من المرجع إلى التخييل : استراتيجيات بناء التاريخ روائيًا في عام الفزوع 1864 لحسنين بن عمّو

Du référent à la fiction : stratégies de mise en roman de l’histoire dans ʿĀm al-Fazūʿ 1864 de Hassnine Ben Ammou

From Historical Reference to Fiction : Strategies of Fictionalizing History in Hassnine Ben Ammou’s ʿĀm al-Fazūʿ 1864

محمد آيت ميهوب

Citer cet article

Référence électronique

محمد آيت ميهوب, « من المرجع إلى التخييل : استراتيجيات بناء التاريخ روائيًا في عام الفزوع 1864 لحسنين بن عمّو », Aleph [En ligne], mis en ligne le 17 septembre 2026, consulté le 18 septembre 2026. URL : https://aleph.edinum.org/18149

تبحث هذه الدراسة في طرائق انتقال المادة التاريخية من نظامها المرجعي إلى البناء الروائي في عام الفزوع 1864 للروائي التونسي حسنين بن عمّو. وتنطلق من إشكال مركزي هو : بأي آليات سردية وخطابية تتحول وقائع انتفاضة 1864 وشخصياتها المعلومة إلى عالم تخييلي، وما الوظيفة التي ينهض بها هذا التحويل داخل الرواية؟ تعتمد الدراسة قراءة سردية نصية أحادية العمل، تستند إلى تحليل العتبات، وبنية الحبكة، وأنماط السرد، والحوار، وتمثيل الوعي، مع مقارنة موضعية بما يصرّح النص نفسه بإحالته إليه من كتابة تاريخية، ولا سيما إتحاف أهل الزمان لأحمد بن أبي الضياف. وتبيّن القراءة أن الرواية تبني صلتها بالتاريخ بواسطة عتبة السنة « 1864 »، وازدواج مسارَي الحكاية التاريخية والتخييلية ثم تداخلهما، وإسناد أفعال متخيلة إلى شخصيات تاريخية وإقحام شخصيات متخيلة في وقائع مرجعية، فضلاً عن مشهدة الحوار وتمثيل الباطن والتوسع في النواة الحدثية. كما تخلص إلى أن استدعاء الماضي يؤدي، في المقام الأول، وظيفة تمثيلية وإحيائية، مع بروز أصداء محدودة للحاضر لا تكفي وحدها لإثبات بناء رمزي شامل. وتبرز الدراسة، بذلك، خصوصية الرواية التاريخية بوصفها كتابة تحفظ مطلب الإحالة إلى الماضي، من غير أن تتخلى عن حرية التخييل في إعادة تشخيصه ومنحه كثافة إنسانية.

Cette étude analyse le passage du matériau historique à la construction romanesque dans ʿĀm al-Fazūʿ 1864 du romancier tunisien Hassnine Ben Ammou. Elle pose une question centrale : par quels procédés narratifs et discursifs des événements et des acteurs identifiables de l’insurrection tunisienne de 1864 deviennent-ils matière de fiction, et quelle fonction ce déplacement assume-t-il dans le roman ? L’article adopte une lecture narratologique monographique fondée sur l’examen du paratexte, de la composition de l’intrigue, des régimes de narration, du dialogue et de la représentation de la vie intérieure. Il procède également à une comparaison ponctuelle avec la source historiographique explicitement convoquée par le roman, notamment Ithāf ahl al-zamān d’Ahmad Ibn Abī al-Diyāf. L’analyse met en évidence plusieurs mécanismes convergents : l’encadrement temporel par « 1864 », l’articulation de deux trames d’abord parallèles puis imbriquées, l’attribution d’actions fictionnelles à des personnages historiques, l’insertion de personnages inventés dans des événements référentiels, la dramatisation dialoguée, l’accès fictionnel à l’intériorité et l’expansion scénographique d’événements brièvement attestés. L’étude conclut que le passé remplit d’abord une fonction de représentation et de revivification historique, tandis que les résonances avec le présent demeurent ponctuelles et ne suffisent pas à constituer une allégorie systématique.

This article examines how historical material is transformed into fictional narrative in Tunisian novelist Hassnine Ben Ammou’s ʿĀm al-Fazūʿ 1864. It asks how identifiable events and actors from the Tunisian uprising of 1864 become fictional material, and what function this transformation performs within the novel. The study adopts a monographic narratological approach based on close reading of the paratext, plot structure, narrative modes, dialogue, and representations of consciousness. It also makes a focused comparison with the historiographical source explicitly invoked by the novel, particularly Ahmad Ibn Abi al-Diyaf’s Ithāf ahl al-zamān. The analysis identifies interconnected mechanisms : temporal framing through “1864” ; two initially parallel and subsequently intertwined plotlines ; the attribution of fictional actions to historical figures ; the insertion of invented characters into referential events ; dialogic dramatization ; fictional access to interiority ; and the expansion of briefly recorded events into developed scenes. The article argues that history primarily performs a representational and revivifying function, while occasional echoes of the present remain insufficient to support a systematic allegorical reading. Historical fiction thus preserves a claim to the past while rehumanizing it through narrative invention.

مقدمة

تتناول هذه الدراسة التداخل بين المرجعي والتخييلي في رواية عام الفزوع 1864 للروائي التونسي حسنين بن عمّو. ويعدّ بن عمّو، المولود سنة 1948، من الروائيين العرب الذين جعلوا التاريخ مادة أساسية لمشروعهم السردي، فخصّص جانبًا وافرًا من منجزه لاستعادة مراحل متباينة من تاريخ تونس، من العصر الحفصي والعهد العثماني إلى الفترة الاستعمارية. وقد جاءت رواياته باب العلوج وحجّام سوق البلاط وباب الفلّة والكروسة ورحمانة وقطار الضاحية وفرسان السراب والموريسكية وعام الفزوع، على سبيل المثال، محمّلة بأصداء وقائع وشخصيات حفظتها كتب التاريخ والذاكرة الجماعية، ولكنها لم تكتف بإعادتها كما وردت في مظانها المرجعية، بل أعادت إدخالها في نظام السرد الروائي وما يتيحه من بناء للشخصية والمشهد والوعي والزمن.

وقد ارتأينا أن نتناول عام الفزوع 1864، التي صدرت طبعتها الأولى سنة 2018، في ضوء إحدى الإشكالات الملازمة للرواية التاريخية : طبيعة العلاقة بين مادة يمكن إرجاعها إلى التاريخ وبين عالم لا يقوم إلا بوساطة التخييل. ولسنا نسعى، في هذه الدراسة، إلى المفاضلة بين « صحة » التاريخ و« حرية » الرواية، ولا إلى قياس النص الأدبي بمقياس المطابقة الوثائقية وحده؛ وإنما نبحث في العمليات التي تسمح للرواية بأن تستقبل حدثًا تاريخيًا وتعيد تنظيمه، وأن تصل بين أعلام معروفين وشخصيات مبتدعة، وأن تنقل الخبر من صيغة الإخبار إلى صيغة المشهد، وأن تمنح من لا تسعفنا الوثيقة بمعرفة باطنه حياة نفسية لا يملكها إلا بوصفه شخصية روائية.

ومن ثمّ يمكن جمع الأسئلة المتعددة التي يثيرها النص في سؤال رئيس : بأي آليات سردية وخطابية يحوّل عام الفزوع 1864 مادة تاريخية قابلة للتعيين إلى عالم روائي تخييلي، وما الوظيفة التي يمنحها هذا التحويل لاستدعاء الماضي؟ ويتفرع عن هذا السؤال النظر في دلالة العنوان والعتبات، وفي ازدواج الحبكة، وفي طبيعة الراوي والزمن، وفي طرائق إدخال الشخصيات التاريخية إلى المشهد الروائي، وفي الحوار وتمثيل الحياة الباطنة، ثم في المسافة التي يقيمها النص بين إعادة تمثيل الماضي وبين جعله مرآة صريحة للحاضر.

وتقوم الدراسة على قراءة نصية سردية أحادية العمل. وهي لذلك لا تدّعي أن ما نخلص إليه ينسحب على مجمل الرواية التاريخية العربية، ولا حتى على مجموع أعمال حسنين بن عمّو. كما أن صلة الرواية بكتابة ابن أبي الضياف ستُتناول في حدود الشواهد التي يتيحها النص المدروس والمقاطع التاريخية التي يصرّح بها أو يكشفها التقارب النصي؛ أما إثبات شبكة الاقتباس والاستناد إثباتًا فيلولوجيًا شاملاً فيقتضي مقابلة منتظمة بين طبعة محددة من إتحاف أهل الزمان وطبعة الرواية، وهو عمل يتجاوز حدود هذه الدراسة، وإن كانت نتائجها تدعو إليه.

1. الرواية التاريخية وأنظمة المرجع

لا يستقيم تحليل عام الفزوع قبل تحديد المسافة التي تعمل فيها الرواية التاريخية بين مطلب الإحالة إلى الماضي وحرية البناء السردي. فالمسألة ليست جمع عنصر « حقيقي » وعنصر « مختلق » في نص واحد جمعًا حسابيًا، وإنما هي اختلاف في نظام الخطاب وفي نوع المسؤولية التي يتحملها كل من المؤرخ والروائي إزاء ما يرويه.

1.1. مفهوم الرواية التاريخية ومساراتها

تُنسب الصيغة الحديثة للرواية التاريخية، في السردية الأوروبية، تقليديًا إلى والتر سكوت (1771–1832)، ولا سيما منذ ويفرلي (1814) ثم إيفانهو (1819). وقد وجد سكوت في الماضي الاجتماعي والسياسي مادة لبناء عالم يجمع شخصيات ذات وجود مرجعي بأخرى مبتدعة، ويصل بين الحدث الفردي والتحولات الجماعية. وتزامن ازدهار هذا اللون من الكتابة مع تنامي الوعي القومي والحركة الرومنسية واهتمامها بالماضي وبالمرويات المؤسسة للجماعات، وهو ما جعل التاريخ، في الرواية، مستودعًا للوقائع بقدر ما صار مجالًا لاختبار الحاضر وأسئلته.

وللرواية التاريخية العربية مسارها الخاص، وإن اشتركت مع نظيرتها الأوروبية في اتصال نشأتها الحديثة بمشروعات النهضة والوعي بالتاريخ. فقد ظهرت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر لدى سليم البستاني ويعقوب صروف وغيرهما، ثم اتسع حضورها مع جورجي زيدان، قبل أن تتعدد تجاربها خلال القرن العشرين لدى كتّاب من أقطار عربية مختلفة، من نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير وعبد الحميد جودة السحار وعلي الجارم في مصر، إلى البشير خريف في تونس، ومعروف الأرناؤوط ونبيل سليمان في سوريا، وغيرهم. وليس المقصود من هذا التذكير رسم تاريخ شامل للجنس، وإنما وضع نص بن عمّو في تقليد عربي طويل جعل استدعاء الماضي جزءًا من التفكير في الهوية والسلطة والتحول الاجتماعي.

وقد مالت تعريفات معجمية كثيرة إلى التشديد على استعارة الرواية التاريخية مادتها من التاريخ؛ فتعرف، في أبسط صيغها، بأنها رواية تستوحي موضوعها أو حبكتها من أحداث ماضية. غير أن النقد سرعان ما تجاوز هذا التعريف الموضوعاتي إلى سؤال الصياغة. ويعبّر جورج لوكاش عن ذلك حين يجعل الرواية التاريخية كتابة تتخذ التاريخ خلفية عميقة، من غير أن تكون نقلًا حرفيًا له، بل رؤية فنية تعيد تنظيمه وتوظفه داخل تجربة أدبية (لوكاش، 1986، ص. 89). وفي الاتجاه نفسه، يشدد تعريف ألفريد شيبارد، كما ينقله نضال الشمالي، على حرية الروائي في تجاوز حدود السجل التاريخي ما دام الخيال مندمجًا في بناء يستطيع التاريخ أن يستقر فيه (الشمالي، 2006، ص. 112).

2.1. بين التاريخ والتخييل : نظاما المرجع والبناء

لكن الفصل بين التاريخ والرواية يحتاج إلى قدر من الدقة. فالرواية ليست « خيالًا محضًا » منفصلًا عن العالم، كما أن التاريخ ليس مرآة شفافة للماضي تستغني عن الاختيار والترتيب والسرد. كلاهما يبني خطابًا، ويختار بداية ونهاية، ويصل بين أحداث، ويمنحها معنى. إلا أن هذا التشابه الأداتي لا يلغي فرقًا جوهريًا في نظام الادعاء المرجعي : المؤرخ مقيد بالأثر والوثيقة وقابلية الدعوى للمراجعة والتصحيح، في حين يملك الروائي أن يخلق شخصيات وأفعالًا وأقوالًا وأفكارًا لا يطالب القارئ بإثبات وقوعها خارج النص. ومن ثمّ فالمهم في الرواية التاريخية ليس البحث عن حد ثابت يتوقف عنده « الصدق » ليبدأ « الاختلاق »، بل النظر في كيفية تفاوض النص مع هذين النظامين المختلفين.

ومن هنا تنشأ المجازفة الخاصة بالرواية التاريخية. فقد رأى إيف ستانولي أن من مشكلاتها الدائمة إقامة توازن بين الجانب التوثيقي، بما يوحي به من جدية المشروع، وبين الخيال الذي لا غنى لأي رواية عنه؛ وهو ما لخصه دانيال مادلينا بعبارة « الصدام بين حقيقتين : حقيقة الوقائع وحقيقة الفن » (ستانولي، 2024، ص ص. 99–100). ولا يعني ذلك أن الرواية مطالبة بالتوفيق السلمي بين حقيقتين متعارضتين، بل إنها تنشئ نظامها الخاص من خلال المسافة بينهما : تتقيد بما يكفي ليظل الماضي قابلاً للتعرّف، وتتحرر بما يكفي ليغدو ذلك الماضي حياة سردية.

وعليه، فـ« المرجعية » في الرواية التاريخية لا تعني التطابق مع سجل سابق، وإنما تعني وجود شبكة من العلامات التي يستطيع القارئ إحالتها إلى عالم تاريخي خارج النص : أسماء أعلام، تواريخ، أمكنة، مؤسسات، أحداث كبرى، ومصادر معلومة. أما « التخييل » فلا يعني نقيض المرجع، بل طريقة خاصة في وصل تلك العلامات بعضها ببعض وإدخال ما لا تمنحه الوثيقة عادة من تفاصيل المشهد والقول والإحساس. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال النقدي أقل تعلقًا بإحصاء الصحيح والمختلق، وأكثر تعلقًا بدرجات التحويل : أين يحافظ النص على بنية الحدث؟ أين يضيف؟ أين يغير زاوية النظر؟ وأين ينقل مركز الاهتمام من الفاعل السياسي المعروف إلى فرد متخيل لا يملك في التاريخ المكتوب أثرًا؟ وهذا التحول في مركز النظر هو أحد مفاتيح عام الفزوع.

وعلى هذا الأساس يمكن إعادة صياغة السؤال القديم : هل الرواية التاريخية « قصة عن التاريخ » أم « قصة في التاريخ »؟ الأولى تجعل الوقائع والشخصيات المعروفة مركز الحكاية وتعيد بناءها فنيًا؛ والثانية تضع شخصيات مبتدعة ومصائر خاصة داخل إطار تاريخي معلوم. غير أن عام الفزوع يوحي منذ البداية بأن الفصل بين النمطين لن يظل قائمًا؛ إذ تنشأ فيه قصة متخيلة داخل التاريخ ثم لا تلبث أن تخترق التاريخ نفسه، فيصير الحدث المرجعي جزءًا من مصير الشخصيات، وتصير الشخصيات المتخيلة أدوات لرؤية الحدث من داخله.

2. عتبة « 1864 » وتأطير الحكاية تاريخيًا

قبل أن تبدأ الحكاية في التحرك، يضع العنوان القارئ أمام صيغة مزدوجة : عبارة ذات حمولة لغوية وثقافية، ورقم ذو قوة إحالية مباشرة. ومن هذه العتبة الأولى يبدأ عمل الرواية على تحويل التاريخ إلى أفق قراءة.

حملت الرواية عنوانًا رئيسيًا هو عام الفزوع، وأُلحق به التحديد « 1864 ». و« الفزوع » في الاستعمال التونسي الدارج تحيل إلى الاستنفار والهبة الجماعية لمواجهة خطر أو نجدة من ألمّت به نازلة (بن عمّو، 2022، ص. 9). أما الرقم « 1864 » فينقل العنوان من مجال الدلالة الثقافية المفتوحة إلى إحالة زمنية محددة، هي سنة انتفاضة واسعة في الأرياف التونسية ارتبطت برفض مضاعفة ضريبة المجبى وباسم علي بن غذاهم. وهكذا يشتغل العنوان على مستويين في وقت واحد : يستدعي ذاكرة لغوية شعبية، ثم يثبتها في زمن تاريخي معلوم.

غير أن الرقم لا يطابق المدى الزمني الكامل للحكاية؛ فأحداث الرواية تمتد إلى سنة 1867، أي إلى ما بعد انكسار الانتفاضة ووفاة علي بن غذاهم في محبسه. لذلك لا تؤدي « 1864 » وظيفة كرونولوجية محضة، ولا تعني أن الرواية تحصر حوادثها في سنة واحدة، بل تعمل بوصفها علامة كثيفة تختزل مرحلة أزمة وتفتح المجال أمام ما ترتب عليها. فالعام المحدد في العنوان هو بؤرة زمنية أكثر منه حدًا زمنيًا.

ويتقوى هذا التأطير بما يسبق الحكاية وما يليها. فالرواية تبدأ بتمهيد يضع عام 1864 في سياقه التاريخي، وتنتهي بشاهد طويل من إتحاف أهل الزمان لأحمد بن أبي الضياف يصف ما آل إليه حال القبائل والناس في نوفمبر 1867 :

« ... وفي نوفمبر من السنة الشهباء 1867، أفعمت السيول من كل جهة بالعربان على اختلاف قبائلهم الذين بيعت عليهم في المغارم أقواتهم وأنعامهم، وحتى خيام مساكنهم، والتصقوا بالتراب تحت أديم السماء مع حمر الحواصل من ذراريهم، وغصّت بهم شوارع الحاضرة، ولم تغنهم الصدقات من أهلها لفقرها، وتفرقوا في المزابل يلتقطون منها الحشيش... » (عام الفزوع، ص. 589).

إن وضع الحكاية بين عتبتين تاريخيتين، واحدة في المدخل وأخرى في الخاتمة، لا يحول الرواية إلى ملحق بكتاب تاريخ، ولكنه يجعل التاريخ إطارًا مرجعيًا يحاصر التخييل من الجانبين ويمنحه وزنه. ويمكن القول إن بن عمّو يفتح بين هاتين العتبتين كوة سردية يملؤها بمصائر بشر لا تتسع لها الحوليات عادة. وكأن الرواية لا تدّعي إكمال ما « نقص » من كتاب المؤرخ على مستوى الحقيقة الوثائقية، بل تقترح إكمالًا من نوع آخر : ملء المسافات الإنسانية التي لا يستطيع السجل العام أن يحيط بها.

3. حبكتان متداخلتان : من القصة الخاصة إلى الحدث العام

يقوم البناء الحكائي في عام الفزوع على مسارين يمكن تمييزهما في البداية ثم يصعب الفصل بينهما كلما تقدمت الرواية : مسار العاتي وأخته هنية وما يلتف حولهما من شخصيات متخيلة، ومسار انتفاضة 1864 وشخصياتها التاريخية. وتنبع قوة البناء من أن المسارين لا يظلان متجاورين، بل يدخل كل واحد منهما في الآخر حتى تصير الحكاية الخاصة منفذًا إلى الحدث العام، ويغدو الحدث العام قوة تعيد تشكيل المصائر الخاصة.

1.3. المسار التخييلي ومصائر العاتي وهنية

تنطلق الأحداث بوصول العاتي وأخته هنية إلى الحاضرة تونس، قادمين من دوّار التل العالي في أطراف تالة، هاربين من عامل قبيلة ماجر، العربي السهيلي، بعد أن قتل والديهما واتهم أباهما المشري بن عيسى بالاستيلاء على كنز. يترك العاتي أخته في سقيفة زاوية سيدي محرز، ثم يتجه إلى سوق « القرانة » ليلتقي صديقه وزميله السابق في جامع الزيتونة، توفيق، تاجر الأقمشة الذي يعيش مع أمه شاذلية. يوافق توفيق على إيواء الشقيقين، غير أنهما حين يعودان إلى الزاوية لا يجدان هنية، ويعلمان أن عجوزًا سيئة السمعة اختطفتها لتنقلها إلى أحد الأعيان. وبعد مغامرة إنقاذ، تصل الفتاة إلى دار توفيق، فتدخل منذ تلك اللحظة في شبكة علاقات ستصلها، من غير أن تدري، بدوائر السلطة.

وللا شاذلية نفسها شخصية قائمة على التوسط بين العوالم : جارية سابقة من أصل يوناني عاشت في قصر الباي، ثم تزوجت وأنجبت توفيق، مع بقائها على صلة قوية بالوزير مصطفى خزندار. وما إن ترى العاتي حتى تبدي نحوه رغبة جنسية، في حين يقع توفيق في حب هنية ثم يغتصبها ذات ليلة وهو عائد سكران، في غياب أخيها. بهذا الحدث العنيف تتشكل عقدة ستلازم المسار التخيلي كله : حمل هنية، وخوفها من أخيها، ومحاولات شاذلية إخفاء الأمر، وتعلق توفيق بها ورغبته اللاحقة في الزواج منها.

لكن هذه القصة الخاصة لا تُروى داخل فضاء مغلق. ففي الوقت نفسه تتواتر الأخبار عن اضطراب جهات البلاد واحتدام الاحتجاج على مضاعفة المجبى، ثم عن تحوله إلى انتفاضة مسلحة. هنا يبدأ الحد المرجعي في الاقتراب من الشخصيات المتخيلة : أسماء مثل مصطفى خزندار، والصادق باي، وعلي بن غذاهم، والآغة فرحات، والعربي زروق، وقنصلي فرنسا وإنجلترا، ومصطفى بن عزوز، تخرج من الخبر الذي يرويه الراوي أو تتناقله الشخصيات إلى المشهد الروائي المباشر.

ويجد العاتي في اندلاع الصراع بين الثوار وجيش الباي فرصة لتجارة السلاح. يسافر إلى سوسة، حيث يواجه اضطرابًا واعتداءات على الجاليات الأجنبية، ويلتقي فتاة إيطالية شريدة فقدت أهلها وطاردها بعض الشبان. يحميها ويهرب بها عبر الحقول والأرياف حتى يصل إلى التل العالي، وهناك يشارك في الهجوم الذي يقوده علي بن غذاهم على برج العربي السهيلي، وينتهي بمقتل هذا الأخير. في هذه الواقعة يلتقي العاتي بقائد الانتفاضة ويصبح مقربًا منه. وبهذا ينتقل بطل متخيل من هامش الحدث إلى مركزه، من غير أن يتحول إلى شخصية تاريخية؛ فوظيفته أن يجعل الحدث قابلاً لأن يُعاش من الداخل.

ثم يعود العاتي إلى العاصمة بصحبة الفتاة الإيطالية ويودعها بيت توفيق. وتكون هنية قد أخذت تعاني آثار الحمل من غير أن تخبر أخاها. ويغادر العاتي من جديد هربًا من إغواء شاذلية، بينما تحاول هذه الأخيرة إسقاط حمل هنية ولا تنجح. وحين يطلب منها مصطفى خزندار أن تجلب بعض الجواري للترويح عن حيدر أفندي، مبعوث الباب العالي إلى تونس، تقدم إليه هنية، فتسد الطريق على ابنها توفيق الذي أصبح يريدها زوجة شرعية. غير أن حيدر أفندي، حين يسمع حكاية هنية ويعلم بحملها، يتعفف عن لمسها ويأمر بإعادتها إلى موطنها.

ولا تنتهي حركة هنية عند هذا الحد؛ إذ تقع في قبضة الثوار ويأخذونها إلى فرج بن دحر، ثم تقع في يد جنود الجنرال رستم، قائد محلة الباي، الذي يعيدها إلى مصطفى خزندار. وهناك، في لحظة صفاء، يسمع الوزير قصتها فيرق لحالها ويلحقها بخدمة ابنته للا جنينة، زوجة خير الدين باشا، ريثما يجد لها حلًا. في الجهة المقابلة، يُطلب من توفيق أن ينضم إلى محلة إسماعيل السني المكلف بالتفاوض مع ابن غذاهم؛ فيحضر جلسة التفاوض ويرى قائد الانتفاضة عن قرب، ثم يمرض بالحمى، ويُرسل لاحقًا إلى الكاف في حملة صالح الكلاعي، فيعجز عن التكيف مع الحياة العسكرية ويعود إلى أمه في حال شديدة السوء.

بعد شفائه، يصر توفيق على استعادة هنية والزواج منها، وتسوء علاقته بأمه، غير أن هنية ترفضه، فيزوجها مصطفى خزندار من أحد مساعديه سترًا لها. ويصادف العاتي، في أثناء ذلك، فتاة شريدة اسمها رقية فيتزوجها، ثم يعلم بمصير أخته فيواجه ما وقع لها بغضب شديد. ويقرر العودة مع زوجته إلى التل العالي، رغم تحذير هنية من قطاع الطرق. في الطريق تعترضهما جماعة تسلبه دابته وزوجته وثيابه وتوثقه، قبل أن ينقذه عابر في اليوم التالي. يعود إلى العاصمة، فيرى توفيق في إحدى الحانات ويقرر قتله. يحصل على مسدس ويتبعه متخفيًا، غير أن توفيق، وهو سكران، يقف أمام قصر خزندار في الحلفاوين ويرفع صوته بسب الوزير، فيطلق العاتي النار تجاه البيت ويلوذ بالفرار. يخرج الحراس فيجدون توفيق فيقبضون عليه، ثم يموت في السجن. تنهار شاذلية، ويعيد خزندار هنية، بعد موت زوجها، إلى بيتها مع ابنها من توفيق ويخصص لها راتبًا، بعد أن يتضح له أن توفيق لم يكن مطلق النار.

ثم تبلغ حكاية العاتي ذروتها المأساوية حين يدخل أحد المواخير فيفاجأ بزوجته رقية هناك. يحاول إخراجها فيشتبك مع الحارس، فتداهم الشرطة المكان وتقبض على من فيه، ويُلقى بالعاتي في كرّاكة حلق الوادي. وهناك يلتقي علي بن غذاهم نفسه، إذ يكلفه قائد السجن ملازمته ومراقبته. يعايش العاتي أيام القائد الأخيرة ويعتقد أنه مات مسمومًا. وبعد وفاة ابن غذاهم يُطلق سراحه، لكن قائد الحامية يقدّم إليه كأسًا من العصير، وما إن يبتعد عن السجن حتى تعصف به آلام شديدة ويدرك أن الشراب كان مسمومًا، فيسقط ميتًا في قارعة الطريق. ومع خروج جنازته من دار شاذلية، تنطلق هنية عائدة إلى التل العالي، على حصان توفيق، بصحبة ابنها الذي علقت في عنقه سبحة علي بن غذاهم، وهي السبحة التي وجدتها في يد أخيها.

هذا الامتداد الحكائي الطويل ليس زائدًا عن التحليل؛ فهو يبين كيف يصبح التاريخ قوة بنائية لا خلفية ساكنة. فكل منعطف تقريبًا في مصائر العاتي وهنية وتوفيق يفتح بابًا على شخصية أو مؤسسة أو حدث تاريخي، حتى لا يعود من الممكن فصل الحبكة « المختلقة » عن شبكة السلطة والانتفاضة والقمع والمفاوضات التي يقدّمها السجل التاريخي.

وتكشف هذه الحبكة، من جهة أخرى، عن اختيار دلالي لا يقل أهمية : التاريخ الرسمي يحتفظ عادة بأسماء البايات والوزراء والقادة والزعماء، أما الرواية فتضع إلى جوارهم هنية والعاتي وتوفيق وشاذلية ورقية، أي أشخاصًا تنتمي مصائرهم إلى مناطق أقل ظهورًا في السجل السياسي. ولا يعني ذلك أن الرواية تستعيد « أصواتًا حقيقية » ضاعت من الأرشيف؛ فهذه الشخصيات متخيلة. لكنها تستعمل التخييل لكي تجعل الفئات التي لا تسميها الحوليات عادة جزءًا من صورة العصر : النساء، الهاربين، التجار الصغار، ضحايا العنف، من تجرهم الحرب إلى مسالك لم يختاروها. وبذلك لا يضيف التخييل أحداثًا إلى التاريخ فحسب، بل يغير أيضًا توزيع الضوء داخله، فينقل بعض الاهتمام من مركز القرار إلى آثار القرار في الأجساد والحيوات الخاصة.

2.3. المسار التاريخي واختراقه الحكاية الخاصة

بالتوازي مع هذه المصائر، يخصص الراوي مساحة واسعة لأطوار انتفاضة 1864، وتقلبها بين الحماس والانكسار، ولأساليب مصطفى خزندار في التعامل مع الثوار مراوحًا بين الترغيب والترهيب، ومستفيدًا من عامل الزمن ومن الخلافات القديمة بين العروش، ومن مكانة رجال الدين والزوايا، ولا سيما مصطفى بن عزوز ومحمد العيد التماسيني. كما يصور تردد علي بن غذاهم بين تفاوض إصلاحي ومسار أكثر راديكالية، ثم تفكك جبهة المحتجين شيئًا فشيئًا، والقبض على زعمائهم وانتهاء قائدهم في سجن حلق الوادي سنة 1867.

ويظهر هنا الفارق بين وجود التاريخ بوصفه مادة وبين تحوله إلى بنية سردية. فالشخصيات التاريخية لا تبقى أسماء تُذكر في هامش قصة العاتي وهنية؛ إنها تدخل في صنع مصيرهما : ابن غذاهم يلتقي العاتي، وخزندار يتدخل في مصير هنية وتوفيق، ورستم يأسر الفتاة، وحيدر أفندي يقرر إطلاقها، وإسماعيل السني ومحلة الباي يجران توفيق إلى فضاء الصراع. بهذا الاختراق المتبادل تصبح الرواية قصتين ثم تعود قصة واحدة؛ لأن الخطين لا يجتمعان في خاتمة شكلية، بل يتبادلان التأثير داخل سير الأحداث.

3.3. البنية السردية : الخطية والمراوحة بين الخبر والمشهد

اعتمدت الرواية، في جانب أساسي من بنائها، راويًا عليمًا واسع المعرفة يستطيع الانتقال بين الأمكنة والشخصيات والنفاذ إلى ما تفكر فيه وتخفيه. وهو اختيار ينسجم مع رغبة النص في الإحاطة بحركة تاريخية واسعة من جهة، وفي متابعة مصائر فردية متباعدة من جهة أخرى. غير أن هذه المعرفة لا ينبغي فهمها بوصفها مجرد « قدرة لا حدود لها »؛ فوظيفتها الفنية أنها تسمح للنص بأن يجاور بين المشهد العام والداخل النفسي، وأن ينتقل من خبر سياسي إلى ارتباك شخصية أو رغبتها أو خوفها.

ويأتي السرد، في الغالب، خطيًا متتابع الحلقات، تدعمه تواريخ الأيام والأشهر والسنوات. وتزداد هذه العلامات في الفصول الأخيرة : « 2 مارس 1866 »، « أوائل ماي 1866 »، « حلّت سنة 1867 حبلى بالكوارث ». وتعمل هذه التواريخ كأوتاد مرجعية تثبت الحكاية في زمن معروف، وتمنح القارئ إحساسًا بأن تطور المصائر الخاصة يجري داخل رزنامة تاريخية لا خارجها.

غير أن الخطية ليست مطلقة؛ إذ تستعين الرواية بالاسترجاع لتضيء ماضي الشخصيات وتصل حاضرها السردي بما سبقه. ووظيفة هذه الحركات الارتدادية، في معظم المواضع، ليست تفكيك الزمن بقدر ما هي سد الثغرات وتعليل السلوك وإعادة إحكام السلسلة السببية. ومن هنا يبقى البناء قريبًا من تقاليد الرواية الواقعية، مع قدر من المرونة يسمح بتوسيع الخلفية النفسية والاجتماعية.

والأهم من ذلك أن الراوي يراوح بين نمطين : سرد مجمل ذي نبرة إخبارية، يقترب أحيانًا من الحوليات والتأريخ، ومشهد روائي تُرى فيه الشخصيات وهي تتكلم وتتحرك وتتصادم. وكثيرًا ما تفتتح الفصول بخبر تاريخي أو تلخيص للحالة العامة، ثم ينفتح هذا الإطار على الشخصيات المتخيلة. هذه المراوحة هي، في تقديرنا، إحدى العلامات الشكلية المركزية في الرواية : الخبر يثبت المرجع، والمشهد يستولي عليه ليعيده في صورة حياة.

4. الطابع التاريخي ومؤشرات المرجعية

صلة عام الفزوع بالتاريخ ليست موضع شك، لكن توصيفها يحتاج إلى التمييز بين التاريخ بوصفه ماضيًا حدث، والتاريخ بوصفه كتابةً حفظت ذلك الماضي وصاغته. والرواية تتصل بالوجهين معًا : تستعيد وقائع وشخصيات وأمكنة، وتستند، في بعض المواضع على الأقل، إلى نصوص تاريخية معلومة.

يمكن رد أهم مظاهر هذه المرجعية إلى أربع دوائر مترابطة. أولها حضور شخصيات تاريخية بأسمائها المعروفة، مثل مصطفى خزندار، والصادق باي، ونسيم شمامة، والجنرال رستم، والعربي زروق، وعلي بن غذاهم. وثانيها استعادة أطر مكانية وزمانية تنتمي إلى تونس القرن التاسع عشر، بأسمائها ومؤسساتها وطرائقها في الحكم والتنقل والعقاب. وثالثها إدماج المصائر المتخيلة في أحداث معلومة من الانتفاضة والمفاوضات والحملات والقمع. أما الدائرة الرابعة فهي كثافة الأخبار والمعلومات التاريخية التي تتكرر على امتداد الرواية وتعمل كعلامات تثبيت تمنع العالم المتخيل من الانفصال عن ماضيه المرجعي.

ومع ذلك، فهذه القرائن لا تجعل النص كتاب تاريخ. فالرواية تستعمل السرد والوصف والحوار والتبئير وتمثيل الوعي والمشهد، وتعيد توزيع المعلومات وفق منطق التشويق والحبكة. وإذا كان التاريخ هو أحد مصادر مادتها، فإن الروائية هي نظام تنظيم هذه المادة. ومن هنا يصبح السؤال الأدق : ما العمليات التي تستوعب بها الرواية المرجع وتحوّله من مادة مُخبَر عنها إلى مادة معاشة سرديًا؟

5. آليات بناء التاريخ روائيًا

لا يتم الانتقال من التاريخ إلى الرواية بعملية واحدة. وتكشف عام الفزوع عن مجموعة من الإجراءات التي تتضافر : إعادة توزيع الأفعال بين التاريخي والمتخيل، وإنتاج الحوار، وتمثيل الباطن، وتوسيع الحدث المختصر، وتحويل الخبر إلى مشهد. وهذه الإجراءات هي التي تمنح النص، في النهاية، صفته الروائية حتى حين تكون مادته شديدة الاتصال بالماضي الموثق.

1.5. تخييل التاريخي وتاريخنة المتخيل

يمكن، استنادًا إلى التمييز الذي يقترحه محمد القاضي بين « تخييل التاريخي » و« تأريخ الروائي » (القاضي، 2008، ص. 73)، أن نميز في الرواية حركتين متعاكستين ومتضافرتين. الأولى إسناد أفعال أو علاقات أو حالات غير موثقة، بحسب حدود المادة التي يتيحها المقال، إلى شخصيات تاريخية؛ ومن أمثلتها تعاطف مصطفى خزندار مع هنية، وتكليفه توفيقًا بالالتحاق بمحلة إسماعيل السني، ومداواة علي بن غذاهم للعاتي، وقبض الجنرال رستم على هنية وإعادتها إلى خزندار. هذه الأفعال لا تُقدَّم بوصفها وثائق جديدة، بل بوصفها ممكنات روائية داخل صورة تاريخية معلومة للشخصيات.

أما الحركة الثانية فتتمثل في إقحام الشخصيات المتخيلة داخل وقائع ذات أصل مرجعي. يحضر توفيق مجلس التفاوض مع ابن غذاهم، ويشارك العاتي في الهجوم على برج العربي السهيلي، ثم يدخل سجن علي بن غذاهم ويلازمه في أيامه الأخيرة. هنا لا يغيّر المتخيل بالضرورة النتيجة التاريخية الكبرى، لكنه يحتل مكانًا داخلها ويمنحها نقطة نظر إنسانية خاصة. ولعل هذا الوجه أقل حضورًا من الأول، وهو ما يفسر كثرة المقاطع التي يقترب فيها السرد من الإخبار التاريخي قبل أن يعيد الروائي امتصاصها في الحكاية.

ومن المهم هنا ألا نعامل الشخصية التاريخية، بعد دخولها الرواية، كما لو ظلت هي نفسها الشخص المرجعي من غير تغيير في الوضع. فالاسم قد يكون واحدًا، والوقائع الكبرى قد توافق ما تحفظه المصادر، لكن الشخصية الروائية بناء لغوي لا يمكن مطابقته بالكامل بالشخص الذي عاش في الماضي. إن خزندار أو ابن غذاهم، ما إن يدخلا المشهد التخييلي، حتى يصبحا خاضعين لاقتصاد الحكاية : يختار الراوي متى يظهران، ومن يراهما، وما الذي يقال عنهما، وأي جانب من صفاتهما يُضخّم أو يُخفّف. لذلك لا يصح أن نسأل فقط : « هل وقع هذا فعلًا؟ »، بل ينبغي أن نسأل أيضًا : « لماذا اختار الروائي هذا الفعل، وهذه اللحظة، وهذه الصفة، ليبني بها صورة الشخصية؟ ». عند هذا المستوى، يغدو التخييل ممارسة تأويلية للتاريخ بقدر ما هو اختراع سردي.

2.5. المشهد الحواري وإعادة منح الشخصيات أصواتًا

الحوار، في الكتابة الروائية، ليس مجرد نقل أقوال، بل أحد أهم الوسائل التي تتراجع فيها هيمنة صوت الراوي لحساب حضور الشخصية. وقد ميّز دومينيك مانغينو بين الحوار المسرحي الذي يقدم بوصفه تلفظًا فعليًا قائمًا بذاته، وبين الخطاب المنقول في الرواية الذي يبقى مندمجًا داخل جهاز السرد (Maingueneau, 1986, p. 88؛ نقلًا عن الخبو، 2003، ص. 349). ولهذا لا تلغي المشهدية سلطة الراوي، لكنها تجعل الشخصية تبدو للقارئ كما لو كانت تتكلم أمامه من غير وسيط.

وتنبغي هنا مجاوزة حكم عام قد يوهم بأن كل حوار في كتابة تاريخية هو اختلاق بالضرورة. فالكتابة التاريخية قد تنقل أقوالًا محفوظة في رسالة أو محضر أو يوميات أو شهادة أو مصدر قريب من الحدث. وإنما تبرز الحرية التخييليّة حين تُعاد صياغة محادثة كاملة لا يتيح المرجع ألفاظها ولا تفاصيلها، أو حين يمنح الروائي الشخصيات نبرة ومقاصد وصمتًا وإيماءات لا يمكن الوثيقة أن تثبتها. بهذا المعنى يصبح الحوار علامة قوية على بناء المشهد الروائي، لا لأن التاريخ يخلو من القول المنقول، بل لأن الرواية تستطيع أن تصنع من « المحتمل قوله » حضورًا دراميًا كاملًا.

وقد كان للحوار بين الشخصيات التاريخية حضور واسع في عام الفزوع : حوارات خزندار والصادق باي، وعلي بن غذاهم وأخيه عبد النبي، وابن غذاهم وفرج بن دحر، وخزندار والقنصل الإنجليزي، وغيرها. ويؤدي هذا الحضور وظيفتين. الأولى تشخيص الأعلام التاريخية : فبدل أن تبقى أسماء مرتبطة بأفعال منجزة في الماضي، تكتسب أصواتًا وإيقاعات كلام وانفعالات. والثانية نقل جزء من المادة التاريخية نفسها عبر الصراع الكلامي، بحيث تصل المفاوضات والخلافات والمواقف السياسية إلى القارئ لا في صورة تلخيص فحسب، بل في صورة مشهد.

ويكون أثر ذلك واضحًا في تحويل « برودة » الخبر إلى حيوية العرض. فالحدث الذي يمكن تلخيصه في جملة ـ تفاوض، خصومة، ضغط دبلوماسي ـ يصبح مساحة تتبادل فيها الشخصيات الحجة والتهديد والتردد والصمت. وبهذا لا تتغير فقط كمية الكلام، بل يتغير نوع معرفتنا بالحدث : ننتقل من معرفة « ما وقع » إلى معاينة سردية لكيف يمكن أن يكون قد وقع داخل عالم الرواية.

3.5. تمثيل الوعي والحياة الباطنة

إذا كان الحوار يمنح الشخصية صوتًا، فإن تمثيل الوعي يمنحها باطنًا. وهذه المسألة من أكثر المواضع التي يتضح فيها الفرق بين الادعاء التاريخي والحرية الروائية. فالمؤرخ يستطيع أن يستدل على نية أو خوف أو اعتقاد من وثيقة أو شهادة، لكنه لا يستطيع أن يقدّم جريان الوعي في لحظة لم تحفظها الآثار وكأنه واقعة قابلة للتحقق. أما الرواية فتستطيع أن تفعل ذلك لأنها لا تزعم أن كل تفصيل نفسي فيها مستخرج من أرشيف.

وما يسميه المقال « الحوار الباطني » يندرج، في الحقيقة، ضمن طائفة أوسع من طرائق تمثيل الوعي التي درستها دوريت كوهن، من السرد النفسي إلى صيغ نقل التفكير والقول الداخلي (Cohn, 1981, p. 20). وليس المقصود فرض جهاز اصطلاحي ثقيل على النص، بل إدراك أن الرواية لا تنقل « أفكارًا » وحسب؛ إنها تختار درجة قرب من الوعي، وصيغة لغوية لتمثيله، ومسافة بين صوت الشخصية وصوت الراوي.

ويتجلى ذلك في المقطع الذي يتخيل علي بن غذاهم في مهربه بالجزائر وهو يفكر في العودة إلى المجال الديني، ويحلم بأن يصير شيخ طريقة وإمام زاوية :

« لن يخرجه من هذا الوضع المقيت سوى تحقيق حلمه الدائم : أن يصبح مثل سي محمد العيد إمام الطريقة التيجانية أو سي مصطفى بن عزوز إمام الطريقة الرحمانية وغيرهما من كبار شيوخ الطرق التي تزخر بهم البلاد. أليسوا سلاطين بلا جنود وبلا أسلحة؟ (...) أليس هذا ما كان يتمناه قبل دخوله معترك السياسة وخندقها؟ ألم ينسحب من المعركة من أجل أن يؤسس زاوية عظيمة بهنشير الروحية الذي طلبه من الباي مقابل الكف عن المقاومة؟ لا حل بعد اليوم للعودة إلى الواجهة والتوهج سوى العودة إلى الأصل، إلى التعبد وإلى المناجاة وإلى إحاطة نفسه بتلك الهالة، هالة شيخ الطريقة، ومن ثم تحقيق الحلم الكبير وهو انتصاره على السلطة الدنيوية بسلطته الروحية » (عام الفزوع، ص. 436).

لا تكمن أهمية المقطع في إثبات أن ابن غذاهم فكر فعلًا بهذه العبارات؛ فهذا ليس ما تستطيع الرواية أو الدراسة إثباته. أهميته أنه يبين نوع الإضافة التي يحققها التخييل : تحويل شخصية تاريخية تُعرف من أفعالها وقراراتها إلى ذات مترددة تتخيل مستقبلها وتقارن بين سلطتين، دنيوية وروحية. وفي هذا المستوى يغدو التاريخ مادة لشخصية روائية لا مجرد خلفية لها.

4.5. التوسع في الحدث ومشهدته

تستعمل الرواية، في افتتاح بعض الفصول، أسلوبًا إجماليًا قريبًا من الإخبار التاريخي، ثم تنتقل في مواضع أخرى إلى أخذ نواة حدثية صغيرة وتوسيعها بالسرد المفصل والوصف والحوار وإبطاء الزمن. ويتيح هذا الانتقال من « التلخيص » إلى « المشهد » للحدث أن ينسل من صيغته المرجعية المقتضبة ويتخذ جسدًا روائيًا.

فأحداث لا تشغل في المصدر التاريخي، بحسب المقارنة التي يقترحها الباحث، أكثر من أسطر محدودة، يمكن أن تتحول عند بن عمّو إلى وحدات سردية طويلة ذات بداية وتوتر وتحول وانغلاق نسبي. ومن الأمثلة التي يلفت إليها النص القبض على فرج بن دحر، والقبض على علي بن غذاهم، وسوق الثوار إلى قصر باردو وجلدهم على الملأ. في مثل هذه المقاطع، لا يكون التخييل إضافة تفاصيل زينة إلى حقيقة ثابتة، بل إعادة تنظيم للزمن نفسه : ما يمر في التاريخ مختصرًا يُبطأ في الرواية حتى يُرى ويُسمع ويُحس.

وهنا تتضح إحدى خصائص « بناء التاريخ روائيًا » : الرواية لا تحتاج دائمًا إلى تغيير الحدث لكي تبدعه؛ يكفي أحيانًا أن تغير مقياسه السردي، وأن تمنحه منظورًا ومشهدًا وإيقاعًا، وأن تنقل القارئ من النتيجة إلى التجربة.

6. من المصدر التاريخي إلى العالم الروائي : حضور ابن أبي الضياف وحدود المقارنة

تظهر إحالة عام الفزوع إلى أحمد بن أبي الضياف في موضع لا يترك شكًا في وعي الرواية بالمصدر التاريخي : الشاهد الختامي المأخوذ من إتحاف أهل الزمان. كما أن نبرة بعض المقاطع الإخبارية، وتسلسل عدد من الوقائع، يدعوان إلى افتراض حضور هذا المصنف في خلفية الكتابة. غير أن التمييز لازم بين « مرجع محتمل شديد الحضور » و« مصدر رئيس مثبت بمقابلة نصية شاملة ».

فالقول إن إتحاف أهل الزمان هو المصدر الأهم للرواية يحتاج، في صورة نهائية من البحث، إلى جهاز مقابلة يحدد طبعة الكتاب المعتمدة، ويضع الوقائع والعبارات المتوازية جنبًا إلى جنب، ويفرق بين ما يمكن أن يكون من المعرفة التاريخية العامة وما يكشف عن اقتباس أو محاكاة مباشرة. وفي غياب هذه المقابلة الكاملة، الأوثق علميًا أن نقول إن الرواية تصرح بعلاقتها بابن أبي الضياف في عتبتها الختامية، وإن بنيتها الإخبارية في عدد من المواضع تجعل المقارنة معه منتجة ومرجحة، من غير تحويل الترجيح إلى دعوى توثيق لم تُستوف شروطها.

ومع ذلك، فإن ما تتيحه المقارنة الجزئية كاف لإبراز طبيعة التحويل. فالكتابة التاريخية تضع الواقعة في سلسلة عامة من الأسباب والنتائج، بينما تعيد الرواية توزيعها على شخصيات ومواقف ووجهات نظر. ويصبح الفرق بين النصين، لذلك، فرقًا في مقياس الإدراك : التاريخ يعرض ما أمكن إثباته أو نقله من أمر الجماعات والسلطة، أما الرواية فتخترع نقطة نظر قريبة تسمح للحدث بأن يُعاش، من غير أن يكون هذا « العيش » وثيقة بديلة.

ويحسن، من ثم، التمييز بين الاستناد إلى المصدر وبين الخضوع له. فحتى حين يتبع الروائي تسلسلًا تاريخيًا معروفًا، فإنه يستطيع أن يغير دلالة ذلك التسلسل بمجرد اختيار الشخصية التي نعبر معها الحدث، أو بتأخير معلومة وتقديم أخرى، أو بتحويل عبارة خبرية إلى حوار، أو بجعل النتيجة التاريخية خاتمة لمأساة فردية. ومن هنا لا تكون علاقة الرواية بالمصدر علاقة نسخ، بل علاقة إعادة كتابة تتفاوت درجاتها من الاقتباس الظاهر إلى التوسيع والمشهدة والتأويل. وهذه الدرجات، إذا استُقصيت في دراسة مقارنة مستقلة، يمكن أن تكشف بدقة أكبر عن الأسلوب الذي يصنع به بن عمّو خصوصيته داخل الرواية التاريخية التونسية.

7. لماذا الماضي؟ الوظيفة التمثيلية وأصداء الحاضر

يبقى سؤال الوظيفة ملازمًا لكل قراءة للرواية التاريخية : لماذا يعود الروائي إلى زمن مضى ما دام يستطيع اختراع زمن وشخصيات من غير سند تاريخي؟ غير أن هذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اشتراط أيديولوجي يفترض أن كل رواية تاريخية لا بد أن تخفي وراء الماضي شفرة مباشرة للحاضر. فقد يكون استدعاء الماضي، في ذاته، مشروعًا جماليًا ومعرفيًا يروم إعادة تشخيص عالم زال وإتاحته للتجربة بواسطة السرد.

1.7. بين الوظيفة التمثيلية والوظيفة الرمزية

شهد نقد الرواية التاريخية أحيانًا أحكامًا تقلل من أصالتها لأنها تستعير شخصياتها وأحداثها من مواد سابقة. ومن هذه الخلفية نشأ ميل إلى الدفاع عنها من خلال وظائف تتجاوز التمثيل : مساءلة الحاضر، أو بناء الهوية، أو نقد السلطة، أو إنتاج رموز سياسية. وهذه الوظائف موجودة في أعمال كثيرة، لكنها ليست شرطًا لازمًا لقيمة الجنس. فالإبداع لا يقاس بعدد الوقائع « المخترعة »، وإنما بطريقة تحويل المادة السابقة إلى بنية جديدة.

ويبدو عام الفزوع، في ضوء التحليل السابق، أقرب إلى قطب التمثيل وإعادة الإحياء منه إلى قطب الرمزنة الشاملة. فالرواية حريصة على جعل القارئ يعيش زمن الانتفاضة ومناخها ومؤسساتها وشخصياتها، وعلى ربط المصائر الفردية بحركة التاريخ، أكثر من حرصها على بناء شبكة ثابتة تجعل كل عنصر من الماضي مقابلاً لعنصر من تونس المعاصرة. ولا يعني ذلك غياب الحاضر؛ فكل كتابة تاريخية تُنتج في حاضر ما، ويقرأها قارئ يحمل أسئلة زمنه. لكن الفرق كبير بين « رنين » يسمح بالمقارنة وبين « أليغوريا » منظمة تجعل الماضي قناعًا شبه كامل للحاضر.

2.7. ثلاث مفارقات قولية وإمكان قراءة الحاضر في الماضي

يمكن، مع ذلك، رصد ثلاثة مواضع يقترب فيها الخطاب من معجم أو حساسية قد يستشعر فيهما القارئ المعاصر صدى لما بعد 2011. والمهم أن نتعامل معها بوصفها قرائن تأويلية لا أحكامًا تاريخية قاطعة؛ فإثبات المفارقة الزمنية في اللغة أو الفكر يقتضي فحصًا أوسع لمعجم القرن التاسع عشر وخطاباته.

الموضع الأول حوار بين العاتي وتوفيق بعد قدوم حيدر أفندي، حين يسأل العاتي : « السلام عليكم، هل الأخ تركي أم تونسي؟ » فيجيبه توفيق : « أنا يا صاحبي تونسي، لا أعرف تركيا ولا غيرها، ولا أدري لماذا هذا الكراكوز الذي نشاهده كل يوم » (عام الفزوع، ص. 135). قد تستدعي ثنائية « تونسي/تركي » لدى قارئ القرن الحادي والعشرين سجالات الهوية وعلاقة تونس بتركيا، ولكن النص، في ذاته، لا يكفي لإثبات إحالة سياسية مباشرة إلى لحظة بعينها.

أما الموضع الثاني ففي الحوار نفسه، حين يتذمر توفيق من غلبة الحديث السياسي : « أوه يا العاتي، دعنا بربك من الخوض في هذا الموضوع، فلا حديث بين الناس سوى السياسة ووجع الرؤوس من السياسة » (عام الفزوع، ص ص. 135–136). هنا يبدو القرب من عبارات الحياة اليومية المعاصرة قويًا، غير أن قيمته النقدية الأضمن هي أنه يخلق « أثر حاضر » داخل صوت شخصية تاريخية السياق، لا أنه يقدم برهانًا مستقلًا على anachronism لغوي مكتمل.

والموضع الثالث يأتي على لسان القنصل الفرنسي، حين يفسر هزيمة ابن غذاهم بإذعانه لكلام شيوخ الدين وتحذيرهم من عصيان أولي الأمر (عام الفزوع، ص. 259). وقد يغري هذا المقطع بقراءته في ضوء سجالات عربية حديثة حول الدين والسلطة والثورة. لكن الأدق ألا ننفي تاريخيًا إمكان صدور موقف شبيه عن دبلوماسي أوروبي في القرن التاسع عشر من غير فحص للمصادر؛ وما نستطيع قوله من داخل الرواية هو أن الصوت يحمل كثافة تفسيرية تجعله قريبًا من أفق الراوي ومن الأسئلة الفكرية الحديثة، فتضعف فيه المسافة بين الشخصية وزمن الكتابة.

هذه المواضع الثلاثة تفتح، إذن، كوى على الحاضر، لكنها لا تؤسس وحدها استراتيجية رمزية متصلة. وربما كانت قوة الرواية كامنة في أنها لا تحوّل الماضي إلى مثال تعليمي مباشر، بل تترك التشابه يتولد عند القراءة من غير أن يلزم النص نفسه بتطابقات صارمة.

3.7. الإبداع بوصفه إعادة تشخيص للتاريخ

إن غلبة الوظيفة التمثيلية لا تنقص من القيمة الإبداعية، لأن عمل بن عمّو لا يقوم على نسخ الخبر التاريخي. لقد رأينا كيف يزاوج بين المرجعي والتخييلي، ويعيد خلق المواقف، ويمنح الشخصيات أصواتًا وبواطن، ويدخلها في شبكة من العلاقات لا تستطيع كتب الحوليات أن تقدمها بالتفصيل نفسه.

ولا نقصد بإحياء الشخصيات التاريخية مجرد استعادتها من الذاكرة وإقحامها في قصة جديدة، بل منحها كثافة روائية : تتكلم وتتحرك وتتردد وتخاف وتطمع وترحم وتقسو. فمصطفى خزندار، مثلًا، لا يبقى في النص اسمًا مرتبطًا بصورة سياسية واحدة؛ إنه ماكر في موضع، لبق في حديثه، قاس في تدبيره، وقادر على الرأفة في لحظة أخرى. وليس المقصود أن الرواية « تصحح » حكم التاريخ عليه، بل أنها تمنحه تعددًا لا يقتضي من المؤرخ، في كل حال، أن يبنيه بالطريقة نفسها.

ولذلك فالأدق ألا نقول إن شخصيات كتب التاريخ، بإطلاق، « هياكل عظمية » أو شخصيات سطحية؛ فالتأريخ الحديث يعرف هو أيضًا السيرة والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات. لكن بالمقارنة مع الخبر السياسي الموجز الذي تتخذه الرواية مادة لها، يمكن القول إن الشخصية الروائية تكتسي لحمًا وصوتًا وداخلًا، وتصبح قابلة لأن تُرى في تناقضاتها. وفي هذا الانتقال سر من أسرار جاذبية الرواية التاريخية : إنها لا تعوض التاريخ، وإنما تمنح ما نعرفه عنه صورة أخرى من المعرفة الجمالية، معرفة الممكن الإنساني.

خاتمة وحدود الدراسة

أظهرت قراءة عام الفزوع 1864 أن العلاقة بين التاريخ والتخييل لا تقوم فيها على مجرد تجاور عنصرين، بل على سلسلة من عمليات التحويل. فالعتبة الزمنية « 1864 » تثبت أفقًا مرجعيًا منذ البداية، ثم تنقسم الحكاية إلى مسارين، تاريخي وتخييلي، لا يلبثان أن يتداخلا. وتدخل الشخصيات التاريخية في مصائر الشخصيات المبتدعة، فيما تدخل الشخصيات المبتدعة في أحداث ذات أصل تاريخي، فينشأ عالم لا يمكن اختزاله في وثيقة ولا عزله عن التاريخ الذي يستند إليه.

وتتحدد أهم آليات هذا التحويل في أربعة مستويات مترابطة : إعادة توزيع الأفعال بين التاريخي والمتخيل؛ تحويل الشخصيات التاريخية إلى ذوات متكلمة داخل مشاهد حوارية؛ تمثيل الحياة الباطنة بما يتجاوز حدود ما تستطيع الوثيقة وحدها إثباته؛ ثم توسيع النواة الحدثية وتحويل الخبر المختصر إلى مشهد مفصل. ويضاف إلى ذلك التناوب بين السرد الإجمالي ذي النبرة التاريخية وبين المشهد الروائي، وهو تناوب يجعل المرجع حاضرًا من غير أن يمنع التخييل من الاستيلاء عليه فنيًا.

أما وظيفة العودة إلى الماضي، فتبدو تمثيلية وإحيائية في المقام الأول. فالرواية تريد أن تجعل زمن انتفاضة 1864 قابلاً للتخيل والمعايشة، وأن تمنح الأسماء التاريخية حياة روائية. وقد تنشأ من هذا العمل أصداء مع الحاضر، ولا سيما لدى قارئ تونس ما بعد 2011، لكن الشواهد التي وقفنا عندها لا تكفي، في حدود هذه الدراسة، للقول إن الرواية بنيت كلها بوصفها استعارة سياسية للحاضر. فالتمثيل والرمز ليسا حدين متناقضين، وإنما قطبان يمكن للنص أن يقترب من أحدهما من غير أن يخلو تمامًا من الآخر.

وتبقى لهذه الدراسة حدود ينبغي التصريح بها. فهي قراءة أحادية العمل، وتعتمد طبعة محددة من الرواية، ولم تنجز مقابلة فيلولوجية شاملة بين كل مقاطعها التاريخية ومختلف المصادر الممكنة. كما أن صلة عام الفزوع بـإتحاف أهل الزمان، على وضوحها في الشاهد الختامي وعلى رجحانها في مواضع أخرى، تحتاج إلى دراسة مقارنة مستقلة توثق طبعة ابن أبي الضياف وتحدد درجات النقل والتحوير والمشهدة. كذلك فإن ما سميناه « أصداء الحاضر » يظل فرضية تأويلية لا حكمًا تاريخيًا على إمكان أو استحالة بعض الألفاظ والأفكار في القرن التاسع عشر.

ومع هذه الحدود، تكشف الرواية أن قيمة التخييل التاريخي لا تكمن في قدرته على منافسة المؤرخ في إثبات الوقائع، بل في قدرته على تحويل المعلوم إلى تجربة : أن يجعل الزمن إطارًا محسوسًا، والشخصية اسمًا وجسدًا وصوتًا ووعيًا، والحدث نتيجة ومسارًا في آن. ومن هنا لا تستغني المكتبة عن الرواية التاريخية مهما كثرت كتب التاريخ؛ لأن كليهما يعود إلى الماضي، لكن كل واحد منهما يطلب منه نوعًا مختلفًا من الحقيقة.

.المراجع

المصدر الروائي

بن عمّو، حسنين. (2022). عام الفزوع (ط. 4). نقوش عربية. (نُشر العمل الأصلي سنة 2018).

المراجع باللغة العربية

آيت ميهوب، محمد. (2010). جنس روائي فرعي. في محمد القاضي (إشراف)، معجم السرديات (ص ص. 135–138). دار محمد علي الحامي.

الخبو، محمد. (2003). الخطاب القصصي في الرواية العربية المعاصرة. دار صامد.

ستانولي، إيف. (2024). معجم الرواية (ترجمة محمد آيت ميهوب). مشروع كلمة.

الشمالي، نضال. (2006). الرواية والتاريخ: بحث في مستويات الخطاب في الرواية التاريخية العربية. عالم الكتب الحديث.

القاضي، محمد. (2008). الرواية والتاريخ: دراسات في تخييل المرجعي. دار المعرفة للنشر.

لوكاش، جورج. (1986). الرواية والتاريخ (ترجمة صالح جواد كاظم). دار الشؤون الثقافية العامة.

ابن أبي الضياف، أحمد. (د.ت.). إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. [يرجى من المؤلف استكمال بيانات الطبعة التي اعتمدها قبل الإقرار النهائي للنشر].

المراجع باللغتين الفرنسية والإنجليزية

Boeglin, E. (1999, June 13). Le roman historique : littérature mineure ? L’Alsace / Le Pays.

Cohn, D. (1981). La transparence intérieure : Modes de représentation de la vie psychique dans le roman. Seuil.

Głowiński, M. (1977). On the first-person novel. New Literary History, 9(1), 103–114.

Ifry, P. A. (1984). Les techniques narratives dans l’autobiographie et le roman autobiographique : L’exemple de Stendhal et de Musset. Neophilologus, 68(3), 335–364.

Maingueneau, D. (1986). Éléments de linguistique pour le texte littéraire. Bordas.

Rivara, R. (2000). La langue du récit. L’Harmattan.

محمد آيت ميهوب

جامعة زايد – أبوظبي
P.O. Box 144534, Abou Dabi, Émirats arabes unis
فرع أبو ظبي. ص.ب : 4783 أبوظبي، دولة الإمارات العربية المتحدة

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.