي ضحى بكل شيء لأجل أن تستقل الجزائر، وترى النور الذي طالما اشتاقت إليه. فالأب إذْ يعتبر الرابط الرمزي الذي يحيل إلى الماضي الثوري للأمة، فالأب هو الذاكرة التي لا محيد عنها، لصنع الانتماء الجزائري.
تخاطب أحلام والدها مستغربة : « كانت ذكرياتك أجمل من واقعك » (مستغانمي، 2023، صفحة 31)، ثم تسائله في موضع آخر :
« أبي… رأيتك تبكي، ورأيتك تكتب، وتخطب، وتغضب، وتطرب، وما رأيتك يوما ترقص… لماذا حتى في جنونك لم تجرؤ على الرقص؟ من كبَّلك؟ » (مستغانمي، 2023، صفحة 78).
لقد تلا حقبة الاستعمار الفرنسي خيبة شديدة، نظرا للخيانات والإخفاقات التي بدأت بوادرها تظهر بجلاء في الوطن. لذا جاءت صورة الوالد مثالا حيا لنسق الإخفاق الثوري، فهي بؤرة شديدة الكثافة، تختزل داخلها كل مقومات الأمة الجزائرية المأمولة، لكنها جُمِّدَت وأُحِيلَت إلى مستشفى الأمراض العقلية، ويضطلع المستشفى هنا بـحمولة تحويل المركز (الأب) إلى الهامش (الجنون)، فهي إزاحة للمُثل الثورية التي قامت عليها المقاومة المسلحة، واستبدالها بمصالح آنية ضيقة، لأجل ممارسة المزيد من الخيانة.
فلم تعد هنالك من وسيلة لإنقاذ الوضع إلا المواساة التي انتهجتها أحلام لتخفيف الآلام عن والدها. فكانت تزوره على نحو دوري في المصحة، لترميم الدمار الذي لحق بها وبالوطن، فقد « واصل ذلك الرجل رفع تحدي التميز حتى وهو في مصحة عقلية، فارضًا معاملة خاصة » (مستغانمي، 2023، صفحة 41)، لكن يصبح كل ذلك غير ذي فائدة أمام كل ما يحيط بها من العفن؛ إذ « اليوم يرى كل شيء يتلوث من حوله، في زمن الوشايات والتصفيات وخيانة الرفاق. الثورة نفسها فقدت طهارتها الأولى » (مستغانمي، 2023، صفحة 41). فتُعلِن قطيعة غاضبة مع كل الذين كانوا سببًا في تقهقره. أبدًا لم تتوقف عن المسير، لكنها تشرع تمشي مُولية لهم ظهرها، وهو الأمر الكفيل باستعادة مقدار من السعادة المفتقدة، قائلة :
« أحن إلى أحذية أخذتني إليك يومًا، إلى الساعة الواحدة التي كان يُسمح لي فيها بزيارتك…. كنتُ أولي قصر الحكومة ظهري، وأعبر الحديقة المجاورة بسعادة ». (مستغانمي، 2023، صفحة 27).
هذا ما أوقعها باكرا في إرث الذاكرة، إذ كان والدها منذ صغرها يكوِّن وعيها النضالي، ويُعدِّها لانطلاقة وطنية قوية. لذا كانت التفاصيل العائلية الواردة داخل المتن السيري خادمة للقضايا الوطنية، فصناعة الهوية الوطنية تنطلق من الذات الفردية داخل الإطار الأسري.
2.4.الهوية اللغوية
تكشف أحلام في كتابها عن مدى تمسُّكها بهويتها اللغوية، فتوظيف اللغة العربية في البوح بدل اللغة الفرنسية يعتبر في حد ذاته علامة فارقة، فهو إعلان عن انتصار العربية، التي هي الفعل الواعي للمقاومة الجزائرية ضد التهجين اللغوي الذي مارسه الاستعمار على مدار أكثر من قرن. وتبرز الأنا الساردة من خلال احتفائها بجماليات اللغة العربية كوسيلة من وسائل إعادة البناء الذاتي، فهي تحمل بذور المقاومة، ويمكن عدها غنيمة نصر طال انتظارها. فتقول مفتخرة :
« كنتُ قد أصبحتُ من دون وعي جزءًا من حياة الكثيرين، صوتًا ليليًا منتظرًا كل مساء، يقاسم المستمعين وسادتهم وأحلامهم…. فلم يكن الجزائري قد اعتاد كلمات الحب باللغة العربية بالذات » (مستغانمي، 2023، صفحة 198).
وقد كان لوجود « الآخر » الأثر الكبير في تشكُّل أسئلة الهوية، فهو يمثل الحافز أو المستفز الذي فجَّر أسئلة الهوية وهواجسها، ومعظم هذه الأسئلة كانت قد « تولّدت عن ردّة فعل سياسية إزاء الأجنبي » (المسكيني، 2011، صفحة 16).
فتصبح اللغة العربية كوعاء للهوية الفردية والجمعية، من خلال السرد الذاتي المفعم بالتجارب الإنسانية والاجتماعية والثقافية، مما يجعل اللغة العربية الإطار المثالي الحاوي لتجاربها الفردية، ويتضمن كل ذلك أسلوبها العام، وانتقاؤها للمفردات اللغوية، والصور الإيحائية. لتصبح اللغة العربية لديها ليست مجرد وسيلة للبوح والتواصل، بل هي حاملة للإرث الذاتي والقومي. وهو ما يضع اللغة العربية على صفيح ساخن أمام تحدي اللغة الفرنسية. خاصة وأن أحلام مستغانمي تمثل أولى الدفعات المعربة في الجزائر، لذلك فهي تسعى جاهدة من خلال عدة أنساق لغوية مضمرة إلى إثبات النجاح الباهر الذي جنته العملية التعريبية في الجزائر. فالذات الساردة الجزائرية أصبحت أخيرا قادرة على تطويع جماليات اللغة العربية وفق ما يخدم مقوماتها الهوياتية.
ولقد عبّرت أحلام في سيرتها الذاتية عن الهزيمة القاسية التي لحقت بالفرد الجزائري، موظفة في ذلك سلطتها اللغوية، وتحكُّمها البارع في أبجديات اللغة العربية، كما أعادت طرح سؤال الذات، الذي بات يؤرق الأمة الجزائرية، من خلال شخصيات سردية تتسم في مجملها بالتمزق، والإحساس بالانقسام، ولعل أهمها؛ هي شخصية الوالد التي تتقن لغة المستعمر، رغم كرهه الشديد لفرنسا، بينما اختارت أحلام أن تستأثر باللغة العربية، معتبرة إياها وسيلة مقاومة، فتؤكد « مستغانمي » على أهميتها في استعادة الذات الممزقة وإعادة ترميم أشلاء الهوية الوطنية. إن هذا الاختيار ليس مجرد تفضيل لغوي، بل هو موقف سياسي وثقافي واعٍ، يؤكد على ضرورة التمسك باللغة الأم كخط دفاع أخير ضد محاولات الطمس الثقافي وكمسار نحو الشفاء من جروح الماضي الاستعماري.
3.4. الهوية الجندرية
تتغلغل فكرة صناعة الصنم الوطني والسياسي في جزائر ما بعد الاستقلال، الذي أدى تدريجيا إلى تقديس الأفراد والاعتداد بهم، فيما يقابله إقصاء مباشر لكل الأصوات المختلفة الجديدة، فكان الاضطراب النفسي العقلي الذي وُصِم به والد أحلام إيذانًا بدخول الجزائر نفقا مظلمًا، لا أمل في الخروج منه أبدا. كان يمكن له أن يُجَنَّ قبلا، لكنهم اختاروا له الجنون بعد الاستقلال مباشرة، بعد أن وقف أمامهم حجر عثرة، فتخاطبه أحلام : « كم من مرة قبلُ كان يمكن أن تُجَن؟ ولكن جنونك تأخر ليكون على يد الوطن » (مستغانمي، 2023، صفحة 50). لقد وضعوه في مصحة نفسية، وألقموه أدوية عصبية من شأنها أن تُخدِّر فكره الثوري، وتُخمِد غيرته الزائدة على الوطن. أمام كل هذا الغياب للسلطة الأبوية داخل البيت لبست الأم عباءة الوالد، واضطلعت بمسؤوليات الأمر والنهي، الحماية والتكوين.
وجدت أحلام نفسها أمام مجتمع يرفض التغيير، بل ويعمل جاهدًا على تمرير قوالب مسبقة، وهي عبارة عن « مجموعة من الصفات والسُّلوكات تظهر في جميع مستويات البناء الاجتماعي، ويتمثّلها الأفراد منذ الولادة » (محمد حوصو، 2009، صفحة 62). وفي هذا السياق، يبرز التصور التقليدي للمرأة بوصفه نسقًا ثقافيًا ممتدًا :
« للمرأة صورة محدِّدة المعالم عند المغاربي…. صورة تضرب جذورها في الزمن البعيد، فهي محجبة ماديا ومعنويا، نتيجة ظروف تاريخية ودينية، واستتبع هذا وجود عادات وتقاليد تحوطها…. حتى صار اسم المرأة عورة عند فئات كبيرة من الشعب » (حنون، 2013، صفحة 313).
وبناءً على هذا، تتم عملية التصنيف الجندري وفق ثنائية ذكر/أنثى، أو بعبارة أخرى وفق « الأدوار التي يتم أداؤها على ما يناسب التنوع البيولوجي » (محمد حوصو، 2009، صفحة 69) من قبل المجتمع؛ فالإنسان « يولد مختلفًا من الناحية البيولوجية، ولكن الهوية المذكَّرة والمؤنَّثة تتشكل أثناء مراحل النمو المختلفة حسب البيئة الثقافية » (جامبل، 2002، صفحة 50). ومن ثمّ، حين نجحت أحلام في الظفر بمنصب داخل أسوار الإذاعة، فرحت فرحًا كبيرًا واعتبرته انتصارًا لكبريائها ولسلطتها الذاتية. فهي قادرة على الكتابة الشعرية والتعبير عن هواجسها كأنثى، مثلها مثل الرجل تمامًا. لكن فرحتها تلك لم تكتمل؛ لأن الوالدة ما تزال محكومة بسلطة الأدوار التقليدية للجندر، فتعبر أحلام بضمير الذات الساردة عن شدة خيبتها بسبب هذا الرفض، فتقول :
« فرحتي انطفأت في البيت. رفضت أمي فكرة عملي في الإذاعة رفضا قاطعا وحاسما، لا بسبب دراستي، ولا لصغر سني، ولكن لمجرد أنّ دخول الإذاعة عيب. ماذا ستقول لمعارفها حين يسمعونني أتحدث من الإذاعة ليلا، وأتردد إليها كالمغنيات » (مستغانمي، 2023، صفحة 53).
ويصل الأمر بوالدتها إلى القول : « لا نحتاج إلى نقودك…. أنت تستغلين مرض أبيك لإقناعه بأي شيء، غير آبهة بإلحاق العار بالعائلة » (مستغانمي، 2023، صفحة 54). فكانت الأعراف المجتمعية هي الفيصل في إمكانية الموافقة أو الرفض، لا الفكرة في حد ذاتها، وهو ما يتنافى مع مبدأ الحرية الفردية المكفولة للإنسان. فاستلهمت شخصيات ذكورية ذات أبعاد أبوية، تمثل الجانب الآخر للمجتمع الجزائري بكامل مكوناته الثقافية. وتسوِّق أحلام لمنظور مغاير للهوية الجندرية، باعتبارها قلما أنثويًا داخل مجتمع ذكوري، لا يعترف بابتكار أدوار ووظائف جديدة للأنثى؛ لذا جاء صوتها السردي فارِضًا نفسه، يتحدى الجميع، فكانت الأنا الساردة وسيلتها الأساسية القادرة على إبراز كينونتها، متجاوزة بذلك القوالب النمطية الجاهزة.
وهذا لا ينفي احتفاءها بصور الطفولة الإشراقية، لكنها كانت صورا شحيحة أمام ما تعرَّضت له أناها من اغتراب وجودي، في سعيها الحثيث لأجل اعتناق الألفة. ما جعلها أيضا تتناول الخيبة الجماعية، بكل ما تحمله من تحولات زئبقية، فتتداخل أمامها الرؤى ضمن فضاء جزائري حديث العهد بالاستقلال، فيكون اللايقين هو السائد، أيْ أنها تُبدي ارتباكًا على مستوى الصور المتولَّدة، بين الواقع واللامتوقع، بين الألفة والوحشة، بين الأمان والخوف. لذا جاءت أحلام في كامل أطوار سيرتها تفتش عن التآلف المفتقد، فرغم استحالة تجسيد تلك العوالم الحالمة التي تبتغيها، إلا أنها لا تغفل من التعرُّض لها بالانتقاد، لعلها تستعيدها، أو تُحدِث فيها شيئا من المغايرة.
وتوظيف ضمير المتكلم يفيد بصورة أو بأخرى مدى الإلمام بالوضع، كما يفيد القدرة على الاحتواء والظهور والتحدي، رغم النظرة البطريركية السائدة في المجتمع، والتي تعتبر الأنثى دوما هي الحلقة الأضعف. وفي المقابل، تكشف بعض القراءات النسوية أن :
« الرجل هو مصدر الحياة والوجود، كونه هو المسؤول عن الإخصاب، إذن فالسلطة موكولة إليه، وعلى المرأة أن تخضع للجسد الأقوى. وربما هذا ما يعكس الخوف من تفوق الأنثى وتعاليها، المرتبط بدوره بعقدة الإخصاء والخوف من المهبل والجسد الأنثوي » (كيت، 2016، صفحة 187).
وهذا ما ظهر جليا في متنها السيري، من خلال إبراز أناها الفرداني، فهي تتحدث باسمها، بسلطتها وبكبريائها، لذلك قالت :
« ولأنني أنثى لابد أن أثبت أنني قادرة على الكتابة كرجل… » (حوار أحلام مع المجلة، 2003، صفحة 11).
ولابد أنَّ ضمير المتكلم ينقل لنا مكنونات الذات بصورة أقوى، فهو يصدرها من عمق الداخل إلى الخارج، كما يلغي المسافة بين المقول واللاّمقول، لأن ضمير المتكلم يحيل إلى الذات بينما ضمير الغائب يحيل إلى الموضوع؛ على حد تعبير « عبد المالك مرتاض »، فأحلام تريد أن تُبْلِغَ المتلقين كل شيء، تريد أن تفضح ما أُرِيدَ له أن يستتر… لذلك تمردت وتحمّلت المسؤولية على عاتقها في قول كل شيء.
لم يكن العالم الداخلي لـ أحلام أبدا هادئًا، فقد اعتراها القلق، ولم تكن تتكيف مع الآخر بالطريقة المثلى، ما خلق لها اغترابًا وتذبذبًا في علاقاتها مع الرجل الذي يريد دائمًا تجسيد سيطرته ضمن سياقات ثقافية سائدة. وربما قاد هذا إلى الاغتراب، من حيث هو :
« يتحكم بمصير المرء، ويزيف تطلعاته الأصيلة، فتنتزع مقومات وجوده، ليكون إنسانا اعتباطيا يكتنفه فقدان التوازن » (شاخت، 1980، صفحة 92).
ومن ثمّ، فهي ترفض كل ما في هذه الحياة من نهاية أو تفصيل غير مقنع؛ إذ حاول الرجل مرارًا أن يحصر أدوارها ضمن فضاءات منزلية تتعلق بالإنجاب والتربية والانقياد. وتلك، في جوهرها، إحدى سمات البنية البطركية :
« وتلك هي سمات البنية البطركية، والتي نجدها بصورة واضحة للعيان في مجتمعنا العربي على وجه الخصوص، في العلاقات الهرمية بين الحاكم والمحكوم، والأب وأبنائه، والزوج وزوجته » (حمادة، 2021، صفحة 79).
لكن أحلام ترفض ذلك، فالنسق المضمر يكشف محاولات حثيثة لتجاوز مثل هذه العلاقات الأبوية القائمة على التهميش، واستبدالها بحوارات تأسيسية من شأنها أن تساهم في إضفاء مزيد من الودِّية.
فانخراط الأنا الساردة بشكل مكثف مع الآخر يمثل وجهًا من أوجه التفاوض الثقافي، من أجل هوية فردانية متوازنة، إذ نجد أنَّ معظم السياقات الثقافية في متنها السيري قائم على مفارقات يطغى عليها التضاد والتقابل. ذلك أن المفارقة تنبع أساسًا من اللغة الفنية، وتسعى :
« من أجل التوصل إلى تشكيل يواجه الضرورة في الواقع، ويكشف عن زيف كثير من مسلمات هذا الواقع » (عبد الجليل، 2009، صفحة 14).
ومن ثمّ، فإن ذلك يعتبر دعوة صريحة لاستبعاد الإرث الثقافي القائم على الإملاء والوصاية.
5. الأنا داخل الفضاء المكاني : البحث عن الألفة والحب والتقبّل
لا ينهض المكان في النص بوظيفة وصفية محضة، بل يتحول إلى وسيط هوياتي : البيت، والمشفى، والجامعة، والمدينة، والوطن، كلها أمكنة تتبادل أدوار الاحتضان والطرد، وتكشف عن أن البحث عن الألفة هو في العمق بحث عن اعتراف اجتماعي وثقافي بوجود الأنا وحقها في الكلام.
تلعبُ الفضاءات المكانية دورًا فاعليًا في تشكيل التجربة الذاتية لـ أحلام، إذْ تغدو الجزائر، بكل مكوناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، فضاءً مكانيًا تجري على ركحه الأحداث بضمير الأنا الساردة؛ إذ « تحمل فيه هذه القرائن بُعدًا أدبيًا… مما يجعل الخطاب الأدبي أكثر تشويقًا وجاذبية، ليحقق هدفه التواصلي والجمالي » (قريرة، 2020، صفحة 81). وتتالى الصور على مرآة الذات الساردة، من خلال مخاطبة والدها المتوفى :
« أبي… إنه زمن الأشياء الأخيرة، التي عليَّ لملمتها من بعدك. الأشياء المتأخرة التي على الأبناء جمعها في غياب من كانوا لهم كل شيء. لا نجاة من هذا الألم، جميعنا سنفتح يوما خزائن الراحلين، كما سيفتح أبناؤنا خزائننا » (مستغانمي، 2023، صفحة 268).
ويغدو والدها نسخة مصغرة عن الوطن المثالي، الذي لم يتحقق على أرض الواقع. فبقدر ما كان هذا المتن السيري تجربة سردية تؤسس من خلاله الذات الساردة كيانها، فقد صح اعتباره أيضا مرثية طويلة لهذا الوطن المنهك والمفتّت.
والوحشة بدلالاتها التقاطبية إنما تتقابل مع الدلالات التي تشي بها الألفة، ولا يتأتَّى ذلك الإحساس المأساوي إلا بعد إدراكنا لمأساة فقدان البيت، فـ
« الإنسان لا يحتاج فقط مساحة جغرافية؛ ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها بجذوره وتتأصل فيها هويته. وهذا التجذر في الأمكنة يُعزَى عادة إلى البيت الأول للإنسان، حيث يبقى دائم الحضور والتأثير في الفرد، وإن بدا أنَّ صورته في الذاكرة دخلت طيَّ النسيان والتلاشي. فالبيت هو ركننا في العالم، كوننا الأول، كونٌ حقيقي بكل ما في الكلمة من معنى…، كل الأمكنة المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت » (أبو لبن، 2006، صفحة 81).
وترتبط هذه الرؤية بالألفة عادة. لذا جاءت ألفة أحلام دوما مصاحبة لمناخات البيت، حيث تقول :
« يا لزمنٍ كنا فيه سعداء. لم تكن السعادة مكلفة، ولا نحن متطلبين. ما كان الأطفال يُنسبون للماركات التي يلبسونها، لكن كانت ملابس طفولتنا فائقة الأناقة تحمل توقيع قلبها… هي [أمي] التي كانت تستبسل في الزمن الصعب في إظهارنا دائما أفضل حالا مما نحن، ومائدتنا في الأعياد أكثر تنوعا ورقيا من إمكانياتنا » (مستغانمي، 2023، صفحة 255).
وإذا كانت « وظائف وصف الفضاء قد تراوحت بين الوظيفة التزيينية والتفسيرية » (الظل، 2011، صفحة 193)، فإن الذات الساردة لم تَعُد مجرد ناقلة للواقع؛ فـ
« المادة التي يفترض أن تكون حقيقية وأصلية لا يمكن أن تحتفظ بذلك، فما أن تصبح موضوعا للسرد إلا ويعاد إنتاجها وفقا لشروط تختلف عن شروط تكونها قبل أن تندرج في سياق التشكيل الفني » (إبراهيم، 1998، صفحة 17).
ويمثل الوطن الجزائري الفضاء المكاني الذي شهد نشأة الكاتبة أحلام، لكن هذا لا ينفي بروز غربة مكانية داخل أسوار الوطن ذاته. خاصة حينما تجد صعوبة في التعايش مع أجوائه الثقافية، فقد هرعت إلى والدها تستجديه :
« بابا…. إني أخوض معارك كثيرة لا أحكي لك عنها…. لقد منعوني في الجامعة من متابعة دراساتي العليا…. » (مستغانمي، 2023، صفحة 245).
وقد أحسَّت بوقع الفجيعة، واستوعبت أن هناك مؤامرة تُـحاك ضدها :
« لقد أرادوا التخلص مني باكرا، كما مديرة الثانوية التي لم أحدثك عنها، فكيف يقبلون احتمال أن أصبح في السادسة والعشرين من العمر دكتورة، بشهرة تتجاوزهم » (مستغانمي، 2023، صفحة 246).
الأمر الذي سبب لها انتكاسات كبيرة، جعلتها ترى في الوطن عنصرا مُعاديا، من خلال عدم تقبُّله لها بحجج واهية.
وعلى مدار المتن كله يمكن تتبُّع الفضاءات المكانية من خلال تقاطبيتها، ويظهر هذا بجلاء من خلال الفضاء المغلق (المشفى) الذي سُجِن فيه والدها بحجة علاجه من آثار حب الوطن، ثم ما لقيته من تعسف ورفض داخل أسوار الثانوية والجامعة، والدوائر الثقافية والأدبية، بالإضافة إلى الفراغ العاطفي الذي جعلها تبحث عن الحب والتقبُّل في أساتذتها، تراهم مشروع أحضان يمكن أن تحتويها. ولعل هذا ينبئ بوجود أنساق مضمرة تكشف عن الفجوة الثقافية والعاطفية الكبيرة التي اصطدم بها الشعب الجزائري بعد الاستقلال.
وهذا ما ألجأ الكاتبة إلى احتضان فعل الكتابة (The act of writing)، من حيث كونها عملًا غير محايد، فبالرغم من تغلغل الإرث الاستعماري المتمثل في إتقان والدها للغة الفرنسية دون العربية؛ إلا أنها فضلت أن توفِّر لنفسها الحضن الوطني الأليف، فاختارت تدوين تجربتها الشخصية باللغة العربية الفصيحة، رغبة منها في المشاركة بتحرير الذات أولًا، ثم الوطن بكليته من هذا العبء، وتنظيفه من مخلفات الاستعمار، فقد أصَّلت للهوية الثقافية، بعدما رصدت الكثير من الأعراض الخطيرة، وبالتالي يغدو الفضاء السردي نسخة ضمنية لفضاءٍ وطني لم يلق الإشباع، فهي حسرة وحداد على مُثُلٍ لم تتحقق، وتمثيل رمزي لقلقٍ جماعي يتعدَّى المنظور الفرداني.
خاتمة
تدل الخلاصات الآتية، في صيغتها النهائية، على أن النص لا يقدّم سيرة فردية مغلقة، وإنما يبني أفقًا تأويليًا تتجاور فيه السيرة، والشهادة، والمرثية الوطنية، والنقد الثقافي للهيمنة الرمزية. ومن ثمّ يمكن قراءة « أصبحتُ أنتَ » بوصفه نصًا عن الذات بقدر ما هو نص عن شروط إمكانها داخل مجتمع ما بعد كولونيالي.
بعد تتبُّعنا لـ مركزية الأنا الساردة وهاجس البحث عن الهوية في السيرة الذاتية « أصبحتُ أنتَ » للأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي توصّلنا إلى النتائج الآتية :
-
لا تُعَدُّ الذات الساردة في المتن السِّيري لـ أحلام مستغانمي مجرد تقنية سردية، فهي تتجاوز ذلك لتصبح عدسة مكبرة، تعكس الخطابات الثقافية السائدة والكامنة في المجتمع. حيث تغدو الأنا كمركز، أو كمرآة تتشكَّل عبرها الأنساق اللغوية، كاشفة عن الدور الفاعل للقوى الثقافية في بناء الذات وتشكيل وعيها.
-
يُظهر التحليل أن هاجس البحث عن الهوية في المجتمع الجزائري ليس فرديًا بحتًا، إنما هو نتاجٌ مباشر للصراعات الثقافية العميقة؛ التي تأخذ طابع التقاطبية غالبًا؛ بين الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، الشرق والغرب. فالأنا السّاردة هنا تتخبط في محاولة لتحديد موقعها ضمن هذه الثنائيات المتعارضة والمؤثرة ثقافيًا.
-
تتحول الفضاءات المكانية داخل النص إلى خريطة هوية، فيتجلى هاجس البحث عن الهوية عبر التنقل بين فضاءات تونس، المشرق، باريس والجزائر. فباريس مثلًا تمثل فضاء الانبهار والتيه الثقافي، بينما الجزائر هي فضاء الجذور المفقودة والبحث عن الانتماء الأصيل، مما يعكس صراع الهوية في المنفى والاغتراب.
-
تصبح السيرة الذاتية « أصبحتُ أنتَ » مشرحة ثقافية، تفكِّك البنى التحتية والفوقية للمجتمع، تكشف عن تأثير السلطة الأبوية وتأثير البنى الذكورية، الأيديولوجيات السائدة، وقيم المجتمع الاستهلاكي في صياغة الذات وتشويهها أحيانًا، ما يجعل السرد أداة للكشف عن آليات الهيمنة الثقافية.
-
لا يقتصر الأداء السردي على التعبير عن الأزمة، بل يصبح فعل مقاومة وتفكيك للخطابات المهيمنة. فتسعى الأنا الساردة إلى تحطيم القوالب الجاهزة وإعادة تعريف الذات خارج أطُر القبول الثقافي المُسبق، مؤسِّسةً بذلك لـهويَّة متجاوزة أو بديلة. فتتمسك الذات الساردة مثلًا باللغة العربية حارسةً لعرين الهوية، وكفعل مقاومة ضد الهيمنة الثقافية للغة الفرنسية، حتى أنها تصبح ملاذًا روحيًا، تُعيد فيه تفكيك وترميم أناها المتصدعة.
