اللغة والثقافة والهوية: مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية 

Langue, culture et identité : une approche socio-anthropologique

Language, Culture, and Identity: A Socio-Anthropological Approach

صادق إيمان Imène Sadek et مشتة ياسين Yacine Mechta

Citer cet article

Référence électronique

صادق إيمان Imène Sadek et مشتة ياسين Yacine Mechta, « اللغة والثقافة والهوية: مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية  », Aleph [En ligne], Vol 13 (4) | 2026, mis en ligne le 11 octobre 2026, consulté le 15 octobre 2026. URL : https://aleph.edinum.org/18217

تبحث هذه الدراسة النظرية-التحليلية في العلاقات المتبادلة بين الثقافة والحضارة واللغة والمجتمع من منظور سوسيو-أنثروبولوجي، مع التركيز على الوظيفة الرمزية للغة في إنتاج المعنى وبناء الهوية ونقل الذاكرة الجماعية. وتنطلق من مراجعة نقدية لمجموعة من التصورات الكلاسيكية والحديثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفلسفة الرمز، ثم تختبر قدرتها التفسيرية من خلال قراءة تطبيقية لتجربة الاغتراب اللغوي لدى الكاتب الجزائري مالك حداد. وتبين الدراسة أن الحضارة لا تختزل في التراكم المادي أو التقني، بل تقوم كذلك على أنساق قيمية ورمزية تضمن الاستمرار التاريخي للجماعات؛ وأن الثقافة ليست مخزونًا ساكنًا من العادات، وإنما سيرورة تعلم وتأويل وتفاوض اجتماعي تتجسد بصورة مركزية في اللغة. كما تكشف حالة مالك حداد أن اللغة في السياق الكولونيالي قد تتحول من أداة للتواصل والإبداع إلى فضاء للهيمنة والعنف الرمزي والانقسام الهووي، من دون أن تفقد قدرتها على حمل القيم الإنسانية الكونية. وتخلص الدراسة إلى أن صون التعدد اللغوي والثقافي لا يتحقق بمنطق الإقصاء، بل من خلال سياسات عادلة تعزز اللغة الأم، وتدعم التعددية، وتفصل بين اللغة بوصفها تراثًا إنسانيًا واستعمالها بوصفها أداة للهيمنة.

Cette étude théorique et analytique examine les relations réciproques entre culture, civilisation, langue et société dans une perspective socio-anthropologique. Elle s’intéresse plus particulièrement à la fonction symbolique du langage dans la production du sens, la construction identitaire et la transmission de la mémoire collective. La démarche repose sur une lecture critique de références classiques et contemporaines en sociologie, en anthropologie et en philosophie des formes symboliques, puis sur une mise à l’épreuve de leur pouvoir explicatif à travers le cas de l’aliénation linguistique chez l’écrivain algérien Malek Haddad. L’analyse montre que la civilisation ne peut être réduite à l’accumulation matérielle ou technique : elle suppose également des systèmes de valeurs et de significations assurant la continuité historique des groupes. La culture apparaît, quant à elle, comme un processus dynamique d’apprentissage, d’interprétation et de négociation sociale, dont la langue constitue une médiation centrale. Le cas de Malek Haddad révèle enfin que, dans un contexte colonial, la langue peut devenir simultanément instrument de création, espace de domination symbolique et lieu de fracture identitaire. L’article conclut que la préservation des langues et des cultures exige des politiques linguistiques équitables, capables de consolider la langue première tout en reconnaissant la pluralité des appartenances.

This theoretical and analytical study examines the reciprocal relations among culture, civilization, language, and society from a socio-anthropological perspective. It focuses on the symbolic function of language in meaning-making, identity construction, and the transmission of collective memory. The study combines a critical reading of classical and contemporary works in sociology, anthropology, and the philosophy of symbolic forms with an interpretive case study of linguistic alienation in the work and intellectual trajectory of the Algerian writer Malek Haddad. The analysis shows that civilization cannot be reduced to material or technological accumulation, since it also depends on systems of values and meanings that sustain the historical continuity of communities. Culture is therefore understood not as a static repository of customs but as a dynamic process of learning, interpretation, and social negotiation, centrally mediated by language. The Malek Haddad case further demonstrates that, under colonial conditions, language may simultaneously function as a medium of literary creation, an instrument of symbolic domination, and a site of identity fracture. The article concludes that linguistic and cultural preservation requires equitable language policies that strengthen the first language while recognizing plural affiliations and distinguishing language as a human heritage from its political use as an instrument of domination.

مقدمة

تثير العلاقة بين الثقافة والحضارة واللغة إشكالية تتجاوز حدود التعريف المعجمي لهذه المفاهيم، لتتصل بالشروط الاجتماعية والتاريخية التي تتشكل في إطارها القيم والمعاني، وبالدور الذي تؤديه اللغة في إنتاجها وتداولها ونقلها بين الأجيال. وتزداد هذه العلاقة تعقيدًا حين تصبح اللغة، في سياقات تاريخية مخصوصة، مجالًا للتنازع حول الهوية والانتماء والاعتراف. ومن هنا تنبع إشكالية الدراسة : كيف تتفاعل الثقافة والحضارة واللغة في بناء الواقع الاجتماعي وإنتاج المعنى، وكيف يمكن أن يكشف اختلال العلاقة بينها عن صور من الاغتراب اللغوي والرمزي؟

ولمقاربة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة قراءة نظرية تحليلية تستعيد بعض التصورات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للثقافة والحضارة، وتبحث في وظيفة الرموز واللغة في تشكل الهوية وفي انتقال الخبرات بين الأجيال. ثم تستأنس بتجربة الكاتب الجزائري مالك حداد بوصفها حالة تفسيرية تتيح النظر في التوتر بين لغة الإبداع والانتماء في السياق الاستعماري، من دون أن تُعامل بوصفها اختبارًا ميدانيًا أو نموذجًا قابلًا للتعميم. وبهذا المعنى، يتدرج البحث من تحديد المفاهيم إلى استكشاف علاقاتها الاجتماعية والرمزية، وصولًا إلى مساءلة الاغتراب اللغوي.

ويبرز في هذا السياق نموذج « الحضارة–الثقافة » باعتباره بنية متداخلة من الممارسات والرموز، تُنتج عمليات التثاقف والتكيف والتكامل داخل المجتمع الواحد، وتسمح في الوقت ذاته بإقامة علاقات تمثيل ثقافي متبادل بين المجتمعات المختلفة، رغم تباين أنماطها الحضارية (Huntington, 1996؛ Sorokin, 1962). ويؤكد هذا التداخل أن الحضارة لا تُختزل في بعدها المادي، بل تتجاوز ذلك إلى الأنساق القيمية والرمزية التي تمنحها معناها.

ومن جهة أخرى، يبين تتبع تطور الفكر الإنساني أن هذا التطور اتخذ مسارًا يقوم على السعي المستمر لربط الظواهر الطبيعية والاجتماعية ببواعث قابلة للفهم والتفسير، اعتمادًا على التجربة والمعرفة المتراكمة، بما يتيح للإنسان قدرًا من السيطرة على محيطه أو التكيف مع مخاطره (Comte, 1853؛ Lévi-Strauss, 1966). وقد تنوعت السبل المعتمدة لتحقيق هذا الهدف بين مقاربات عملية واقعية وأخرى نظرية تأملية، غير أنها تشترك جميعًا في كونها تعبيرًا عن نزوع إنساني أصيل نحو الفهم والتنظيم.

1. الإطار المفاهيمي : من العمران والثقافة إلى الفعل الاجتماعي والهوية الرمزية

لا يستقيم تحليل العلاقة بين اللغة والثقافة والمجتمع من دون توضيح المفاهيم التي تنتظم حولها هذه العلاقة. وليس المقصود استعراض تعريفات متعاقبة للحضارة والثقافة، وإنما بيان ما تضيفه المقاربات السوسيولوجية والأنثروبولوجية إلى فهم إنتاج المعنى وانتقاله وتحوّله. فمن العمران بوصفه انتظامًا للحياة الجماعية، إلى الثقافة باعتبارها خبرة مكتسبة ونسقًا للتأويل، ثم إلى تجسد القيم في السلوك وبناء الهوية بواسطة الرموز، تتكشف عناصر الإطار الذي ستُقرأ في ضوئه علاقة اللغة بالانتماء والاغتراب.

1.1. الحضارة : العمران والانتظام الاجتماعي وأفق القيم

يرتبط مفهوم الحضارة في الاستعمال العربي بمعاني الإقامة والاستقرار في الحضر، مقابل البداوة بوصفها نمطًا من أنماط العيش المتنقل (ابن منظور، د.ت؛ الفيروزآبادي، د.ت). لكن القيمة التفسيرية للمفهوم لا تقف عند هذا التقابل المكاني؛ إذ يرافق تغير أشكال الاستقرار تحوّل في تقسيم العمل، وتنظيم العلاقات، وتراكم المعارف والصنائع. وعلى هذا الأساس، لا تُقرأ الحضارة بوصفها مجرد مجموع من الشواهد العمرانية، بل سيرورة اجتماعية وتاريخية تتقاطع فيها الممارسات المادية والتصورات والقيم.

يتيح تصور ابن خلدون للعمران فهم الانتقال بين البداوة والحضارة من زاوية شروط الاجتماع البشري وأنماط المعاش واتساع التعاون بين الأفراد (Ibn Khaldun, 1967). فحين تتجاوز الجماعات مقتضيات الضرورة تتنوع الحاجات وتتطور الصنائع وتتعقد أشكال التنظيم. ومع ذلك، لا يعني هذا المسار تقدمًا مستقيمًا لا رجعة فيه؛ لأن النظر الخلدوني يتناول أيضًا هشاشة العمران وما يرتبط بالترف وتحوّل العصبية. وتنبع أهميته هنا من تفسير التغير الحضاري بعلاقات اجتماعية متحركة بدل اختزاله في مفاضلة جامدة بين أنماط العيش.

وتساعد المقاربات السوسيولوجية على توسيع هذا المنظور؛ فالمؤسسات والقواعد والإنجازات لا تستمر بفعل وجودها المادي وحده، وإنما عبر ممارسات اجتماعية وآليات لنقل الخبرة بين الأجيال (Durkheim, 1982؛ Giddens, 1984). وحتى حين يُشار إلى القدرات العضوية والمعرفية في تاريخ الحضارة، لا يمكن اشتقاق أشكالها الثقافية من المعطى البيولوجي وحده؛ إذ يتدخل التعلم والتنظيم الاجتماعي والقدرة على الترميز في تحويل الإمكان الإنساني إلى إرث متداول (White, 1959).

أما البعد القيمي فيمنع مساواة الحضارة بالتفوق التقني. فقد طرح كل من توينبي وشفيتسر، من موقعين فكريين مختلفين، أسئلة عن المعنى الأخلاقي للمنجز الحضاري والغايات التي تُسخّر لها الوسائل المادية (Toynbee, 1947؛ Schweitzer, 1952). وليس من الدقة، مع ذلك، تعريف « التوحش » بغياب القيم أو جعل التحضر معيارًا لتراتبية الشعوب؛ لأن كل جماعة تنتج منظومات معيارية ضمن شروطها التاريخية. والأجدى تحليل كيفية تنظيم القيم للعلاقات الاجتماعية، وإمكان تحول بعضها إلى مرجعيات إنسانية مشتركة تحترم التنوع الثقافي (UNESCO, 2002).

من هنا تظهر الحضارة بوصفها التقاءً بين الإنجاز المادي، والتنظيم الاجتماعي، والتصور الرمزي لما ينبغي أن تكون عليه الحياة المشتركة. وبهذا المعنى تُطرح الثقافة لا كمرادف بسيط للحضارة ولا كعنصر زائد عليها، بل بوصفها المستوى الذي تُنتَج فيه دلالات الممارسة الاجتماعية وتُتعلّم وتُعاد صياغتها.

2.1. الثقافة : اكتساب المعنى وتداوله وتحوله

تكشف كثرة تعريفات الثقافة عن اختلاف الأسئلة المطروحة بشأنها أكثر مما تكشف عن عجز في ضبطها. فمن التعريف الأنثروبولوجي الواسع الذي قدّمه تايلور، مرورًا بمحاولات تصنيف المفهوم عند كروبر وكلوكهون، وصولًا إلى المقاربات التأويلية عند غيرتز، تتغير زاوية النظر من تعداد مكونات العيش الإنساني إلى استكشاف الأنساق التي تجعل السلوك ذا معنى لدى أصحابه (Tylor, 1871؛ Kroeber & Kluckhohn, 1952؛ Geertz, 1973). وقد جعلت العولمة وتحوّلات الاتصال واتساع تداول الصور والخطابات من الصعب تصور الثقافة بوصفها وحدة مغلقة؛ فهي تتشكل كذلك عبر التنقل والتبادل وإعادة التمثيل (Hall, 1997؛ Appadurai, 1996).

ينطوي تعريف تايلور للثقافة باعتبارها كلًّا مركبًا يضم المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعادات والقدرات المكتسبة اجتماعيًا على فائدة تأسيسية : فهو يُخرج الثقافة من دائرة الإنجاز النخبوي الضيق إلى مجمل أشكال الحياة المكتسبة (Tylor, 1871). ويضيء تعريف لينتون بدوره دور الأنماط المكتسبة والمشتركة في انتظام الجماعات (Linton, 1936). غير أن الاقتصار على تعداد العناصر قد يحجب السؤال عن الكيفية التي تصبح بها الممارسات معايير ملزمة أو موضوعات للتفاوض والخلاف داخل المجتمع نفسه.

لهذا تكتسب مقاربة غي روشي أهمية خاصة حين تصل الثقافة بطرائق التفكير والإحساس والفعل التي يُكتسب بعضها ويُتداول داخل الجماعة (Rocher, 1972). وفي مستوى مختلف، يلفت كروزييه النظر إلى دور المعارف والتصورات والعلاقات في تنظيم الفعل داخل الأنساق الاجتماعية (Crozier, 1964). ولا يجوز جعل المنظورين متطابقين؛ فالأول يبرز اشتراكًا ثقافيًا يميز الجماعة، والثاني يسمح بالنظر في الممارسات بوصفها موارد واستراتيجيات ضمن علاقات تنظيمية. وتساعد أعمال وليامز وبورديو على إبراز أن الثقافة ليست موزعة بالتساوي بين الفئات، وأن أنماط التذوق والتصنيف والممارسة ترتبط بمواقع اجتماعية وتاريخية متباينة (Williams, 1981؛ Bourdieu, 1984).

وتتضح دينامية الثقافة إذا انتقل التحليل من سؤال « ممّ تتكون؟ » إلى سؤال « كيف تستمر وكيف تتغير؟ ». فالفرد يجد حوله عادات ورموزًا وقواعد لم يختر ابتداءً وجودها، وهذا ما يفسر استقلالها النسبي عنه؛ لكنه لا يتلقاها على نحو آلي، بل يتعلمها ويؤولها وقد يعيد صياغتها خلال التنشئة والتفاعل. ومن هذا المنظور يمكن الجمع، من غير خلط، بين أثر الوقائع الاجتماعية في الفرد عند دوركايم وبين ما تؤكده الدراسات الأنثروبولوجية من اكتساب الممارسات وتداولها (Durkheim, 1982؛ Linton, 1936؛ Park & Burgess, 1921).

وهذا الاكتساب لا يلغي تعقيد الظاهرة الثقافية؛ فهي تشمل الأدوات والمنتجات والوسائط الملموسة مثلما تشمل القيم والمعتقدات والمعايير واللغة وأنماط السلوك. والتمييز التحليلي بين العناصر المادية وغير المادية مفيد في وصفها، لكنه لا يعني انفصالها في التجربة الاجتماعية : فالشيء المادي نفسه يكتسب دلالته بحسب استعماله والرموز المتصلة به (Herskovits, 1955). كما أن استمرار أنماط الثقافة عبر الأجيال، وهو ما عبّرت عنه الأنثروبولوجيا بمفهوم « فوق العضوي »، يشير إلى تاريخية الإرث المتعلَّم لا إلى وجود ثقافة منفصلة عن فاعليها أو عن شروط إنتاجها (White, 1959).

ولا تتساوى وتائر التحول بين الممارسات والأدوات والقيم؛ فقد تتغير الوسائط التقنية قبل أن تتعدل المعايير التي تنظم استعمالها، وهو وجه من وجوه التفاوت الذي تناوله أوغبورن (Ogburn, 1964). ويتيح الاتصال بثقافات أخرى، سواء عبر الهجرة أو التبادل أو المؤسسات أو الإعلام، فرصًا للاقتباس وإعادة التأويل لا يمكن اختزالها في انتقال عناصر جاهزة من جماعة إلى أخرى (Redfield, Linton, & Herskovits, 1936). وتكشف تجربة الصدمة الثقافية لدى الانتقال بين البيئات عن مدى رسوخ التوقعات المتعلَّمة، لكنها تكشف كذلك إمكان إعادة بناء عادات الفهم والتعامل (Oberg, 1960).

لذلك لا يصح وصف الثقافة بأنها « شخصية المجتمع » إلا على سبيل الاستعارة المحدودة؛ فداخل المجتمع الواحد تتعدد الخبرات والمواقع والمؤسسات، وقد تختلف الثقافة التنظيمية لدى العاملين والإدارة في المؤسسة نفسها (Schein, 2010). والنتيجة أن الثقافة ليست مخزونًا متجانسًا من العادات، بل عملية مستمرة من تعلم المعنى وتثبيته ومراجعته. ويتضح أثر هذه العملية بصورة أخص عندما تتحول القيم والتصورات إلى أفعال ومواقف داخل العلاقات الاجتماعية.

3.1. من المرجعيات الثقافية إلى الممارسات الاجتماعية

تُدرَك الثقافة في الحياة اليومية من خلال الممارسات التي تمنح الأفراد طرائق مألوفة في الحكم والتصرف والتفاعل. غير أن العلاقة بين القيمة والسلوك ليست علاقة سبب واحد بنتيجة واحدة؛ فالفعل الاجتماعي يتشكل في تقاطع المعايير والتجارب الفردية وفرص الاختيار وشروط المؤسسة. ولذلك فإن نجاح التنظيمات أو تعثرها لا يُفسَّر ثقافيًا وحده، حتى حين يكون للثقة والانضباط والتعاون أثر واضح في الحياة المهنية (Hofstede, 2001؛ Schein, 2010).

وتقدم العلاقة بين القيم الدينية والعمل مثالًا على ضرورة التحليل السياقي. فقد بحث ماكس فيبر الصلات التاريخية بين بعض التأويلات الأخلاقية البروتستانتية وتكوّن « روح » الرأسمالية، لا بوصفها قانونًا عامًا يرد الاقتصاد إلى العقيدة الدينية وحدها، بل في إطار تفسير لتلاقي أنماط الاعتقاد والفعل الاقتصادي (Weber, 2001). وتكمن أهمية هذا المثال في إبراز ما يمكن أن تصنعه المعاني التي يضفيها الفاعلون على العمل والانضباط، مع مراعاة اختلاف شروط المؤسسات والاقتصاد والسياسة.

وفي سياقات اجتماعية إسلامية، قد تشكل المرجعيات الدينية موردًا لتفسير الواجب المهني وقيم الإتقان والأمانة والمسؤولية (Al-Attas, 1995؛ Ali, 2005). لكن القول بوجود هذا المورد لا يبرر افتراض تجانس المجتمعات الإسلامية أو اعتبار سلوك العاملين نتيجة مباشرة للعقيدة. فترجمة المبدأ الأخلاقي إلى ممارسة تخضع أيضًا لقواعد التنظيم وتوزيع السلطة والحوافز والعلاقات اليومية. وهذا التفريق يحافظ على قيمة المرجعية الثقافية من دون أن يحولها إلى تفسير شامل لكل الوقائع الاجتماعية.

إن ما يستدعي الاهتمام في العلاقة بين الثقافة والسلوك هو أن الجماعة تُنتج توقعات مشتركة، لكن أفرادها لا يكررونها دائمًا بالصورة نفسها؛ فهم يفاوضونها ويختلفون بشأنها، وقد ينشئون أنماطًا جديدة للفعل. وفي هذا المسار تعمل الرموز، وفي مقدمتها اللغة، على تسمية القيم وتصنيف السلوكيات ومنح المواقع الاجتماعية شرعيتها أو وضعها موضع مساءلة. ومن ثم ينتقل التحليل من أثر الثقافة في الفعل إلى الأدوات الرمزية التي يُبنى بها إدراك الذات والآخر.

4.1. الرمز والهوية : التفاعل والانتشار وإعادة التأويل

لا يمكن رد التجربة الإنسانية إلى حاجاتها العضوية وحدها، لأن الحياة الاجتماعية تقوم كذلك على إنتاج العلامات والمعاني وتداولها. فاللغة والفكر والدين والمعرفة والقانون والفن صور متباينة من النشاط الرمزي الذي يجعل الأشياء والأفعال قابلة للفهم المشترك (Cassirer, 1944؛ Tylor, 1871؛ White, 1959). ولا يقتضي وصف الإنسان بأنه كائن رمزي إنكار أشكال التواصل لدى الكائنات الأخرى، وإنما إبراز التعقيد التاريخي والمؤسسي للأنساق التي يبني بها البشر عوالمهم الاجتماعية.

ومن هذا المنظور لا تُختزل الثقافة في قواعد السلوك، إذ تمثل أيضًا نسيجًا من الدلالات التي يتعلم الأفراد قراءتها وتأويلها (Geertz, 1973؛ Lévi-Strauss, 1966). ويُسهم كل من كاسيرر وهول في إيضاح أن التمثيل لا يعكس الواقع انعكاسًا محايدًا، بل يشارك في تنظيم الخبرة وصوغ الحدود التي يُعرَّف من خلالها الانتماء والاختلاف (Cassirer, 1944؛ Hall, 1997). وتبرز هنا فائدة النظر إلى الثقافة مع بورديو وجيدنز في اتصالها بالفعل والموقع الاجتماعي، بدل تحويل الرمز إلى بنية قائمة بذاتها خارج الممارسة (Bourdieu, 1980؛ Giddens, 1984).

وتتشكل الهوية عبر هذه العمليات الرمزية في علاقة مستمرة بالآخر. فالآخر قد يكون شريكًا في التعرف إلى الذات، أو مرجعًا للمقارنة، أو موضعًا للتنازع؛ ومن ثم لا يصح تعريف الهوية باعتبارها جوهرًا ثابتًا مكتملًا قبل التفاعل (Mead, 1934؛ Ricoeur, 1992؛ Todorov, 1982). وما يبدو من وحدة ثقافية داخل الجماعة يخفي اختلافات تتصل بالجيل والموقع الاجتماعي والخبرة التاريخية، الأمر الذي يجعل الحديث عن هوية واحدة متجانسة تبسيطًا لما تنتجه العلاقات الاجتماعية من أشكال انتماء متداخلة (Hall, 1996؛ Jenkins, 2008).

وتفيد دراسات لينتون وويسلر في وصف القواسم المكتسبة التي تجعل أفراد الجماعة يتعرف بعضهم إلى بعض من خلال اللغة وأنماط القرابة والمعرفة والممارسات المادية (Linton, 1936؛ Wissler, 1929). لكن اشتراك الأفراد في بعض السمات لا يعني تطابق تجاربهم؛ فالسلوك البشري ينشأ من تداخل التاريخ الشخصي والتنشئة والموارد الاجتماعية، لا من توارث بيولوجي للثقافة. ومن هنا تستمد الجماعة حيويتها من قدرتها على حفظ عناصر من تراثها وتعديل عناصر أخرى وإنتاج تعبيرات جديدة (Williams, 1981؛ Bourdieu, 1990).

وتدل المقاربات الانتشارية، رغم النقد الموجه إلى بعض تعميماتها، على أن كثيرًا من العناصر التقنية والفنية والفكرية ينتقل بين الجماعات عبر الاحتكاك والاقتباس (Boas, 1940؛ Kroeber, 1948). غير أن الاقتباس لا يعني استنساخًا مطابقًا؛ فالعناصر الوافدة تُعاد تسميتها واستعمالها وتأويلها وفق الشروط المحلية، وهو ما يفسر جانبًا من عمليات التثاقف (Redfield et al., 1936). كما لا ينبغي إرجاع كل تشابه بين ثقافتين إلى مركز انتشار واحد، إذ يمكن أن تظهر حلول أو أنماط متقاربة في سياقات مختلفة (Lévi-Strauss, 1966).

وتسمح هذه النظرة بفهم الثقافة باعتبارها بناءً يتجدد بالتعلم والذاكرة والاتصال، لا ميراثًا ساكنًا. وقد سلطت المقاربات النفسية والاجتماعية الضوء على أثر المحاكاة والعادة والتحول التاريخي في استمرار الأنماط الثقافية وتجددها (Mead, 1934؛ Ogburn, 1964). وتتوقف قدرة الجماعات على الاستجابة للتغير على مواردها وعلاقاتها وظروفها، لا على معيار مجرد يقضي مسبقًا بأن ثقافة ما « حيوية » وأخرى « منحطة ». وفي النهاية يتبين أن بناء الهوية يرتبط بالتبادل الرمزي على المستويين القريب والواسع، من التفاعل اليومي إلى التصورات الجماعية الكبرى (Hall, 1996؛ Jenkins, 2008).

وهكذا تتضافر الحضارة بوصفها انتظامًا تاريخيًا للممارسات والمؤسسات، والثقافة بوصفها إنتاجًا اجتماعيًا للمعنى، والسلوك بوصفه مجالًا لتجسد القيم والتفاوض عليها، والرمز بوصفه وسيطًا لبناء الهوية. غير أن هذا الترابط يظل ناقص التفسير ما لم تُفرد للغة مكانتها الخاصة : فهي لا تنقل الرموز فحسب، بل تدخل في تحديد ما يمكن قوله والاعتراف به وتداوله داخل المجتمع. ومن هنا ينتقل البحث إلى العلاقة بين اللغة والثقافة، ثم إلى ما تكشفه تجربة الاغتراب اللغوي عن اختلالها في السياق الكولونيالي.

2. اللغة والثقافة والاغتراب : من الوساطة الرمزية إلى التجربة الكولونيالية

إذا كانت الثقافة والحضارة تتحددان بما تنتجه الجماعات من مؤسسات وممارسات ومعانٍ مشتركة، فإن اللغة تمثل أحد المجالات التي تتجسد فيها هذه العلاقات وتظهر توتراتها. ولا تُفهم الوساطة اللغوية هنا باعتبارها مجرد أداة لنقل مضمون اجتماعي سابق عليها؛ فهي تشارك في تشكيل التصورات، وتوزيع إمكانات التعبير، وترتيب صور الانتماء والاعتراف. وينتقل التحليل في هذه القسم من بيان العلاقة المتبادلة بين اللغة والثقافة والمجتمع إلى النظر في اختلالاتها التاريخية، من خلال تجربة مالك حداد في سياق الاستعمار الجزائري.

يرى رادكليف براون أن مفهوم الوظيفة، في تطبيقه على المجتمعات البشرية، يقوم على تشبيه الحياة الاجتماعية بالحياة العضوية، حيث تؤدي المؤسسات الاجتماعية وظائف محددة تضمن استمرار البنية الاجتماعية وتوازنها (Radcliffe-Brown, 1952). وقد استلهم في ذلك الطرح الوظيفي لدوركايم، الذي أكد أن الظواهر الاجتماعية تُفهم من خلال وظائفها داخل النسق الكلي للمجتمع (Durkheim, 1982).

ولا يمكن للمجتمع المؤسسي أن ينفصل عن المجتمع المعاش من قبل الأفراد والجماعات، إذ تتجسد المؤسسات عبر الممارسات اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والصراعات، والتمثلات، والطموحات الفردية والجماعية (Giddens, 1984). ومن ثم، فإن المجتمع يُعاد بناؤه باستمرار من خلال فعل التأسيس الاجتماعي والثقافي، الذي يشكل جوهر الدينامية الحضارية.

وفي هذا الإطار، يؤكد كل من بياجيه وليفي-شتراوس على ضرورة الربط بين الطبيعة والثقافة، إذ يرى بياجيه أن الثقافة تُسقط صيغ التقليد على الواقع الإنساني، بينما يميز ليفي-شتراوس بين ما ينتمي إلى الطبيعة بوصفه كونيًا وعفويًا، وما ينتمي إلى الثقافة بوصفه خاصًا ونسبيًا (Piaget, 1970؛ Lévi-Strauss, 1966). وبدون هذا الارتباط، تصبح الثقافة مجرد بناء نظري غير معاش، وتفقد قدرتها على التأثير في التفكير والسلوك الإنساني.

1.2. اللغة والثقافة والمجتمع : التفاعل والانتقال والسياسات اللغوية

تُعدّ اللغة الوسيلة التعبيرية الأولى التي يعبّر من خلالها الإنسان عن أفكاره وتمثّلاته للعالم، وهي بذلك تمثل الأداة الرمزية الأساسية التي تتجسد عبرها الثقافة، حتى جاز اعتبارها « الناطق الرسمي باسم الثقافة » (Sapir, 1921؛ Whorf, 1956). فاللغة لا تكتفي بنقل الأفكار، بل تؤطرها وتعيد إنتاجها داخل نسق ثقافي معيّن، بما يسمح بتحديد وجوه التمايز الثقافي بين الأمم والشعوب، وفي الوقت ذاته يفتح المجال أمام التعرّف على الثقافات الأخرى وفهمها (Kramsch, 1998؛ Hall, 1997).

ومن زاوية تعليم اللغات، يتبيّن أن الثقافة عنصر لا غنى عنه في تعليم اللغات الأجنبية، إذ لا يمكن فصل تعلم اللغة عن سياقاتها الثقافية والاجتماعية التي تشكل شروط استعمالها ودلالاتها (Byram, 1997؛ Brown, 2007). ويعكس هذا التكامل العضوي بين اللغة والثقافة علاقة تلازم تجعل الفصل بينهما أمرًا إجرائيًا لا أكثر، وليس فصلًا جوهريًا.

كما تسهم ثقافة المجتمع في تطور اللغة وإثرائها من خلال إدخال مفردات وتراكيب جديدة تعكس التحولات الاجتماعية والمعرفية والحضارية، فاللغة كائن حي يتغذى من الثقافة التي ينتمي إليها، ويتأثر بأنماط العيش والتفكير السائدة داخل المجتمع (Martinet, 1960؛ Fishman, 1972). وتُعدّ اللغة العربية مثالًا بارزًا على هذا التفاعل، إذ تعكس ثراءً معجميًا نابعًا من عمقها الحضاري والديني والعلمي، وتاريخها الطويل في التفاعل مع ثقافات متعددة.

ويتجاوز هذا الترابط مستوى الاستعمال اليومي إلى شروط الاستمرار الثقافي والخيارات التي تضعها المؤسسات في مجال التعليم والتواصل. ومن هنا يكتسب صون اللغة والثقافة بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا، لا يقتصر على الدفاع الرمزي عن الانتماء.

تشكل اللغة والثقافة عنصرين جوهريين في بناء شخصية الفرد والجماعة، وفي توجيه أنماط التفكير والتمثّل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليهما مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والدولة، والنخب الثقافية والعلمية (UNESCO, 2003؛ Edwards, 2009).

وتُعدّ الأسرة الفضاء الأول لاكتساب اللغة والثقافة، إذ تلعب دورًا حاسمًا في التنشئة اللغوية والثقافية، ما يجعل ترسيخ اللغة الأم شرطًا أساسًا لبناء هوية متوازنة وقادرة لاحقًا على الانفتاح على لغات وثقافات أخرى دون فقدان الجذور (Fishman, 1991؛ Cummins, 2000). ولا يتعارض هذا مع تعلم اللغات الأجنبية، بل إن إتقان اللغة الأم يعدّ قاعدة معرفية ورمزية ضرورية لاكتساب لغات أخرى بكفاءة.

أما الدولة، فبفضل سلطتها الرمزية والمؤسسية، تمتلك القدرة على توجيه السياسات اللغوية والثقافية من خلال المؤسسات التعليمية، والإعلامية، والتشريعية، بما يضمن استمرارية اللغة والثقافة في ظل التحولات العالمية المتسارعة (Bourdieu, 1991؛ Spolsky, 2004). ومن ثم، فإن الحفاظ على اللغة والثقافة لا يُختزل في جهود فردية معزولة، بل هو مشروع مجتمعي شامل يتطلب تنسيقًا بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين.

وتؤكد القراءة التي يعرضها معراج أحمد معراج، ضمن هذا الأفق، أن انتقال التجارب والمعارف والقيم بين الأجيال لا ينفصل عن استمرار الممارسة اللغوية؛ الأمر الذي يقتضي النظر إلى اللغة بوصفها جزءًا من الثقافة وشرطًا من شروط تداولها.

يرى معراج أحمد معراج أن التواصل بين أجيال المجتمع عبر العصور لا يتحقق إلا بواسطة اللغة، بوصفها الأداة المركزية التي تعتمدها التربية وعلومها في نقل المعارف والقيم والتمثّلات الثقافية. فاللغة تربط الثقافة بأبناء بيئتها، وتمثل الوسيلة الأولى لنقلها خارج حدودها الجغرافية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين اللغة والثقافة محورًا أساسًا في سياق العولمة الثقافية المعاصرة (معراج، دون تاريخ؛ Giddens, 1990).

ولا يمكن لنشأة الثقافة أو نموها أن يتحققا دون اللغة، إذ تتيح هذه الأخيرة إمكان التعاون والتواصل بين الأفراد، كما تشكل جزءًا لا يتجزأ من الثقافة ذاتها، وليست مجرد أداة محايدة لنقلها (Sapir, 1921؛ Duranti, 1997). فالإنسان لا يستطيع شرح ملامح تميّزه الثقافي ولا الانفتاح على ثقافات أخرى دون وساطة لغوية تتيح الفهم والتأويل.

وتُعرّف الثقافة، في هذا الإطار، بأنها مجموع النتاجات المادية والرمزية التي أبدعتها المجتمعات عبر تاريخها لضمان استمرارية الحياة الاجتماعية، وتُعدّ اللغة جزءًا أصيلًا من هذا النتاج، إذ تتأسس المجتمعات من خلالها وتعيد إنتاج ذاتها عبرها (Williams, 1981؛ Hall, 1996). فاللغة لا تكتفي بتوريث الثقافة لأبنائها، بل تسهم أيضًا في نقلها من شعب إلى آخر، مما يجعل تعليم أي لغة عملية لا تنفصل عن الإطار الثقافي الذي نشأت فيه.

وتؤكد هذه الرؤية أن العلاقة بين اللغة والثقافة علاقة جدلية وتكاملية : فلا ثقافة بلا لغة، ولا لغة بلا ثقافة. فاللغة تحفظ التراث الثقافي عبر الأجيال، وتمنح المعارف والأفكار قيمتها الاجتماعية من خلال الاستعمال الجماعي (Assmann, 2011). كما تشكل اللغة والثقافة معًا نظامًا رمزيًا يُستخدم في بناء الهوية الاجتماعية والحفاظ على التماسك داخل الجماعة.

ومن ثم، فإن اللغة والثقافة نتاج تراكمي لآلاف السنين من التجربة الإنسانية، ولا يمكن بناؤهما أو تجديدهما في زمن قصير. ويُعدّ الاهتمام باللغة مدخلًا أساسيًا لأي مشروع ثقافي، لأنها الركيزة الأولى التي يقوم عليها الفعل الثقافي، ولأن البشر يستخدمون اللغة بوصفها الوسيلة الأبرز للتعبير عن هويتهم الثقافية الفردية والجماعية (معراج، 2010؛ Edwards, 2009).

2.2. الاغتراب اللغوي في التجربة الكولونيالية : مالك حداد نموذجًا (1927–1978)

لم يقتصر المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر على الاحتلال العسكري ونهب الموارد الاقتصادية، بل امتدّ ليشمل تفكيك البنية الرمزية للمجتمع الجزائري، من خلال استهداف اللغة والثقافة والعادات والتقاليد، باعتبارها ركائز أساسية في بناء الهوية الجماعية (Bourdieu, 1991؛ Fanon, 1964). وقد تجلّى هذا الاستهداف بوضوح في السياسات التعليمية الكولونيالية التي منحت اللغة الفرنسية موقعًا مهيمنًا، في مقابل تهميش اللغة العربية واللهجات المحلية، وهو ما شكّل ممارسة صريحة لما يُعرف بالعنف الرمزي (Bourdieu, 1977).

لقد أدركت الإدارة الاستعمارية أن ترسيخ وجودها الاستيطاني لا يمكن أن يتحقق دون السيطرة على اللغة، باعتبارها أداة مركزية في إعادة إنتاج النظام التمثّلي للمجتمع، وفي تشكيل وعي الأفراد بذواتهم وبالعالم من حولهم (Althusser, 1971؛ Ashcroft et al., 2002). فإزاحة النظام اللغوي المحلي أو إضعافه لا يؤدي فقط إلى خلل في التواصل، بل يفضي إلى تمزقات نفسية وانفصامات ذهنية وأزمات هووية عميقة، ناتجة عن فقدان الارتباط بين الإنسان وجذوره الرمزية (Fanon, 1952).

ويذهب بيل آشكروفت (Bill Ashcroft) إلى أن جوهر المسألة الاستعمارية يكمن في تثبيت الوجود الكولونيالي عبر اللغة، وضمان استمراريته من خلال تغلغله في لاشعور المستعمَرين، بحيث تصبح لغة المستعمِر جزءًا من وجودهم الجديد، وتعمل على تكريس تراتبية القوى (Ashcroft et al., 2002). وفي هذا السياق، تؤدي اللغة دورًا إيديولوجيًا خطيرًا، إذ تُنتج صورة دونية عن “الآخر” المحلي، وتُصوّر منظومته القيمية – لغةً ودينًا وثقافةً – باعتبارها بدائية ومتخلفة.

وقد تمحور المشروع الاستعماري، في أحد أبعاده العميقة، حول دفع الجزائري إلى النفور من لغته الأم، والارتماء في أحضان لغة المستعمِر بوصفها شرطًا للاعتراف والاندماج، أو لما يمكن تسميته بـ« الميلاد الرمزي الجديد » (Memmi, 1965). غير أن ما لم يحسب له المستعمِر حسابًا هو أن هذه العلاقة غير المتكافئة، القائمة على ثنائيات السيد/العبد والقوي/الضعيف، ستؤدي إلى انبثاق وعي نقدي من داخل المنظومة الاستعمارية ذاتها، يُعيد مساءلة لغة المستعمِر ويشكّك في حيادها وبراءتها (Said, 1993).

ويمثل مالك حدّاد أحد أبرز تجليات هذا الوعي النقدي، إذ تحوّلت اللغة الفرنسية في تجربته إلى « منفى رمزي » ذي طابع درامي، بلغ حدّ الألم الوجودي، ما دفعه – بعد الاستقلال – إلى اتخاذ قرار التوقف عن الكتابة بها، في موقف رمزي بالغ الدلالة (Haddad, 1961؛ Djebar, 1995). ولم يكن هذا القرار تعبيرًا عن رفض مطلق للغة الفرنسية، بقدر ما كان موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا يؤكد أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل دون فك الارتباط اللغوي والثقافي مع المستعمِر، واستعادة العلاقة بالهوية الوطنية، وفي مقدمتها اللغة العربية.

وفي مقالاته، ولا سيما نصه الشهير « الاصفرار يدور في فراغ »، لم يسعَ حدّاد إلى محاكمة اللغة الفرنسية في ذاتها، بل كشف عن مأزق الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، الذي ظلّ معزولًا عن قاعدته الاجتماعية بسبب غياب القارئ، في مجتمع أنهكته الأمية وسياسات التجهيل الاستعمارية (Haddad, 1967؛ Fanon, 1964). ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة « الفرنسية منفاي » لتعبّر عن انسداد أفق التواصل، أكثر مما تعبّر عن إدانة لغوية مباشرة.

ويضعنا حدّاد، في تحليله لمأساة الكاتب الجزائري، أمام مستويين تفسيريين متكاملين :

  • غياب القارئ المحلي.

  • الحنين الوجودي إلى اللغة الأم.

وتكمن المفارقة في موقفه في قدرته على التمييز بين اللغة الفرنسية بوصفها منفى رمزيًا، وبين الاعتراف بدورها التنويري، باعتبارها نافذة على فكر الأنوار والحضارة الإنسانية (Haddad, 1970). وهو ما عبّر عنه باستشهاده بمقولة مصطفى كاتب : « قاومنا بيجو، لكننا لم نقاوم موليير »، في إشارة إلى الفصل بين القوة الاستعمارية والإرث الإنساني الكوني للأدب (Kateb, 1972).

وقد قاد هذا الوعي حدّاد إلى تبنّي فكرة الازدواجية اللغوية باعتبارها حلًا تاريخيًا لا مفرّ منه، يقوم على التعايش بين العربية والفرنسية، دون إخضاع إحداهما لمحاكمة إيديولوجية، بل توظيفهما معًا في حوار ثقافي يثري الوعي واللسان (Calvet, 1999). فاللغة، في نظره، وسيلة لا غاية، وأداة لخدمة القضايا الوطنية والإنسانية.

وفي ختام تأملاته، يطرح حدّاد سؤالًا إشكاليًا حول هوية « الكاتب الجزائري »، مميّزًا بين الكتابة في الجزائر، والكتابة بوصفها انتماءً تاريخيًا وثقافيًا وجذريًا. وهو بذلك يرفض اختزال الهوية في الجغرافيا، ويؤكد أن الانتماء الحقيقي يتأسس على الذاكرة الجماعية، والتراث، والمنظومات الرمزية التي صاغت وعي الجماعة عبر التاريخ (مشتة ياسين، 2021؛ Anderson, 1983).

3. مناقشة : تداخل الرموز والسلطة والانتماء

تكشف المقارنة بين المحاور النظرية والحالة التطبيقية أن اللغة تؤدي وظيفة مزدوجة : فهي من جهة مؤسسة للانتماء وللاستمرارية الثقافية، ومن جهة أخرى قابلة للتوظيف في إعادة توزيع السلطة الرمزية وفرض مراتب اجتماعية وثقافية. وتؤكد تجربة مالك حداد أن الاغتراب لا ينشأ من الثنائية اللغوية في ذاتها، بل من لا تكافؤ الشرعية بين اللغات ومن انقطاع الكاتب عن جمهوره الأول. لذلك لا يكفي الدفاع المجرد عن اللغة الأم، بل ينبغي بناء شروط مؤسسية للقراءة والتعليم والترجمة والتداول الثقافي المتكافئ.

تُعدّ الثقافة الإطار التأويلي الذي تُفهم من خلاله الحضارات، إذ تمثل منظومة رمزية تُترجم القيم والعادات والإرث الإنساني وأنماط التفكير والسلوك، وتُجسّد نفسها عبر مظاهر حضارية كالدين، واللغة، والآداب، والفنون (Williams, 1981؛ Geertz, 1973). وبذلك، فإن الثقافة لا تضمن فقط استمرارية الحضارات وبقاءها، بل قد توجهها أيضًا نحو التحول أو الاندثار، تبعًا لقدرتها على التكيف وإعادة إنتاج ذاتها.

ويظلّ الفرد، بوصفه كائنًا اجتماعيًا رمزيًا، الفاعل الأساسي في خلق هذه الديناميكية، بحكم اندماجه العضوي في الجماعة الإنسانية، واكتسابه المهارات والخبرات التي تمكّنه من التأثير في مسار الثقافة والحضارة معًا (Durkheim, 1912؛ Bourdieu, 1990). وعليه، فإن زوال الثقافة أو الحضارة لا يتحقق إلا بزوال هذا الكائن الاجتماعي ذاته، الذي يشكل شرط وجودهما واستمرارهما.

وتبقى هذه النتائج تأويلية بحكم طبيعة الدراسة النظرية واعتمادها على قراءة انتقائية لمتون ومواقف فكرية؛ لذلك لا تسمح بتعميمات تجريبية بشأن جميع المجتمعات أو الكتّاب. ويمكن لأبحاث لاحقة اختبار بعض هذه الأطروحات عبر تحليل نصي مقارن لأعمال حداد، أو دراسة تلقيها في أوساط قرائية مختلفة، أو تتبع السياسات اللغوية وآثارها في تمثلات الهوية. وتظل القيمة الأساسية لهذه الدراسة في وصل المفاهيم الاجتماعية بالخبرة اللغوية المعيشة دون اختزال أحدهما في الآخر.

تبيّن القراءة أن التمييز بين الثقافة والحضارة لا يستلزم الفصل بينهما : فالممارسات والمؤسسات والأشكال المادية تكتسب دلالتها ضمن منظومات من القيم والرموز، وتنهض اللغة بدور محوري في تداول تلك الدلالات وإعادة تأويلها. ومن ثم لا تُختزل الهوية في رصيد ثابت من الخصائص، بل تتشكل عبر الاستمرار والتحول والتفاعل مع الآخر. وتكشف تجربة مالك حداد أن اللغة قد تكون في آنٍ واحد أداة للتعبير وموضعًا للتوتر التاريخي، وأن الاغتراب اللغوي لا يُفهم بمعزل عن شروط الاستعمار والقراءة والاعتراف.

خاتمة الدراسة وآفاق البحث

ولا تدّعي هذه القراءة تقديم تعميم تجريبي عن جميع التجارب الكولونيالية أو عن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية؛ فهي تقوم على تركيب نظري وقراءة تأويلية لحالة دالة. ومن ثم، تتجه آفاق البحث إلى توسيع المتن المدروس، ومقارنة المواقف اللغوية لدى كتاب جزائريين من أجيال مختلفة، وتحليل أثر وسائط النشر والقراءة والترجمة في تشكيل المسافة بين الكاتب والجمهور. وتبقى القيمة الأساسية لهذا المسار في إعادة طرح سؤال العلاقة بين التعدد اللغوي والعدالة الرمزية، بعيدًا عن اختزال الهوية في لغة واحدة أو فصل اللغة عن تاريخ استعمالها.

وتكشف قراءة تجربة مالك حداد أن اللغة قد تصبح، حين تدخل في علاقات استعمارية غير متكافئة، موضعًا لتنازع الانتماء والاعتراف. فالفرنسية عنده ليست موضوع رفض بسيط بوصفها لغة للمعرفة والإبداع، وإنما ترتبط بمأزق تاريخي يتمثل في المسافة التي تفصل الكاتب عن قارئه المفترض وعن اللغة التي يتصورها حاملة لذاكرته الجماعية. وفي هذا التوتر تحديدًا تتبدى حدود الفصل المجرد بين اللغة كتراث إنساني وبين مواقع استعمالها داخل علاقات القوة.

تبيّن هذه الدراسة أن العلاقة بين الحضارة والثقافة واللغة لا تستقيم في صورة ترتيب خطّي يجعل إحداها مجرد نتيجة للأخرى. فالحضارة تتجسد في مؤسسات وممارسات ومنجزات مادية، بينما تمنحها الثقافة أطرًا من المعنى والقيمة، وتشارك اللغة في إنتاج هذه الأطر ونقلها وتعديلها. ولا يلغي هذا التمييز تداخل المفاهيم، بل يتيح فهم كيفية اشتغالها داخل شروط اجتماعية وتاريخية مخصوصة.

المراجع العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. (2004). المقدمة. دار الفكر.

حدّاد، مالك. (1961). سأهبك غزالة. ترجمة عربية. المؤسسة الوطنية للكتاب.

حدّاد، مالك. (1967). الاصفرار يدور في فراغ. دار القصبة.

ديب، محمد. (1980). اللغة والهوية. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

فرعون، مولود. (1989). يوميات مدرس في الأوراس. المؤسسة الوطنية للكتاب.

كاتب، ياسين. (1986). اللغة والمنفى. دار القصبة.

معراج، أحمد معراج الندوي. (2010). اللغة والثقافة والهوية. دار السلام.

مشتة، ياسين. (2021). اللغة والهوية في الفكر الجزائري المعاصر. دار الهدى.

عبد الله، إبراهيم. (2015). الثقافة والهوية في المجتمعات العربية. دار المسيرة.

بن نبي، مالك. (1986). مشكلة الثقافة. دار الفكر.

بن نبي، مالك. (1991). شروط النهضة. دار الفكر.

العروي، عبد الله. (1992). مفهوم الثقافة. المركز الثقافي العربي.

المراجع باللغات الأجنبية

Anderson, B. (1983). Imagined Communities : Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Verso.

Ashcroft, B., Griffiths, G., & Tiffin, H. (2002). The Empire Writes Back : Theory and Practice in Post-Colonial Literatures. Routledge.

Bourdieu, P. (1977). Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press.

Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Harvard University Press.

Calvet, L. J. (1999). La guerre des langues et les politiques linguistiques. Hachette.

Durkheim, E. (1912). The Elementary Forms of Religious Life. Free Press.

Fanon, F. (1952). Black Skin, White Masks. Grove Press.

Fanon, F. (1964). Toward the African Revolution. Grove Press.

Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures. Basic Books.

Lévi-Strauss, C. (1962). La pensée sauvage. Plon.

Memmi, A. (1965). The Colonizer and the Colonized. Beacon Press.

Radcliffe-Brown, A. R. (1952). Structure and Function in Primitive Society. Cohen & West.

Said, E. W. (1993). Culture and Imperialism. Knopf.

Tylor, E. B. (1871). Primitive Culture. John Murray.

Weber, M. (1905). The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Allen & Unwin.

Williams, R. (1981). Culture. London : Fontana Press.

صادق إيمان Imène Sadek

جامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله
imane.sadek@univ-alger2.dz02, Rue Djamel Eddine El Afghani, Bouzaréah, Alger, Algérie
https://orcid.org/0009-0008-2818-811X

مشتة ياسين Yacine Mechta

جامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله
02, Rue Djamel Eddine El Afghani, Bouzaréah, Alger, Algérie
https://orcid.org/0000-0002-1681-6384

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.