مقدمة
إنّ دراسة تناول جريدة الأهرام للأحداث السياسية في الجزائر بعد الاستقلال لا ينبغي أن تُختزل في جمع عناوين متفرقة أو ترتيب وقائع متعاقبة حسب تسلسلها الزمني. فمثل هذا المسلك، وإن كان مفيدًا في مرحلة التوثيق الأولي، لا يكفي لبناء مقال علمي؛ لأنّ المقال العلمي لا يكتفي بإثبات حضور الخبر في الجريدة، بل يسائل شروط ظهوره، وطريقة تنظيمه داخل الفضاء الصحفي، واللغة التي صيغ بها، وعلاقته بالسياق السياسي والإعلامي الذي أنتجه.
من هذا المنطلق، تعيد هذه الدراسة بناء المادة الأرشيفية المتصلة بجريدة الأهرام وبالتحولات السياسية الجزائرية ضمن أفق تحليلي لا وصفي. فالجزائر التي تظهر في صفحات الأهرام بين سنتي 1962 و1999 ليست موضوعًا واحدًا ثابتًا؛ بل هي صورة سياسية متحولة، تنتقل من صورة الدولة الخارجة من حرب التحرير إلى صورة النظام الثوري، ثم إلى صورة الدولة الباحثة عن شرعية دستورية، قبل أن تغدو، في نهاية الثمانينيات والتسعينيات، مجالًا سياسيًا مأزومًا بفعل التعددية، والعنف، وإعادة ترتيب الشرعية. وهذا التحول في صورة الجزائر يوازي تحولات أوسع عرفتها الصحافة العربية، كما يوازي تحولات في علاقات مصر بمحيطها الإقليمي، وفي انتقال الخطاب السياسي العربي من أفق التحرر الوطني إلى أفق الدولة، والأمن، والاستقرار.
وتكمن أهمية جريدة الأهرام في كونها ليست صحيفة عابرة في تاريخ الإعلام العربي. فهي مؤسسة صحفية كبرى اشتغلت، في مراحل طويلة، بوصفها مرآة للسياسة المصرية وفضاءً لصياغة الرأي العربي حول قضايا التحرر الوطني، والصراعات الإقليمية، وتحولات الشرعية السياسية. لذلك، فإنّ تحليل خطابها حول الجزائر لا يكشف فقط كيف رأت الصحافة المصرية المسار السياسي الجزائري، بل يكشف أيضًا كيف جرى تأويل هذا المسار داخل المخيال السياسي العربي، وكيف تحوّل الحدث الجزائري، عبر العنوان والخبر والتقرير والتحليل، إلى موضوع عربي قابل للتداول والتقييم وإعادة التأطير.
1. الإطار الإشكالي والنظري للدراسة
1.1. الإشكالية والفرضيات
الإشكالية المركزية لهذه الدراسة هي : كيف قامت جريدة الأهرام المصرية بتأطير التحولات السياسية الجزائرية بعد الاستقلال، بين 1962 و1999، وما الذي تكشفه هذه التغطية عن انتقال الخطاب الصحفي العربي من التضامن القومي إلى خطاب الأزمة والشرعية والاستقرار؟
تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة ثلاثة. أولها : ما درجة مرئية الأحداث الجزائرية داخل الجريدة، ولا سيما في الصفحة الأولى؟ وثانيها : ما الأطر الدلالية والسياسية التي نظمت قراءة الأهرام لهذه الأحداث؟ وثالثها : كيف أثرت العلاقات الجزائرية-المصرية والتحولات الإقليمية في زاوية التغطية الصحفية؟
تفترض الدراسة، أولًا، أنّ حضور الجزائر في الأهرام لم يكن مجرد حضور إخباري، بل كان حضورًا رمزيًا مرتبطًا بصورة الجزائر داخل المجال العربي. وتفترض، ثانيًا، أنّ التغطية انتقلت من إطار الشرعية الثورية والتضامن العربي في الستينيات إلى إطار الخلافة السياسية بعد 1978، ثم إلى إطار الأزمة والأمن والتعددية منذ 1988. وتفترض، ثالثًا، أنّ الأهرام مارست نوعًا من الوساطة الدبلوماسية الصحفية، إذ نقلت الأحداث الجزائرية وهي تعيد ترتيبها ضمن أفق السياسة المصرية والعربية.
2.1. من ترتيب الأولويات إلى التأطير الإعلامي
تستند الدراسة إلى مفهومين أساسيين في دراسات الإعلام. الأول هو ترتيب الأولويات، ويقصد به قدرة الصحافة على تحديد الموضوعات التي تستحق أن تُعرض بوصفها قضايا عامة. فالصفحة الأولى ليست مجرد موضع طباعي، بل هي إعلان تحريرى بأن الحدث يملك قيمة تتجاوز حدوده المحلية. ومن ثم، فإن ظهور الخبر الجزائري في الصفحة الأولى للأهرام يمنحه مكانة سياسية داخل الأجندة العربية للقارئ المصري والعربي.
أما المفهوم الثاني فهو التأطير الإعلامي. والتأطير يعني أن الجريدة لا تنقل الحدث كما هو، بل تنتقي من عناصره ما تجعله أكثر بروزًا، وتربطه بسبب أو مسؤولية أو تهديد أو حل ممكن. يظهر التأطير في العنوان، في ترتيب المعلومات، في اختيار المصدر، في وصف الفاعلين، وفي الحقل المعجمي المهيمن. لذلك، فإن عبارة مثل « انقلاب »، أو « مظاهرات عنيفة »، أو « عودة الاستقرار »، ليست مجرد كلمات، بل مؤشرات على طريقة في تفسير الحدث.
وتفيد هذه المقاربة في تجاوز القراءة الوصفية. فبدل القول إن الأهرام كتبت عن حدث معين، يصبح السؤال : بأي لغة كتبته؟ وأي فاعلين أبرزت؟ وهل قدمته بوصفه لحظة تأسيس، أم أزمة، أم تهديدًا أمنيًا، أم انتقالًا دستوريًا، أم مناسبة دبلوماسية؟ وبذلك يتحول الأرشيف الصحفي من مادة خام إلى corpus قابل للتحليل.
2. المدونة والمنهجية
تقوم هذه الدراسة على بناء مدونة أرشيفية محددة، لا على استعراض عام لما نشرته جريدة الأهرام عن الجزائر. لذلك كان من الضروري ضبط corpus البحث، وتحديد وحدات التحليل، والتمييز بين المادة الصحفية بوصفها مصدرًا أوليًا للتحليل، وبين المراجع العلمية والتاريخية التي تُستعمل لتأطير القراءة وتفسير السياقات. ويهدف هذا الاختيار المنهجي إلى تحويل المادة الصحفية من أرشيف متفرق إلى مدونة قابلة للتحليل وفق مؤشرات واضحة تتعلق بالمرئية التحريرية، والعناوين، ومصادر الخبر، والفاعلين، والأطر الدلالية المهيمنة.
1.2. بناء المدونة الأرشيفية
بُنيت المدونة الأرشيفية لهذه الدراسة انطلاقًا من تتبع 22 حدثًا سياسيًا مفصليًا في تاريخ الجزائر المستقلة بين سنتي 1962 و1999. وقد اختيرت هذه الأحداث لأنها تمثل لحظات انتقالية كبرى في مسار الدولة الجزائرية: إعلان الدولة الوطنية، بناء الشرعية الثورية والدستورية، انتقال السلطة، الانفتاح التعددي، صعود الإسلام السياسي، إيقاف المسار الانتخابي، العنف السياسي، ثم إعادة ترتيب السلطة في نهاية التسعينيات.
وقد بلغ عدد الوحدات الصحفية المرصودة في أعداد الأهرام 62 وحدة، تشمل أخبارًا، تقارير، تحليلات، أعمدة رأي، ومتابعات داخلية. ولم تُعامل صور الصفحات أو fac-similés بوصفها غاية في ذاتها؛ لذلك لم تُدرج في متن المقال، بل حُوّلت إلى مادة نصية قابلة للاستشهاد والتحليل، من خلال ضبط العناوين، وأرقام الأعداد، وتواريخ النشر، والصفحات، وصيغ التغطية. وهذا الاختيار مقصود منه تخفيف الطابع الوثائقي الخام، وإبراز القيمة العلمية للمدونة عبر الاقتباس والتحليل.
وتعتمد المعالجة في هذا المستوى على مبدأ التمييز بين المصدر الأولي والمرجع الثانوي. فمواد جريدة الأهرام تُعامل بوصفها corpus تحليليًا، لا بوصفها مراجع نظرية؛ ولذلك تُفصل في ملحق خاص يتيح تتبع الأعداد والصفحات والعناوين المعتمدة. أما المراجع العلمية والتاريخية فتُدرج في قائمة مستقلة لأنها تؤطر المنهج والسياق ولا تشكل موضوع التحليل المباشر.
يوضح الجدول الآتي الأحداث السياسية المعتمدة في بناء المدونة. ولا يُقصد بهذا الجدول استبدال التحليل بالسرد التاريخي، بل تحديد المجال الزمني والسياسي الذي اشتغلت عليه الدراسة، حتى يكون corpus البحث واضحًا وقابلًا للتحقق.
جدول 1. الأحداث السياسية الجزائرية المعتمدة في بناء المدونة الأرشيفية
|
المتغير |
المؤشرات التحليلية |
|
المرئية التحريرية |
الصفحة، حجم العنوان، استمرار المتابعة، موضع الخبر داخل العدد. |
|
نوع المادة |
خبر، تقرير، تحليل، عمود رأي، ملف متابعة، مادة منقولة عن وكالة. |
|
مصادر الخبر |
وكالة الأنباء الجزائرية، وكالات عالمية، مراسلون، مصادر دبلوماسية، صحف جزائرية أو أجنبية. |
|
الأطر الدلالية |
التضامن القومي، الشرعية الثورية، الدولة، الأزمة الدستورية، الأمن، الاستقرار، الإسلام السياسي. |
|
الفاعلون المركزيون |
الرئيس، الجيش، الحزب، المعارضة، الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مصر، فرنسا، الجامعة العربية. |
|
التقويم الضمني |
احتفاء، حذر، قلق، تفسير أمني، تأييد الاستقرار، دعوة إلى احترام السيادة. |
2.2. شبكة الترميز ووحدات التحليل
بعد تحديد الأحداث المؤسسة للمدونة، كان من الضروري الانتقال من مستوى الاختيار التاريخي إلى مستوى المعالجة التحليلية. لذلك اعتمدت الدراسة شبكة ترميز تسمح بتحويل المواد الصحفية إلى مؤشرات قابلة للمقارنة. وتتمثل وحدة التحليل الأساسية في «المادة الصحفية»، أي الخبر أو التقرير أو التحليل أو العمود المنشور في الجريدة. أما وحدة الاستدلال الدقيقة فهي العنوان أو الصيغة الخبرية المركزية التي تختصر زاوية المعالجة وتكشف الإطار الدلالي والسياسي الذي اختارته الجريدة.
ولا تُقرأ الصفحة في هذه الدراسة بوصفها معطى طباعيًا فحسب، بل بوصفها مؤشرًا على المرئية التحريرية. فالصفحة الأولى تدل عادة على إدراج الحدث ضمن أولويات الجريدة، بينما تتيح الصفحات الداخلية فهم الامتدادات التفسيرية والتحليلية للخبر. كما تسمح مصادر الخبر والفاعلون المذكورون والحقول الدلالية المتكررة بتحديد ما إذا كان الحدث مؤطرًا بوصفه لحظة تضامن قومي، أو أزمة سلطة، أو انتقالًا دستوريًا، أو تهديدًا أمنيًا، أو مسارًا لإعادة بناء الشرعية.
يبين الجدول الآتي المتغيرات التي استُخدمت في تحليل المواد الصحفية. وتكمن وظيفته في ضبط العلاقة بين corpus الأهرام والأسئلة البحثية، بحيث لا تبقى القراءة انطباعية، بل تستند إلى مؤشرات متكررة وقابلة للتفسير.
جدول 2. شبكة الترميز ووحدات التحليل
|
التاريخ |
الحدث السياسي |
|
25 سبتمبر 1962 |
الإعلان عن الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية |
|
16 أفريل 1964 |
المصادقة على ميثاق الجزائر |
|
19 جوان 1965 |
التصحيح الثوري واستحداث مجلس الثورة |
|
19 نوفمبر 1976 |
الاستفتاء على الدستور الجزائري الثاني |
|
27 ديسمبر 1978 |
وفاة الرئيس هواري بومدين |
|
7 فيفري 1979 |
انتخاب الشاذلي بن جديد رئيسًا للجمهورية |
|
5 أكتوبر 1988 |
مظاهرات أكتوبر في المدن الجزائرية |
|
3 نوفمبر 1988 |
استفتاء المراجعة الدستورية |
|
22 ديسمبر 1988 |
إعادة انتخاب الشاذلي بن جديد |
|
23 فيفري 1989 |
اعتماد دستور التعددية |
|
12 جوان 1990 |
الانتخابات المحلية وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ |
|
26 ديسمبر 1991 |
الانتخابات التشريعية وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول |
|
12 جانفي 1992 |
إيقاف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جديد |
|
14 جانفي 1992 |
استحداث المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف |
|
29 جوان 1992 |
اغتيال محمد بوضياف |
|
2 جويلية 1992 |
علي كافي رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة |
|
30 جانفي 1994 |
تعيين اليمين زروال رئيسًا للدولة |
|
16 نوفمبر 1995 |
انتخاب اليمين زروال رئيسًا للجمهورية |
|
5 جوان 1997 |
الانتخابات التشريعية التعددية |
|
23 أكتوبر 1997 |
الانتخابات المحلية التعددية |
|
11 سبتمبر 1998 |
إعلان زروال تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة |
|
15 أفريل 1999 |
انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للجمهورية |
3.2. الاقتباسات النصية المركزية بوصفها مؤشرات تأطيرية
لا يكفي، في تحليل الصحافة، إثبات أن الجريدة تابعت حدثًا ما؛ إذ ينبغي تحديد الصيغة التي اختارتها لتقديم هذا الحدث إلى القارئ. ولهذا السبب تعتمد الدراسة على العناوين والصيغ الخبرية المركزية بوصفها مؤشرات تأطيرية مكثفة. فالعنوان الصحفي لا يؤدي وظيفة إعلامية محايدة فقط، بل يختار زاوية للحدث، ويبرز فاعلًا دون آخر، ويقترح إطارًا أوليًا للفهم.
يعوض الجدول الآتي إدراج الصور داخل متن المقال؛ إذ يحوّل المادة البصرية إلى نصوص شاهدة قابلة للتحليل. وقد اختيرت العناوين لأنها تمثل أعلى درجات التكثيف التحريري للحدث، ولأنها تسمح بمتابعة انتقال خطاب الأهرام من التضامن القومي والشرعية الثورية إلى أطر الأزمة، والأمن، والتعددية، والاستقرار. كما قُسم الجدول إلى مراحل زمنية حتى لا يتحول إلى قائمة طويلة، بل يبقى مرتبطًا بالتحولات الكبرى في تمثيل الجزائر داخل الجريدة.
جدول 3. الاقتباسات النصية المركزية المعتمدة في تحليل تأطير الأحداث الجزائرية في جريدة الأهرام
الجزء الأول : من إعلان الدولة إلى دستور التعددية (1962-1989).
|
الحدث |
العدد/ص |
العنوان |
الإطار |
|
إعلان الجمهورية |
5 سبتمبر 1962، ص. 1 |
بن بيلا وصل فجأة إلى عاصمة الجزائر |
اعتراف/سيادة |
|
ميثاق الجزائر |
17 أفريل 1964، ص. 1 |
الجزائر شهدت أمس أكبر وأهم مؤتمر في تاريخها منذ حصولها على الاستقلال |
شرعية ثورية/اشتراكية |
|
التصحيح الثوري |
20 جوان 1965، ص. 1 |
انقلاب على بن بلة يقوده بومدين |
أزمة سلطة/انتقال قسري |
|
الدستور الثاني |
22 نوفمبر 1976، ص. 4 |
مفاهيم جديدة يطرحها الدستور الجزائري الجديد |
دسترة/تنظيم النظام |
|
وفاة بومدين |
28 ديسمبر 1978، ص. 1 |
وفاة بومدين وتشييع جنازته غدًا.. بيطاط يتولى مهام الرئيس بصورة مؤقتة |
زعامة/خلافة |
|
انتخاب الشاذلي |
6 فيفري 1979، ص. 1 |
استفتاء الجزائر على الرئيس الجديد غدًا |
انتقال مضبوط |
|
أحداث أكتوبر |
6 أكتوبر 1988، ص. 4 |
مظاهرات عنيفة في قلب العاصمة الجزائر |
أزمة اجتماعية/أمن |
|
أحداث أكتوبر |
8 أكتوبر 1988، ص. 1 |
أنباء عن سقوط 50 قتيلًا وجريحًا في مظاهرات الجزائر |
درامية الحدث/عنف |
|
استفتاء المراجعة |
4 نوفمبر 1988، ص. 1 |
استفتاء في الجزائر على تعديل الدستور.. للحد من سلطات الحزب الحاكم |
إصلاح/تقييد الحزب |
|
الدستور الثالث |
24 فيفري 1989، ص. 4 |
بدء الاستفتاء في الجزائر على الدستور الجديد |
تعددية سياسية |
الجزء الثاني : من بداية التعددية إلى إعادة ترتيب السلطة (1990-1994).
|
الحدث |
العدد/ص |
العنوان |
الإطار |
|
الانتخابات المحلية |
12 جوان 1990، ص. 8 |
أول انتخابات في ظل التعددية بالجزائر اليوم |
اختبار التعددية |
|
فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ |
14 جوان 1990، ص. 8 |
فوز مفاجئ لجبهة الإنقاذ الإسلامية يليها الحزب الحاكم |
إسلام سياسي/مفاجأة |
|
الانتخابات التشريعية |
24 ديسمبر 1991، ص. 6 |
49 حزبًا تتنافس في أول انتخابات تشريعية بالجزائر |
تعددية/تنافس حزبي |
|
الجولة الأولى |
27 ديسمبر 1991، ص. 1 |
صناديق الاقتراع الزجاجية هل تحدد مصير الجزائر |
مصير سياسي/دراما انتخابية |
|
إيقاف المسار |
13 جانفي 1992، ص. 1 |
إلغاء الانتخابات البرلمانية وتجميد الدستور في الجزائر بعد استقالة بن جديد |
أزمة دستورية/جيش |
|
المجلس الأعلى للدولة |
16 جانفي 1992، ص. 1 |
القيادة الخماسية تكمل فترة رئاسة بن جديد وتتولى مهام رئيس الدولة |
إعادة تركيب السلطة |
|
اغتيال بوضياف |
30 جوان 1992، ص. 1 |
اغتيال بوضياف في هجوم إرهابي بشرق الجزائر |
عنف سياسي/صدمة |
|
علي كافي |
4 جويلية 1992، ص. 1 |
رئيس الجزائر الجديد يتعهد بمواصلة مواجهة المتطرفين |
أمن/استمرارية الدولة |
|
زروال رئيسًا للدولة |
31 جانفي 1994، ص. 1 |
تعيين الجنرال زروال رئيسًا للجزائر |
سلطة انتقالية/مؤسسة عسكرية |
الجزء الثالث : من رئاسيات 1995 إلى انتخاب بوتفليقة (1995-1999).
|
الحدث |
العدد/ص |
العنوان |
الإطار |
|
انتخاب زروال |
19 نوفمبر 1995، ص. 1 |
مصر تأمل في عودة الاستقرار إلى الجزائر بعد فوز زروال في الانتخابات |
دبلوماسية/استقرار |
|
التشريعيات |
7 جوان 1997، ص. 1 |
نتائج الانتخابات الجزائرية.. فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد البرلمان |
إعادة مؤسسات/شرعية انتخابية |
|
المحليات |
25 أكتوبر 1997، ص. 9 |
فوز التجمع الوطني الديمقراطي بأغلبية المقاعد ونسبة مشاركة كبيرة |
مأسسة/مشاركة |
|
انتخابات مسبقة |
13 سبتمبر 1998، ص. 1 |
صدمة في الجزائر بعد إعلان زروال الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة لن يرشح نفسه لها |
أزمة خلافة/حيرة |
|
انتخاب بوتفليقة |
17 أفريل 1999، ص. 1 |
بوتفليقة رئيسًا للجزائر بنسبة 73 بالمئة |
رئيس جديد/إطفاء الفتنة |
3. تحولات التأطير في الأهرام: من الشرعية الثورية إلى أزمة الدولة
1.3. من الشرعية الثورية إلى شرعية الدولة: تغطية مرحلة التأسيس
تغطي المرحلة الأولى، من 1962 إلى 1976، لحظات بناء الدولة الجزائرية وتثبيت مشروعيتها السياسية. في هذه المرحلة، لا تظهر الجزائر في الأهرام بوصفها بلدًا جديدًا فحسب، بل بوصفها ثمرة رمزية لثورة تحريرية عربية كبرى. ولذلك فإنّ الإعلان عن الجمهورية، ومؤتمر جبهة التحرير، وميثاق الجزائر، والتصحيح الثوري، والدستور الثاني، كلها أحداث عولجت داخل أفق يتجاوز الخبر الوطني إلى معنى التحرر والسيادة.
في تغطية إعلان الجمهورية، يبرز التركيز على وصول بن بلة إلى العاصمة الجزائرية باعتباره علامة على اكتمال الانتقال من الثورة إلى الدولة. أما في مؤتمر 1964، فقد منحت الأهرام الحدث دلالة أكبر من كونه مؤتمرًا حزبيًا؛ إذ قرأته ضمن سياق الاختيار الاشتراكي، ومقاومة الاستعمار، وتقارب التجربة الجزائرية مع التجربة الناصرية.
« الجزائر شهدت أمس أكبر وأهم مؤتمر في تاريخها منذ حصولها على الاستقلال »— الأهرام، العدد 28252، 17 أفريل 1964، ص. 1.
تكشف هذه الصيغة عن إطار احتفائي واضح. فاستعمال « أكبر وأهم » لا يصف الحجم فقط، بل يرفع المؤتمر إلى مرتبة لحظة مؤسسة في تاريخ الجزائر المستقلة. كما أن الربط بين المؤتمر والاستقلال يجعل شرعية الحزب الحاكم استمرارًا لشرعية التحرير.
لكن تغطية 19 جوان 1965 تُظهر توترًا بين لغة الحدث ولغة الدبلوماسية. فقد استخدمت الأهرام كلمة « انقلاب »، وهي تسمية سياسية ثقيلة، لكنها واصلت المتابعة بحذر، وركزت على مواقف القاهرة وسلامة بن بلة وترتيبات الحكم الجديد. بهذا المعنى، لم تكن الجريدة مجرد ناقل للوقائع؛ بل كانت تفاوض لغويًا مع حدث حساس في دولة عربية حليفة.
« انقلاب على بن بلة يقوده بومدين » — الأهرام، العدد 28681، 20 جوان 1965، ص. 1.
أما دستور 1976، فقد مثّل لحظة انتقال من الشرعية الثورية إلى الصياغة الدستورية للمشروع السياسي. ويظهر ذلك في اهتمام الأهرام بمفاهيم الدستور : الاشتراكية، الرئاسة، الحزب، القطاع الخاص، والطابع القومي للدولة. فالحدث لا يُقرأ هنا بوصفه خبر استفتاء فحسب، بل بوصفه محاولة لإعادة الحياة الدستورية إلى النظام السياسي الجزائري.
2.3. الزعامة والخلافة السياسية : من بومدين إلى بوتفليقة
تبيّن تغطية الأهرام للحظات انتقال السلطة أن الجريدة كانت تقرأ النظام السياسي الجزائري من خلال علاقة قوية بين الدولة والقيادة. فوفاة بومدين لم تظهر فقط كوفاة رئيس، بل كاختبار لمصير الدولة بعد شخصية سياسية مركزية. لذلك انتقلت التغطية بسرعة من نعي الرئيس إلى سؤال الخلافة، وصراع التيارات، وهوية الشخصية القادرة على حفظ التوازن.
هذا التركيز على الخلافة يعكس تصورًا صحفيًا للنظام الجزائري بوصفه نظامًا تُختبر فيه المؤسسات عبر الأشخاص. ومما يعزز هذا المعنى أن تغطية 1978 و1979 تزامنت مع مناخ عربي شديد التوتر بعد كامب ديفيد، مما جعل القراءة المصرية لما يجري في الجزائر أقل احتفائية وأكثر حذرًا.
« وفاة بومدين وتشييع جنازته غدًا.. بيطاط يتولى مهام الرئيس بصورة مؤقتة » — الأهرام، العدد 33620، 28 ديسمبر 1978، ص. 1.
وفي المقابل، حظي انتخاب الشاذلي بن جديد بتغطية أقل اتساعًا. ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع أهمية الحدث الجزائري، بل يدل على أن ترتيب الأولويات الصحفية خاضع لسياق العلاقات المصرية-العربية، ولمكانة الحدث داخل جدول الاهتمام المصري في تلك اللحظة.
تتكرر مركزية سؤال القيادة في التسعينيات. فاغتيال محمد بوضياف أعاد إلى الواجهة صورة الزعيم الثوري العائد لإنقاذ الدولة، ثم صورة الضحية التي تختصر عنف المرحلة. أما زروال وبوتفليقة، فقد قدما في خطاب الأهرام من خلال سؤال الاستقرار : هل تستطيع القيادة الجديدة إعادة بناء الشرعية ووقف العنف؟ وبذلك انتقل إطار الزعامة من المجد الثوري إلى وظيفة الإنقاذ السياسي والأمني.
« بوتفليقة رئيسًا للجزائر بنسبة 73 بالمئة » — الأهرام، العدد 41039، 17 أفريل 1999، ص. 1.
3.3. أكتوبر 1988 ودستور 1989 : ميلاد إطار الأزمة والإصلاح
تمثل أحداث أكتوبر 1988 نقطة تحول في التغطية. فقبلها، كانت الجزائر تظهر غالبًا في أطر الدولة والقيادة والشرعية التاريخية؛ وبعدها، أصبحت تُقرأ من خلال أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية. يبدأ الخبر في الصفحة الرابعة تحت عنوان « مظاهرات عنيفة »، ثم ينتقل إلى الصفحة الأولى عندما تتسع الأزمة وتزداد دراميتها. هذا الانتقال التحريري يعكس صعود الحدث في سلم الأولويات.
اللافت أن الأهرام جمعت بين تفسير اجتماعي للأزمة، يربطها بغلاء المعيشة والاحتجاجات، وتفسير أمني، يركز على حالة الطوارئ والدبابات والقتلى والجرحى. وبذلك تشكّل إطار مزدوج : الأزمة بوصفها نتيجة اجتماعية، والأمن بوصفه ضرورة سياسية.
« مظاهرات عنيفة في قلب العاصمة الجزائر » — الأهرام، العدد 37192، 6 أكتوبر 1988، ص. 4.
« أنباء عن سقوط 50 قتيلًا وجريحًا في مظاهرات الجزائر » — الأهرام، العدد 37194، 8 أكتوبر 1988، ص. 1.
جاء الاستفتاء الدستوري في نوفمبر 1988 ثم دستور 1989 ليحوّلا الأزمة إلى مسار إصلاحي. وقد اهتمت الأهرام بهذا الانتقال من خلال إبراز الحد من سلطات الحزب الحاكم وفتح المجال للتعددية. غير أنّ حضور مفردات الإصلاح لا يلغي الحذر؛ فالتعددية الجزائرية كانت تُقرأ عربيًا من خلال سؤال قابلية الانتقال، ومخاطر انفلات المجال السياسي، وإمكان صعود قوى غير تقليدية.
« استفتاء في الجزائر على تعديل الدستور.. للحد من سلطات الحزب الحاكم »— الأهرام، العدد 37221، 4 نوفمبر 1988، ص. 1.
4. التعددية والعنف وخطاب الاستقرار
1.4. التعددية والإسلام السياسي : من المفاجأة الانتخابية إلى الأزمة الدستورية
تظهر انتخابات 1990 و1991 حدود التوقعات الصحفية التقليدية. فقد تعاملت الأهرام مع التعددية الجزائرية في بدايتها بوصفها تجربة انتخابية جديدة، لكنها لم تتوقع بدقة حجم التحول الاجتماعي والسياسي الذي سيقود إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ. واستعمال الجريدة لعبارة « فوز مفاجئ » ليس تفصيلًا لغويًا؛ إنه يكشف أن الحدث تجاوز نموذج القراءة الذي اعتمدته الصحيفة.
إنّ التعددية هنا لا تُقدَّم بوصفها انتقالًا ديمقراطيًا خطيًا، بل بوصفها مجالًا غير مستقر تتنافس فيه قوى متعددة، من بينها قوة إسلامية صاعدة. ومع الانتخابات التشريعية لسنة 1991، يرتفع الخطاب الدرامي في العنوان : « هل تحدد مصير الجزائر؟ ». فصندوق الاقتراع لم يعد مجرد آلية انتخابية، بل صار رمزًا لمصير الدولة والنظام السياسي.
« فوز مفاجئ لجبهة الإنقاذ الإسلامية يليها الحزب الحاكم » — الأهرام، العدد 37809، 14 جوان 1990، ص. 8.
« صناديق الاقتراع الزجاجية هل تحدد مصير الجزائر » — الأهرام، العدد 38370، 27 ديسمبر 1991، ص. 1.
بلغ هذا التأطير ذروته مع إيقاف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جديد. في هذه اللحظة، جمعت التغطية بين الأزمة الدستورية، دور الجيش، موقف جبهة الإنقاذ، وردود الفعل الدولية. ولم تعد الجزائر موضوع متابعة سياسية فقط، بل صارت سؤالًا عربيًا حول حدود الديمقراطية، ومكانة الإسلام السياسي، ودور المؤسسة العسكرية في حماية الدولة أو إعادة ترتيب السلطة.
« إلغاء الانتخابات البرلمانية وتجميد الدستور في الجزائر بعد استقالة بن جديد » — الأهرام، العدد 38389، 13 جانفي 1992، ص. 1.
2.4. العنف السياسي وخطاب الاستقرار : من بوضياف إلى انتخابات 1999
بعد جانفي 1992، يهيمن إطار العنف السياسي على التغطية. اغتيال محمد بوضياف يمثل في الأهرام لحظة صدمة مضاعفة : صدمة الاغتيال في حد ذاته، وصدمة إصابة رمز من رموز الثورة الجزائرية. لذلك لا يقتصر الخبر على وصف العملية، بل يستدعي سيرة الرجل ومساره من الكفاح ضد الاستعمار إلى رئاسة الدولة.
وفي تغطية علي كافي وزروال، يظهر خطاب الاستمرارية ومواجهة التطرف. فالعنوان الذي يتحدث عن تعهد رئيس الجزائر الجديد بمواصلة مواجهة المتطرفين يكشف تحولًا في مركز الثقل : لم تعد المشكلة هي بناء الحزب أو الدستور، بل حفظ الدولة أمام عنف داخلي ممتد.
« اغتيال بوضياف في هجوم إرهابي بشرق الجزائر » — الأهرام، العدد 38556، 30 جوان 1992، ص. 1.
« رئيس الجزائر الجديد يتعهد بمواصلة مواجهة المتطرفين » — الأهرام، العدد 38560، 4 جويلية 1992، ص. 1.
في انتخابات 1995 و1997 و1999، يعود الخطاب الانتخابي، لكنه لا يعود بالمعنى نفسه الذي كان له سنة 1991. فالأهرام تربط الانتخابات هذه المرة بالاستقرار، وبالقدرة على تجاوز العنف. لذلك يتكرر حضور مصر بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا يأمل في استقرار الجزائر، مما يدل على أن الجريدة تجعل من المسار الجزائري قضية إقليمية لا شأنًا وطنيًا صرفًا.
« مصر تأمل في عودة الاستقرار إلى الجزائر بعد فوز زروال في الانتخابات » — الأهرام، العدد 39794، 19 نوفمبر 1995، ص. 1.
5. الدلالات التركيبية للتغطية
1.5. العلاقات الجزائرية-المصرية : السياق الخفي للتأطير
لا يمكن فصل تغطية الأهرام عن العلاقات الجزائرية-المصرية. ففي الستينيات، حين كان المشترك القومي والثوري حاضرًا بقوة، اتسمت التغطية بقدر واضح من التعاطف والاحتفاء. وقد ارتبطت الجزائر في تلك المرحلة بثورة التحرير، وبالاختيار الاشتراكي، وبالموقف العربي المناهض للاستعمار والصهيونية.
لكن بعد كامب ديفيد، تغيّر السياق العربي، وانعكس ذلك على زاوية التغطية. لم تختفِ الجزائر من الأهرام، لكنها لم تعد تُقرأ بالدرجة نفسها من الحميمية السياسية. تظهر في تغطية وفاة بومدين مثلًا مفردات الصراع، التيارات، التشدد والتغيير، وهي مفردات لا تنفصل عن توتر العلاقات العربية في تلك اللحظة.
ومع أزمات التسعينيات، عاد منطق آخر : منطق الاستقرار الإقليمي. فالأهرام، وهي تنقل تصريحات مصرية حول الجزائر، تجعل من الأزمة الجزائرية شأنًا عربيًا يستدعي الحذر وعدم التدخل واحترام السيادة. وهكذا تكشف الصحيفة صورة مزدوجة : الجزائر كما تُغطّى صحفيًا، ومصر كما تحدد موقعها من هذا الحدث.
2.5. المرئية التحريرية : ماذا تعني الصفحة الأولى؟
تبيّن المعطيات أن 34 وحدة من أصل 62 ظهرت في الصفحة الأولى، أي بنسبة 54.83 %. وهذه النسبة مهمة لأنها تدل على أن الجزائر حظيت بموقع مرتفع في أجندة الأهرام. غير أن الدلالة العلمية لا تكمن في الرقم وحده، بل في تفسيره : فالصفحة الأولى هي موضع صناعة الأولوية، وبها يتحول الحدث الوطني الجزائري إلى قضية عربية مرئية.
كما أن اختلاف موضع النشر يكشف اختلاف درجة الطابع الدرامي أو الدبلوماسي للحدث. فالأحداث المؤسسة أو العنيفة أو المفصلية تظهر غالبًا في الصفحة الأولى، بينما تظهر الاستفتاءات الدستورية أو الانتخابات المحلية في صفحات داخلية عندما تكون أقل صدامية أو عندما تزامنت مع أحداث مصرية أو دولية طاغية.
جدول 4. المرئية التحريرية للأحداث السياسية الجزائرية في جريدة الأهرام: توزيع الوحدات الصحفية حسب الصفحات
|
الصفحة |
التكرار |
النسبة |
|
الصفحة الرئيسية الأولى |
34 |
54.83 % |
|
الصفحة الثالثة |
1 |
1.61 % |
|
الصفحة الرابعة |
9 |
14.51 % |
|
الصفحة الخامسة |
3 |
4.83 % |
|
الصفحة السادسة |
6 |
9.67 % |
|
الصفحة الثامنة |
2 |
3.22 % |
|
الصفحة التاسعة |
6 |
9.67 % |
|
الصفحة الثانية عشرة |
1 |
1.61 % |
|
المجموع |
62 |
100 % |
3.5. نتائج تركيبية
أولًا، تؤكد الدراسة أن الأهرام لم تتعامل مع الجزائر بوصفها خبرًا خارجيًا عاديًا، بل بوصفها مجالًا سياسيًا عربيًا ذا دلالة رمزية. فالاستقلال والثورة والقيادة والتعددية والعنف كلها قرئت ضمن أسئلة عربية أوسع عن الشرعية والدولة والاستقرار.
ثانيًا، يتغير التأطير وفق المراحل. ففي الستينيات والسبعينيات يغلب إطار الشرعية الثورية وبناء الدولة؛ وفي أواخر السبعينيات يظهر أثر التوتر الدبلوماسي؛ وفي أواخر الثمانينيات والتسعينيات يهيمن إطار الأزمة والأمن والتعددية والإسلام السياسي.
ثالثًا، يبيّن تحليل العناوين أن اللغة الصحفية تمارس وظيفة تفسيرية. فالعنوان لا يلخص فقط؛ إنه يوجّه القراءة، ويحدد مركز الحدث، ويقترح أفقًا لفهمه. لذلك كان تحويل الصور إلى اقتباسات نصية دقيقة أكثر فائدة علمية من إدراج fac-similés داخل المتن.
رابعًا، تعمل الأهرام بوصفها أرشيفًا وسيطًا. فهي تحفظ أثر الحدث الجزائري، لكنها تعيد تشكيله داخل أفق مصري وعربي، مما يجعل المدونة وثيقة عن الجزائر ووثيقة عن نظرة الصحافة المصرية إلى الجزائر في الوقت نفسه.
6. المناقشة : من الأرشيف إلى المقال العلمي
تدل الدراسة على أن القيمة العلمية للأرشيف لا تتحقق بمجرد عرضه. فترتيب الأخبار واحدًا بعد الآخر ينتج مادة توثيقية، لكنه لا ينتج بالضرورة معرفة علمية. أما المقال العلمي فيتطلب بناء corpus، واختيار وحدات تحليل، وتفسير العلاقات بين النص والسياق، وتحويل العنوان والخبر والصفحة إلى مؤشرات ذات دلالة.
من هنا كان حذف الصور من متن المقال اختيارًا منهجيًا. فالصور، إذا تكاثرت، تدفع النص نحو هيئة ملف وثائقي أو معرض أرشيفي. أما الاقتباسات النصية والجداول التحليلية، فتجعل corpus أكثر قابلية للفحص العلمي، وتتيح تحليل الأطر، المفردات، وتراتبية الأخبار. يمكن أن تحفظ الصور في ملف مرفق أو أرشيف تكميلي، لكنها لا ينبغي أن تحمل عبء البرهنة في المتن.
كما تكشف الدراسة أن الصحافة العربية شاركت في إنتاج ذاكرة سياسية للجزائر. فهي لم تكتف بتسجيل الوقائع، بل ساهمت في تحديد ما الذي يستحق الظهور، وبأي لغة، ومن أي زاوية. وبذلك يصبح الأرشيف الصحفي مجالًا لدراسة تاريخ التمثلات، لا فقط تاريخ الأحداث.
وتظل قابلية تعميم النتائج مشروطة بطبيعة المدونة وبحدود الأعداد التي أمكن توثيقها. لذلك لا تدّعي الدراسة تمثيل مجمل الصحافة المصرية أو العربية، بل تقرأ حالة مؤسسية دالة هي الأهرام، بوصفها وسيطًا صحفيًا ذا وزن تاريخي في المجال العربي. كما أن تحليل العناوين لا يغني عن تحليل كامل للمتون الصحفية، لكنه يوفّر مدخلًا منهجيًا صالحًا لفهم آليات التكثيف والتوجيه والتحويل الرمزي للأحداث السياسية.
خاتمة
خلصت الدراسة إلى أن تناول الأهرام للأحداث السياسية الجزائرية بعد الاستقلال يكشف مسارًا تأطيريًا متحولًا : من التضامن القومي والشرعية الثورية إلى خطاب الدولة، ثم إلى خطاب الأزمة والتعددية والأمن والاستقرار. وهذا التحول يوازي تحولات كبرى عرفها المجال العربي بين الستينيات والتسعينيات.
وقد بينت الدراسة أن الجزائر شغلت موقعًا بارزًا في الأهرام، كما يدل حضور الصفحة الأولى بنسبة 54.83 % من الوحدات المرصودة. لكن الأهمية الحقيقية لا تكمن في هذا المؤشر الكمي وحده، بل في الطريقة التي جرى بها بناء معنى الحدث الجزائري من خلال العنوان، المصدر، موضع النشر، واللغة السياسية المستعملة.
تفتح هذه الدراسة إمكانات بحث لاحقة، منها مقارنة الأهرام بصحف عربية أخرى، أو توسيع المدونة إلى ما بعد 1999، أو إجراء تحليل معجمي آلي للعناوين، أو دراسة الصور بوصفها خطابًا بصريًا مستقلًا في ملحق خاص. غير أن مساهمتها الأساسية تتمثل في تحويل مادة أرشيفية متفرقة إلى قراءة علمية لتاريخ التمثلات الإعلامية للسياسة الجزائرية في الصحافة العربية.
