الأطروحة الأدنوية القوية عند تشومسكي في صيغتها المبكرة

L’hypothèse minimaliste forte chez Chomsky dans sa formulation initiale

Chomsky’s Strong Minimalist Thesis in Its Early Formulation

وردية بوطالبي. Ouardia Boutalbi

p. 694-714

Citer cet article

Référence papier

وردية بوطالبي. Ouardia Boutalbi, « الأطروحة الأدنوية القوية عند تشومسكي في صيغتها المبكرة », Aleph, Vol 13 (4) | 2026, 694-714.

Référence électronique

وردية بوطالبي. Ouardia Boutalbi, « الأطروحة الأدنوية القوية عند تشومسكي في صيغتها المبكرة », Aleph [En ligne], Vol 13 (4) | 2026, mis en ligne le 15 juillet 2026, consulté le 24 octobre 2026. URL : https://aleph.edinum.org/18222

تتناول هذه الدراسة الأطروحة الأدنوية القوية عند نعوم تشومسكي ضمن تطور البرنامج الأدنوي والمقاربة البيولوجية للغة. وتهدف إلى بيان كيفية الانتقال من تفسير اكتساب اللغة في ضوء مبادئ النحو الكلي ووسائطه إلى البحث في المبادئ العامة التي تسهم في تحديد تصميم ملكة اللغة. وتعتمد منهجًا نظريًّا تحليليًّا ذا بعد تاريخي ومفاهيمي، يستند إلى قراءة أعمال مختارة لتشومسكي ودراسات شارحة بالعربية والإنجليزية، مع التركيز على تطور المشروع الأدنوي بين 1995 و2023. ويُحلَّل المتن من خلال تتبع العلاقة بين العوامل الثلاثة في نمو اللغة، والشروط الوجيهية، والحوسبة الفعّالة، والدمج، واختزال مستويات التمثيل. ويُبرز التحليل أن البرنامج الأدنوي يعيد توزيع العبء التفسيري بين الاستعداد الوراثي والخبرة اللغوية والمبادئ المستقلة عن اللغة، ويسعى إلى تقليص المحتوى الخاص باللغة المنسوب إلى النحو الكلي. كما يبيّن مركزية الدمج في بناء التعبيرات الهرمية، ودور الأنظمة التصورية-القصدية والحسّية-الحركية في تحديد شروط تأويل المخرجات وإظهارها. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة التفسيرية للأطروحة لا تتوقف على تقليل العمليات والمستويات وحده، بل على إمكان اشتقاق خصائص محددة من مبادئ عامة، مع المحافظة على التغطية التجريبية. وتظل الأمثلية فرضية بحثية تتطلب معايير صريحة للفحص، بينما لا يتيح التحليل المفاهيمي وحده إثبات آليات التحقق العصبي أو تفسير جميع مظاهر التنوع والاستعمال.

Cette étude examine l’hypothèse minimaliste forte chez Noam Chomsky dans le développement du Programme minimaliste et de l’approche biologique du langage. Elle vise à expliquer le passage d’une analyse de l’acquisition fondée sur les principes et paramètres de la grammaire universelle à une recherche sur les principes généraux qui contribuent à déterminer l’organisation de la faculté de langage. La démarche est théorique et analytique, avec une dimension historique et conceptuelle. Elle repose sur une lecture de travaux sélectionnés de Chomsky et d’études explicatives en arabe et en anglais, centrée sur l’évolution du projet minimaliste entre 1995 et 2023. L’analyse articule les trois facteurs du développement langagier, les conditions d’interface, l’efficacité computationnelle, Fusion et la réduction des niveaux de représentation. Elle met en évidence une redistribution de la charge explicative entre dotation génétique, expérience linguistique et principes indépendants du langage, ainsi qu’une réduction recherchée du contenu proprement linguistique attribué à la grammaire universelle. Elle souligne également le rôle de Fusion dans la construction des expressions hiérarchisées et celui des systèmes conceptuel-intentionnel et sensorimoteur dans leur interprétation et leur externalisation. L’étude conclut que la portée explicative de l’hypothèse dépend de sa capacité à dériver des propriétés précises de principes généraux tout en préservant la couverture empirique. L’optimalité demeure une hypothèse de recherche exigeant des critères explicites d’évaluation ; l’analyse conceptuelle ne suffit pas à établir les mécanismes neuronaux ni à expliquer toutes les dimensions de la variation et de l’usage.

This study examines Noam Chomsky’s Strong Minimalist Thesis within the development of the Minimalist Program and the biological approach to language. It investigates the transition from explaining language acquisition through the principles and parameters of Universal Grammar to identifying general principles that contribute to the design of the language faculty. The approach is theoretical and analytical, with a historical and conceptual dimension. It draws on selected works by Chomsky and explanatory studies in Arabic and English, focusing on the development of the minimalist project between 1995 and 2023. The analysis connects the three factors in language development with interface conditions, computational efficiency, Merge, and the reduction of representational levels. It identifies a redistribution of the explanatory burden among genetic endowment, linguistic experience, and language-independent principles, alongside the attempt to reduce the language-specific content attributed to Universal Grammar. It also highlights the role of Merge in generating hierarchical expressions and that of the conceptual-intentional and sensory-motor systems in their interpretation and externalization. The study concludes that the thesis's explanatory scope depends on deriving specific properties from general principles while preserving empirical coverage. Optimality remains a research hypothesis requiring explicit assessment criteria. Conceptual analysis alone cannot establish neural implementation or explain every dimension of linguistic variation and use.

مقدمة

تُعدّ نظرية تشومسكي من بين النظريات التي شهدت مراجعات متتابعة في اللسانيات الحديثة. فمنذ صدور « البنى النحوية » عام 1957، خضعت صيغها وأدواتها التحليلية للتجديد، مع استمرار الاهتمام بالمعرفة التي تتيح للإنسان إنتاج تعبيرات جديدة وتأويلها. وينصب هذا الاهتمام على بناء تفسير للنظام الداخلي الذي يجعل هذه القدرة ممكنة، وعلى تحديد علاقته باكتساب اللغة واستخدامها، في ضوء تطورات البحث اللساني والمعرفي. ولا تعني هذه الاستمرارية أن جميع افتراضات المشروع ظلت ثابتة، بل إن سؤال التفسير نفسه أُعيدت صياغته مع تغير النماذج وتراكم المعطيات.

مثّل صدور « البنى النحوية » محطة بارزة في التحول من تصنيف المنطوقات إلى البحث في النظام المعرفي الذي يتيح بناءها. وفي عرض تشومسكي لتاريخ المشروع التوليدي، تتمثل أهمية هذا التحول في تجاوز الاكتفاء بوصف التعبيرات الظاهرة إلى صياغة فرضيات عن المعرفة الكامنة وراءها (Chomsky, 2000). ولا يستلزم ذلك إلغاء الوصف أو الاستغناء عن المدونات، إذ تظل المعطيات اللغوية أساسًا لتقييد التحليل وتقويمه، وإنما يغيّر الوظيفة التي يؤديها الوصف داخل مشروع يهدف إلى التفسير.

يعرض تشومسكي هذا التحول في مقابل تصورات للغة تركز على بعدها الخارجي أو الاجتماعي أو على أنماط السلوك المكتسب. ويستدعي في هذا السياق مفهوم « اللغة » (langue) عند سوسير، وبعض تصورات بلومفيلد وكوين عن المنطوقات والاستعدادات والعادات اللغوية (Chomsky et al., 2023). غير أن هذه الإحالات لا تعني تطابق المواقف المذكورة : فتصور اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية لا يساوي نظرية في التعلم الشرطي، كما أن الاتجاهات البنيوية ليست جميعها سلوكية. ويُقصد بالمقابلة هنا توضيح اختيار موضوع البحث في المشروع التوليدي، لا تقديم تاريخ شامل لهذه المذاهب أو اختزالها في موقف واحد.

يركز النقد التشومسكي على حدود الإجراءات الوصفية والتصنيفية حين تُستخدم وحدها لتفسير الملكة اللغوية. فإمكان تحليل مدونة معينة لا يكفي لبيان أسباب انتظامها، ولا لتحديد القيود التي تجعل بعض البنى ممكنة وتستبعد غيرها. ومن هنا يكتسب السؤال « لماذا لا يمكن أن تكون اللغة على نحو آخر؟ » أهميته المنهجية. ولا يلزم من عدم طرحه في مقاربة معينة إثبات غياب أي قيد لدى جميع المقاربات الأخرى؛ بل يتعلق الأمر بما إذا كانت الإجراءات المستخدمة تقدم تفسيرًا صريحًا لهذا القيد ومصدره.

يرى تشومسكي أن وصف العادة والتدريب لا يكفي، في حد ذاته، لتفسير خصائص المعرفة اللغوية وإبداعيتها، ويجعل من النظام الداخلي لدى الفرد موضوعًا للاستقصاء الطبيعي (Chomsky et al., 2023). ولا تُفهم هذه الأولوية بوصفها نفيًا لقيمة دراسة المجتمع أو التواصل أو التاريخ اللغوي، بل بوصفها تحديدًا للمستوى الذي يسعى النموذج إلى تفسيره. فالبحث في اللغات المشتركة والممارسات الاجتماعية يختلف في أسئلته عن البحث في المعرفة التي يمتلكها الأفراد، مع إمكان التفاعل بين المستويين. وعلى هذا الأساس تُدرس ملكة اللغة بوصفها نظامًا معرفيًّا ذا أساس بيولوجي، من دون مساواة تحديدها النظري بتعيين آليات تحققها العصبي.

وتظهر أهمية هذا التحديد حين يُميَّز بين تعيين موضوع البحث وتقديم تفسير مكتمل له. فاختيار المعرفة الداخلية موضوعًا لا يكفي لإثبات جميع خصائصها، كما أن وصفها بأنها بيولوجية لا يعوّض التحليل الذي يبين كيفية تنظيمها. لذلك تتناول الدراسة المسار التوليدي من خلال أسئلته وإجراءاته ومقترحاته المتغيرة، مع التمييز بين ما يفترضه النموذج وما يقدمه من تعميمات وما يظل مفتوحًا للفحص. وتتيح هذه القراءة وصل العرض التاريخي بتقويم القيمة التفسيرية، بدل أن تتحول إعادة بناء المشروع إلى إقرار مسبق بصحة جميع نتائجه.

1. إشكالية الدراسة ومنهجها

تنطلق هذه الدراسة من إشكال مركزي مفاده : بأي معنى تتيح الأطروحة الأدنوية القوية الانتقال من الكفاية التفسيرية، التي تسعى إلى تفسير اكتساب اللغة في ضوء مبادئ النحو الكلي ووسائطه، إلى مستوى من التفسير يبحث في إمكان اشتقاق خصائص أساسية لملكة اللغة من مبادئ الحوسبة الفعّالة، في ضوء الشروط التي تفرضها الأنظمة الوجيهية؟ ويتفرع عن هذا الإشكال سؤالان مترابطان : كيف يعيد العامل الثالث توزيع العبء التفسيري بين المحتوى الخاص باللغة المنسوب إلى النحو الكلي والمبادئ العامة المستقلة عنها؟ وإلى أي حد يمكن لعملية الدمج، في تفاعلها مع الشروط الوجيهية، أن تسهم في تفسير بناء التعبيرات اللغوية وتأويلها وإظهارها، وفق معايير صريحة للأمثلية قابلة للفحص؟

وتفترض الدراسة أن قوة البرنامج الأدنوي لا تكمن في تقليص عدد العمليات والمستويات فحسب، بل في إعادة تحديد طبيعة التفسير اللساني ذاته؛ أي الانتقال من تعيين المحتوى الذي ينبغي إسناده إلى النحو الكلي إلى البحث في مقدار ما يمكن اشتقاقه من مبادئ عامة للحوسبة والتنظيم البنيوي. غير أن القيمة التفسيرية لهذا الاختزال تظل مشروطة بقدرته على تفسير خصائص محددة وإنتاج تنبؤات قابلة للفحص، من دون مساواة البساطة الصورية بإثبات آليات التحقق العصبي أو سيناريو نشوء اللغة بيولوجيًّا.

تعتمد الدراسة منهجًا نظريًّا تحليليًّا ذا بعد تاريخي ومفاهيمي. ويتكون متنها الأساس من أعمال مختارة لتشومسكي تتناول اللغة بوصفها موضوعًا طبيعيًّا، والعوامل الثلاثة في نموها، وتطور البرنامج الأدنوي وصولًا إلى العمل الجماعي حول الدمج والأطروحة الأدنوية القوية المنشور سنة 2023، مع الاستعانة بدراسات شارحة بالعربية والإنجليزية. ويهدف اختيار هذا المتن إلى تتبع تحول السؤال التفسيري وتحليل العلاقات بين مفاهيم النحو الكلي والحوسبة الفعّالة والدمج والشروط الوجيهية.

ويجري التحليل في ثلاث خطوات مترابطة : أولًا، إعادة بناء الانتقال من مقاربة المبادئ والوسائط إلى البرنامج الأدنوي؛ ثانيًا، تحديد الوظيفة التفسيرية للعوامل الثلاثة في نمو اللغة؛ وثالثًا، تحليل مفاهيم الأمثلية والضرورة التصورية والحوسبة الفعّالة والدمج في علاقتها بالشروط الوجيهية، وتقويم النطاق التفسيري للمقترحات المدروسة. ولا تقدم الدراسة بيانات لغوية جديدة أو اختبارًا تجريبيًّا مستقلًا؛ لذلك تتمثل نتائجها في إعادة بناء العلاقات المفاهيمية وتقويم الاستدلالات، مع بقاء التحقق النفسي والعصبي والمقارنة اللسانية الواسعة خارج نطاقها.

2. الأسس الفكرية والمنهجية لنظرية تشومسكي

إن التركيز على ملكة اللغة ليس فكرة جديدة، إذ تعود جذورها إلى المنظور العقلاني الكلاسيكي الذي يدرسها كمرآة للعقل، وكميدان يقدم امتياز النفاذ إلى فهم هذا النظام المعرفي البشري. وللتركيز على هذه الجذور، يشير تشومسكي إلى التغيير الذي عرفته الدراسات اللسانية في خمسينيات القرن الماضي ويصفه »بالثورة المعرفية الثانية« ، وذلك اعترافاً منه وتقديرا للدور الإبداعي للأفكار الفلسفية حول اللغة والعقل منذ القرن السابع عشر حتى بدايات القرن التاسع عشر، مع إشارة خاصة إلى الأفكار التقليدية الديكارتية (Chomsky, 2002). كما يحرص تشومسكي على التذكير بأن مشروعه النظري هو إعادة إحياء لبعض هذه الأفكار التقليدية المتعلقة بطبيعة العقل، وبعثها من جديد، بعد أن خفت حضورها في الفكر اللغوي.

لقد تأثر تشومسكي، إلى حد بعيد، بالنزعة العقلانية وبأفكار فلاسفتها، ولا سيما ديكارت وهومبولت، مما جعله يؤكد مركزية العقل في تفسير المعرفة اللغوية. ويرى، في هذا الإطار، أن بعض خصائص هذه المعرفة لا يمكن تفسيرها بالخبرة المباشرة وحدها، وأن تنظيم العقل يسهم في تحديد كيفية تمثيل المعطيات ومعالجتها. وهكذا جعل النحو التوليدي من تفسير قدرة المتكلمين والمستمعين على إنتاج تعبيرات جديدة وتأويلها مسألة مركزية، بدل الاكتفاء بوصف المنطوقات وتصنيفها (Chomsky, 2002). ويعني ذلك أن الدراسة اللسانية ينبغي أن تتناول النظام العقلي الكامن وراء التعبيرات، وطبيعة اكتسابه واستخدامه، في ضوء القيود التي يفرضها تنظيم العقل البشري.

يعلل تشومسكي هذا التوجه ببعض خصائص النمو اللغوي، ومن بينها السرعة التي تتسع بها المعرفة المعجمية لدى الطفل. ويورد في هذا السياق تقديرًا يقارب اكتساب كلمة في الساعة في ذروة النمو، لإبراز العلاقة بين المعطيات المتاحة والمعرفة الناتجة، لا بوصفه معدلًا ثابتًا لجميع الأطفال (Chomsky, 2000, p. 6). ويستشهد أيضًا بالاعتماد على البنية (Structure Dependence) في مناقشة العلاقة بين الخبرة والتنظيم الداخلي : فالمعرفة النحوية تتعلق بعلاقات هرمية، ولا تُختزل في تعاقب الكلمات أو مجاورتها (Chomsky et al., 2023). وفي هذا السياق يطرح السؤال عن كيفية نمو معرفة تتجاوز ما يُقدَّم للطفل في صورة قواعد صريحة، ويشبّه اكتساب اللغة بنمو تنظيم بيولوجي يحدث لدى الفرد من غير أن يكون نتيجة تدريب إرادي وحده. ويعارض هذا التصور فرضية « الصفحة البيضاء » (Tabula Rasa) حين تُفهم على أنها إنكار لأي تنظيم سابق يوجّه الاكتساب. ولا يستلزم ذلك الاستغناء عن الخبرة اللغوية، بل البحث في كيفية تفاعلها مع الاستعداد الذي يجعل اكتساب لغة المحيط ممكنًا.

رفض تشومسكي بشكل قاطع التفسير السلوكي، الذي يرى أن اللغة قائمة من السلوكيات تحركها العمليات الشرطية (مثير-استجابة). وقدم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي جوابا عاما، ثم صقله على مرّ السنين، وهو أنّ هناك مكونا فطريّا في العقل خاصا بالبشر ومكرسا للغة. فالمعرفة اللغوية، في رأيه، ملكة ذهنية لدى المتكلم والمستمع، وهي في نهاية المطاف حالة دماغية تنمو طبيعيا لدى أي فرد سليم بيولوجياً رغم محدودية الدخل اللغوي (input). ولا يمكن لصفحة فارغة أو مدخلات خارجية وحدها تفسير الجانب الإبداعي لاستخدام اللغة والدقة البالغة للاشتقاقات الكامنة (Boeckx & Piattelli-Palmarini, 2005, p. 448). وهكذا تصبح اللغة موضوعا طبيعيا يمكن دراسته وفق مناهج العلوم الطبيعية من أجل كشف خصائص هذا النظام الخاص باستعمال اللغة واكتسابه.

يدافع تشومسكي عن التصور الداخلي للغة، ومفاده أن المعرفة اللغوية ذات طبيعة فردية وداخلية، وأنها ترتبط بتنظيم عقل الفرد ودماغه. ويحدد موضوع هذا البحث بمصطلح « اللغة-د » (I-language)، الذي يحيل إلى نظام داخلي وفردي، محدد بعملياته وإجراءاته التوليدية، لا بمجموعة مخرجاته فقط. وقد أتاح هذا التوجه وصل البحث اللساني بميادين مثل علم النفس والبيولوجيا. وفي هذا الإطار، تُدرس ملكة اللغة بوصفها نظامًا معرفيًّا ذا أساس بيولوجي، على نحو يقارَن من حيث المبدأ بدراسة الجهاز البصري أو جهاز المناعة. ولا يعني هذا الوصف افتراض كيان تشريحي منفصل يعمل باستقلال عن بقية الأنظمة، بل تحديد مكوّن داخل تنظيم عقلي وبيولوجي أوسع، يتفاعل مع أنظمة معرفية أخرى لكل منها خصائصها ووظائفها.

وتترتب على هذه الأفكار مضامين منهجية أساسية تحدد البحث اللساني :

  • أولا : إن ملكة اللغة موضوع بيولوجي، ومن ثم ينبغي دراستها كموضوع طبيعي وفق مناهج العلوم الطبيعية.

  • ثانيًا : إن دراسة ملكة اللغة بوصفها نظامًا معرفيًّا ذا أساس بيولوجي تقتضي مراعاة الأنظمة الذهنية الأخرى التي تتفاعل معها، والشروط التي يفرضها هذا التفاعل على تنظيمها واستخدام مخرجاتها.

1.2. المنظور البيولساني والدراسة البيولوجية للغة

منذ نشأته، اعتمد المشروع التوليدي المنظور البيولساني (Biolinguistic Perspective) للغة، حيث يفهم أن اللغة خاصية من خصائص البيولوجيا البشرية وملكة معرفية (Cognitive Faculty) للعقل البشري. وتُعد اللغة مكونا من مكونات الدماغ، على نحو مماثل لمكونات الجهاز البصري وسائر الملكات المعرفية الأخرى، كما يعد التمييز بين امتلاك المعرفة اللغوية واستخدام تلك المعرفة أمرا حاسما (Chomsky et al., 2023).

وتبعًا لهذه الفرضية الطبيعية التي يتبناها تشومسكي، تُدرس ملكة اللغة بوصفها موضوعًا ذا أساس بيولوجي، ضمن التنظيم العام للعقل والدماغ. ويمكن أن تتفاعل مكوناتها مع أنظمة تسهم في أنشطة أخرى، وهو ما ينسجم مع دراسة وظائفها داخل تنظيم أوسع، لا بوصفها كيانًا معزولًا. ويُميَّز، في هذا التصور، بين نظام معرفي تُنتظم فيه المعرفة اللغوية وأنظمة للأداء تستخدم هذه المعرفة في الإنتاج والإدراك وسائر أنشطة الاستعمال. وتتفاعل هذه الأنظمة مع رصيد من المعلومات يتيح بناء التعبيرات وتأويلها، مع ضرورة التمييز بين المعرفة اللغوية ذاتها والعمليات التي تدخل في استخدامها الفعلي (Chomsky, 2000, p. 117).

وكما تبيّن، فإن ملكة اللغة جزء من التنظيم الأوسع للعقل والدماغ، وتتفاعل مع أنظمة تفرض شروطًا ينبغي لمخرجاتها استيفاؤها حتى تكون قابلة للاستخدام. ويُطلق على هذه المتطلبات « شروط المقروئية » (Legibility Conditions)، أي إمكان تعامل الأنظمة المعنية مع التعبيرات المولَّدة بوصفها تعليمات للتأويل والإظهار. فالأنظمة الحسّية-الحركية (Sensory-Motor Systems) تفرض شروطًا تتصل بإظهار التعبيرات وإدراكها، في الكلام أو في لغة الإشارة، ولا يقتصر دورها على الصوت وحده. وينطبق المبدأ نفسه على الأنظمة المتصلة بالتأويل والفكر؛ إذ تفرض خصائصها شروطًا ينبغي للتمثيلات الدلالية أن تستوفيها حتى تكون قابلة للاستخدام في الأنشطة المعرفية المعنية (Chomsky, 2000, p. 9).

ومن هنا يتساءل تشومسكي : إلى أي مدى تُعد اللغة حلا جيدا لهذه الشروط المفروضة من الأنظمة الخارجية عنها والداخلية في الدماغ، والتي تتفاعل معها داخل هذا النظام المعرفي الواسع والمعقد؟ وإلى أي مدى يفي تصميم اللغة بهذه القيود أو الشروط المفروضة بالبنية العامة للدماغ؟

لقد كانت هذه الأسئلة صعبة، بل إن مجرد صياغتها كان أمرا بعيد المنال في الماضي. غير أن التطورات التي شهدتها العلوم ولاسيما البيولسانيات، والنتائج التي حققتها مقاربة المبادئ والوسائط (Principles and Parameters) ونجاحها في تحقيق الكفاية التفسيرية (Explanatory Adequacy)، سمحت بطرح أسئلة أعمق، يستكشف من خلالها الباحث اللساني مستويات أخرى من دراسة اللغة، وهو ما فتح آفاقا جديدة واعدة تسير نحو الإجابة عن السؤال المحوري : إلى أي مدى تكون ملكة اللغة مثلى (Optimal)؟ وهو السؤال الذي شكل الإطار النظري للبرنامج الأدنوي، وأسس لمسار جديد في البحث اللساني.

2.2. ثلاثة عوامل في تصميم اللغة

بتبني المنظور البيولساني، فإن ملكة اللغة تمتلك الخصائص العامة للأنظمة البيولوجية الأخرى، ومنه يكون البحث في ثلاثة عوامل تتدخل في نشوء اللغة وتطورها لدى الفرد (Chomsky, 2007) :

  • الهبة الجينية (الاستعداد الوراثي) وهي موضوع النحو الكلي.

  • المعطيات الخارجية (التجربة اللغوية) التي تنتقي لغة ما من نطاق ضيق.

مبادئ لا تختص بملكة اللغة، وتسهم في تحديد تنظيم الأنظمة البيولوجية وشروط عملها. ويمكن تنظيمها، في هذا العرض، في فئتين :

  • مبادئ تحليل المعطيات.

  • مبادئ التنظيم البنيوي والحوسبة الفعّالة والقيود التي تؤثر في نمو الأنظمة.

  • تتفاعل هذه العوامل الثلاثة لتشكل ما يسمى »اللغة-د« ، أي اللغة الداخلية، الفردية، والمفهومية.

لقد ارتكزت دراسة اللغة كموضوع بيولوجي ضمن النحو التوليدي على العاملين الأول والثاني، وهي الدراسة التي جاءت في »مقاربة المبادئ والوسائط « التي طبعت بحوث ثمانينيات القرن الماضي. إلا أن تشومسكي، في بحوثه الأخيرة يركز أكثر فأكثر على الحوسبة الفعالة، وهي أحد مكونات العامل الثالث، بهدف الوصول إلى تفسير أعمق للغة. ويرى تشومسكي أن العامل الثالث في تطور اللغة لدى الفرد، سيخبرنا بشكل خاص عن طبيعة هذا التصميم، وبذلك تنتقل أسئلة البحث إلى مسائل أكثر أهمية في بيولوجية اللغة، مثل : إلى أي مدى تقترب اللغة من الحل الأمثل للشروط التي ينبغي ان تستوفيها، لكي تصبح قابلة للاستعمال مع اعتبار وجود هندسة بنيوية خارجية عن اللغة؟ أي مع مراعاة موقع ملكة اللغة داخل تنظيم معرفي وبيولوجي أوسع، والشروط التي يفرضها تفاعل مكوناته.

كما تبين، فإن حالة ملكة اللغة الفعلية لدى الفرد هي نتاج تفاعل ثلاثة عوامل مع التمييز بين الاعتراف العام بتعدد محددات النمو والتركيز التفسيري على عاملين في الصياغة المبسطة لمقاربة المبادئ والوسائط، التي مثّلت الاكتساب من خلال : جهاز اكتساب اللغة (الحالة الأولى)، وسياق التجربة التي توفر معطيات لغوية. فالحالة الأولى، محددة جينيا وهي التي تحدد الحالات الأخرى الممكنة وكل حالة ممكنة هي تخصيص للحالة الأولى عن طريق تحديد قيم الوسائط التي تكون مفتوحة وغير متميزة وتحدد -فقط- عند تعرض الطفل لتجربة لغوية معينة، عندها يبدأ جهاز اكتساب اللغة (Language Acquisition Device) بالعمل حيث يقوم الطفل بتثبيت قيم معينة للوسائط، وذلك حسب المعطيات اللغوية الأولية (Primary Linguistic Data) التي تتيحها التجربة. كان هذا هو التفسير السائد في ثمانينيات القرن الماضي، والذي عرف بمقاربة المبادئ والوسائط، وقد حقق نجاحا واسعا فتح مجالات أخرى للبحث اللغوي، سمحت باستقصاء اللغة في مستوى أكثر عمقا. وهذا ما سمح لـتشومسكي باستدراك قصور هذا التفسير الذي اقتصر على العاملين الأول والثاني، إذ يقول تشومسكي :

 » لقد كان واضحا منذ البداية لعالم اللغة البيولوجي أن هذا تبسيط شديد للجوانب الحيوية و الشروط الأولية للنموذج المجرد لاكتساب اللغة« (Chomsky, 2000, p. 123).

ويترتب على إدراج العامل الثالث تغيير في السؤال المطروح على النظرية. فلا يعود كافيًا تعيين الخاصية التي يحتاج إليها تفسير الاكتساب، بل ينبغي أيضًا بيان مصدرها : هل تتطلب مبدأ خاصًّا باللغة، أم يمكن اشتقاقها من قيد أعم على تنظيم المعطيات أو الحوسبة؟ ويكون الاختزال مفسرًا حين يوضح هذه العلاقة الاشتقاقية، لا حين يكتفي بنقل المبدأ من قائمة النحو الكلي إلى قائمة المبادئ العامة. ومن هنا لا يُفهم العامل الثالث بوصفه اسمًا بديلًا لما لم يُفسَّر، بل بوصفه مجالًا لتحديد شروط مستقلة وبيان آثارها في بناء التعبيرات ونمو المعرفة اللغوية.

ويعزو تشومسكي هذا القصور إلى التعامل مع اللغة بوصفها عضوا معرفيا مستقلا عن باقي الأعضاء المعرفية الأخرى، والحقيقة أن أي عضو كان هو مكون فرعي من تعقيد أكبر، لا يمكن دراسته بمعزل عن باقي الأعضاء الأخرى التي يكون مرتبطا بها ويتفاعل معها.

لدراسة ملكة اللغة كعضو بيولوجي، يتعين على الباحث اللساني، في هذه الحالة، فهم التعقيد كاملا وعلاقة أجزائه ومكوناته ببعضها البعض. وبناء على ذلك، فإن تشخيص الحالة الأولى سيكون مستندا إلى أسس داخلية أخرى. وقد فتح التقدم في العلوم وبخاصة فيما يتعلق بالأمثلية (Optimality)، المجال لطرح مسائل جديدة، ومنها تحديدا :

ما المدى الذي يمكن أن يصل إليه اختزال المبادئ نفسها (مبادئ الملكة اللغوية) إلى الخصائص الطبيعية الأكثر عمقا للحوسبة؟ وإلى أي مدى تكون اللغة »مثلى« (Optimal) بناء على شروط الأمثلية وبعض العلاقات البسيطة جدا؟

يقول تشومسكي :

 »فإذا وضعنا جانبا السمات الصوتية التي تنفذ إليها الأنظمة الادراكية، فإن خصائص تعبير معين، مما يدخل في استخدام اللغة، تأتي وبشكل مطلق من المعجم، أي أن الحوسبة تنظم هذه الخصائص بطرق مقيدة جدا، لكنها لا تضيف سمات أخرى؛ وهذا تبسيط للمسلمات المبكرة، أي إعادة التفكير في « المستويات الوجيهية » (interfaces) بين ملكة اللغة والعقل « (Chomsky, 2000, p. 123).

وهذا يعني الاستغناء عن الكثير من الوسائل الوصفية في الأشكال المبكرة للنحو التوليدي وحتى تلك الناجحة منها كمستويي البنية العميقة (deep structure) والبنية السطحية (surface structure)، بحثا عن تفسيرات جديدة تتصل بخصائص المستويات الوجيهية مثل : كيف تستعمل أنظمة الأداء التعبيرات التي تولدها اللغة الداخلية (لغة-د)؟ وتمثل هذه الأسئلة الإطار الأساسي للصيغة المبكرة للبرنامج الأدنوي، وقد حققت نجاحا هي الأخرى في مسار المشروع التوليدي، وأدت إلى آفاق أخرى في البحث اللساني في السنوات الأخيرة كما يتضح في تحليل الدمج ومستويات التمثيل في القسم الثالث.

وبحسب هذا المنظور، فإن المصطلح »لغة« أي »لغة-د« (لغة داخلية) (internal language) هو حالة للنظام الحوسبي الخاص بالعقل/ الدماغ، الذي يولد تعبيرات منظمة، كل تعبير يمكن اعتباره مجموعة من التعليمات للأنظمة الوجيهية التي تتفاعل معها ملكة اللغة. يوجد على الأقل نوعان من الوجيهات : الأنظمة الخاصة بالفكر، التي تستخدم التعابير اللغوية للتفكير والتأويل وتنظيم الأفعال والأنشطة الذهنية الأخرى؛ والأنظمة الحسية التي تقوم بإظهار التعابير من خلال إنتاجها وبنائها من المعطيات الحسية في الإدراك.

ظهرت في الإطار البيولساني مهام متنوعة، تتمثل المهمة الأولى في بناء أنحاء توليديّة للغات خاصة، والتي تثمر حقائق خاصة بالصوت و المعنى، إذ يقول تشومسكي :

 »إننا لا نعرف إلاّ القليل عن طبيعة اللغات، على الرغم من آلاف السنين من البحث فالقواعد والقواميس الأكثر شمولا كانت أساسا عبارة عن قوائم من الأمثلة والحالات الشاذة مع تعميمات ضعيفة وما كان يفترض خارج عن هذه القوائم يمكن تحديده عن طريق أساليب غير محددة من « القياس » و« الاستنباط » أو « السلوك » والتي تبيّن فيما بعد من خلال الدراسات المبكرة، أنها تخفي غموضا أكبر. تستدعي القواعد التقليدية، ضمنيًا فهم القارئ سواء معرفته باللغة المعنية أو القدرة اللغويّة الفطرية المشتركة أو كليهما. لكن دراسة اللغة كفرع من البيولوجيا هي تحديدا الدراسة التي تفترض وجود هذا « الفهم »، وهذا هو موضوع البحث« (Chomsky, 2007, p. 14).

وتتمثل المهمة الثانية في تفسير اكتساب اللّغة، وهي التي أطلق عليها -لاحقا- مشكلة الكفاية التفسيرية. ويعني هذا حسب المنظور البيولساني، اكتشاف العمليات التي تحوّل (map) المعطيات المقدمة إلى اللغة الداخلية المحصلة. ولما تحقق تقدم كاف في الكفاية التفسيرية، جاء دور مهمة أخرى أعمق وأبعد تتجاوز الكفاية التفسيرية (Beyond Explanatory Adequacy)، بحيث لا يكتفي البحث اللساني بالبحث فقط عن مبادئ التوافق (Mapping Principles)، بل أصبح البحث يسعى إلى معرفة الأسباب التي تحدد تطور اللغة وفق هذه المبادئ دون غيرها، رغم إمكانية تصور بدائل أخرى بكل بساطة (Chomsky, 2007, p. 14).

وقد كانت هذه المسألة سابقة لأوانها، حتى وقت قريب، وذلك عندما تم اقتراح ما أصبح يسمى بالبرنامج الأدنوي (The Minimalist Program)، الذي يُعد المرحلة الطبيعية التالية في البحث البيولساني. في هذا الإطار من البحث طُرحت أسئلة أخرى لا تقل أهمية، من قبيل : كيف تطورت ملكة اللغة؟ وكيف ترتبط الخصائص التي تسمى »ذهنية« بالبنية العضوية للدماغ؟

وهكذا صار بالإمكان العودة إلى مفاهيم النحو التوليدي الأول، أي

 »أن اللغة لا تشمل فقط سنوات من التجربة ولا ملايين السنين من التطور، أي الاستعداد الفطريّ، لكن أيضا مبادئ المنظومة العصبية التي تكون متضمنة في القانون الفيزيائي« (Chomsky, 2007, p. 19).

وهذه الأسئلة مجتمعة هي التي شكلت الإطار النظري العام للبرنامج الأدنوي.

3.2. ما بعد الكفاية التفسيرية (Beyond Explanatory Adequacy)

إن السؤال الأساس المركزي الذي قام عليه البرنامج الأدنوي منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي هو التالي : هل هناك مستوى أعمق لتفسير الملكة اللغوية يتجاوز التعيين الدقيق للمبادئ والوسائط؟ فإذا كانت مقاربة المبادئ والوسائط قد مكنت من صياغة عدد من التعميمات التي أسهمت في تحديد بنية النحو الكلي (Universal Grammar)، فإن الحاجة باتت ملحة للانتقال إلى مستوى تفسير أعمق، يتجاوز التحديد الدقيق لمبادئ النحو الكلي ووسائطه. وبعبارة أخرى، أصبح السؤال المطروح هو : لماذا يملك النحو الكلي هذه البنية الخاصة دون غيرها من البنى الممكنة؟ (Chomsky, 2002, 2005).

إن هذه الأسئلة على الرغم من حداثة طرحها ضمن الإطار الأدنوي، تعود في جوهرها إلى الاهتمامات الأولى لتشومسكي سبق أن عبر عنها في كتابه »مظاهر النظرية التركيبية« ، حيث سجل أن :

 »ليس هناك، اليوم، من سبب أكيد لنأخذ على محمل الجد الموقف الذي يعزي الإنجاز المعقد للإنسان [اللغة] إلى أشهر (أو على الأكثر سنوات) من التجربة. وبدلا من ذلك إلى ملايين السنين من التطور، وإلى مبادئ المنظومة العصبية التي تتجاوز التفسيرات البيولوجية العرضية« .(Boeckx and Piattelli 2005 :453)

وقد تناول البرنامج الأدنوي هذا الإشكال بمنظور جديد، من خلال صياغة أكثر قوة في افتراضه حول حدس البرنامج الأدنوي ومفاده أن البرنامج الحوسبي (التركيب الضيق) (Narrow Syntax) الأساسي للغة الطبيعية هو الحل الأمثل للمهمة الأساسية للغة : الربط بين الصوت والمعنى .

وبناء على هذه الاعتبارات العامة، حاول البرنامج الأدنوي إدماج قيم تصورية ذات امتداد طبيعي »فيزيائي بيولوجي« كالبساطة (Simplicity)، والاقتصاد (Economy)، والفعالية (Efficiency)، والتناظر (Symmetry) واللاّحشو (Non-Redundancy). وهكذا قدّم تشومسكي مقاربة جديدة - في ذلك الوقت- مع اعتبار البرنامج الأدنوي تطويرا لمكتسبات نظرية المبادئ والوسائط (Principles & Parameters) ولنتائجها التجريبية، مقاربة ترفع النقاش من المبادئ العامة لمعالجة المعطيات، إلى مستوى جديد متطور يرتبط بمبادئ تصميم اللغة وهندستها البنيوية والحوسبة الفعالة، وهي الطبقة الفرعية من العامل الثالث في تصميم أي نظام بيولوجي. ويتيح هذا التوجه إعادة النظر في الافتراضات الخاصة باللغة التي احتاجت إليها المقاربات السابقة، والبحث في إمكان اشتقاق بعض خصائص توليد العبارات من مبادئ مستقلة عنها. وتبعا لذلك انتقل النقاش حول أسئلة أخرى أكثر جوهرية تتعلق ببيولوجيا اللغة : إلى أيّ حد تقترب اللغة من الحل الأمثل للشروط التي ينبغي أن تستوفيها لكي تصبح قابلة للاستعمال، آخذين في الحسبان وجود هندسة بنيوية خارجية؟ (Chomsky, 2005, p. 08). وتعود بنا هذه الشروط -حسب تشومسكي- إلى التخصيص التقليدي للغة منذ أرسطو بوصفها نظاما يربط الصوت بالمعنى. وبتكييف هذه الأفكار القديمة مع المصطلحات الحالية، ينبغي للعبارات التي تولدها اللغة أن تستجيب لنوعين من الشروط أو القيود الوجيهية : تلك التي يضعها النظام الحسّي-الحركي؛ وتلك التي يضعها النظام التصوري-القصدي، والتي تنتمي إلى القدرة البشرية وإلى تنوع الأفعال اللغوية. وهكذا، يمكن تقديم تفسير قائم على مبادئ لخصائص اللغة، بمقدار اعتماده على خصائص الأنظمة الخارجية والاعتبارات العامة للحوسبة الناجعة (Efficient Computation) (Chomsky, 2005 :10).

3. الأطروحة الأدنوية القوية : مقاربة اللغة من الأدنى إلى الأعلى

على امتداد التاريخ الحديث للنحو التوليدي، قوربت ملكة اللغة غالبًا وفق مسار من الأعلى إلى الأدنى (top-down)، إذ انصبّ الجهد البحثي على تفسير اكتساب اللغة انطلاقًا من مبادئ النحو الكلي. أما البرنامج الأدنوي فتبنّى مسارًا معاكسًا من الأدنى إلى الأعلى (bottom-up)، يقوم على تقليص العبء التفسيري المسند إلى النحو الكلي. ويتم ذلك، وفق تشومسكي، بتفعيل الأطروحة الأدنوية القوية (Strong Minimalist Thesis)، التي ترى أن ملكة اللغة مصممة على نحو أمثل؛ أي إنها تستجيب بأكفأ صورة ممكنة للقيود التي تفرضها الأنظمة الوجيهية المتفاعلة معها. وبهذا المعنى، يُفسَّر بعض المبادئ الأساسية بافتراض أن ملكة اللغة تقترب من حل هندسي أمثل يربط النظام التصوري-القصدي بالنظام الحسّي-الحركي (Chomsky, 2007).

ووفق هذه الأطروحة الأدنوية القوية، تُفترض اللغة حلًّا أمثل لربط الصوت بالمعنى، في ضوء القيود التي يفرضها النظام الحسّي-الحركي والنظام التصوري-القصدي. والمقصود بـ« الأمثل » هنا، حسب المفهوم الأدنوي للأمثلية (Optimality)، هو أمثلية التصميم الداخلي للنظام اللغوي في العقل، بحيث تتخذ البنى اللغوية الطبيعية شكلًا يتيح لها التفاعل بفعالية مع الأنظمة العقلية المذكورة سابقًا. وفي هذا السياق، يشير مصطلح اللغة في إطار الأطروحة الأدنوية القوية للبرنامج الأدنوي إلى المكوّن البشري الفريد لملكة اللغة بالمعنى الواسع، بينما تشير ملكة اللغة بالمعنى الضيق إلى خاصية الربط التكراري (Recursiveness) (غاليم، 2007، ص. 65)، التي تُعدّ الخاصية المركزية في البرنامج الأدنوي، وتتحقق من خلال عملية الدمج (Merge). والدمج عملية بسيطة تقوم على ضم موضوعين لتشكيل موضوع جديد، وتُقدَّم، في إطار هذه الأطروحة، بوصفها أساسًا لحل أمثل للشروط الوجيهية، بحيث تكون المخرجات قابلة للاستخدام من طرف النظام الحسّي-الحركي والنظام التصوري-القصدي اللذين ينبغي أن تتفاعل معهما.

وبناءً على هذه الأطروحة، تُبنى البنية النحوية من الأدنى إلى الأعلى بوساطة عملية واحدة هي الدمج (Merge). ويقول تشومسكي إنّ حقيقة أولية عن ملكة اللغة تتمثل في كونها نظامًا من « اللانهاية المتمايزة » (discrete infinity). وفي أبسط الحالات، يقوم هذا النظام على عملية أولية واحدة هي الدمج، بوصفها الخاصية الأكثر جوهرية للغة، إذ تُنتج نظامًا من الموضوعات المنظَّمة هرميًّا. يأخذ الدمج موضوعين مشكَّلين سلفًا ويكوّن منهما موضوعًا جديدًا. وإذا كانت الحوسبة فعّالة، فإن الموضوعين المدمجين، مثل س وع، لا يتغيران بعد دمجهما؛ فنحصل على المجموعة {س، ع} مع بقاء عنصريها على حالهما. ويُسمّى هذا القيد « شرط عدم التغيير » (No-Tampering Condition)، وهو مبدأ عام من مبادئ الحوسبة الفعّالة.

بوجود عملية الدمج، يصبح لدينا نظام غير محدود من التعبيرات المبنية هرميًّا. وحتى تكون هذه التعبيرات قابلة للاستعمال، ينبغي أن ترتبط بالوجيهات (interfaces)، أي أن توفّر وسائل أو آليات لربط الصوت بالمعنى. ويشمل النحو الكلي، على الأقل، مبدأ الدمج اللامحدود، المرتبط بسمة الحد (Edge-Feature). وبالإضافة إلى الدمج اللامحدود وشرط عدم تغيير العناصر المدمجة بعد الدمج، فإنّ اللغة تحتاج، لأغراض الحوسبة، إلى ذرات (Atoms)، أو عناصر ذرية تشبه الكلمات، تُنتقى من المعجم (Lexicon). ويُميَّز في الدمج بين نوعين : الدمج الداخلي (Internal Merge) والدمج الخارجي (External Merge). يكون الدمج خارجيًّا عندما يكون الموضوعان المدمجان مستقلين أحدهما عن الآخر، فلا يكون أحدهما جزءًا من الآخر؛ أما الدمج الداخلي فيتحقق عندما يُدمج موضوع مع موضوع آخر يتضمنه، بحيث يُعاد دمج عنصر موجود داخل البنية (Chomsky, 2007, pp. 20–21).

ولا ينبغي الخلط بين بساطة الصيغة البنائية واكتمال وصف النحو. فالتعبير عن الدمج بوصفه إنشاء المجموعة {س، ع} يوضح مبدأ جمع الموضوعات في بنية جديدة، لكنه لا يحدد بمفرده جميع شروط انتقاء العناصر وتأويل العلاقات بينها وإظهارها. كذلك لا يعني استقلال الموضوعين في الدمج الخارجي أنهما لم يدخلا أي اشتقاق سابق؛ فقد يكون أحدهما أو كلاهما مركبًا سبق بناؤه، ما دام أحدهما غير محتوى في الآخر. أما الدمج الداخلي فيستثمر علاقة الاحتواء، إذ يعيد دمج عنصر متاح داخل الموضوع التركيبي نفسه. وتكمن قيمة التمييز في بيان كيف يمكن لعملية بنائية واحدة أن تسهم في تفسير التركيب وعلاقات الإزاحة، مع إبقاء القيود اللازمة لعملها ظاهرة في التحليل.

وفق افتراضات الحوسبة الفعّالة، لا ينبغي افتراض مستويات تمثيل تتجاوز ما تستلزمه القيود الوجيهية. ولذلك تُحوَّل أجزاء من البنى المولَّدة، أثناء الاشتقاق وعند نقاط محددة، إلى الأنظمة المتصلة بالتأويل والإظهار. وفي هذا الإطار يُستعمل مفهوم « المراحل الاشتقاقية » (phases) لتنظيم التحويل بصورة دورية، ويُسمّى التحويل إلى المكوّن الصوتي « التهجية » (Spell-Out). وينبغي التمييز بين المرحلة بوصفها وحدة تركيبية وبين المادة التي تُحوَّل منها؛ ففي الصياغة المألوفة يرتبط التحويل بمتممة رأس المرحلة، مع بقاء حافتها متاحة وفق شروط الاشتقاق. ويضبط شرط عدم نفاذ المرحلة (Phase Impenetrability Condition) حدود الوصول إلى المادة التي سبق تحويلها، بما يقيّد مجال البحث في الاشتقاق ويرتبط بالاقتصاد الحوسبي (Chomsky, 2005, pp. 16–17).

وبذلك، يُستغنى عن مستويات التمثيل الداخلية التي لا تسوّغها الضرورة التصورية، ولا يبقى سوى المستويات الوجيهية، بينما تُختزل العمليات التحويلية، في هذا التصور، في عملية واحدة هي الدمج. ويتضح أثر هذا الاختزال بصورة خاصة عند النظر في تطور مستويات التمثيل في البرنامج الأدنوي.

ارتكز التصور العام للنمذجة النحوية في البرنامج الأدنوي خلال تسعينيات القرن الماضي على فكرة مفادها أن اللغة، ما دامت تمثل علاقة بين الأصوات والمعاني، تستلزم تمثيلات للصوت وتمثيلات للمعنى. أما البُنى اللغوية الأخرى والمبادئ التي تنطبق عليها، فلا تُعدّ ضرورية من منظور تصوري لمجرد افتراضها في النماذج السابقة، ومن ثم ينبغي الاستغناء عمّا لا يبرره منها هذا المعيار. وبناءً على ذلك، يمكن تحديد نواة اللغة، أي اللغة بالمعنى الضيق، باعتبارها مكوّنًا حوسبيًّا أمثل (Optimal)، يتضمن فقط ما هو ضروري تصوريًّا. وهكذا تم الاستغناء عن البنية العميقة والبنية السطحية، مع الإبقاء على الصورة الصوتية والصورة المنطقية، على أساس معيار الضرورة التصورية (Conceptual Necessity) (العمري، 2008، ص. 87).

في الصياغات التي تحتفظ بمستويي الصورة الصوتية والصورة المنطقية، يرتبط الأول بشروط الإظهار والإدراك، بينما يرتبط الثاني بالتأويل في الأنظمة التصورية-القصدية. غير أن تفسير التفاعل مع هذه الأنظمة لا يقتضي تثبيت جميع مستويات التمثيل التي افترضتها النماذج السابقة؛ فالمطلب الأدنوي هو تسويغ ما يُحتفظ به من مستويات وعمليات في ضوء الحاجة التفسيرية وشروط الوجيهات، مع التمييز بين البنية المولَّدة والأنظمة التي تستخدم مخرجاتها.

ولم تتوقف المراجعات عند هذا الحد، إذ خضع البرنامج الأدنوي لعدد من التعديلات المتواصلة، من إعادة النظر في بعض المفاهيم إلى إلغاء أخرى أو استبدالها، بل وإحياء بعض المفاهيم السابقة. ويبدو أن ما أسفرت عنه سنوات من البحث يشير إلى آفاق نظرية جديدة، مفاجئة وواعدة، تؤكد أن البرنامج الأدنوي لم يتخذ بعد شكلًا نهائيًّا، وأنه مشروع نظري مفتوح على مزيد من التطوير.

4. مناقشة النتائج وحدود الدراسة

يُظهر التحليل أن الإسهام المركزي للأطروحة الأدنوية القوية يتمثل في إعادة توزيع العبء التفسيري، بحيث لا تُنسب جميع خصائص اللغة إلى مبادئ خاصة بها داخل النحو الكلي. وتتيح مركزية الدمج والاحتكام إلى مبادئ الحوسبة الفعّالة البحث في إمكان اشتقاق بعض الانتظامات من افتراضات أكثر اقتصادًا. غير أن هذا الاقتصاد لا يكتسب قيمة تفسيرية بمجرد تقليل عدد العمليات؛ بل ينبغي أن يقترن ببيان الخصائص التي يفسرها، والقيود التي يشتقها، والمعطيات التي يظل قادرًا على تغطيتها.

ويقتضي هذا التوجه التمييز بين مستويات مترابطة من البحث. فالصياغة الحوسبية لعملية الدمج لا تحدد وحدها كيفية تحققها عصبيًّا، كما أن إسناد بعض مظاهر التنوع إلى الإظهار الخارجي لا يعفي من تفسير آليات هذا الإظهار ونموها. كذلك فإن أولوية العلاقة بين اللغة والفكر في النموذج لا تعني إلغاء أهمية التواصل أو اختزال جميع وظائف اللغة في وظيفة واحدة. ومن ثم تُفهم الأطروحة بوصفها مقترحًا لتحديد التنظيم الأساسي للملكة، مع بقاء أسئلة الاكتساب والتنوع والاستعمال محتاجة إلى تحليلات وأدلة تتناسب مع مستوياتها.

وفي هذا الإطار، ينبغي أن يُحدَّد معيار الأمثلية من داخل المسألة التي يراد تفسيرها. فقد يتعلق الاقتصاد بعدد الخطوات أو بمجال البحث أو بالعمليات التي يستلزمها الاشتقاق، ولا يلزم أن يتطابق مع سهولة المعالجة الفعلية لدى المتكلم في كل ظرف. ومن ثم فإن صعوبة إنتاج تعبير أو فهمه لا تنفي وحدها اقتصاد بنائه في النموذج، كما أن بساطة وصفه لا تثبت كفاءته النفسية. ويحتاج وصل المستويين إلى تحديد المتغيرات التي تقيسها المقارنة، بحيث لا يُنقل وصف « الأمثل » من تنظيم الحوسبة إلى جميع مظاهر الاستعمال من غير تسويغ.

وتتمثل حدود الدراسة الحالية في اعتمادها على قراءة تاريخية ومفاهيمية لمتن مختار، من دون تقديم اختبار تجريبي مستقل أو مقارنة تفصيلية بين نماذج متنافسة. لذلك تتيح نتائجها توضيح بنية المقترح الأدنوي وشروط قوته التفسيرية، ولا تمثل إثباتًا نهائيًّا لأمثلية تصميم اللغة. ويستدعي تطوير هذا البحث تحديد معايير أكثر صراحة للأمثلية والكلفة الحوسبية، وربط المقترحات النظرية بمعطيات مستقلة من اكتساب اللغة والمقارنة اللسانية والبحث العصبي.

خاتمة 

أسهم تطوير الأطروحة الأدنوية القوية (Strong Minimalist Thesis) في إعادة تنظيم أسئلة البحث داخل البرنامج الأدنوي، ولا سيما ما يتعلق بمركزية البناء الهرمي وعلاقته بالفكر. وتستعيد هذه المقاربة تقليدًا فلسفيًّا ولسانيًّا يربط اللغة بالأنشطة التصورية، وهو ما يعبّر عنه تشومسكي باستدعاء وصف اللغة بأنها « فكر مسموع » (Audible Thought)، المنسوب إلى وليام دوايت ويتني (William Dwight Whitney). وتُقرأ هذه الصيغة في سياقها التاريخي؛ إذ يقتضي تناول اللغة اليوم مراعاة إمكان إظهارها في الكلام أو في لغة الإشارة، وعدم اختزالها في وسيط صوتي واحد.

وفق هذا التصور، تخدم الحوسبة النحوية (syntactic computation) النظام التصوري-القصدي أساسًا، بينما يتصل الإظهار الخارجي (externalization) بمواءمة التعبيرات مع شروط الكلام أو لغة الإشارة. ولا يلزم أن تتحقق جميع التعبيرات المولَّدة في إنتاج خارجي؛ إذ تُستخدم اللغة أيضًا في أنشطة داخلية مثل التفكير والتأويل (Chomsky et al., 2023). غير أن أولوية هذا المستوى في النموذج لا تعني أن التواصل قليل الأهمية في الاستعمال الاجتماعي، ولا أن الحوسبة النحوية تستنفد جميع أشكال الفكر. وتخلص الدراسة إلى أن قيمة الأطروحة تكمن في قدرتها على توجيه البحث نحو تفسير أكثر اقتصادًا، مع بقاء الأمثلية وموقع التنوع وآليات التحقق البيولوجي مسائل تحتاج إلى تحديد واختبار ومقارنة.

ويُستخلص من ذلك أن الانتقال إلى ما بعد الكفاية التفسيرية يمثل توسيعًا للسؤال عن اللغة، لا إلغاءً لمطلب تفسير اكتسابها. فكلما تقلص المحتوى الخاص باللغة المنسوب إلى النحو الكلي، ازدادت أهمية إيضاح كيفية اشتقاق الخصائص التي كان يُستعان بذلك المحتوى لتفسيرها. وتبقى العلاقة بين النواة الحوسبية والوجيهات مجالًا حاسمًا لهذا الإيضاح، لأنها تصل البنية المولَّدة بشروط تأويلها وإظهارها. وبذلك تقاس قوة المقترح بقدرته على الحفاظ على دقة الوصف مع تقليل الافتراضات المستقلة، لا ببلوغ حد أدنى شكلي من المكونات مهما كانت كلفته على تفسير المعطيات.

المراجع باللغة العربية

بوزيان رشيد. (1999). قراءات في اللسانيات التوليدية، من العاملية والربط إلى البرنامج الأدنى.

حمدان رضوان أبو عاصي. (2007). التطورات النظرية والمنهجية للنظرية التوليدية في نصف قرن. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية، 4(3).

عبد القادر الفاسي الفهري. (2010). ذرات اللغة العربية وهندستها. دار الكتاب المتحدة.

محمد غاليم، ومحمد الرحالي، وعبد المجيد جحفة. (2007). دلالة اللغة وتصميمها. دار توبقال.

نادية العمري. (2008). تركيب الصفات في اللغة العربية. دار توبقال.

المراجع باللغة الإنجليزية

Boeckx, C., & Piattelli-Palmarini, M. (2005). Language as a natural object—Linguistics as a natural science. The Linguistic Review, 22, 447–466.

Chomsky, N. (1995). The minimalist program. MIT Press.

Chomsky, N. (2000). New horizons in the study of language and mind. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511811937

Chomsky, N. (2002). On nature and language (A. Belletti & L. Rizzi, Eds.). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511613876

Chomsky, N. (2005). Three factors in language design. Linguistic Inquiry, 36(1), 1–22. https://doi.org/10.1162/0024389052965827

Chomsky, N. (2007). Of minds and language. Biolinguistics, 1, 9–27.

Chomsky, N. (2016). What kind of creatures are we ? Columbia University Press.

Chomsky, N., Seely, T. D., Berwick, R. C., Fong, S., Huybregts, M. A. C., Kitahara, H., McInnerney, A., & Sugimoto, Y. (2023). Merge and the Strong Minimalist Thesis. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781009343244

وردية بوطالبي. Ouardia Boutalbi

جامعة الجزائر 3 — Université d’Alger 3
11 طريق دودو مختار، بن عكنون، الجزائر العاصمة، الجزائر
11 Chemin Doudou Mokhtar, Ben Aknoun, 16058 Alger, Algérie
boutalbi.ouardia@univ-alger3.dz
https://orcid.org/0009-0008-3122-3959

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.