المؤثرون الرقميون وصناعة المحتوى في الجزائر: دراسة تحليلية لمضامين قناة «خبيب كواس» على منصة يوتيوب

Influenceurs numériques et production du contenu en ligne en Algérie : étude analytique de la chaîne YouTube « Khoubaib Kouas »

Digital Influencers and the Production of Algerian Digital Content: An Analytical Study of Khoubaib Kouas’s YouTube Channel

مهدية حسناوي Mahdia Hasnaoui

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

بحث إلكتروني

مهدية حسناوي Mahdia Hasnaoui, « المؤثرون الرقميون وصناعة المحتوى في الجزائر: دراسة تحليلية لمضامين قناة «خبيب كواس» على منصة يوتيوب », Aleph [على الإنترنت], نشر في الإنترنت 24 juin 2026, تاريخ الاطلاع 30 juin 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17506

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مساهمة المؤثرين وصنّاع المحتوى في زمن الميديا الجديدة في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر، وذلك من خلال دراسة تحليلية لمضامين قناة « خبيب كواس » على منصة YouTube بوصفها نموذجًا دالًّا على التحول الذي شهدته الممارسة الاتصالية الرقمية من النشر الفردي العفوي إلى إنتاج سمعي بصري ذي وظائف ثقافية وسياحية ومعرفية. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن المؤثر الرقمي لم يعد مجرد وسيط ترفيهي أو شخصية تحظى بالمتابعة، بل أصبح فاعلًا اتصاليًا قادرًا على تشكيل التمثلات، وإعادة تقديم المكان، وتحويل التجربة السياحية إلى خطاب بصري قابل للتداول والتأويل والتأثير. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، واستندت إلى أداة تحليل المضمون، من خلال عينة قصدية مكونة من عشرة فيديوهات منشورة على قناة خبيب كواس، جرى تحليلها وفق فئات شكلية وإخراجية وموضوعية وتفاعلية شملت مدة الفيديو، القالب الفني، حركة الكاميرا، المؤثرات الصوتية، حجم المشاهدات، ونوع المناطق السياحية الممثلة. أظهرت النتائج أن القناة تعتمد أساسًا على قالب الربورتاج، وعلى الكاميرا المتحركة، وعلى تنويع المؤثرات الصوتية، كما تركز بصورة بارزة على المناطق الحضرية، بما يجعلها تسهم في إنتاج صورة رقمية جديدة عن السياحة الجزائرية والعربية. وتخلص الدراسة إلى أن خبيب كواس يجمع بين صفة صانع المحتوى وصفة المؤثر؛ لأنه لا يكتفي بإنتاج مضمون بصري، بل يراكم رأس مال رمزيًا وجماهيريًا يسمح له بالتأثير في اتجاهات المتابعة، وفي الوعي الثقافي والسياحي، وفي تمثل الجمهور للمكان المحلي والدولي.

Cette étude analyse la contribution des influenceurs et des créateurs de contenu, à l’ère des nouveaux médias, au développement du contenu numérique en Algérie, à partir d’une analyse de la chaîne YouTube « Khoubaib Kouas ». L’article part de l’idée que l’influenceur numérique ne peut plus être réduit à une figure de divertissement ou à un simple producteur de visibilité : il fonctionne désormais comme un acteur communicationnel capable de mettre en récit les lieux, de reconfigurer les représentations touristiques et de produire une médiation culturelle susceptible d’orienter les perceptions du public. La recherche adopte une démarche descriptive et analytique fondée sur l’analyse de contenu. Le corpus est constitué de dix vidéos sélectionnées selon un échantillonnage raisonné, puis codées à partir de catégories formelles, techniques, interactionnelles et thématiques : durée, format journalistique, mouvements de caméra, effets sonores, volume de vues et types d’espaces touristiques représentés. Les résultats montrent la prédominance du reportage, l’usage massif de la caméra mobile, l’alternance entre musiques locales, musiques étrangères et ambiances naturelles, ainsi qu’une forte présence des espaces urbains. L’étude conclut que Khoubaib Kouas occupe une position hybride, à la fois créateur de contenu et influenceur, dans la mesure où son dispositif audiovisuel associe narration, expérience située, valorisation touristique et construction d’un capital symbolique auprès d’une large communauté numérique.

This study examines the contribution of influencers and content creators, in the era of new media, to the development of digital content in Algeria through a content analysis of the “Khoubaib Kouas” YouTube channel. The article argues that the digital influencer should no longer be understood merely as an entertainment figure or as a producer of online visibility, but rather as a communicational actor capable of narrating places, reshaping tourism imaginaries, and producing cultural mediation that may influence audience perceptions. The study adopts a descriptive and analytical approach based on content analysis. The corpus consists of ten videos selected through purposive sampling and coded according to formal, technical, interactional and thematic categories, including video duration, journalistic format, camera movement, sound effects, number of views and types of tourist areas represented. The findings show the predominance of the reportage format, the extensive use of mobile camera work, the alternation between local music, foreign music and natural soundscapes, as well as a marked focus on urban spaces. The study concludes that Khoubaib Kouas occupies a hybrid position, both as a content creator and as an influencer, insofar as his audiovisual strategy combines narration, embodied experience, tourism promotion and the construction of symbolic capital within a large digital community.

مقدمة

شهدت منظومة الإعلام والاتصال، خلال العقدين الأخيرين، تحولات عميقة ارتبطت بتسارع الرقمنة، وباتساع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وبانتقال الجمهور من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المشارك في إنتاج المعنى وتداوله وإعادة تشكيله. فلم تعد الميديا الجديدة مجرد امتداد تقني للوسائط التقليدية، ولم تعد المنصات الرقمية فضاءات للنشر العابر أو الترفيه السريع فحسب، بل أصبحت بيئات اجتماعية وثقافية واقتصادية مركبة، تتداخل فيها وظائف الإعلام، والتسويق، والتثقيف، والترفيه، وبناء السمعة، وتوجيه الرأي العام، وإنتاج أنماط جديدة من الحضور والتأثير.

وفي هذا السياق، برزت فئة صنّاع المحتوى والمؤثرين الرقميين بوصفها فئة اتصالية جديدة أعادت ترتيب العلاقة بين المنتج والمتلقي، وبين المؤسسة الإعلامية والجمهور، وبين الفضاء المحلي والمنصة العالمية. فقد أصبح بإمكان الفرد، بفضل أدوات التصوير والمونتاج والنشر الرقمي، أن ينتج خطابًا سمعيًا بصريًا واسع التداول، وأن يبني حوله جماعة متابعة، وأن يقيس أثر محتواه من خلال مؤشرات المشاهدة، والإعجاب، والتعليق، والمشاركة، والاشتراك. وهكذا لم تعد سلطة إنتاج الصورة والتمثيل محصورة في القنوات التلفزيونية أو المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل صارت موزعة بين فاعلين جدد يمتلكون قدرة متزايدة على توجيه الانتباه، وإعادة تقديم الأماكن، وصناعة الرغبة في الاكتشاف والمعرفة والاستهلاك الرمزي.

تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في السياق الجزائري، حيث عرف الفضاء الرقمي صعودًا متناميًا لصنّاع محتوى يقدمون مضامين متنوعة، تشمل السياحة، والرحلات، والمغامرات، والثقافة اليومية، والمطبخ، والرياضة، والقضايا الاجتماعية، وأنماط الحياة. ويلاحظ أن بعض هؤلاء لم يعودوا مجرد مستخدمين عاديين للمنصات الرقمية، بل تحولوا إلى وسطاء ثقافيين ورمزيين قادرين على إنتاج صورة بديلة عن المدن والمناطق والفضاءات المحلية، وعلى إعادة إدراج السياحة والثقافة ضمن أشكال جديدة من التمثيل البصري. ومن ثمّ، فإن دراسة المؤثرين في الجزائر لا تتعلق فقط بمسألة الشهرة الرقمية أو تراكم المتابعين، بل ترتبط بسؤال أعمق يتعلق بكيفية إنتاج الصورة، وبناء الخطاب، وتوجيه المخيال الجماهيري حول المكان.

ضمن هذا الأفق، تندرج قناة « خبيب » على منصة YouTube بوصفها نموذجًا دالًا على التحول الذي عرفته صناعة المحتوى السياحي والرحلي في الجزائر. فالقناة لا تكتفي بعرض رحلات أو مشاهد سياحية متفرقة، بل تبني خطابًا بصريًا قائمًا على الحركة، والسرد، والاكتشاف، والتفاعل مع الفضاءات والأشخاص، وتقديم المكان في صيغة تجمع بين المتعة البصرية والمعلومة والانطباع الشخصي. ومن خلال هذا النمط من الإنتاج، يتحول الفيديو إلى وسيط بين المكان والجمهور، وتتحول الرحلة الفردية إلى تجربة جماعية قابلة للمشاهدة والتداول والتأويل.

وتتجلى أهمية هذا الموضوع في أن المحتوى الرقمي السياحي لم يعد يُقاس بعدد المشاهدات وحده، ولا بجمال الصورة فقط، بل بقدرته على بناء معرفة غير رسمية حول المكان، وعلى إنتاج تمثلات ثقافية وسياحية، وعلى إعادة توجيه الانتباه نحو مناطق وتجارب قد لا تحظى بالحضور الكافي في الإعلام التقليدي أو في الخطابات السياحية الرسمية. فالفيديو الرقمي لا يعرض المكان كما هو فحسب، بل يعيد بناءه من خلال زاوية التصوير، وحركة الكاميرا، واختيار الموسيقى، وطريقة التعليق، وترتيب المشاهد، وصياغة العنوان، وبناء العلاقة مع الجمهور. وبهذا المعنى، يصبح المحتوى السياحي الرقمي خطابًا مركبًا تشترك في إنتاجه الصورة والصوت والحركة والسرد والتفاعل.

ولا تنطلق هذه الدراسة من تصور احتفائي بالمؤثرين، ولا من اختزالهم في أدوار تسويقية أو ترفيهية، بل تسعى إلى مساءلة موقعهم داخل منظومة الاتصال الرقمي المعاصر، من خلال تحليل كيفية إسهامهم في تطوير المحتوى الرقمي، وفي إعادة تمثيل المكان، وفي بناء علاقة جديدة بين الجمهور والسياحة والثقافة. فالمؤثر الرقمي، في هذا السياق، لا يُدرس بوصفه شخصية فردية فحسب، بل بوصفه فاعلًا اتصاليًا يملك أدوات إنتاج وتوزيع وتأثير، ويشارك في تشكيل صورة الأماكن، وفي تحويل التجربة الشخصية إلى مادة عامة قابلة للاستهلاك الرمزي والتفاعل الجماعي.

ومن هنا تتحدد إشكالية الدراسة في تحليل مدى مساهمة قناة « خبيب »، بوصفها نموذجًا لصناعة المحتوى والمؤثرين في زمن الميديا الجديدة، في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر، ولا سيما المحتوى السياحي والثقافي القائم على الصورة والسرد والتفاعل. وتسعى الدراسة إلى فهم طبيعة الاستراتيجيات البصرية والسمعية التي تعتمدها القناة، والكشف عن القوالب الفنية المهيمنة في فيديوهاتها، ورصد أنماط تمثيل المناطق السياحية داخلها، وقراءة مؤشرات التفاعل الرقمي التي يحققها هذا المحتوى، مع الانتباه إلى حدود هذه المؤشرات وضرورة عدم اختزال التأثير في عدد المشاهدات وحده.

وتكمن القيمة العلمية للدراسة في أنها تحاول الانتقال من الوصف العام لظاهرة المؤثرين إلى تحليل مضمون محدد، يستند إلى عينة من الفيديوهات وإلى فئات تحليل قابلة للملاحظة، مثل مدة الفيديو، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، وعدد المشاهدات، ونوع المناطق السياحية الممثلة. وبذلك تسعى الدراسة إلى تقديم قراءة وصفية تحليلية تجمع بين المؤشر الكمي والتفسير النوعي، وتربط بين خصائص الإنتاج السمعي البصري وبين الوظائف الاتصالية والثقافية للمحتوى الرقمي.

كما تستمد الدراسة أهميتها من كونها تندرج ضمن حقل بحثي لا يزال في حاجة إلى مزيد من التراكم في البيئة الجزائرية، خاصة فيما يتعلق بدراسة علاقة المؤثرين بصناعة الصورة السياحية، وبناء الهوية الرقمية، وتمثيل المكان، وتوجيه التفاعل الجماهيري. فالتحولات التي تعرفها الميديا الجديدة تفرض على البحث الإعلامي والاتصالي أن يطور أدواته ومفاهيمه، وأن يتعامل مع الفيديو الرقمي لا بوصفه مادة ترفيهية فقط، بل بوصفه نصًا سمعيًا بصريًا قابلًا للتحليل، وممارسة اتصالية ذات أثر ثقافي واجتماعي.

وعليه، تعتمد هذه الدراسة مقاربة وصفية تحليلية قائمة على تحليل المضمون، من خلال عينة قصدية مكونة من عشرة فيديوهات منشورة على قناة « خبيب » على منصة YouTube. وتهدف هذه العينة إلى الكشف عن الخصائص العامة للمحتوى محل الدراسة، وعن كيفية توظيف عناصر الصورة والصوت والحركة والسرد في إنتاج خطاب سياحي رقمي. ولا تدعي الدراسة تقديم حكم شامل ونهائي على كامل تجربة القناة، لكنها تسعى إلى بناء قراءة علمية دالة تسمح بفهم بعض ملامح تطور صناعة المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر، وحدودها، وإمكاناتها، وآفاق تطويرها.

وبهذا، تتوزع الدراسة على مسار تحليلي يبدأ بتحديد الإطار المنهجي والإشكالي، من خلال عرض الإشكالية، والأهداف، والأهمية، والمنهج وأدوات جمع البيانات، ثم ينتقل إلى الخلفية النظرية التي تضبط مفاهيم المحتوى الرقمي، وصانع المحتوى، والمؤثر، والوساطة السياحية الرقمية. وبعد ذلك، تقدم الدراسة الإطار التطبيقي الخاص بالقناة والعينة، قبل أن تنتقل إلى تحليل النتائج ومناقشتها، ثم صياغة النتائج العامة، والإجابة عن أسئلة الدراسة، وتقديم توصيات تسهم في تطوير البحث العلمي والممارسة المهنية في مجال المحتوى الرقمي السياحي.

1. الإطار المنهجي والإشكالي للدراسة

يقتضي تحليل مساهمة المؤثرين وصنّاع المحتوى في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر ضبطًا منهجيًا دقيقًا يسمح بالانتقال من الانطباع العام حول حضور المؤثرين في الفضاء الرقمي إلى دراسة علمية قائمة على إشكالية محددة، وأهداف واضحة، وعينة مضبوطة، وفئات تحليل قابلة للملاحظة والتفسير. ومن هذا المنطلق، لا تنظر هذه الدراسة إلى قناة « خبيب » بوصفها مجرد حالة شهرة رقمية أو تجربة فردية ناجحة، بل بوصفها corpus قابلًا للتحليل، يكشف عن أنماط إنتاج المحتوى السياحي والرحلي داخل الميديا الجديدة، وعن الكيفية التي تتحول بها التجربة الشخصية إلى خطاب بصري قابل للتداول والتأثير.

وتنطلق الدراسة من مبدأ أساسي مفاده أن الفيديو الرقمي، ولا سيما حين يتعلق بالمحتوى السياحي، ليس مادة تقنية محايدة، بل هو بناء سمعي بصري مركب، تتداخل فيه اختيارات الصورة، والصوت، والزمن، والحركة، والتعليق، والموسيقى، وطريقة تقديم المكان. لذلك فإن دراسة هذا النوع من المحتوى تقتضي الجمع بين الوصف الكمي لبعض المؤشرات الظاهرة، مثل مدة الفيديو وعدد المشاهدات، وبين التفسير النوعي للوظائف الاتصالية والجمالية التي تؤديها هذه المؤشرات داخل بنية الفيديو. ومن ثمّ، فإن هذا القسم يحدد الإشكالية، والأسئلة، والأهداف، والأهمية، والمنهج، وأداة التحليل، وعينة الدراسة، وحدودها الإجرائية.

1.1. إشكالية الدراسة وأسئلتها

أحدثت الميديا الجديدة تحولًا عميقًا في بنية الاتصال المعاصر، إذ لم يعد إنتاج المحتوى السمعي البصري حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحًا لفاعلين أفراد يملكون أدوات التصوير، والمونتاج، والنشر، والتفاعل المباشر مع الجمهور. وقد أدى هذا التحول إلى بروز صانع المحتوى والمؤثر الرقمي بوصفه فاعلًا اتصاليًا جديدًا، قادرًا على إنتاج خطاب بصري واسع التداول، وعلى توجيه انتباه الجمهور نحو موضوعات وأماكن وتجارب بعينها. وفي السياق الجزائري، تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة، لأن بعض صناع المحتوى أصبحوا يساهمون في تقديم صورة رقمية عن المدن، والمناطق السياحية، والفضاءات الثقافية، بما يمنحهم دورًا متزايدًا في تشكيل التمثلات الجماهيرية حول المكان.

ضمن هذا الإطار، تبرز قناة « خبيب » على منصة YouTube بوصفها نموذجًا مناسبًا لدراسة العلاقة بين صناعة المحتوى الرقمي، والتأثير الجماهيري، وتمثيل المكان السياحي. فالقناة تقدم محتوى رحليًا وسياحيًا قائمًا على التنقل، والتصوير الميداني، والسرد الشخصي، والتفاعل مع الفضاءات والأشخاص، وهو ما يجعلها حالة قابلة لتحليل آليات إنتاج الخطاب السياحي الرقمي في الجزائر. ومن ثمّ، لا تنحصر أهمية القناة في عدد المتابعين أو المشاهدات، بل في طبيعة البناء السمعي البصري الذي تقترحه، وفي الطريقة التي تعيد من خلالها تقديم المكان للجمهور.

بناءً على ذلك، تتمثل الإشكالية المركزية للدراسة في السؤال الآتي :

إلى أي مدى تسهم قناة « خبيب » على منصة YouTube، بوصفها نموذجًا لصنّاع المحتوى والمؤثرين في زمن الميديا الجديدة، في تطوير المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر، وفي بناء خطاب بصري قادر على تمثيل المكان والتأثير في تلقيه؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الجزئية التي تساعد على تفكيك الظاهرة وتحليلها من زوايا متعددة :

ما طبيعة الاستراتيجية البصرية التي تعتمدها قناة « خبيب » في إنتاج محتواها السياحي والرحلي؟ وكيف تتجلى هذه الاستراتيجية من خلال مدة الفيديو، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، وترتيب المشاهد؟

ما طبيعة العلاقة بين الاختيارات التقنية والجمالية، مثل حركة الكاميرا والمؤثرات الصوتية والموسيقى، وبين بناء جاذبية الفيديو وقابليته للمشاهدة والتداول؟

ما مستوى التفاعل الرقمي الذي تحققه فيديوهات القناة، في حدود المؤشرات المتاحة، ولا سيما عدد المشاهدات؟ وما حدود الاعتماد على هذا المؤشر في قياس التأثير الجماهيري؟

ما أنواع المناطق السياحية التي تمنحها القناة أولوية في التمثيل؟ وهل تميل إلى الفضاءات الحضرية، أم الساحلية، أم الصحراوية، أم الأثرية؟

كيف يمكن قراءة موقع خبيب كواس بين صفة صانع المحتوى وصفة المؤثر الرقمي؟ وهل يكتفي بإنتاج مضمون بصري، أم يشارك كذلك في بناء تمثلات سياحية وثقافية حول المكان؟

ما حدود هذا النموذج من المحتوى الرقمي، وما إمكانات تطويره من حيث التنويع الفني، والدقة المعرفية، والتوازن في تمثيل المناطق، وتعميق البعد الثقافي والسياحي؟

تسمح هذه الأسئلة بتوجيه الدراسة نحو تحليل المحتوى بوصفه بنية اتصالية مركبة، لا بوصفه مادة ترفيهية معزولة. كما تسمح بالانتقال من الحكم العام على المؤثرين إلى فحص آليات إنتاجهم للخطاب الرقمي، وطرائق تمثيلهم للمكان، ومؤشرات تفاعل الجمهور مع مضامينهم.

2.1. أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة، في مستواها العام، إلى تحليل مساهمة قناة « خبيب » في تطوير المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر، من خلال الكشف عن الخصائص الشكلية، والإخراجية، والموضوعية، والتفاعلية التي تميز عينة من فيديوهاتها المنشورة على منصة YouTube. ولا يتعلق الأمر بمجرد وصف محتوى القناة، بل بفهم الطريقة التي تُبنى بها التجربة السياحية رقميًا، وكيف تتحول الرحلة الفردية إلى خطاب بصري قابل للمشاهدة والتداول والتأويل.

ويتفرع عن هذا الهدف العام عدد من الأهداف الإجرائية. يتمثل الهدف الأول في تحليل العناصر البصرية التي تعتمدها القناة في بناء الفيديوهات، ولا سيما ما يتعلق بحركة الكاميرا، ونمط اللقطات، وطريقة الانتقال بين المشاهد، وبناء الإحساس بالحضور داخل المكان. فالصورة في المحتوى السياحي لا تنقل المكان فقط، بل توجه طريقة النظر إليه وتؤطر تلقيه.

ويتمثل الهدف الثاني في تحديد القوالب الفنية المستخدمة في العينة المدروسة، والكشف عن مدى هيمنة الربورتاج أو حضور قوالب أخرى مثل المقابلة أو البورتريه. ذلك أن القالب الفني لا يمثل شكلًا خارجيًا فحسب، بل يعكس تصور صانع المحتوى لوظيفة الفيديو، ولموقعه بوصفه راوياً أو مرافقًا أو شاهدًا أو وسيطًا بين المكان والجمهور.

أما الهدف الثالث فيتعلق بدراسة المؤثرات الصوتية الموظفة داخل الفيديوهات، من حيث حضور الموسيقى الجزائرية، أو الموسيقى الأجنبية، أو المؤثرات الطبيعية، وبيان كيفية مساهمة الصوت في بناء الجو العام للفيديو، وفي تعزيز الإحساس بالمكان، وفي توجيه انفعال المتلقي.

ويتمثل الهدف الرابع في رصد مؤشرات التفاعل الرقمي، وخاصة عدد المشاهدات، مع الانتباه إلى أن هذا المؤشر يظل قابلًا للتغير ولا يكفي وحده لقياس التأثير الفعلي. لذلك تسعى الدراسة إلى قراءة المشاهدات بوصفها مؤشرًا أوليًا على الانتشار، لا بوصفها دليلًا نهائيًا على عمق التلقي أو على جودة المحتوى.

أما الهدف الخامس فيتمثل في تصنيف أنواع المناطق السياحية الممثلة في الفيديوهات، من أجل معرفة ما إذا كان المحتوى يميل إلى تمثيل الفضاء الحضري، أو الساحلي، أو الصحراوي، أو الأثري، وما دلالة هذا التوزيع في بناء الصورة الرقمية للسياحة الجزائرية والعربية.

ويتمثل الهدف السادس في إبراز موقع صانع المحتوى داخل منظومة التأثير الرقمي، من خلال دراسة الكيفية التي يجمع بها خبيب كواس بين إنتاج المحتوى السمعي البصري وبناء علاقة جماهيرية تسمح له بتوجيه الانتباه نحو أماكن وتجارب معينة.

وأخيرًا، تهدف الدراسة إلى تقديم توصيات علمية ومهنية يمكن أن تسهم في تطوير المحتوى السياحي الرقمي، سواء من حيث ضبط البيانات، أو تنويع القوالب الفنية، أو تعزيز البعد المعرفي، أو توسيع تمثيل المناطق، أو احترام الضوابط الأخلاقية في تصوير الأشخاص والفضاءات.

3.1. أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول موضوعًا يقع في تقاطع حقول متعددة : الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، والسياحة، وتمثيل المكان، وثقافة المنصات، والتأثير الجماهيري. فالمؤثر الرقمي لم يعد مجرد شخصية تحظى بالمتابعة، بل أصبح فاعلًا قادرًا على إنتاج صورة، وبناء علاقة تواصلية مع الجمهور، وإعادة توجيه الانتباه نحو موضوعات ومناطق وتجارب لا تمر بالضرورة عبر القنوات الإعلامية التقليدية.

وتتمثل الأهمية العلمية للدراسة في أنها تسعى إلى تحويل ظاهرة شائعة في الفضاء الرقمي إلى موضوع قابل للتحليل الأكاديمي. فبدل الاكتفاء بوصف المؤثرين من الخارج، تحاول الدراسة فحص بنية المحتوى نفسه، من خلال عينة محددة وفئات تحليل واضحة. وبذلك تسهم في إغناء الدراسات الإعلامية والاتصالية المتعلقة بالميديا الجديدة في الجزائر، خاصة في جانب لا يزال بحاجة إلى مزيد من التراكم، وهو علاقة صناع المحتوى بالسياحة الرقمية وبناء صورة المكان.

أما الأهمية المنهجية فتتمثل في اعتماد تحليل المضمون بوصفه مدخلًا يسمح بالجمع بين المعطيات الكمية والتفسير النوعي. فالدراسة لا تكتفي بحساب التكرارات والنسب، بل تسعى إلى فهم دلالة هذه المعطيات داخل بنية الفيديو. فمدة الفيديو، مثلًا، لا تُقرأ بوصفها رقمًا فقط، بل بوصفها مؤشرًا على نمط السرد. وحركة الكاميرا لا تُقرأ بوصفها تقنية تصوير فقط، بل بوصفها طريقة في بناء علاقة حسية بين المشاهد والمكان. وعدد المشاهدات لا يُقرأ بوصفه نجاحًا مطلقًا، بل بوصفه مؤشرًا يحتاج إلى تأويل ضمن منطق المنصة والجمهور.

وتتجلى الأهمية الاتصالية للدراسة في كونها تبرز التحول الذي عرفته سلطة إنتاج الصورة. فقد صار صانع المحتوى قادرًا على منافسة الإعلام التقليدي في بعض وظائفه، ولا سيما في تمثيل المكان، والترويج غير المباشر للسياحة، وبناء خطاب قريب من الجمهور. ومن هنا، فإن دراسة قناة « خبيب » تسمح بفهم كيف يمكن للفرد، عبر أدوات رقمية ومنصة عالمية مثل YouTube، أن يتحول إلى وسيط بين المكان والمتلقي.

أما الأهمية السياحية والثقافية، فتتمثل في أن المحتوى الرقمي السياحي يمكن أن يسهم في إعادة اكتشاف المدن والمناطق والفضاءات المحلية، وفي بناء صورة أكثر حيوية عن الجزائر، وفي توجيه اهتمام الجمهور نحو أماكن قد لا تحظى بحضور كاف في الإعلام الرسمي أو في الخطابات السياحية المؤسساتية. غير أن هذه الإمكانية تظل مشروطة بمدى دقة المعلومات، وتوازن التمثيل، واحترام خصوصية الأشخاص والثقافات.

وتكتسب الدراسة أيضًا أهمية مهنية، لأنها تقدم ملاحظات قابلة للاستثمار من قبل صناع المحتوى والمؤسسات السياحية والثقافية، خصوصًا فيما يتعلق بضرورة تنويع القوالب، وتدعيم المحتوى بالمعلومات الموثقة، وتوسيع تمثيل المناطق، وتطوير هوية سمعية بصرية محلية، وضبط مؤشرات التفاعل الرقمي بطريقة علمية.

4.1. منهج البحث وأداة جمع البيانات

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، بوصفه المنهج الأنسب لدراسة محتوى رقمي قائم على الملاحظة، والتصنيف، والوصف، ثم التفسير. ويتيح هذا المنهج تحليل الظاهرة كما تظهر في عينة محددة من الفيديوهات، دون ادعاء الوصول إلى تعميم شامل على كل إنتاج القناة أو على جميع صناع المحتوى في الجزائر. فالغاية الأساسية هي فهم الخصائص العامة للمحتوى المدروس، والكشف عن أنماط بنائه، وربط المؤشرات الشكلية والتقنية بوظائفها الاتصالية والسياحية.

ولا يقتصر المنهج الوصفي التحليلي هنا على عرض الجداول أو حساب التكرارات، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة دلالية للمعطيات. فكل فئة من فئات التحليل تُقرأ في علاقتها بوظيفة الفيديو وبطبيعة المنصة وبالجمهور المفترض. فالمدة الزمنية تُقرأ في علاقتها بالسرد والإيقاع، والقالب الفني يُقرأ في علاقته بطريقة بناء الخطاب، وحركة الكاميرا تُقرأ في علاقتها بالإحساس بالحضور، والمؤثرات الصوتية تُقرأ في علاقتها بالهوية السمعية والجو الانفعالي، وعدد المشاهدات يُقرأ في علاقته بالتداول الرقمي، ونوع المنطقة السياحية يُقرأ في علاقته بتمثيل المكان.

وقد اعتمدت الدراسة أداة تحليل المضمون بوصفها الأداة الرئيسة لجمع البيانات وتنظيمها. وتم تحديد وحدة التحليل في الفيديو الواحد، باعتباره وحدة مستقلة قابلة للملاحظة والتصنيف، مع الانتباه إلى أن كل فيديو يتضمن وحدات فرعية، مثل المقدمة، واللقطات الانتقالية، والمشاهد الحوارية، واللقطات العامة، والمؤثرات الصوتية، والخاتمة. ويسمح هذا التحديد بفحص الفيديو بوصفه بنية كلية، دون تفكيكه تفكيكًا مفرطًا يفقده سياقه السردي.

وقد صُممت شبكة التحليل وفق فئات رئيسة تشمل : فئة المساحة الزمنية، وفئة القالب الفني، وفئة حركة الكاميرا، وفئة المؤثرات الصوتية، وفئة عدد المشاهدات، وفئة نوع المناطق السياحية. وتندرج هذه الفئات ضمن مستويات متكاملة : مستوى شكلي يتعلق بمدة الفيديو وقالبه، ومستوى إخراجي يتعلق بحركة الكاميرا والصوت، ومستوى تفاعلي يتعلق بعدد المشاهدات، ومستوى موضوعي يتعلق بنوع الفضاء السياحي الممثل.

واتبعت الدراسة خطوات إجرائية متسلسلة بدأت بتحديد القناة موضوع الدراسة، ثم اختيار عينة قصدية من الفيديوهات، ثم جمع المعطيات الخاصة بكل فيديو، وتشمل العنوان، وتاريخ النشر، والمدة، ونوع القالب، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، وعدد المشاهدات، ونوع المنطقة السياحية. وبعد ذلك تم تفريغ المعطيات في جداول، وحساب التكرارات والنسب المئوية، ثم تقديم قراءة تفسيرية لكل جدول، وربط النتائج الجزئية بمناقشة تركيبية عامة.

ومن الناحية الإجرائية، تتطلب دراسة مؤشرات YouTube قدرًا من الحذر، لأن الأرقام الرقمية تتغير باستمرار. لذلك ينبغي تثبيت تاريخ استخراج البيانات في النسخة النهائية، وتوضيح وحدة القياس المستعملة، ولا سيما في ما يتعلق بعدد المشاهدات. وقد جرى اعتماد صيغة « ألف مشاهدة » عند تصنيف فئات المشاهدات، تفاديًا للالتباس بين الأرقام المختصرة والأرقام المطلقة.

5.1. عينة الدراسة ومعايير اختيارها

اعتمدت الدراسة على عينة قصدية مكونة من عشرة فيديوهات منشورة على قناة « خبيب » على منصة YouTube. ويعود اختيار العينة القصدية إلى طبيعة الدراسة، التي لا تهدف إلى تمثيل إحصائي شامل لكل فيديوهات القناة، بل إلى تحليل مجموعة دالة من المضامين تسمح بالكشف عن أنماط الإنتاج السياحي والرحلي داخل القناة. وقد روعي في اختيار العينة تنوع الموضوعات، وتعدد الفضاءات الجغرافية، وتباين تواريخ النشر، بما يسمح بالحصول على صورة أولية عن طبيعة المحتوى المدروس.

وتشمل العينة فيديوهات تتناول مناطق جزائرية، مثل زلفانة، وغرداية، وسفار، إضافة إلى فيديوهات تتناول فضاءات عربية وإفريقية وأوروبية، مثل عُمان، وساحل العاج، وفنلندا، والسويد، ومصر. ويسمح هذا التنوع بدراسة كيفية بناء الخطاب السياحي بين المحلي والدولي، وكيفية انتقال القناة بين تمثيل الفضاء الجزائري وتمثيل فضاءات خارجية. كما يسمح بملاحظة ما إذا كانت القناة تعتمد الاستراتيجيات نفسها في تصوير الأماكن المختلفة، أو تعدل أسلوبها بحسب طبيعة المكان والموضوع.

وقد تم اختيار الفيديوهات العشرة بناءً على ملاءمتها لموضوع الدراسة، أي ارتباطها بالسفر، والسياحة، والاكتشاف، وتمثيل المكان. ولم تُدرج في العينة مواد لا تنتمي بوضوح إلى هذا المجال، حتى لا يحدث خلط بين المحتوى السياحي والمضامين الأخرى التي قد تنتجها القناة. وبذلك تظل العينة منسجمة مع إشكالية الدراسة وأهدافها.

وتجدر الإشارة إلى أن العينة القصدية تمثل اختيارًا منهجيًا ملائمًا للدراسات الوصفية التحليلية التي تهدف إلى فهم الظاهرة بعمق، لكنها لا تسمح بإطلاق تعميمات إحصائية مطلقة على كامل محتوى القناة. ولذلك فإن النتائج المتوصل إليها ينبغي أن تُقرأ بوصفها مؤشرات تحليلية دالة، لا بوصفها أحكامًا نهائية وشاملة. ويمكن للدراسات اللاحقة أن توسع العينة، أو تعتمد تحليلًا زمنيًا ممتدًا، أو تقارن قناة « خبيب » بقنوات سياحية جزائرية وعربية أخرى.

6.1. حدود الدراسة

تتحدد حدود هذه الدراسة في عدد من المستويات. يتمثل الحد الأول في حدود العينة، إذ اقتصرت الدراسة على عشرة فيديوهات فقط، وهو عدد يسمح بتحليل نوعي مفصل، لكنه لا يمثل كل إنتاج القناة ولا كل أنماط المحتوى السياحي الرقمي في الجزائر. لذلك لا تدعي الدراسة تعميم نتائجها على جميع فيديوهات « خبيب » أو على كل المؤثرين الجزائريين، بل تقدم قراءة تحليلية لعينة محددة ذات صلة مباشرة بإشكالية البحث.

ويتمثل الحد الثاني في طبيعة المؤشرات المتاحة. فقد اعتمدت الدراسة على مؤشرات ظاهرة، مثل عدد المشاهدات، ونوع القالب، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، ونوع المنطقة السياحية. غير أنها لم تتضمن تحليلًا تفصيليًا للتعليقات، أو مدة المشاهدة، أو معدل الاحتفاظ بالجمهور، أو مصادر الزيارات، أو خصائص الجمهور الديموغرافية، وهي مؤشرات يمكن أن تقدم فهمًا أعمق لطبيعة التفاعل والتأثير.

أما الحد الثالث فيتعلق بالطبيعة المتغيرة لبيانات المنصات الرقمية. فأعداد المشاهدات والإعجابات والتعليقات قابلة للتغير المستمر، وقد تختلف بحسب تاريخ المعاينة. لذلك فإن أي تحليل يعتمد على هذه البيانات يحتاج إلى تثبيت تاريخ استخراجها، وإلى التعامل معها بوصفها مؤشرات زمنية لا قيمًا ثابتة.

ويتمثل الحد الرابع في أن الدراسة تعتمد على تحليل المحتوى المنشور، ولا تتضمن مقابلة مع صانع المحتوى أو فريق العمل، ولا وثائق داخلية حول أدوات الإنتاج، أو استراتيجية النشر، أو مصادر التمويل، أو منطق اختيار الموضوعات. لذلك فإن بعض الاستنتاجات المتعلقة بالأدوات التقنية أو بالاستراتيجية الإنتاجية تظل مبنية على المعاينة والتحليل البصري، لا على تصريح مباشر من صاحب القناة.

أما الحد الخامس فيتصل بعدم قياس الأثر الفعلي في سلوك الجمهور. فالدراسة تستطيع تحليل كيفية تقديم المكان، ومؤشرات المشاهدة، وبعض خصائص المحتوى، لكنها لا تستطيع الجزم بما إذا كانت الفيديوهات قد دفعت المتابعين فعلًا إلى زيارة أماكن معينة، أو غيّرت تمثلاتهم حول الجزائر أو السياحة، لأن ذلك يحتاج إلى أدوات ميدانية إضافية، مثل الاستبيان أو المقابلة أو تحليل التعليقات على نطاق واسع.

ومع ذلك، فإن هذه الحدود لا تقلل من قيمة الدراسة، بل تحدد مجال صلاحيتها العلمية. فهي دراسة وصفية تحليلية تستهدف فهم بنية المحتوى وآليات تمثيل المكان داخل عينة محددة، وتفتح المجال أمام دراسات لاحقة أكثر اتساعًا وعمقًا، يمكن أن تدمج بين تحليل المحتوى وتحليل التلقي والمقابلات والدراسات المقارنة.

2. الخلفية النظرية للدراسة

تقتضي دراسة مساهمة المؤثرين وصنّاع المحتوى في تطوير المحتوى الرقمي ضبطًا نظريًا للمفاهيم المركزية التي تقوم عليها الظاهرة، وفي مقدمتها مفهوم المحتوى الرقمي، وصانع المحتوى، والمؤثر، والميديا الجديدة، والوساطة السياحية الرقمية. فهذه المفاهيم لا تمثل مجرد مصطلحات وصفية، بل تشكل شبكة تفسيرية تسمح بفهم التحول الذي عرفته علاقة الجمهور بالمعلومة والصورة والمكان في البيئة الرقمية المعاصرة. ومن ثمّ، فإن الخلفية النظرية لا تُدرج هنا بوصفها تمهيدًا عامًا، بل بوصفها إطارًا مفاهيميًا يوجه قراءة corpus الدراسة، ويمنح نتائج التحليل أساسًا علميًا أمتن.

لقد أدت الميديا الجديدة إلى إعادة توزيع سلطة إنتاج الخطاب السمعي البصري. فبعد أن كانت هذه السلطة مرتبطة أساسًا بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، وبما تملكه من أجهزة إنتاج وبث وتمويل، أصبح بإمكان الأفراد أن ينتجوا مضامينهم الخاصة، وأن ينشروها عبر المنصات الرقمية، وأن يبنوا حولها جمهورًا متابعًا ومتفاعلًا. وبذلك لم يعد الجمهور متلقيًا خارجيًا للرسالة الإعلامية فقط، بل أصبح جزءًا من دينامية إنتاج المعنى وتداوله، من خلال التعليق، والمشاركة، وإعادة النشر، والتفاعل الرمزي مع المحتوى. وهذا التحول هو الذي يفسر صعود صانع المحتوى والمؤثر الرقمي بوصفهما فاعلين جديدين في اقتصاد الانتباه والتمثيل.

1.2. المحتوى الرقمي : المفهوم والخصائص

يقصد بالمحتوى الرقمي كل مادة إعلامية أو معرفية أو ترفيهية أو ترويجية تُنتج أو تُخزن أو تُعالج أو تُنشر في صيغة رقمية، وتُتداول عبر وسيط إلكتروني أو منصة شبكية. ويشمل هذا المفهوم النصوص المكتوبة، والصور، والفيديوهات، والبودكاست، والرسوم البيانية، والبث المباشر، والمنشورات القصيرة، والكتب الإلكترونية، والمواد التفاعلية، وغيرها من الصيغ التي أصبحت تشكل البنية اليومية للاتصال الرقمي. غير أن خصوصية المحتوى الرقمي لا تكمن في وسيلته التقنية فقط، بل في قابليته للتحديث المستمر، وإعادة التوزيع، والتعليق، والمشاركة، والقياس الفوري لجزء من أثره من خلال المؤشرات الرقمية التي توفرها المنصات.

وبهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع المحتوى الرقمي بوصفه نسخة إلكترونية من المحتوى الإعلامي التقليدي، لأن بنيته الاتصالية مختلفة. فهو ينتج داخل فضاء شبكي سريع، تتدخل فيه خوارزميات الاقتراح، وسلوكيات الجمهور، ومنطق التفاعل، والصورة المصغرة، والعنوان، ومدة المشاهدة، ومعدل المشاركة. ولذلك فإن كل محتوى رقمي لا يُقاس فقط بما يقوله، بل أيضًا بطريقة ظهوره داخل المنصة، وبقابليته للانتشار، وبنوع العلاقة التي يبنيها مع الجمهور.

في السياق السياحي، يكتسب المحتوى الرقمي أهمية إضافية لأنه لا يكتفي بنقل المعلومة عن المكان، بل ينتج صورة عنه. فالفيديو السياحي، مثلًا، لا يعرض المدينة أو الصحراء أو الساحل بوصفها فضاءات محايدة، بل يعيد بناءها بصريًا وسمعيًا من خلال زاوية الكاميرا، وترتيب المشاهد، والموسيقى، والتعليق، والإيقاع السردي. ومن ثمّ، يصبح المحتوى الرقمي وسيطًا في تشكيل المخيال السياحي، لأنه يسهم في تحديد ما يبدو جذابًا، وما يستحق الزيارة، وما يدخل في دائرة الاهتمام الجماهيري.

2.2. صانع المحتوى الرقمي : من الإنتاج الفردي إلى الوساطة الثقافية

يشير مفهوم صانع المحتوى الرقمي إلى الفرد أو الفريق الذي يتولى تصور مادة رقمية، وإنتاجها، وتحريرها، ونشرها عبر المنصات الإلكترونية، مع الحرص على جعلها قابلة للمشاهدة والتفاعل والتداول. ولا يقتصر دور صانع المحتوى على التسجيل أو النشر، بل يشمل سلسلة من القرارات المهنية والجمالية والاتصالية : اختيار الموضوع، تحديد زاوية المعالجة، ضبط اللغة البصرية، بناء الإيقاع، انتقاء الموسيقى، تحرير المقاطع، صياغة العنوان، تصميم الصورة المصغرة، ثم إدارة العلاقة مع الجمهور بعد النشر.

ومن هنا، فإن صانع المحتوى المعاصر يجمع بين مهارات متعددة كانت في السابق موزعة بين وظائف مهنية مختلفة. فهو، في الوقت نفسه، مصور، ومخرج، ومعلّق، وراوٍ، ومحرر، ومسوق رقمي، ومدير لعلاقته بجمهوره. وكلما ازدادت احترافية المحتوى، ازدادت الحاجة إلى وعي أوضح بهذه الوظائف المتداخلة. فالفيديو الناجح لا ينتج من الكاميرا وحدها، بل من التخطيط، والمونتاج، والإيقاع، واختيار القالب، وفهم انتظارات الجمهور، ومراعاة منطق المنصة.

غير أن أهمية صانع المحتوى لا تنحصر في الجانب التقني أو الجمالي. فهو قد يؤدي، خصوصًا في المجال السياحي والثقافي، وظيفة وساطة رمزية بين المكان والجمهور. فعندما يصور مدينة أو منطقة أو سوقًا أو موقعًا طبيعيًا، فإنه لا ينقل صورته فقط، بل يختار ما يظهر وما لا يظهر، وما يعلق عليه وما يتجاوزه، وما يمنحه قيمة وما يتركه في الهامش. وبذلك يصبح صانع المحتوى مشاركًا في إنتاج صورة المكان، لا مجرد ناقل لها. وهذا ما يجعل دراسة قناة « خبيب » ذات أهمية، لأنها تكشف عن انتقال صانع المحتوى من مستوى الإنتاج الفردي إلى مستوى الوساطة الثقافية والسياحية.

3.2. المؤثر الرقمي : السمعة، الجمهور ورأس المال الرمزي

يرتبط مفهوم المؤثر الرقمي بالقدرة على التأثير في آراء المتابعين، واهتماماتهم، واختياراتهم، وتمثلاتهم، من خلال حضور مستمر على المنصات الرقمية. فالمؤثر لا يُعرّف بعدد المتابعين وحده، على الرغم من أهمية هذا المؤشر، بل يُعرّف أيضًا بدرجة الثقة التي يبنيها مع جمهوره، وبقدرته على توجيه الانتباه نحو موضوعات أو أماكن أو منتجات أو ممارسات معينة. ومن ثمّ، فإن التأثير الرقمي يقوم على تفاعل بين الشهرة، والمصداقية، والاستمرارية، والقدرة على إنتاج خطاب قابل للتداول.

وقد أظهرت دراسات الميديا الجديدة أن المؤثرين يمثلون شكلًا جديدًا من الشهرة الشبكية أو « الشهرة الصغيرة » التي لا تنشأ بالضرورة من المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل تتشكل عبر الحضور المتكرر في المنصات، والتفاعل مع الجمهور، وبناء صورة ذاتية قابلة للتسويق والاعتراف. وفي هذا السياق، يصبح المؤثر مالكًا لنوع من رأس المال الرمزي الرقمي، أي رصيد من الثقة والانتباه والمتابعة يسمح له بأن يضطلع بدور توجيهي داخل جماعة المتابعين.

في المجال السياحي، يكتسب المؤثر أهمية خاصة لأنه لا يقدّم المكان من خلال خطاب رسمي أو إعلان مباشر، بل يعرضه من خلال تجربة شخصية تبدو أكثر قربًا من الجمهور. فهو يسافر، ويمشي، ويتذوق، ويسأل، ويندهش، ويتفاعل، ثم يحول هذه التجربة إلى فيديو قابل للمشاهدة والتعليق. ولهذا يشعر المتلقي أحيانًا أن المؤثر لا يروّج للمكان فقط، بل يختبره نيابة عنه، ويمنحه تصورًا مسبقًا عن التجربة الممكنة. وهنا تكمن قوة المؤثر السياحي : إنه لا يكتفي بإظهار المكان، بل يربطه بالتجربة والانفعال والرغبة في الاكتشاف.

4.2. بين صانع المحتوى والمؤثر : حدود التداخل والاختلاف

رغم التقارب الكبير بين مفهومي صانع المحتوى والمؤثر، فإنهما لا يتطابقان تمامًا. فصانع المحتوى يركز أساسًا على إنتاج مادة رقمية ذات قيمة أو وظيفة أو جودة معينة، وقد يكون اهتمامه منصبًا على الجانب الفني أو المعرفي أو الترفيهي للمحتوى. أما المؤثر فيرتبط أساسًا بقدرته على إحداث أثر في الجمهور، سواء تعلق الأمر بتوجيه الاهتمام، أو تغيير التمثلات، أو التأثير في اختيارات المتابعين وسلوكياتهم. وقد يكون الشخص صانع محتوى دون أن يكون مؤثرًا إذا كان إنتاجه جيدًا لكنه لا يمتلك جمهورًا واسعًا أو ثقة جماهيرية واضحة. كما قد يكون مؤثرًا دون أن يكون منتجًا محترفًا للمحتوى إذا كان تأثيره قائمًا أساسًا على حضوره الشخصي أو مكانته الاجتماعية.

غير أن البيئة الرقمية المعاصرة جعلت الحدّ الفاصل بين الصفتين أكثر مرونة. فالكثير من صناع المحتوى يصبحون مؤثرين بمرور الوقت، عندما تتحول جودة إنتاجهم واستمراريتهم إلى رأس مال جماهيري ورمزي. وفي المقابل، يضطر المؤثرون إلى تطوير جودة محتواهم حتى يحافظوا على الجمهور، لأن التنافس داخل المنصات لم يعد يسمح بالاكتفاء بالحضور الشخصي وحده. ومن هنا يظهر التداخل بين الإنتاج والتأثير بوصفه إحدى سمات الميديا الجديدة.

تنطبق هذه الملاحظة على حالة قناة « خبيب ». فخبيب كواس يظهر بوصفه صانع محتوى لأنه ينتج فيديوهات منظمة تقوم على التصوير، والمونتاج، والسرد، والمؤثرات الصوتية، والبناء الربورتاجي. ويظهر في الوقت نفسه بوصفه مؤثرًا لأنه يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، ويستطيع توجيه انتباه المتابعين نحو أماكن وتجارب معينة. ولذلك، فإن دراسته تقتضي عدم الاكتفاء بقراءة جودة المحتوى، بل يجب أيضًا النظر في قدرته على بناء علاقة تفاعلية مع الجمهور، وعلى تحويل المكان إلى موضوع للرغبة والمشاهدة والنقاش.

5.2. الميديا الجديدة ومنطق المنصة

تتميز الميديا الجديدة بكونها لا تقوم على الاتصال الخطي التقليدي من مرسل إلى مستقبل فقط، بل على بنية تفاعلية وشبكية تسمح بتعدد أدوار الفاعلين. فالمنصة الرقمية ليست مجرد قناة محايدة لتمرير المحتوى، بل هي بيئة تقنية وثقافية تؤثر في طريقة إنتاجه وتلقيه وانتشاره. وعلى هذا الأساس، لا يمكن فهم فيديوهات YouTube من خلال تحليل مضمونها فقط، بل يجب أيضًا الانتباه إلى منطق المنصة الذي يتحكم في طول الفيديو، وطريقة العنونة، والصورة المصغرة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور، وخوارزميات الاقتراح، وإمكانات التعليق والمشاركة.

وتُعد منصة YouTube من أهم الفضاءات التي أعادت تشكيل العلاقة بين الفيديو والجمهور. فهي تجمع بين خصائص التلفزيون، والأرشيف، ومحرك البحث، والشبكة الاجتماعية. فالفيديو المنشور عليها لا يختفي بعد بثه، بل يظل قابلًا للعودة والمشاهدة والتعليق وإعادة النشر. كما أن قابليته للظهور لا ترتبط فقط بتاريخ نشره، بل بإمكان اقتراحه لاحقًا ضمن مقاطع مشابهة أو بحث جديد أو مشاركة خارجية. ولذلك فإن الفيديو على YouTube يعيش داخل زمن ممتد، وقد تتغير أرقام مشاهدته وتفاعله باستمرار.

هذا المنطق يفرض على صانع المحتوى أن ينتج فيديوهاته وفق شروط خاصة. فالفيديو يجب أن يجذب الانتباه من خلال العنوان والصورة المصغرة، وأن يحافظ على اهتمام المشاهد من خلال الإيقاع والمونتاج، وأن يشجع على التفاعل من خلال التعليق أو المشاركة أو الاشتراك. وبذلك يصبح المحتوى الرقمي نتاج علاقة مركبة بين نية صانع المحتوى، وبنية المنصة، وسلوك الجمهور. وهذا ما يجعل تحليل قناة « خبيب » يتطلب قراءة مزدوجة : قراءة داخلية لبنية الفيديو، وقراءة خارجية لمنطق انتشاره داخل YouTube.

YouTube6.2. والسرد السياحي البصري

يحتل الفيديو السياحي مكانة خاصة داخل YouTube، لأنه يجمع بين الرؤية، والحركة، والصوت، والسرد، والتجربة الشخصية. فالكتابة عن مكان ما تقدم معرفة وصفية، والصورة الثابتة تمنح انطباعًا بصريًا محدودًا، أما الفيديو فيتيح بناء تجربة شبه معايشة، حيث يتابع المتلقي مسار صانع المحتوى داخل المكان، ويسمع الأصوات، ويرى الحركة، ويتلقى التعليق والانطباع في الوقت نفسه. ومن ثمّ، فإن الفيديو السياحي الرقمي لا يكتفي بالإعلام عن المكان، بل يسهم في إنتاج الرغبة في زيارته أو معرفته أو تخيله.

يقوم السرد السياحي البصري على تحويل المكان إلى قصة. فالمكان لا يُعرض بوصفه مجموعة معالم فقط، بل بوصفه تجربة تبدأ بالوصول، ثم الاكتشاف، ثم التفاعل، ثم التقييم أو الانطباع. وتؤدي الكاميرا دورًا مركزيًا في هذا البناء، لأنها تحدد ما الذي يراه المتلقي أولًا، وكيف ينتقل من مشهد إلى آخر، وما التفاصيل التي تستحق التوقف عندها. كما يؤدي الصوت وظيفة موازية، لأنه يحدد الجو الانفعالي للمشهد، ويمنح الصورة عمقًا سمعيًا يربطها بالواقعية أو بالتشويق أو بالهوية الثقافية.

في هذا الإطار، لا يكون صانع المحتوى السياحي مجرد زائر يحمل كاميرا، بل يصبح راوياً بصريًا. فهو يرتب المكان في صورة سردية، ويمنح المشاهد مسارًا للتلقي، ويختار ما إذا كان سيقدم المكان بوصفه مغامرة، أو ذاكرة، أو تجربة طعام، أو اكتشافًا حضريًا، أو رحلة في الطبيعة. ومن هنا فإن قناة « خبيب » تندرج ضمن نمط من السرد السياحي البصري الذي يجعل الرحلة الشخصية مادة عامة، ويجعل المكان موضوعًا للتداول الجماهيري.

7.2. الوساطة السياحية الرقمية وتمثيل المكان

يمكن فهم دور المؤثرين وصناع المحتوى في المجال السياحي من خلال مفهوم الوساطة السياحية الرقمية. ويقصد بها الدور الذي يؤديه الفاعل الرقمي في الربط بين المكان والجمهور عبر إنتاج صورة أو سرد أو تجربة رقمية قابلة للتداول. فالوسيط السياحي الرقمي لا ينشئ المكان من العدم، لكنه يعيد ترتيبه رمزيًا من خلال ما يختاره للتصوير، وما يبرزه في العنوان، وما يعلق عليه، وما يقرنه بالموسيقى أو الصمت أو المؤثرات الطبيعية، وما يتيحه للجمهور من إمكانات التفاعل.

تنبع أهمية هذا المفهوم من أن السياحة لم تعد تعتمد فقط على الإعلانات الرسمية أو الأدلة التقليدية أو الحملات المؤسساتية، بل أصبحت تتشكل أيضًا عبر تجارب المستخدمين والمؤثرين وصناع المحتوى. فقد يكتشف المتلقي مدينة أو منطقة أو موقعًا أثريًا عبر فيديو فردي قبل أن يقرأ عنها في دليل سياحي أو يشاهد إعلانًا رسميًا. وهكذا يتحول المؤثر إلى وسيط رمزي بين المكان والمتلقي، ويساهم في تشكيل الخريطة الذهنية للأماكن الجديرة بالمشاهدة أو الزيارة.

غير أن هذه الوساطة تفرض مسؤوليات معرفية وأخلاقية. فتمثيل المكان ليس فعلًا بريئًا تمامًا، لأنه قد يعزز صورة إيجابية أو سلبية، وقد يبسط تعقيد الفضاءات الثقافية، وقد يحول الأشخاص المحليين إلى عناصر فرجوية إذا غابت الضوابط الأخلاقية. لذلك فإن المحتوى السياحي الرقمي الجيد هو الذي يجمع بين الجاذبية البصرية والدقة المعرفية واحترام خصوصية المكان وسكانه. وكلما امتلك صانع المحتوى وعيًا بهذه المسؤولية، أصبح تأثيره أكثر إيجابية وأقرب إلى الوساطة الثقافية الواعية.

8.2. نحو تأطير نظري لحالة قناة « خبيب »

انطلاقًا من المفاهيم السابقة، يمكن النظر إلى قناة « خبيب » بوصفها حالة تلتقي فيها ثلاثة مستويات نظرية مترابطة. يتمثل المستوى الأول في مستوى صناعة المحتوى الرقمي، حيث تنتج القناة فيديوهات تقوم على التصوير، والمونتاج، والمؤثرات الصوتية، والبناء الربورتاجي. ويتمثل المستوى الثاني في مستوى التأثير الرقمي، حيث يمتلك صاحب القناة جمهورًا واسعًا، وقدرة على توجيه الانتباه نحو أماكن وتجارب معينة. أما المستوى الثالث فهو مستوى الوساطة السياحية، حيث يعاد تقديم المكان من خلال تجربة شخصية مصورة، تتحول إلى خطاب بصري قابل للتداول داخل منصة YouTube وخارجها.

وبذلك لا تُدرس القناة في هذه الورقة بوصفها مجرد قناة ترفيهية أو سياحية، بل بوصفها نموذجًا لتحول أوسع في بنية الاتصال الرقمي في الجزائر. فهي تكشف عن انتقال الفاعل الفردي من موقع المستخدم إلى موقع المنتج، ومن موقع المنتج إلى موقع المؤثر، ومن موقع المؤثر إلى موقع الوسيط الثقافي والسياحي. وهذا الانتقال هو ما يمنح الدراسة مشروعيتها العلمية، لأنه يربط بين تحليل المحتوى وتحليل التحولات الاتصالية والاجتماعية التي أحدثتها الميديا الجديدة.

وعليه، فإن الخلفية النظرية تسمح بفهم أن مساهمة المؤثرين في تطوير المحتوى الرقمي لا تتوقف عند تحسين جودة الصورة أو زيادة عدد المتابعين، بل ترتبط بقدرتهم على بناء خطاب، وتمثيل المكان، وإنتاج علاقة تفاعلية مع الجمهور، وتوجيه المخيال السياحي. ومن هنا ستنتقل الدراسة في أقسامها اللاحقة إلى تحليل قناة « خبيب » وعينة الفيديوهات المختارة، من أجل اختبار هذه المفاهيم في corpus محدد، والكشف عن الكيفية التي تتجسد بها في بنية المحتوى السمعي البصري.

3. الإطار التطبيقي للدراسة : تقديم القناة وعينة التحليل

بعد تحديد الخلفية النظرية والمنهجية التي تؤطر الدراسة، يقتضي الانتقال إلى الجانب التطبيقي تقديم corpus البحث، وتوضيح طبيعة القناة المختارة، وموقعها داخل مشهد صناعة المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر، ثم عرض عينة الفيديوهات التي سيُبنى عليها التحليل. ولا تُقدَّم قناة « خبيب » هنا بوصفها موضوعًا بيوغرافيًا أو حالة شهرة فردية، بل بوصفها فضاءً رقميًا تتقاطع فيه عناصر الإنتاج السمعي البصري، والسرد السياحي، والتفاعل الجماهيري، وتمثيل المكان، وبناء صورة رقمية قابلة للتداول داخل منصة YouTube وخارجها.

تكتسب هذه المرحلة أهميتها من كون تحليل المحتوى لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة الحامل الرقمي الذي ينتجه، ولا عن سياق ظهوره وانتشاره. فالفيديو المنشور على YouTube ليس مادة مستقلة عن المنصة، بل هو جزء من نظام تواصلي تتدخل فيه بنية القناة، وعدد مشتركيها، وتاريخ إنشائها، وانتظام النشر، وطبيعة الجمهور، والامتداد نحو منصات رقمية أخرى. ومن ثمّ، فإن تقديم القناة وعينة الدراسة ليس إجراءً وصفيًا زائدًا، بل هو خطوة ضرورية لفهم شروط إنتاج المحتوى، وموقعه داخل بيئة رقمية أوسع.

1.3. تقديم القناة وسياقها الرقمي

تتخذ هذه الدراسة من قناة « خبيب » على منصة YouTube نموذجًا تطبيقيًا لتحليل مساهمة صنّاع المحتوى والمؤثرين الرقميين في تطوير المحتوى السياحي والثقافي في الجزائر. ولا يتم اختيار هذه القناة بوصفها حالة فردية معزولة، أو بوصفها مجرد تجربة شخصية ناجحة، بل باعتبارها نموذجًا دالًا على تحوّل أوسع في بنية الاتصال الرقمي، حيث أصبح صانع المحتوى قادرًا على الجمع بين الإنتاج السمعي البصري، والسرد الذاتي، والتفاعل الجماهيري، وتمثيل المكان، وبناء صورة رقمية قابلة للتداول داخل الفضاء العمومي الشبكي.

تُظهر المعطيات التقنية الخاصة بالقناة أنها تتمتع بحضور رقمي واسع نسبيًا؛ إذ تحمل اسم « خبيب khoubai »، ويملكها صانع المحتوى الجزائري خبيب كواس. وتضم القناة، بحسب المعاينة المعتمدة في الدراسة، أكثر من مليوني مشترك، وعددًا مهمًا من الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى مجموع مشاهدات مرتفع يدل على تراكم قاعدة جماهيرية واسعة. وقد أُنشئت القناة بتاريخ 04/10/2011، وهو ما يمنحها امتدادًا زمنيًا يسمح بالنظر إليها لا بوصفها مبادرة ظرفية، بل بوصفها تجربة رقمية تطورت تدريجيًا داخل بيئة YouTube، وتوسعت لاحقًا عبر منصات رقمية أخرى مثل Facebook وInstagram وTikTok.

وتكمن أهمية هذه القناة، من منظور البحث، في طبيعة المحتوى الذي تقدمه أكثر مما تكمن في الأرقام وحدها. فالمضامين المنشورة لا تقتصر على تسجيل الرحلات أو عرض الأماكن، بل تبني خطابًا بصريًا يقوم على الحركة، والاكتشاف، والتفاعل مع الفضاءات والأشخاص، وتقديم المدن والمناطق والوجهات السياحية من خلال تجربة ميدانية مباشرة. وبذلك تتحول القناة إلى فضاء وساطة رقمية بين المكان والجمهور، حيث لا تظهر المدينة أو المنطقة بوصفها معطى جغرافيًا فحسب، بل بوصفها موضوعًا للسرد، والتأويل، والتثمين البصري، وإعادة الاكتشاف.

ولا تُستحضر شخصية خبيب كواس في هذا السياق باعتبارها موضوعًا بيوغرافيًا مستقلًا، وإنما بوصفها مدخلًا لفهم موقع صانع المحتوى داخل منظومة الاتصال الرقمي المعاصر. فهو يمثل نموذجًا لصانع محتوى يجمع بين وظيفة المنتج السمعي البصري ووظيفة المؤثر، إذ لا يكتفي بتصوير الأماكن ونشرها، بل يسهم من خلال حضوره، وتعليقه، واختياراته البصرية والسردية، في توجيه انتباه الجمهور نحو فضاءات وتجارب معينة. ومن ثمّ، فإن قيمة القناة لا تنحصر في بعدها الترفيهي، بل تمتد إلى بعدها الثقافي والسياحي والاتصالي، بما يجعلها مادة مناسبة لتحليل العلاقة بين المحتوى الرقمي، وتمثيل المكان، والتأثير الجماهيري.

كما يكتسب حضور القناة أهميته من تعدد الفضاءات التي تتحرك ضمنها. فهي لا تقتصر على تمثيل مناطق جزائرية، مثل زلفانة، وغرداية، وسفار، بل تنفتح كذلك على وجهات عربية وإفريقية وأوروبية، مثل عُمان، وساحل العاج، وفنلندا، والسويد، ومصر. وهذا التنوع الجغرافي يسمح بدراسة كيفية بناء الصورة السياحية عبر المقارنة الضمنية بين المحلي والدولي، وبين الفضاء الجزائري والفضاءات الخارجية. كما يتيح فهم الطريقة التي يُعاد بها إدراج الجزائر ضمن خريطة رمزية أوسع للسفر والمغامرة والاكتشاف.

وبناءً على ذلك، فإن قناة « خبيب » لا تُدرس هنا بوصفها مجرد قناة ترفيهية على YouTube، بل بوصفها حالة تحليلية تكشف عن تحولات الإنتاج الرقمي في الجزائر، وعن انتقال صانع المحتوى من موقع المستخدم العادي للمنصة إلى موقع الفاعل الاتصالي القادر على إنتاج خطاب بصري ذي أثر ثقافي وسياحي. ومن هنا تبرَّر ملاءمتها بوصفها corpus للدراسة، لأنها تتيح فحص التداخل بين التقنية، والسرد، والهوية الرقمية، والتفاعل الجماهيري، وتمثيل المكان داخل الميديا الجديدة.

2.3. البطاقة التقنية للقناة

تُعد البطاقة التقنية للقناة مدخلًا ضروريًا لفهم حجم حضورها الرقمي وموقعها داخل منصة YouTube. فالمعطيات الكمية المرتبطة بعدد المشتركين، وعدد الفيديوهات، وإجمالي المشاهدات، وتاريخ إنشاء القناة، لا تمثل وحدها دليلًا على التأثير، لكنها توفر مؤشرات أولية على الامتداد الجماهيري والاستمرارية الرقمية. لذلك تُستعمل هذه المعطيات في هذه الدراسة بوصفها عناصر سياقية تساعد على فهم corpus التحليل، لا بوصفها نتائج قائمة بذاتها.

تتمثل البيانات التقنية الأساسية للقناة، وفق المعاينة المعتمدة في الدراسة، فيما يأتي :

جدول رقم 01 

المعطى

المؤشر

خبيب khoubai

اسم القناة

خبيب كواس

صاحب القناة

YouTube

المنصة الرئيسة

2.02 مليون مشترك

عدد المشتركين

121 فيديو

عدد الفيديوهات

123,504,579 مشاهدة

عدد المشاهدات الإجمالية

04/10/2011

تاريخ فتح القناة

Facebook، Instagram، TikTok

الحضور الموازي

المصدر : من إعداد الباحثة اعتمادًا على المعطيات الرقمية المتاحة في القناة أثناء المعاينة.

تكشف هذه المعطيات أن القناة تنتمي إلى فئة القنوات ذات الحضور الجماهيري الواسع نسبيًا، وهو ما يجعلها مناسبة لدراسة العلاقة بين صناعة المحتوى السياحي والتأثير الرقمي. غير أن هذه الأرقام ينبغي أن تُقرأ بحذر منهجي، لأنها قابلة للتغير المستمر تبعًا لتطور القناة، وارتفاع عدد المشتركين أو المشاهدات، وتغير خوارزميات المنصة، واستمرار تداول الفيديوهات القديمة. لذلك ينبغي تثبيت تاريخ استخراج هذه البيانات في النسخة النهائية من الدراسة، حتى تكون القراءة قابلة للتحقق والمقارنة.

وتدل مدة حضور القناة منذ سنة 2011 على أن التجربة لم تتشكل فجأة، بل تطورت ضمن مسار زمني طويل نسبيًا، انتقل فيه صاحب القناة من النشر الرقمي إلى بناء هوية محتوى أكثر وضوحًا. كما أن امتداد القناة إلى منصات أخرى يدل على أن حضور صانع المحتوى لم يعد مرتبطًا بمنصة واحدة، بل أصبح قائمًا على توزيع رقمي متعدد، يسمح بتوسيع قاعدة الجمهور، وإعادة تدوير المحتوى، وتعزيز العلاقة مع المتابعين عبر وسائط مختلفة.

3.3. مبررات اختيار قناة « خبيب » مجالًا للدراسة

يستند اختيار قناة « خبيب » مجالًا للدراسة إلى مجموعة من المبررات العلمية والموضوعية. يتمثل المبرر الأول في أن القناة تقدم محتوى سياحيًا ورحليًا واضح المعالم، يقوم على الانتقال بين الأماكن، وتصوير المدن والمناطق، وتقديم التجربة الشخصية داخل الفضاء المصور. وهذا يجعلها ملائمة لإشكالية الدراسة التي تبحث في العلاقة بين المؤثرين، وتطوير المحتوى الرقمي، وتمثيل المكان السياحي.

أما المبرر الثاني فيرتبط بالحضور الجماهيري للقناة، إذ إن عدد المشتركين والمشاهدات يشير إلى أن المحتوى لا يتحرك داخل دائرة ضيقة، بل يصل إلى جمهور واسع نسبيًا. وهذا الحضور يسمح بدراسة القناة بوصفها نموذجًا للمحتوى الرقمي الذي تجاوز حدود النشر الفردي إلى مستوى التأثير الجماهيري والتداول الواسع.

ويتمثل المبرر الثالث في تنوع الفضاءات التي تتناولها القناة. فهي لا تقتصر على الجزائر، بل تنتقل بين فضاءات جزائرية وعربية وإفريقية وأوروبية. وهذا التنوع يجعلها مناسبة لدراسة كيفية بناء الصورة السياحية في سياقات جغرافية مختلفة، وكيفية توظيف العناصر البصرية والسمعية والسردية في تقديم المكان، سواء كان محليًا أو خارجيًا.

أما المبرر الرابع فيتصل بطبيعة القالب الفني الذي تعتمد عليه القناة. فالمحتوى يقوم في معظمه على الربورتاج الرحلي، وهو قالب يسمح بالجمع بين السرد، والتوثيق، والحركة، والتفاعل، والتجربة الذاتية. ولذلك توفر القناة مادة مناسبة لتحليل العلاقة بين القالب الفني وطبيعة الخطاب السياحي الرقمي.

ويتمثل المبرر الخامس في أن حالة « خبيب » تسمح بفهم التداخل بين صانع المحتوى والمؤثر. فصاحب القناة لا يظهر فقط بوصفه منتج فيديوهات، بل بوصفه شخصية رقمية لها حضور، وصوت، وأسلوب، وعلاقة مستمرة مع الجمهور. ومن ثمّ، فإن القناة تسمح بدراسة كيفية تحول صانع المحتوى إلى وسيط سياحي وثقافي له قدرة على توجيه الانتباه نحو أماكن وتجارب معينة.

4.3. عينة الدراسة

تتكون عينة الدراسة من عشرة فيديوهات منشورة على قناة « خبيب » على منصة YouTube. وقد جرى اختيارها اختيارًا قصديًا بالنظر إلى ارتباطها المباشر بموضوع الدراسة، أي المحتوى السياحي والرحلي القائم على تمثيل المكان، وإلى تنوعها من حيث الفضاءات الجغرافية والموضوعات وتواريخ النشر. ولا تدعي هذه العينة تمثيل كل إنتاج القناة، لكنها تسمح ببناء قراءة تحليلية دالة لعدد من أنماط المحتوى التي تنتجها القناة.

وقد ضمت العينة فيديوهات تتناول فضاءات جزائرية، مثل زلفانة وغرداية وسفار، وفيديوهات أخرى تتناول فضاءات عربية وإفريقية وأوروبية، مثل عُمان، وساحل العاج، وفنلندا، والسويد، ومصر. ويسمح هذا التنوع بفحص كيفية حضور المكان في الفيديوهات، وكيفية بناء العلاقة بين المحلي والدولي، وبين السياحة الداخلية والسفر الخارجي، وبين التجربة الفردية والتمثيل الجماهيري.

جدول رقم 2 : عناصر العينة المختارة

تاريخ الفيديو

عنوان الفيديو

الرقم

22/03/2024

اكتشفت مياه سحرية في زلفانة - Zelfana’s Secret Water

01

18/03/2024

هل ماتت السياحة في الجزائر؟ - Is tourism in Algeria dead ? 🇩🇿

02

14/03/2024

حقيقة أجمل مدن الجزائر - غرداية Algeria’s Most Beautiful City 🇩🇿

03

20/06/2024

لن تصدق أن كل هذا في عُمان - صلالة جنة الخليج Your Guide To Salalah Oman 🇴🇲

04

18/02/2024

تحويل الأراضي القاحلة إلى مشاريع مربحة

05

21/12/2023

تحدي التيهان - كشفت اللغز الذي حيّر الجميع في سفار Solved The Sefar Mystery

06

25/12/2023

وصلت أرض الفيلة : ساحل العاج - كأس إفريقيا 2024 CAN 🇨🇮

07

18/01/2024

حقيقة مرضي بالملاريا في ساحل العاج - I Got Sick with Malaria 🇨🇮

08

12/12/2023

من فنلندا إلى السويد - أسهل عبور في العالم 🇸🇪🇫🇮

09

28/06/2023

أقوى أكل شوارع في مصر - Best of Egyptian Street Food 🇪🇬

10

المصدر : من إعداد الباحثة اعتمادًا على عينة الدراسة.

يظهر من الجدول أن العينة لا تقتصر على فضاء وطني واحد، بل تجمع بين فيديوهات عن الجزائر وفيديوهات عن بلدان أخرى. وهذا الاختيار مفيد من الناحية التحليلية، لأنه يسمح بفهم ما إذا كانت القناة تقدم السياحة بوصفها تجربة محلية فقط، أم بوصفها ممارسة رقمية عابرة للحدود. كما يسمح بتتبع العناصر الثابتة في أسلوب صانع المحتوى، مثل الاعتماد على الحركة، والسرد الشخصي، والتفاعل الميداني، بغض النظر عن اختلاف المكان المصور.

كما أن تواريخ الفيديوهات تمتد بين جوان 2023 وجوان 2024، وهو ما يمنح العينة تماسكًا زمنيًا نسبيًا، ويسمح بقراءة المحتوى ضمن مرحلة محددة من تطور القناة. غير أن هذا لا يعني أن النتائج تمثل كل المراحل السابقة أو اللاحقة من إنتاج القناة، بل تمثل الفترة التي تغطيها العينة فقط.

5.3. فئات التحليل المعتمدة

اعتمدت الدراسة على مجموعة من فئات التحليل التي تسمح بفحص الفيديوهات من زوايا متكاملة. وقد اختيرت هذه الفئات لأنها قابلة للملاحظة المباشرة داخل الفيديوهات، ولأنها ترتبط في الوقت نفسه بوظائف إنتاجية واتصالية وسياحية. وتتمثل هذه الفئات في : المساحة الزمنية، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، وعدد المشاهدات، ونوع المناطق السياحية.

تسمح فئة المساحة الزمنية بفهم نمط الزمن الذي تبنيه القناة في فيديوهاتها، وما إذا كانت تميل إلى المقاطع القصيرة أو الفيديوهات المتوسطة أو المواد الأطول. وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة لأن مدة الفيديو تؤثر في طريقة بناء السرد، وفي قدرة صانع المحتوى على تقديم التفاصيل، وفي إيقاع متابعة الجمهور.

أما فئة القالب الفني، فتسمح بتحديد البنية الأساسية للفيديو، وما إذا كان يقوم على الربورتاج، أو المقابلة، أو البورتريه، أو غير ذلك من القوالب. ويكتسب هذا المؤشر أهميته لأن القالب الفني يعكس الطريقة التي ينظم بها صانع المحتوى علاقته بالمكان والجمهور، ويكشف عن طبيعة الخطاب المرئي الذي ينتجه.

وتتعلق فئة حركة الكاميرا بالجانب الإخراجي والبصري، إذ تميز بين الكاميرا الثابتة والكاميرا المتحركة. وتسمح هذه الفئة بفهم ما إذا كانت القناة تعتمد على تصوير ساكن وتأملي، أم على تصوير حركي قائم على المرافقة والتنقل والاكتشاف.

أما فئة المؤثرات الصوتية، فتُعنى بتحليل حضور الموسيقى الجزائرية، والموسيقى الأجنبية، والمؤثرات الطبيعية. وتكتسب هذه الفئة أهمية لأن الصوت يؤدي دورًا أساسيًا في بناء جو الفيديو، وفي توجيه انفعال المتلقي، وفي تثبيت هوية المكان أو منحه إيقاعًا عالميًا قابلًا للتداول.

وتسمح فئة عدد المشاهدات برصد مستوى أولي من الانتشار الرقمي للفيديوهات، مع التأكيد على أن هذا المؤشر لا يكفي وحده لقياس التأثير. ولذلك تُقرأ المشاهدات في هذه الدراسة بوصفها مؤشرًا تفاعليًا أوليًا يحتاج إلى استكمال بمؤشرات أخرى في دراسات لاحقة.

أما فئة نوع المناطق السياحية، فتسمح بفهم الخريطة الموضوعية التي تبنيها القناة، وما إذا كانت تركز على المناطق الحضرية، أو الساحلية، أو الصحراوية، أو الأثرية. وهذه الفئة مهمة لأنها تكشف عن طبيعة تمثيل المكان داخل المحتوى، وعن الفضاءات التي تُمنح أولوية في الخطاب البصري للقناة.

6.3. إجراءات الترميز والتحليل

تم تحليل الفيديوهات وفق خطوات مترابطة. بدأت الخطوة الأولى بمشاهدة الفيديوهات المختارة وتسجيل بياناتها الأساسية، بما في ذلك العنوان، وتاريخ النشر، وطبيعة الموضوع، والمؤشرات الرقمية المتاحة. ثم انتقلت الدراسة إلى تصنيف كل فيديو وفق فئات التحليل المحددة، بحيث يُسجَّل زمن الفيديو ضمن فئة المساحة الزمنية، ويُحدد قالبه الفني، وطبيعة حركة الكاميرا فيه، ونوع المؤثرات الصوتية الأكثر حضورًا، وفئة المشاهدات التي ينتمي إليها، ونوع المنطقة السياحية التي يمثلها.

وفي الخطوة الثانية، تم تحويل هذه المعطيات إلى جداول كمية مختصرة تتضمن التكرارات والنسب المئوية. ولم يكن الهدف من هذه الجداول تقديم تحليل إحصائي معقد، بل تنظيم المعطيات بطريقة تسمح بقراءة الاتجاهات العامة داخل العينة. فالتكرار والنسبة المئوية يوفران مؤشرين أوليين على هيمنة نمط معين أو تراجع نمط آخر داخل المحتوى المدروس.

أما الخطوة الثالثة فتمثلت في تقديم قراءة تفسيرية لكل جدول، من خلال ربط النتائج الكمية بوظائفها الاتصالية والجمالية والسياحية. فإذا أظهر الجدول، مثلًا، هيمنة الكاميرا المتحركة، فإن التحليل لا يكتفي بذكر النسبة، بل يفسر دلالتها في بناء الإحساس بالمرافقة والحضور. وإذا أظهر الجدول حضورًا قويًا للمناطق الحضرية، فإن التحليل يربط ذلك بطبيعة المدينة بوصفها فضاءً بصريًا غنيًا وقابلًا للتداول.

وفي الخطوة الرابعة، تم الانتقال من التحليل الجزئي لكل فئة إلى قراءة تركيبية عامة تربط بين النتائج المختلفة، وتوضح كيف تتكامل المدة، والقالب، والحركة، والصوت، والتفاعل، ونوع المكان، في بناء خطاب سياحي رقمي. وبهذا لا يبقى التحليل مجزأً في جداول منفصلة، بل يتحول إلى فهم أوسع لطبيعة المحتوى الذي تنتجه القناة.

7.3. ملاحظات منهجية مرتبطة ببيانات المنصة

تفرض دراسة المحتوى المنشور على YouTube الانتباه إلى عدد من الملاحظات المنهجية الخاصة بطبيعة المنصات الرقمية. فالمعطيات الرقمية، مثل عدد المشاهدات، وعدد الإعجابات، وعدد التعليقات، ليست معطيات ثابتة، بل تتغير باستمرار بحسب الزمن، وحركة الجمهور، وإعادة اقتراح الفيديوهات، ومشاركتها عبر منصات أخرى. لذلك يجب أن تُفهم هذه المؤشرات بوصفها صورة زمنية مرتبطة بلحظة المعاينة، لا بوصفها أرقامًا نهائية.

ولهذا السبب، ينبغي في النسخة النهائية من البحث تثبيت تاريخ استخراج البيانات، حتى يكون التحليل قابلًا للتحقق. كما ينبغي توضيح وحدة القياس المستعملة في عدد المشاهدات، خصوصًا حين تكون الأرقام معبرًا عنها بالألف أو بالمليون. وقد اعتمدت الدراسة، في تصنيف المشاهدات، صيغة « أقل من 500 ألف مشاهدة »، و« من 500 إلى 800 ألف مشاهدة »، و« من 800 ألف مشاهدة فأكثر »، حتى لا يقع التباس بين الرقم المطلق والرقم المختصر.

كما ينبغي التأكيد على أن تحليل عدد المشاهدات لا يكفي وحده لقياس التأثير الجماهيري. فالفيديو قد يحظى بعدد مرتفع من المشاهدات دون أن يثير تفاعلًا نوعيًا عميقًا، وقد يحظى فيديو آخر بعدد أقل من المشاهدات لكنه ينتج نقاشًا غنيًا في التعليقات أو يغير صورة المتابعين عن مكان معين. لذلك فإن هذه الدراسة تتعامل مع المشاهدات بوصفها مؤشرًا أوليًا على التداول، وتوصي الدراسات اللاحقة بإدراج تحليل التعليقات، ومدة المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور، ومصادر الزيارات، وطبيعة التفاعل.

وبذلك تهيئ هذه section الإطار التطبيقي الضروري للانتقال إلى التحليل الكمي والنوعي لمضامين العينة، حيث سيتم فحص الفيديوهات وفق الفئات المعتمدة، وقراءة نتائج الجداول قراءة تفسيرية تسمح بفهم كيفية بناء قناة « خبيب » للمحتوى السياحي الرقمي، وكيفية مساهمتها في تمثيل المكان داخل الميديا الجديدة.

4. التحليل الكمي والنوعي لمضامين العينة

بعد تقديم القناة وعينة الدراسة وفئات التحليل المعتمدة، ينتقل هذا القسم إلى تحليل مضامين الفيديوهات المختارة من قناة « خبيب » على منصة YouTube، اعتمادًا على مقاربة تجمع بين الوصف الكمي والتفسير النوعي. ولا يهدف التحليل الكمي هنا إلى تقديم معالجة إحصائية موسعة، بل إلى تنظيم المعطيات في جداول تسمح برصد التكرارات والنسب والاتجاهات العامة داخل العينة. أما التحليل النوعي فيسعى إلى تفسير دلالة هذه المؤشرات داخل بنية الفيديو، وربطها بوظائفها الاتصالية والجمالية والسياحية.

وقد تم تحليل العينة من خلال ست فئات رئيسة : المساحة الزمنية، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، وعدد المشاهدات، ونوع المناطق السياحية. وتتيح هذه الفئات قراءة المحتوى من مستويات متعددة؛ فبعضها يتعلق بالبنية الشكلية للفيديو، وبعضها يرتبط بالإخراج السمعي البصري، وبعضها يتصل بالتفاعل الرقمي، وبعضها يكشف عن طبيعة الفضاءات السياحية التي تمنحها القناة أولوية في التمثيل.

وتكمن أهمية هذا التحليل في أنه لا يتعامل مع الفيديو بوصفه مادة ترفيهية عابرة، بل بوصفه خطابًا سمعيًا بصريًا مركبًا، تتداخل فيه الصورة، والصوت، والحركة، والزمن، والسرد، والتفاعل. ومن ثمّ، فإن قراءة الجداول لا تقتصر على وصف الأرقام، بل تسعى إلى الكشف عن الكيفية التي تبني بها قناة « خبيب » محتواها السياحي الرقمي، وكيف تسهم اختياراتها التقنية والجمالية في تشكيل تجربة المشاهدة وتمثيل المكان داخل الميديا الجديدة.

1.4. فئة المساحة الزمنية

تُعدّ المساحة الزمنية للفيديو من المؤشرات الشكلية المهمة في تحليل المحتوى الرقمي السمعي البصري، لأنها لا تعبّر فقط عن مدة تقنية محايدة، بل تكشف عن تصور صانع المحتوى لطبيعة العلاقة التي يريد بناءها مع المتلقي. فاختيار فيديو قصير أو متوسط أو طويل يرتبط عادة بدرجة كثافة المعلومات، وبنمط السرد، وبطبيعة الموضوع، وبإيقاع التلقي الذي تفرضه المنصة الرقمية. وفي حالة المحتوى السياحي والرحلي، تكتسب المدة الزمنية أهمية خاصة، لأنها تتيح لصانع المحتوى الجمع بين تقديم المكان، وبناء التشويق، وإدراج التعليق الشخصي، والتفاعل مع الأشخاص، وعرض التفاصيل البصرية التي تمنح التجربة قيمتها الاتصالية والجمالية.

جدول رقم 3 : فئة المساحة الزمنية

النسبة المئوية

التكرار

المدة الزمنية

00 %

00

05-10 د

50 %

05

10-15 د

50 %

05

15-25 د

100 %

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تبين معطيات الجدول أن فيديوهات العينة تنقسم بالتساوي بين فئتين زمنيتين : فئة الفيديوهات التي تتراوح مدتها بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة، وفئة الفيديوهات التي تتراوح مدتها بين خمس عشرة دقيقة وخمس وعشرين دقيقة، وذلك بنسبة 50 % لكل فئة. في المقابل، لا تسجل العينة أي فيديو تقل مدته عن عشر دقائق. ويكشف هذا المعطى أن قناة « خبيب » تميل إلى إنتاج فيديوهات متوسطة الطول، لا تنتمي إلى منطق المقاطع القصيرة السريعة، ولا إلى منطق المواد المطوّلة ذات البنية الوثائقية الثقيلة، بل تتموقع في منطقة وسطى تسمح ببناء سرد بصري متماسك وقابل للتداول في الوقت نفسه.

ويمكن تفسير هذا التوزيع من زاوية أولى بطبيعة المحتوى السياحي والرحلي الذي تقدمه القناة. فهذا النوع من المضامين يحتاج عادة إلى مساحة زمنية كافية لعرض المكان، وتقديم خلفيته، وإبراز تفاصيله، والتنقل بين مشاهده، وبناء علاقة تفاعلية مع الأشخاص أو الفضاءات المصوّرة. فالفيديو السياحي لا يقوم على المعلومة وحدها، بل يقوم أيضًا على التجربة، والحركة، والإيقاع، وتراكم اللقطات التي تسمح للمشاهد بتكوين صورة ذهنية عن المكان. ومن ثمّ، فإن المدة التي تتجاوز عشر دقائق تبدو منسجمة مع حاجة صانع المحتوى إلى تحويل المكان إلى تجربة مشاهدة، لا إلى مجرد خبر أو لقطة عابرة.

ومن زاوية ثانية، تسمح هذه المدة الزمنية ببناء خطاب بصري مركب يتضمن مقدمة تشويقية، وانتقالًا تدريجيًا إلى موضوع الفيديو، ثم عرضًا للمشاهد الأساسية، فتعليقًا أو تفاعلًا أو خلاصة في النهاية. وبذلك تصبح المدة جزءًا من البنية السردية للفيديو. فكلما اتسعت المساحة الزمنية نسبيًا، أمكن لصانع المحتوى أن يوزع عناصر خطابه بين الصورة، والتعليق، والموسيقى، والحركة، والمعلومة، دون أن يختزل المكان في مشهد سريع أو في انطباع سطحي.

كما يمكن ربط هذا الاختيار بمنطق منصة YouTube نفسها، التي تختلف عن المنصات القائمة أساسًا على المقاطع القصيرة، مثل TikTok أو Reels. فـ YouTube يتيح لصانع المحتوى بناء مواد أطول نسبيًا، ويمنح أهمية لمؤشرات مثل مدة المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور، وإعادة المشاهدة، والتفاعل مع الفيديو. لذلك فإن الفيديو المتوسط الطول قد يمثل اختيارًا استراتيجيًا، لأنه يسمح بتحقيق توازن بين الوفرة المعلوماتية والجاذبية البصرية، وبين متطلبات السرد السياحي ومتطلبات قابلية الانتشار داخل المنصة.

غير أن هذا المعطى ينبغي أن يُقرأ بحذر منهجي. فالدراسة لا تمتلك معطيات دقيقة عن مدة المشاهدة الفعلية لكل فيديو، ولا عن معدل احتفاظ الجمهور بالمشاهدة إلى النهاية، ولا عن اللحظات التي يغادر فيها المتلقون الفيديو. ولذلك لا يمكن الجزم بأن طول الفيديو هو سبب مباشر في ارتفاع التفاعل أو انخفاضه. إن ما يمكن تأكيده، في حدود المعطيات المتاحة، هو أن قناة « خبيب » تعتمد نمطًا زمنيًا متوسطًا يمكّنها من تقديم محتوى سياحي بصري أكثر تفصيلًا من المقاطع القصيرة، وأكثر مرونة من الوثائقيات الطويلة.

وعليه، تكشف فئة المساحة الزمنية أن بناء المحتوى في القناة يقوم على تصور سردي وتجريبي للرحلة. فالفيديو لا يُقدَّم بوصفه معلومة مختصرة، بل بوصفه تجربة متدرجة في الزمن، ينتقل فيها المتلقي من الاكتشاف الأولي إلى المعايشة البصرية، ثم إلى تكوين موقف أو انطباع عن المكان. وهذا ما يجعل المدة الزمنية عنصرًا دالًا في فهم استراتيجية صانع المحتوى، لأنها تؤشر إلى رغبة في بناء علاقة ممتدة نسبيًا مع الجمهور، وإلى توظيف الزمن بوصفه جزءًا من إنتاج المعنى السياحي والثقافي.

2.4. أنواع القوالب الفنية المستخدمة في الفيديوهات

يُعدّ القالب الفني من المؤشرات الأساسية في تحليل المحتوى السمعي البصري، لأنه يكشف عن الطريقة التي يُبنى بها الخطاب المرئي، وعن طبيعة العلاقة التي يقيمها صانع المحتوى بين المادة المصوَّرة والجمهور. فاختيار الربورتاج، أو المقابلة، أو البورتريه، أو الوثائقي القصير، لا يمثل قرارًا شكليًا فحسب، بل يعكس تصورًا معينًا لوظيفة الفيديو، ولطريقة تقديم المعلومة، ولموقع صانع المحتوى داخل المادة التي ينتجها. ومن ثمّ، فإن تحليل القالب الفني يسمح بفهم البنية السردية التي تتحكم في فيديوهات قناة « خبيب »، وبالكشف عن طبيعة الوساطة التي تمارسها القناة بين المكان والمتلقي.

جدول رقم 4 : أنواع القوالب الفنية المستخدمة في الفيديوهات

النسبة المئوية

التكرار

القوالب الفنية

100%

10

ربورتاج

00%

00

بورتريه

00%

00

مقابلة

100%

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تُظهر معطيات الجدول أن القالب الفني المهيمن على جميع فيديوهات العينة هو قالب الربورتاج بنسبة 100 %، في حين تغيب قوالب البورتريه والمقابلة بوصفها قوالب مستقلة داخل العينة المدروسة. وتدل هذه النتيجة على أن قناة « خبيب » تعتمد بصورة شبه كلية على نمط سردي ميداني يقوم على الانتقال داخل المكان، ووصف المشاهد، وتقديم التجربة الشخصية، وإدراج المعلومات والانطباعات ضمن بنية بصرية متحركة. فالربورتاج هنا لا يحضر بوصفه قالبًا صحفيًا تقليديًا فقط، بل بوصفه صيغة رقمية مرنة تسمح بالجمع بين التوثيق، والمغامرة، والسرد الذاتي، والتفاعل المباشر مع الفضاءات والأشخاص.

وتنسجم هيمنة الربورتاج مع طبيعة المحتوى السياحي والرحلي الذي تقدمه القناة. فالسفر، واكتشاف المدن، والتنقل بين المناطق، وعرض تفاصيل المكان، كلها عناصر تحتاج إلى قالب قادر على استيعاب الحركة والتعدد والتتابع الزمني. فالربورتاج يمنح صانع المحتوى إمكانية بناء مسار بصري يبدأ غالبًا بالتقديم أو التشويق، ثم ينتقل إلى عرض المكان، فالتفاعل مع عناصره البشرية أو الطبيعية، ثم الخروج بانطباع أو خلاصة. وبذلك يصبح الفيديو رحلة منظمة داخل الزمن والمكان، لا مجرد تسجيل عابر لمشاهد منفصلة.

كما يسمح الربورتاج لصانع المحتوى بأن يحتل موقعًا مزدوجًا داخل الفيديو : فهو من جهة راوٍ يوجّه المشاهد ويعلّق على ما يراه، ومن جهة ثانية شخصية حاضرة داخل الحدث، تتحرك، وتسأل، وتندهش، وتتفاعل. وهذا الموقع المزدوج يمنح الفيديو طابعًا شخصيًا يختلف عن المواد التلفزيونية الرسمية التي تميل غالبًا إلى الفصل بين الراوي والموضوع. ففي قناة « خبيب »، لا يُقدَّم المكان بوصفه موضوعًا خارجيًا محايدًا، بل بوصفه تجربة تُعاش أمام الكاميرا، ويُعاد بناؤها من خلال منظور صانع المحتوى، وحركته، وصوته، وانفعاله، واختياراته البصرية.

غير أن الهيمنة المطلقة لقالب الربورتاج تطرح، من جهة أخرى، مسألة التنويع الفني. فغياب المقابلة، مثلًا، قد يقلل من حضور الأصوات المحلية المتخصصة أو الشهادات المباشرة التي يمكن أن تعمّق البعد المعرفي للمحتوى. كما أن غياب البورتريه يحرم القناة من إمكانية التركيز على شخصيات محلية، أو حرفيين، أو مرشدين، أو فاعلين سياحيين يمكن أن يمنحوا المكان عمقًا اجتماعيًا وثقافيًا أكبر. لذلك، فإن الربورتاج، على أهميته، يظل بحاجة إلى الانفتاح على قوالب فرعية داعمة، مثل المقابلة القصيرة، والشهادة، والبورتريه المصغر، والمشهد التفسيري، حتى لا يبقى الخطاب محصورًا في تجربة صانع المحتوى وحده.

وتكشف هذه النتيجة أيضًا عن طبيعة العلاقة بين المحتوى الرقمي والميديا التقليدية. فالربورتاج كان في الأصل قالبًا مركزيًا في الصحافة التلفزيونية، غير أن صانع المحتوى الرقمي يعيد تشكيله وفق منطق المنصة. فبدل أن يكون الربورتاج محكومًا بزمن بث محدد، أو بخط تحريري مؤسساتي، أو بحدود قناة تلفزيونية، يصبح في YouTube أكثر مرونة، وأكثر ذاتية، وأكثر قربًا من الجمهور. ويمكن لصانع المحتوى أن يمزج فيه بين المعلومة والانطباع، وبين الصورة الاحترافية واللغة اليومية، وبين التوثيق والمغامرة، وبين التقديم السياحي وبناء الهوية الشخصية.

وعليه، فإن اعتماد قناة « خبيب » على الربورتاج بنسبة كاملة يدل على أن القناة تبني محتواها أساسًا حول فكرة « الرحلة المرئية »، حيث يتحول الفيديو إلى مسار اكتشاف يرافق فيه المتلقي صانع المحتوى من بداية التجربة إلى نهايتها. وتكمن قوة هذا الاختيار في قدرته على إنتاج القرب والحيوية والتشويق، بينما تكمن حدوده في احتمال تضييق زاوية النظر إذا لم يُدعَّم بأصوات أخرى أو بمعطيات تفسيرية موثقة. ولذلك يمكن القول إن القالب الربورتاجي يمثل العمود الفقري لخطاب القناة، لكنه يحتاج، في أفق تطوير المحتوى، إلى تنويع داخلي يرفع من قيمته العلمية والثقافية، ويمنحه قدرة أكبر على تجاوز المتعة البصرية نحو إنتاج معرفة سياحية واجتماعية أكثر عمقًا.

3.4. فئة الإخراج الفني : حركات الكاميرا

تُعدّ حركة الكاميرا من العناصر الإخراجية المركزية في تحليل المحتوى السمعي البصري، لأنها لا تقتصر على أداء وظيفة تقنية مرتبطة بطريقة التصوير، بل تسهم في بناء علاقة حسية ومعرفية بين المشاهد والمكان المصوَّر. فالكاميرا، في المحتوى السياحي والرحلي، لا تنقل صورة المكان فقط، بل تنظّم طريقة النظر إليه، وتحدد زاوية اكتشافه، وتتحكم في إيقاع الانتقال بين مشاهده وتفاصيله. ومن ثمّ، فإن تحليل حركة الكاميرا يسمح بفهم الطريقة التي يبني بها صانع المحتوى تجربة المشاهدة، وكيف يحوّل المكان من فضاء جغرافي خارجي إلى تجربة بصرية قابلة للمتابعة والتأويل.

جدول رقم 04 : حركات الكاميرا المستخدمة في الفيديوهات

النسبة المئوية

التكرار

حركة الكاميرا

10 %

01

ثابتة

90 %

09

متحركة

100 %

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تُظهر معطيات الجدول أن الكاميرا المتحركة تهيمن بوضوح على فيديوهات العينة، إذ وردت في تسعة فيديوهات من أصل عشرة، بنسبة 90 %، في حين لم تحضر الكاميرا الثابتة إلا في حالة واحدة، بنسبة 10 %. وتدل هذه النتيجة على أن قناة « خبيب » تعتمد بصورة أساسية على التصوير الحركي، بما ينسجم مع طبيعة المحتوى السياحي القائم على التنقل، والاكتشاف، ومرافقة صانع المحتوى في مساره داخل المدن والمناطق والفضاءات المفتوحة.

ولا يمكن النظر إلى هذا الحضور المكثف للكاميرا المتحركة بوصفه مجرد اختيار تقني، بل هو جزء من الاستراتيجية السردية والبصرية للقناة. فالمحتوى الرحلي يحتاج إلى أن يشعر المتلقي بأنه يشارك في التجربة، لا أنه يكتفي بمشاهدة مكان معزول عن سياقه. وتسمح حركة الكاميرا بإنتاج هذا الإحساس بالمرافقة، لأنها تنقل المشاهد من نقطة إلى أخرى، وتجعله يتابع انتقال صانع المحتوى في الشوارع، والأسواق، والمواقع السياحية، والمناطق الطبيعية، والفضاءات الحضرية أو الصحراوية. وبذلك تتحول الكاميرا إلى عين متحركة تقود المتلقي داخل المكان، وتمنحه انطباعًا بالمشاركة في الرحلة.

وتؤدي الكاميرا المتحركة وظيفة جمالية واضحة، لأنها تضفي على الفيديو طابعًا ديناميكيًا يحدّ من الرتابة البصرية. فالحركة تسمح بتغيير الزوايا، وتنويع المسافات، والانتقال بين اللقطة العامة واللقطة القريبة، وبين المشهد الواسع والتفصيل الجزئي. وهذا التنويع يعزز قابلية الفيديو للمشاهدة، خاصة في بيئة رقمية تتسم بتنافس شديد على انتباه المتلقي. ففي منصات مثل YouTube، لا يكفي أن يكون المكان جميلًا أو الموضوع مهمًا، بل ينبغي أن تُقدَّم المادة البصرية بإيقاع يحافظ على انتباه الجمهور ويمنعه من الانسحاب السريع من المشاهدة.

كما ترتبط حركة الكاميرا ببناء ما يمكن تسميته « الإحساس بالحضور ». فحين تتحرك الكاميرا داخل المكان، تقترب من الأشخاص، تلتفت نحو التفاصيل، تتبع مسار الطريق، أو تنفتح على مشهد بانورامي، فإنها تمنح المتلقي إحساسًا بأن المكان يُكتشف أمامه تدريجيًا. وهذا الإحساس يختلف عن التصوير الثابت الذي يضع المشاهد أمام صورة مستقرة ومحدودة، إذ إن الكاميرا المتحركة تجعل المكان يبدو حيًا، متغيرًا، ومتعدد الطبقات. ومن هنا تصبح الحركة عنصرًا دلاليًا، لأنها تعبر عن المغامرة، والتنقل، والانفتاح، والبحث عن المفاجأة.

في المقابل، لا يعني ضعف حضور الكاميرا الثابتة غياب قيمتها الإخراجية. فالكاميرا الثابتة تؤدي عادة وظيفة مختلفة، إذ تُستخدم في لحظات الشرح، أو التركيز على مشهد محدد، أو تقديم خطاب مباشر إلى الجمهور، أو تثبيت الانتباه على عنصر بصري يحتاج إلى استقرار في الرؤية. غير أن حضورها المحدود في العينة يدل على أن قناة « خبيب » لا تبني محتواها حول التأمل الثابت أو الشرح المطول، بل حول الحركة والتتبع والمشاهدة المتدرجة. وهذا الاختيار ينسجم مع طبيعة الفيديوهات التي تقوم على الرحلة والاكتشاف أكثر مما تقوم على التحليل الساكن أو العرض التعليمي المباشر.

وتكشف هذه النتيجة كذلك عن طبيعة التحول الذي أحدثته الميديا الجديدة في أشكال التصوير السياحي. ففي السياقات التقليدية، كان التصوير السياحي يرتبط غالبًا بالمشهد الجميل أو اللقطة التوثيقية المستقرة، أما في المحتوى الرقمي المعاصر فقد أصبحت الحركة جزءًا من هوية الفيديو. فالمتلقي لا يريد فقط أن يرى المكان، بل يريد أن يختبر مسار الوصول إليه، وأن يشاهد تفاعل صانع المحتوى معه، وأن يلاحظ التفاصيل التي تظهر أثناء التنقل. لذلك فإن الكاميرا المتحركة لا تعرض المكان فحسب، بل تعرض علاقة الذات المصوِّرة بالمكان، وتحوّل التجربة الفردية إلى مادة جماعية قابلة للتداول.

ومع ذلك، فإن الاعتماد المكثف على الكاميرا المتحركة يحتاج إلى ضبط إخراجي دقيق حتى لا يتحول إلى اضطراب بصري أو إيقاع سريع يضعف وضوح المشهد. فالحركة الناجحة ليست حركة عشوائية، بل هي حركة منظمة تخدم المعنى، وتراعي استقرار الصورة، ووضوح التفاصيل، وانسجام الانتقال بين اللقطات. ومن ثمّ، فإن جودة المحتوى لا تتحقق بمجرد تحريك الكاميرا، بل تتحقق حين تصبح الحركة جزءًا من بناء سردي وجمالي متماسك، يوجّه عين المتلقي دون أن يشتتها.

وعليه، يمكن القول إن هيمنة الكاميرا المتحركة في فيديوهات قناة « خبيب » تكشف عن تصور بصري يقوم على مرافقة التجربة السياحية من داخلها، لا على عرضها من الخارج فقط. فهي تجعل المتلقي قريبًا من الرحلة، ومن تفاصيل المكان، ومن حضور صانع المحتوى نفسه. كما أنها تسهم في تحويل المحتوى من مجرد تسجيل لمواقع سياحية إلى خطاب بصري ديناميكي يجمع بين الاكتشاف، والتوثيق، والسرد، والتأثير. وبذلك تمثل حركة الكاميرا أحد العناصر التقنية والجمالية التي تسهم في تطوير المحتوى الرقمي السياحي، وفي منحه طابعًا أكثر قربًا من الجمهور وأكثر قابلية للتفاعل داخل الميديا الجديدة.

4.4. فئة المؤثرات الصوتية

تُعدّ المؤثرات الصوتية من العناصر الفنية والدلالية المهمة في تحليل المحتوى السمعي البصري، لأنها لا تؤدي وظيفة تزيينية أو مصاحبة للصورة فحسب، بل تسهم في بناء الجو العام للفيديو، وتوجيه الإحساس، وتنظيم إيقاع التلقي، وتعزيز العلاقة بين المشاهد والمكان المصوَّر. فالصوت، في المحتوى السياحي والرحلي، لا يقل أهمية عن الصورة، لأن المتلقي لا يكتشف المكان بعينه فقط، بل يكتشفه أيضًا من خلال الأصوات التي ترافقه : الموسيقى، الضجيج، الصمت، أصوات الطبيعة، حركة الناس، إيقاع الشارع، أو المؤثرات التي تضفي على المشهد معنى وجدانيًا معينًا.

ومن هذا المنظور، فإن تحليل المؤثرات الصوتية في فيديوهات قناة « خبيب » يسمح بفهم البعد الحسي والجمالي في بناء المحتوى الرقمي. فاختيار موسيقى محلية، أو موسيقى أجنبية، أو مؤثرات طبيعية، لا يمثل قرارًا تقنيًا محايدًا، بل يكشف عن طريقة صانع المحتوى في تأطير المكان وتوجيه تلقيه. فالصورة تعرض المشهد، أما الصوت فيمنحه إيقاعًا وانفعالًا وعمقًا رمزيًا، ويحدد جزئيًا ما إذا كان المتلقي سيتلقى المكان بوصفه فضاءً للدهشة، أو المغامرة، أو الهدوء، أو الأصالة، أو الانفتاح على العالم.

جدول رقم 6 : المؤثرات الصوتية

النسبة المئوية

التكرار

المؤثرات الصوتية

20 %

02

موسيقى جزائرية

40 %

04

موسيقى أجنبية

40 %

04

مؤثرات طبيعية

100 %

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تكشف معطيات الجدول أن المؤثرات الصوتية المستخدمة في فيديوهات العينة تتوزع بين ثلاثة أنماط رئيسة. فقد حضرت الموسيقى الجزائرية في فيديوهين فقط، بنسبة 20 %، بينما حضرت الموسيقى الأجنبية في أربعة فيديوهات، بنسبة 40 %، وهي النسبة نفسها التي سجلتها المؤثرات الطبيعية. ويشير هذا التوزيع إلى أن قناة « خبيب » لا تعتمد خلفية صوتية واحدة أو هوية موسيقية ثابتة، بل تنوّع اختياراتها السمعية وفق طبيعة الموضوع، والمكان، والإيقاع البصري، والوظيفة الاتصالية التي يريد الفيديو تحقيقها.

يمثل حضور الموسيقى الجزائرية، وإن كان محدودًا نسبيًا، مؤشرًا على محاولة ربط بعض المشاهد بمرجعيتها الثقافية المحلية. فالموسيقى المحلية لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، بل تسهم في تثبيت هوية المكان، وفي استدعاء الذاكرة السمعية المرتبطة بالبيئة الجزائرية. وحين ترافق الموسيقى الجزائرية مشاهد المدن أو الأسواق أو المناطق ذات الطابع المحلي، فإنها تعزز الإحساس بالانتماء، وتمنح الصورة بعدًا ثقافيًا لا يمكن للصورة وحدها أن تنقله بالكامل. غير أن انخفاض نسبتها داخل العينة يطرح سؤالًا حول مدى حضور الهوية الصوتية المحلية في المحتوى السياحي الرقمي، خاصة حين يكون الهدف إبراز الخصوصية الثقافية للمكان الجزائري.

أما الموسيقى الأجنبية، التي تمثل 40 % من العينة، فتدل على انفتاح القناة على إيقاعات عالمية أكثر قابلية للتداول داخل الفضاء الرقمي. وقد يكون هذا الاختيار مرتبطًا برغبة صانع المحتوى في إنتاج فيديوهات ذات جاذبية عابرة للحدود، لا تخاطب الجمهور الجزائري وحده، بل تخاطب أيضًا جمهورًا عربيًا ودوليًا معتادًا على أنماط موسيقية كونية داخل فيديوهات السفر والمغامرة. وتمنح الموسيقى الأجنبية للفيديو إيقاعًا حديثًا وسريعًا، وتساعد في خلق جو من التشويق والحيوية، لا سيما في المقاطع التي تقوم على الحركة، والتنقل، والاكتشاف، والانتقال بين الأمكنة.

غير أن هذا الاستخدام للموسيقى الأجنبية يحتاج إلى قراءة نقدية متوازنة. فمن جهة، يمكن أن يعزز قابلية المحتوى للانتشار، لأنه ينسجم مع المعايير الجمالية السائدة في الفيديوهات الرقمية العالمية. ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإفراط فيه إلى إضعاف الخصوصية السمعية للمكان المحلي، خاصة حين يكون موضوع الفيديو متعلقًا بفضاءات جزائرية ذات حمولة ثقافية وتراثية. ومن ثمّ، فإن الموازنة بين الموسيقى المحلية والموسيقى العالمية تمثل تحديًا جماليًا واتصاليًا مهمًا في صناعة المحتوى السياحي الرقمي.

أما المؤثرات الطبيعية، التي تمثل بدورها 40 % من العينة، فتكتسب أهمية خاصة لأنها تمنح الفيديو قدرًا من الواقعية والحضور المباشر. فصوت الماء، والرياح، وخطوات المشي، وحركة الناس، وأصوات الأسواق، وضجيج الشوارع، وأصوات الطبيعة، كلها عناصر تجعل المشاهد يشعر بأنه أمام مكان حي لا أمام صورة مصطنعة. وتساعد هذه المؤثرات على تقريب المتلقي من التجربة الميدانية، لأنها تنقل جزءًا من البيئة الصوتية للمكان، وتمنح المشهد مصداقية حسية لا تستطيع الموسيقى وحدها تحقيقها.

وتكشف أهمية المؤثرات الطبيعية أن قناة « خبيب » لا تراهن فقط على الجمالية المصنوعة، بل تمنح أحيانًا للمكان فرصة أن يتكلم بأصواته الخاصة. وهذا أمر مهم في المحتوى السياحي، لأن الأصوات الطبيعية تساعد على بناء علاقة أكثر صدقًا بين المشاهد والفضاء المصوَّر. فحين يسمع المتلقي أصوات السوق أو حركة الشارع أو المياه أو الرياح، فإنه لا يشاهد المكان من الخارج فقط، بل يقترب من أجوائه اليومية والحسية. ومن هنا تتحول المؤثرات الطبيعية إلى عنصر توثيقي، لا مجرد خلفية سمعية.

ويبدو أن الجمع بين الموسيقى والمؤثرات الطبيعية يمنح الفيديوهات بنية صوتية مركبة. فالموسيقى تُستخدم غالبًا لتكثيف الانفعال، وتنظيم الإيقاع، وإبراز لحظات الانتقال أو التشويق، بينما تُستخدم المؤثرات الطبيعية لتثبيت الواقعية وإبقاء المشاهد قريبًا من المكان. وبذلك لا يكون الصوت عنصرًا مستقلًا عن الصورة، بل يعمل معها في بناء تجربة مشاهدة متكاملة. فالصورة تحدد ما يُرى، والصوت يحدد كيف يُحسّ هذا المرئي وكيف يُستقبل وجدانيًا.

من الناحية الاتصالية، يمكن القول إن المؤثرات الصوتية تسهم في بناء هوية الفيديو وفي تحسين قابلية المتابعة. ففي بيئة رقمية سريعة، حيث ينتقل المستخدم بسهولة من فيديو إلى آخر، يصبح الإيقاع السمعي عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الانتباه. فالصوت المنظم يساعد على تجاوز الرتابة، ويخلق لحظات انتقالية بين المشاهد، ويمنح الفيديو وحدة داخلية، خاصة حين يكون قائمًا على تعدد الأماكن واللقطات. ولذلك فإن جودة المحتوى الرقمي لا ترتبط بجودة الصورة وحدها، بل بقدرة الصورة والصوت معًا على إنتاج إيقاع متماسك.

ومع ذلك، فإن استخدام المؤثرات الصوتية ينبغي أن يخضع لضوابط فنية وأخلاقية. فمن الناحية الفنية، يجب ألا تطغى الموسيقى على أصوات المكان أو على التعليق، وألا تتحول إلى عنصر إزعاج أو مبالغة انفعالية. ومن الناحية الأخلاقية، ينبغي احترام حقوق استخدام الموسيقى، وتجنب توظيف مقاطع صوتية غير مرخصة، خاصة في المحتوى المنشور على منصات عالمية مثل YouTube. كما أن اختيار الموسيقى يجب أن يكون منسجمًا مع طبيعة المكان وثقافته، حتى لا يحدث تنافر بين الصورة المحلية والخلفية الصوتية المستوردة.

وعليه، تكشف فئة المؤثرات الصوتية أن قناة « خبيب » تعتمد على تنويع سمعي واضح يجمع بين المحلي والعالمي والطبيعي. ويُظهر هذا التنويع وعيًا بأن المحتوى السياحي الرقمي لا يبنى بالصورة وحدها، بل يتشكل من تفاعل الصورة مع الصوت والحركة والسرد. غير أن هذه النتيجة تبرز أيضًا ضرورة تعزيز الحضور الصوتي المحلي في الفيديوهات المرتبطة بالفضاءات الجزائرية، لأن إبراز الهوية السياحية لا يتحقق عبر الصورة فقط، بل عبر بناء تجربة سمعية بصرية متكاملة تجعل المكان مرئيًا ومسموعًا في آن واحد.

5.4. فئة التفاعل : عدد مشاهدات الفيديوهات

تُعدّ مؤشرات التفاعل الرقمي من المداخل الأساسية لفهم علاقة الجمهور بالمحتوى المنشور عبر منصات الميديا الجديدة، لأنها تسمح بالانتقال من تحليل البنية الداخلية للفيديو إلى تحليل أثره الظاهر داخل الفضاء الشبكي. وإذا كانت مدة الفيديو، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية تكشف عن خصائص الإنتاج، فإن عدد المشاهدات يكشف عن درجة من درجات التداول والاستقبال، أي عن المسافة التي استطاع المحتوى أن يقطعها داخل جمهور المنصة. غير أن هذا المؤشر، على أهميته، يحتاج إلى قراءة حذرة، لأن عدد المشاهدات لا يساوي بالضرورة عمق التأثير، ولا يدل وحده على جودة المحتوى أو على درجة الاقتناع به.

يندرج عدد المشاهدات ضمن المؤشرات الكمية الظاهرة التي توفرها منصة YouTube، إلى جانب الإعجابات، والتعليقات، والمشاركات، وعدد المشتركين، ومدة المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور. ويكتسب هذا المؤشر أهميته من كونه يعكس مستوى أوليًا من قابلية الفيديو للظهور والانتشار، سواء عبر البحث المباشر، أو عبر خوارزميات الاقتراح، أو عبر مشاركة الروابط في منصات أخرى. ومن ثمّ، فإن تحليل المشاهدات يتيح فهمًا مبدئيًا لمدى وصول الفيديوهات إلى الجمهور، لكنه لا يكفي وحده لتفسير طبيعة هذا الوصول أو أثره الثقافي والسياحي.

جدول رقم 7 : عدد مشاهدات الفيديوهات

النسبة المئوية

التكرار

عدد المشاهدات

60 %

06

أقل من 500 ألف مشاهدة

10 %

01

من 500 إلى 800 ألف مشاهدة

30 %

03

من 800 ألف مشاهدة فأكثر

100 %

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تُظهر معطيات الجدول أن ستة فيديوهات من أصل عشرة حققت أقل من 500 ألف مشاهدة، بنسبة 60 % من مجموع العينة، في حين حقق فيديو واحد ما بين 500 و800 ألف مشاهدة، بنسبة 10 %، وبلغت ثلاثة فيديوهات عتبة 800 ألف مشاهدة فأكثر، بنسبة 30 %. ويكشف هذا التوزيع عن تفاوت واضح في مستويات انتشار الفيديوهات المدروسة، إذ لا تحقق جميع المواد المنشورة الدرجة نفسها من الوصول الجماهيري، على الرغم من انتمائها إلى القناة نفسها وصدورها عن صانع المحتوى نفسه.

يدل هذا التفاوت على أن شهرة القناة أو ارتفاع عدد مشتركيها لا يعني بالضرورة أن كل فيديوهاتها تحظى بالمستوى نفسه من المشاهدة. فالانتشار الرقمي يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها موضوع الفيديو، والعنوان، والصورة المصغرة، وتاريخ النشر، ومدى ارتباط الموضوع باهتمامات الجمهور في لحظة معينة، فضلًا عن خوارزميات المنصة التي تتحكم في اقتراح المحتوى وإعادة تدويره داخل فضاءات المشاهدة. ومن ثمّ، فإن المشاهدة ليست نتيجة تلقائية لجودة الفيديو وحدها، بل هي حصيلة تفاعل مركب بين المحتوى، والجمهور، والمنصة، والزمن الرقمي.

ويمكن تفسير ارتفاع نسبة الفيديوهات التي تقل عن 500 ألف مشاهدة بكون بعض الموضوعات قد تكون أقل قدرة على اجتذاب جمهور واسع، أو لأنها تتعلق بأماكن أو تجارب لا تمتلك الجاذبية نفسها التي تمتلكها الموضوعات المرتبطة بالمغامرة، أو المرض، أو السفر الدولي، أو الأسئلة المثيرة التي تحفز الفضول. كما قد يرتبط الأمر بتوقيت النشر، أو بمستوى الترويج عبر المنصات الأخرى، أو بطريقة صياغة العنوان والصورة المصغرة. فهذه العناصر أصبحت جزءًا لا يتجزأ من اقتصاد الانتباه داخل YouTube، لأنها تؤثر في قرار المستخدم بالضغط على الفيديو ومتابعته.

أما الفيديوهات التي تجاوزت 800 ألف مشاهدة، وعددها ثلاثة، فتمثل مؤشرات على قدرة بعض المضامين على تحقيق انتشار أعلى داخل القناة. وقد يُفهم هذا الارتفاع في ضوء قوة الموضوع، أو فرادة المكان، أو الطابع المغامراتي، أو البعد العاطفي والإنساني في بعض الفيديوهات. فالمتلقي يميل غالبًا إلى متابعة المحتوى الذي يجمع بين المعلومة والتشويق، وبين الصورة الجذابة والعنوان المحفز، وبين التجربة الشخصية والبعد الجماعي. لذلك فإن الفيديو واسع الانتشار لا ينجح لأنه يعرض مكانًا فقط، بل لأنه يبني حول ذلك المكان قصة أو سؤالًا أو تجربة تستدعي فضول الجمهور.

ومع ذلك، ينبغي عدم اختزال التفاعل الرقمي في عدد المشاهدات وحده. فقد يحقق فيديو ما عددًا مرتفعًا من المشاهدات دون أن ينتج تفاعلًا نوعيًا عميقًا، وقد يحقق فيديو آخر عددًا أقل من المشاهدات لكنه يثير نقاشًا واسعًا في التعليقات أو يؤثر في صورة الجمهور عن مكان معين. ولهذا فإن تحليل التفاعل ينبغي أن يدمج بين المؤشرات الكمية والمؤشرات النوعية، وأن يأخذ في الحسبان طبيعة التعليقات، ومستوى الإعجاب، ونسبة المشاركة، ومدة المشاهدة، ونبرة التلقي، وما إذا كان الجمهور يكتفي بالمشاهدة العابرة أم يدخل في علاقة حوارية مع المحتوى.

من الناحية المنهجية، يجب التأكيد على أن أرقام YouTube ذات طبيعة متغيرة باستمرار. فعدد المشاهدات لا يمثل قيمة ثابتة، بل يتغير مع الزمن، وقد يرتفع بعد مدة من نشر الفيديو بفعل إعادة الترويج، أو عودة الاهتمام بموضوع معين، أو اقتراح المنصة للفيديو ضمن مقاطع مشابهة. لذلك لا بد، في أي دراسة علمية تعتمد على هذه المؤشرات، من تثبيت تاريخ استخراج البيانات، وتحديد وحدة القياس بوضوح، وبيان ما إذا كانت الأرقام مطلقة أو مقربة أو معبرًا عنها بالألف أو بالمليون. وقد جرى في هذا الجدول اعتماد صيغة « ألف مشاهدة » لضمان وضوح القراءة وتجنب الالتباس بين الرقم المختصر والرقم الفعلي.

وتكشف هذه الفئة أيضًا أن علاقة الجمهور بالمحتوى السياحي الرقمي لا تتحدد بمجرد وجود مكان جميل أو تصوير جيد، بل تتطلب بناء قابلية تداول. فالفيديو السياحي الناجح يحتاج إلى صورة جذابة، لكنه يحتاج كذلك إلى عنوان قادر على إثارة الاهتمام، وإلى سرد يحافظ على انتباه المشاهد، وإلى إيقاع يوازن بين المعلومة والمتعة، وإلى صورة مصغرة تعطي وعدًا بصريًا واضحًا. ومن هنا فإن عدد المشاهدات لا يعكس فقط قيمة المحتوى بعد إنتاجه، بل يعكس أيضًا جودة الاستراتيجية التي ترافق نشره وترويجه داخل المنصة وخارجها.

كما أن تفاوت المشاهدات داخل العينة يفتح مجالًا مهمًا للتفكير في طبيعة الموضوعات الأكثر جذبًا للجمهور. فقد تكون الفيديوهات المرتبطة بالمدن المعروفة، أو بالتجارب الاستثنائية، أو بالعناوين الاستفهامية، أو بالمناطق ذات الحمولة الرمزية، أكثر قدرة على تحقيق الانتشار من الفيديوهات ذات الموضوعات العامة. وهذا يعني أن الجمهور لا يتفاعل مع المكان في حد ذاته فقط، بل مع الطريقة التي يُقدَّم بها المكان، ومع الإطار السردي الذي يجعله موضوعًا للدهشة أو المعرفة أو الرغبة في الاكتشاف.

وعلى الرغم من هذه الأهمية، لا تسمح معطيات الدراسة الحالية بالجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين خصائص الفيديو الفنية وعدد المشاهدات. فلا يمكن، مثلًا، القول إن الكاميرا المتحركة أو الموسيقى الأجنبية أو مدة الفيديو هي التي تفسر وحدها ارتفاع المشاهدات، لأن ذلك يتطلب تحليلًا إحصائيًا أوسع ومقارنة بين عدد أكبر من الفيديوهات، إضافة إلى بيانات تفصيلية حول مدة المشاهدة ومصادر الزيارات وطبيعة الجمهور. لذلك تبقى قراءة المشاهدات في هذه الدراسة قراءة وصفية تحليلية، تهدف إلى فهم الاتجاهات العامة لا إلى تقديم تفسير سببي نهائي.

وعليه، تكشف فئة التفاعل أن قناة « خبيب » تمتلك قدرة واضحة على الوصول إلى جمهور واسع، لكنها تظهر في الوقت نفسه تفاوتًا في مستويات انتشار الفيديوهات. ويُبرز هذا التفاوت أن تطوير المحتوى الرقمي لا يتوقف عند تحسين جودة الإنتاج السمعي البصري، بل يتطلب أيضًا فهمًا دقيقًا لآليات التلقي الرقمي، ولمنطق المنصة، ولانتظارات الجمهور. ومن ثمّ، فإن عدد المشاهدات يمثل مؤشرًا مهمًا على التداول، لكنه يجب أن يُقرأ ضمن شبكة أوسع من المؤشرات التي تسمح بفهم التأثير الرقمي بوصفه ظاهرة كمية ونوعية في آن واحد.

6.4. فئة الموضوع : نوع المناطق السياحية

تُعدّ فئة الموضوع من الفئات المركزية في تحليل المحتوى السياحي الرقمي، لأنها تكشف عن طبيعة الفضاءات التي يمنحها صانع المحتوى أولوية في التمثيل، وعن الصورة التي يجري بناؤها للمكان داخل الخطاب البصري. فإذا كانت الفئات السابقة قد ركزت على الجوانب الشكلية والتقنية والتفاعلية، مثل مدة الفيديو، والقالب الفني، وحركة الكاميرا، والمؤثرات الصوتية، وعدد المشاهدات، فإن فئة الموضوع تسمح بالانتقال إلى مستوى آخر من التحليل، يتعلق بما يختاره صانع المحتوى ليكون موضوعًا للرؤية والسرد والاكتشاف. ومن ثمّ، فإن نوع المنطقة السياحية المصوَّرة لا يمثل مجرد معطى جغرافي، بل يعكس تصورًا معينًا للسياحة، وللجمهور، وللقيمة الرمزية التي تُمنح للمكان داخل الميديا الجديدة.

ويكتسب تحليل نوع المناطق السياحية أهمية خاصة في حالة قناة « خبيب »، لأن القناة لا تقدم محتوى ترفيهيًا عامًا، بل تبني جزءًا كبيرًا من هويتها الرقمية حول السفر، والتنقل، واكتشاف المدن والمناطق، وإعادة تقديم الفضاءات المحلية والدولية للجمهور. لذلك فإن معرفة نوع الأماكن الأكثر حضورًا في العينة تسمح بفهم الاتجاه العام للخطاب السياحي الذي تنتجه القناة : هل يميل إلى المدينة؟ هل يركز على الطبيعة؟ هل يمنح التراث والآثار حضورًا كافيًا؟ هل يعيد الاعتبار للمناطق الصحراوية والساحلية؟ أم أنه يفضّل الفضاءات الأكثر سهولة في التصوير والتداول؟

جدول رقم 8 : فئة المناطق السياحية

النسبة المئوية

التكرار

نوع المنطقة السياحية

20 %

02

مناطق ساحلية

50 %

05

مناطق حضرية

10 %

01

مناطق أثرية

20 %

02

مناطق صحراوية

100 %

10

المجموع

المصدر : من إعداد الباحثة، اعتمادًا على عينة الدراسة.

تُظهر معطيات الجدول أن المناطق الحضرية تحتل المرتبة الأولى داخل العينة، إذ حضرت في خمسة فيديوهات من أصل عشرة، بنسبة 50 %، بينما حضرت المناطق الساحلية في فيديوهين، بنسبة 20 %، وهي النسبة نفسها التي سجلتها المناطق الصحراوية. أما المناطق الأثرية فقد حضرت في فيديو واحد فقط، بنسبة 10 %. ويكشف هذا التوزيع عن هيمنة واضحة للفضاء الحضري داخل المحتوى المدروس، في مقابل حضور أقل للفضاءات الطبيعية والتراثية، وغياب بعض الأنماط السياحية الأخرى، مثل المناطق الجبلية أو القروية، ضمن العينة المختارة.

يمكن تفسير هذا الحضور البارز للمناطق الحضرية بكون المدينة توفر لصانع المحتوى مادة بصرية وسردية غنية ومتعددة. فالمدينة تجمع بين الشوارع، والأسواق، والمطاعم، والمعالم، والفضاءات العمومية، وحركة الناس، والممارسات اليومية، والواجهات العمرانية، وهو ما يمنح الفيديو تنوعًا في اللقطات والأصوات والمواقف. كما أن الفضاء الحضري يسمح لصانع المحتوى بالتنقل السريع بين مشاهد مختلفة، وبإدراج لحظات تفاعل مع السكان أو الزوار أو أصحاب المحلات، وببناء إيقاع بصري متحرك ينسجم مع طبيعة منصة YouTube ومع انتظارات جمهور المحتوى الرحلي.

وتؤدي المدينة، في هذا النوع من الفيديوهات، وظيفة تتجاوز كونها مكانًا جغرافيًا. فهي تصبح فضاءً للقاء، والاستهلاك، والاكتشاف، والتجربة الحسية. فالمشاهد لا يرى المدينة من خلال معالمها الكبرى فقط، بل من خلال تفاصيلها اليومية : الطعام، الأصوات، الأسواق، الشوارع، الازدحام، الوجوه، الممرات، والمواقف العابرة. ومن هنا فإن التركيز على المناطق الحضرية ينسجم مع طبيعة المحتوى السياحي الرقمي الذي لا يبحث دائمًا عن المكان الاستثنائي، بل يسعى أيضًا إلى تحويل اليومي والعادي إلى مادة قابلة للمشاهدة والتأويل.

أما حضور المناطق الساحلية بنسبة 20 % فيدل على اهتمام القناة بأحد المكونات المهمة في المخيال السياحي، وهو البحر وما يرتبط به من انفتاح، وراحة، وجمال طبيعي، وتجربة بصرية واسعة. فالساحل يوفر إمكانات تصويرية عالية، لأنه يجمع بين امتداد الأفق، وحركة الماء، والضوء الطبيعي، والأنشطة المرتبطة بالاستجمام والتنقل. غير أن هذه النسبة تظل محدودة إذا ما قورنت بأهمية المناطق الساحلية في السياحة الجزائرية والعربية، وهو ما يفتح المجال لتوسيع العينة مستقبلًا أو لتطوير المحتوى باتجاه إبراز التنوع الساحلي بصورة أعمق.

وتحضر المناطق الصحراوية كذلك بنسبة 20 %، وهي نسبة ذات دلالة بالنظر إلى المكانة الرمزية والجمالية للصحراء في المخيال السياحي الجزائري. فالصحراء ليست مجرد فضاء طبيعي، بل تمثل مجالًا بصريًا وثقافيًا غنيًا، يجمع بين الاتساع، والصمت، والضوء، والرمال، والواحات، والذاكرة، وأنماط العيش المحلية. ويمنح تصوير الصحراء لصانع المحتوى إمكانية إنتاج مشاهد قوية من الناحية الجمالية، كما يتيح له تقديم صورة عن الجزائر تختلف عن الصورة الحضرية المعتادة. ومع ذلك، فإن حضور الصحراء في فيديوهين فقط يشير إلى أن هذا المجال لا يزال قابلًا لمزيد من الاستثمار البصري والسردي داخل القناة.

أما المناطق الأثرية، التي لم تحضر إلا بنسبة 10 %، فتمثل الحلقة الأضعف في العينة من حيث التمثيل الموضوعي. وهذه النتيجة مهمة لأنها تكشف عن محدودية حضور البعد التراثي والتاريخي في المحتوى المدروس، على الرغم من أن الجزائر، مثل غيرها من البلدان التي تظهر في فيديوهات القناة، تمتلك رصيدًا غنيًا من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية. وقد يعود هذا الضعف إلى طبيعة الفيديوهات المختارة، أو إلى أن المحتوى السياحي الرقمي يميل أحيانًا إلى الأماكن الأكثر حيوية وحركة، بينما تحتاج المواقع الأثرية إلى إعداد معرفي وتاريخي أعمق، وإلى طريقة سرد مختلفة قادرة على تحويل الحجر والمعلم إلى قصة قابلة للتلقي.

ومن الناحية الاتصالية، يدل هذا التوزيع الموضوعي على أن قناة « خبيب » تميل إلى تمثيل السياحة بوصفها تجربة حية ومتحركة أكثر من كونها زيارة ثقافية منظمة للمعالم. فالتركيز على المدن، والأسواق، والرحلات، والمغامرات، والأماكن المفتوحة، يجعل السياحة في القناة مرتبطة بالفعل والحركة والانطباع الشخصي. وهذا التوجه يمنح المحتوى جاذبية جماهيرية واضحة، لكنه قد يحد أحيانًا من العمق المعرفي إذا لم يُدعَّم بمعلومات تاريخية أو ثقافية أو أنثروبولوجية حول الأماكن المصوَّرة.

وتكشف هذه الفئة أيضًا أن تمثيل المكان داخل المحتوى الرقمي ليس بريئًا أو عشوائيًا بالكامل، بل يخضع لاختيارات إنتاجية وجمالية وتواصلية. فاختيار منطقة حضرية بدل منطقة أثرية، أو اختيار فضاء ساحلي بدل فضاء جبلي، يعني توجيه عين الجمهور نحو صورة معينة للسياحة. وكلما تكررت هذه الاختيارات، تشكلت لدى الجمهور خريطة ذهنية خاصة للأماكن المرغوبة أو الجديرة بالمشاهدة. ولذلك فإن صانع المحتوى لا يعكس الخريطة السياحية فقط، بل يشارك في إعادة رسمها رمزيًا من خلال ما يختاره للتصوير وما يستبعده أو يقلل من حضوره.

كما أن هيمنة المناطق الحضرية قد ترتبط بسهولة الوصول إليها مقارنة بالمناطق النائية أو الصحراوية أو الجبلية، وبوفرة الخدمات والبنى التحتية، وبوجود أحداث وأنشطة وشخصيات يمكن تصويرها بسهولة. فالمدينة توفر لصانع المحتوى شروط إنتاج أقل تعقيدًا، بينما تتطلب المناطق الأثرية أو الصحراوية أحيانًا تخطيطًا مسبقًا، ومعرفة بالمكان، وربما تنسيقًا مع جهات محلية، إضافة إلى تحديات تقنية مرتبطة بالإضاءة، والتنقل، والسلامة، والتصوير في فضاءات مفتوحة. ومن ثمّ، فإن التوزيع الموضوعي يعكس جزئيًا شروط الإنتاج بقدر ما يعكس استراتيجية المحتوى.

غير أن تطوير المحتوى السياحي الرقمي في الجزائر يقتضي تجاوز التركيز المفرط على الفضاء الحضري نحو تمثيل أكثر توازنًا للمجالات الطبيعية والتراثية والثقافية. فالسياحة الجزائرية لا تختزل في المدن، مهما كانت أهميتها، بل تمتد إلى الصحراء، والجبال، والسواحل، والواحات، والقرى، والمواقع الأثرية، والفضاءات الدينية والثقافية والأسواق التقليدية. ومن ثمّ، فإن تنويع المناطق الممثلة يمكن أن يمنح القناة بعدًا معرفيًا أعمق، ويجعلها أكثر قدرة على الإسهام في بناء صورة شاملة ومتعددة عن السياحة الجزائرية.

ويبدو أن حضور المناطق الحضرية بنسبة 50 % يمنح القناة قوة من حيث الحيوية والتفاعل، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه مسؤولية توسيع تمثيل المجال السياحي. فالمحتوى الرقمي المؤثر لا يكتفي بإعادة إنتاج الصور الأكثر تداولًا، بل يستطيع أن يخلق اهتمامًا جديدًا بأماكن أقل شهرة، وأن يوجه الجمهور نحو فضاءات مهمشة إعلاميًا، وأن يساهم في إعادة اكتشاف مناطق لا تحظى بحضور كاف في الإعلام التقليدي أو في الحملات السياحية الرسمية. وهذا ما يجعل صانع المحتوى وسيطًا ثقافيًا لا مجرد ناقل صورة.

وعليه، تكشف فئة الموضوع أن قناة « خبيب » تبني خطابها السياحي أساسًا حول الفضاء الحضري، مع حضور معتبر، وإن كان أقل، للمناطق الساحلية والصحراوية، وحضور محدود للمناطق الأثرية. وتدل هذه النتيجة على أن المحتوى المدروس يراهن على الحركة، والحيوية، والتفاعل، وقابلية المكان للتصوير السريع، أكثر مما يراهن على التعمق التاريخي أو التراثي. غير أن هذا المعطى لا يقلل من أهمية القناة، بل يحدد أحد مسارات تطويرها الممكنة : الانتقال من التمثيل السياحي الجذاب إلى تمثيل أكثر توازنًا وعمقًا، يربط الصورة بالمعرفة، والمتعة البصرية بالوعي الثقافي، والانتشار الرقمي بإعادة تثمين تنوع المكان الجزائري والعربي.

5. قراءة تركيبية للنتائج ومناقشتها

تكشف النتائج المتوصل إليها من تحليل عينة فيديوهات قناة « خبيب » أن المحتوى الرقمي السياحي الذي تنتجه القناة لا يقوم على عرض المكان بوصفه معطى جغرافيًا جاهزًا فحسب، بل يقوم على بناء تجربة بصرية وسمعية وسردية متكاملة تجعل المتلقي يشارك في اكتشاف المكان من خلال حركة الصورة، وإيقاع الصوت، وحضور صانع المحتوى، وتدرج المشاهد داخل بنية ربورتاجية واضحة. ومن ثمّ، فإن أهمية هذه النتائج لا تكمن في الأرقام المجردة، وإنما في ما تكشفه من انتظامات إنتاجية واتصالية تسمح بفهم طبيعة التحول الذي يعرفه المحتوى السياحي الرقمي في الجزائر.

أظهرت فئة المساحة الزمنية أن فيديوهات العينة تتموقع ضمن مدة متوسطة نسبيًا، تتراوح بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة من جهة، وخمس عشرة دقيقة وخمس وعشرين دقيقة من جهة أخرى. وهذا المعطى يدل على أن قناة « خبيب » لا تنتمي إلى منطق المقاطع القصيرة التي تراهن على السرعة والاختزال، ولا إلى منطق الوثائقيات الطويلة التي تحتاج إلى بناء معرفي موسع، وإنما تعتمد صيغة وسطى تسمح بتقديم المكان في صورة تجربة متدرجة. فهذه المدة تمنح صانع المحتوى إمكانية الجمع بين التمهيد، والتشويق، والتنقل، والتعليق، والتفاعل، والخلاصة، بما يجعل الزمن جزءًا من إنتاج المعنى لا مجرد إطار تقني للفيديو.

وتؤكد نتائج القالب الفني أن الربورتاج يمثل البنية الغالبة في العينة بنسبة كاملة. ويُفهم ذلك بالنظر إلى طبيعة المحتوى الرحلي والسياحي، لأن الربورتاج يتيح لصانع المحتوى أن يجمع بين المشاهدة الميدانية، والتعليق الشخصي، والتفاعل مع الأشخاص، وتقديم المعطيات، وبناء خط سردي قائم على الحركة والاكتشاف. غير أن هيمنة الربورتاج، على الرغم من ملاءمتها لطبيعة القناة، تكشف أيضًا عن محدودية في التنويع الفني. فالقناة تستفيد من قوة الربورتاج بوصفه قالبًا حيويًا ومرنًا، لكنها يمكن أن تعزز عمقها المعرفي إذا دعّمت هذا القالب بمقابلات قصيرة، أو شهادات محلية، أو بورتريهات لشخصيات مرتبطة بالمكان، أو مقاطع تفسيرية ذات بعد تاريخي وثقافي.

أما على مستوى الإخراج الفني، فقد بيّنت النتائج أن الكاميرا المتحركة تهيمن بصورة واضحة على الفيديوهات المدروسة. وهذه النتيجة تنسجم مع طبيعة المحتوى السياحي الذي يقوم على التنقل داخل المكان، ومرافقة صانع المحتوى في مساره، وبناء إحساس بصري بالمشاركة. فالكاميرا المتحركة لا تعرض المكان من الخارج فقط، بل تجعل المتلقي يتقدم داخله تدريجيًا، ويرى تفاصيله كما لو كان يكتشفها مع صانع المحتوى. وبذلك يتحول التصوير من فعل توثيقي بسيط إلى وساطة بصرية تنتج إحساسًا بالحضور، وتمنح الفيديو طابعًا ديناميكيًا قريبًا من تجربة السفر الفعلية.

وتبرز أهمية المؤثرات الصوتية في كونها تسهم في بناء الجو الانفعالي والدلالي للفيديو. فقد أظهر التحليل تنوعًا بين الموسيقى الجزائرية، والموسيقى الأجنبية، والمؤثرات الطبيعية. ويعكس هذا التنوع وعيًا بأن المحتوى السياحي لا يخاطب العين وحدها، بل يخاطب الحواس مجتمعة. فالموسيقى المحلية تثبت الهوية الثقافية للمكان، والموسيقى الأجنبية تمنح الفيديو إيقاعًا عالميًا قابلًا للتداول، أما المؤثرات الطبيعية فتمنح المشاهد إحساسًا بالواقعية والحضور المباشر. ومن هنا، فإن الصوت يؤدي وظيفة مزدوجة : فهو من جهة يعزز جمالية المشهد، ومن جهة أخرى يوجه تلقي المكان ويؤطره وجدانيًا.

غير أن هذا التنوع الصوتي يطرح في الوقت نفسه سؤال الهوية السمعية للمحتوى السياحي الجزائري. فإذا كان استعمال الموسيقى الأجنبية يمنح الفيديو قابلية للاندماج في جماليات الفيديوهات الرقمية العالمية، فإن تعزيز حضور الموسيقى المحلية والمؤثرات البيئية الخاصة بالمكان قد يمنح المحتوى خصوصية ثقافية أقوى. فالسياحة لا تُبنى بالصورة الجميلة وحدها، بل تُبنى كذلك بالصوت، واللهجة، والإيقاع، والأصوات اليومية التي تجعل المكان مميزًا وقابلًا للتذكر. ولذلك، فإن تطوير المحتوى السياحي الرقمي يقتضي التفكير في « هوية سمعية بصرية » متوازنة تجمع بين قابلية الانتشار العالمي وضرورة الحفاظ على الخصوصية المحلية.

أما فئة التفاعل، ممثلة في عدد المشاهدات، فقد كشفت عن تفاوت واضح بين فيديوهات العينة. وهذا التفاوت يدل على أن شهرة القناة، أو ارتفاع عدد مشتركيها، لا يضمن بالضرورة حصول جميع الفيديوهات على المستوى نفسه من الانتشار. فالمشاهدة الرقمية تتأثر بمجموعة من العوامل، منها موضوع الفيديو، والعنوان، والصورة المصغرة، وتوقيت النشر، وقوة القصة، وخوارزميات الاقتراح داخل منصة YouTube، فضلًا عن قابلية الفيديو للمشاركة عبر منصات أخرى. ولذلك، فإن عدد المشاهدات ينبغي أن يُقرأ بوصفه مؤشرًا أوليًا على التداول، لا بوصفه دليلًا نهائيًا على التأثير أو الجودة.

وتُظهر هذه النتيجة ضرورة التمييز بين الانتشار والتأثير. فقد يحقق فيديو معين عددًا كبيرًا من المشاهدات لأنه يحمل عنوانًا جذابًا أو موضوعًا مثيرًا، دون أن ينتج بالضرورة أثرًا معرفيًا عميقًا لدى الجمهور. وفي المقابل، قد يحقق فيديو آخر مشاهدات أقل، لكنه يترك أثرًا أوضح في التعليقات، أو يثير نقاشًا حول صورة مكان معين، أو يدفع بعض المتابعين إلى الرغبة في زيارة المنطقة أو البحث عنها. ومن ثمّ، فإن دراسة التأثير الرقمي تحتاج مستقبلًا إلى تجاوز عدد المشاهدات نحو تحليل نوعي للتعليقات، ومعدل الإعجاب، والمشاركة، ومدة المشاهدة، وطبيعة الخطاب الذي ينتجه الجمهور حول الفيديو.

وتكتسب فئة الموضوع أهمية خاصة لأنها تكشف عن الخريطة السياحية التي تبنيها القناة عبر اختياراتها البصرية والسردية. فقد أظهر التحليل هيمنة المناطق الحضرية على العينة، مقابل حضور أقل للمناطق الساحلية والصحراوية والأثرية. ويدل ذلك على أن المدينة تمثل الفضاء الأكثر قابلية للتصوير والتداول داخل القناة، لأنها توفر لصانع المحتوى تنوعًا في اللقطات، وحركة بشرية، وأسواقًا، ومطاعم، ومعالم، وأحداثًا، وتفاعلات يومية. فالمدينة تمنح الفيديو إيقاعًا سريعًا وغنى بصريًا وصوتيًا يصعب أحيانًا تحقيقه في الفضاءات الهادئة أو النائية.

غير أن هذه الهيمنة الحضرية تكشف أيضًا عن أحد حدود التمثيل السياحي في العينة. فالسياحة الجزائرية، والعربية عمومًا، لا تختزل في المدينة، بل تمتد إلى الصحراء، والجبال، والواحات، والسواحل، والمواقع الأثرية، والفضاءات الريفية، والأسواق التقليدية، والمسارات الثقافية والدينية. لذلك فإن حضور المناطق الأثرية بنسبة محدودة، وغياب بعض الأنماط السياحية الأخرى، يفتحان المجال أمام تطوير محتوى أكثر توازنًا، قادر على إبراز تنوع المكان الجزائري وتمثيل عمقه التاريخي والطبيعي والثقافي. فالقناة، بما تمتلكه من جمهور واسع، تستطيع أن تسهم في إعادة توجيه الاهتمام نحو مناطق أقل حضورًا في الإعلام التقليدي وفي المخيال السياحي السائد.

وتدل النتائج مجتمعة على أن قناة « خبيب » تشتغل وفق منطق « الوساطة السياحية الرقمية ». فصانع المحتوى لا يكتفي بنقل صورة المكان، بل يعيد بناءه من خلال اختياراته : أين يصور؟ ماذا يبرز؟ بأي زاوية؟ بأي موسيقى؟ بأي عنوان؟ بأي سرد؟ وأي انطباع يترك في النهاية؟ هذه الاختيارات تجعل منه فاعلًا في إنتاج الصورة السياحية لا مجرد ناقل لها. ومن ثمّ، فإن مساهمة المؤثرين في تطوير المحتوى الرقمي لا تتمثل فقط في رفع جودة الصورة أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بل في قدرتهم على تشكيل تمثلات الجمهور عن الأماكن، وإعادة ترتيب خرائط الاهتمام، وتحويل التجربة الفردية إلى سرد جماعي قابل للتداول.

كما تكشف الدراسة أن الحدود بين صانع المحتوى والمؤثر ليست حدودًا فاصلة دائمًا، بل هي حدود متداخلة. فخبيب كواس يظهر في العينة بوصفه صانع محتوى من حيث امتلاكه أدوات إنتاج وتنظيم بصري وسردي، ويظهر في الوقت نفسه بوصفه مؤثرًا من حيث قدرته على جذب جمهور واسع وتوجيه الانتباه نحو أماكن وتجارب بعينها. وهذا التداخل هو ما يمنح القناة أهميتها البحثية، لأنها لا تمثل مجرد إنتاج هواة أو تسجيلات شخصية، بل نموذجًا لصعود فاعلين جدد في المجال الاتصالي ينافسون، في بعض الوظائف، المؤسسات الإعلامية والسياحية التقليدية.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن التأثير الرقمي لا يخلو من حدود وإشكالات. فصانع المحتوى قد يميل أحيانًا إلى تغليب الجاذبية البصرية على الدقة المعرفية، أو إلى التركيز على التجربة الشخصية أكثر من السياق التاريخي والثقافي، أو إلى اختيار الأماكن الأكثر قابلية للتداول على حساب أماكن أقل شهرة لكنها أكثر أهمية من الناحية التراثية أو التنموية. ولذلك فإن تطوير المحتوى الرقمي السياحي يتطلب موازنة دقيقة بين المتعة البصرية والمعرفة، وبين التشويق والتوثيق، وبين الذاتية السردية والمسؤولية الثقافية في تمثيل المكان والناس.

كما أن المنهج المعتمد في هذه الدراسة، على أهميته، يظل محدودًا بحدود العينة وبطبيعة المؤشرات المتاحة. فالعينة القصدية المكونة من عشرة فيديوهات تسمح بفهم اتجاهات عامة في القناة، لكنها لا تكفي لتقديم حكم شامل على كل محتواها. كما أن الاعتماد على المؤشرات الظاهرة، مثل المشاهدات ونوع القالب وحركة الكاميرا، ينبغي أن يُستكمل في دراسات لاحقة بتحليل التعليقات، والصور المصغرة، والعناوين، ومدة المشاهدة، ومصادر الزيارات، وربما بمقابلات مع صانع المحتوى أو مع عينة من المتابعين. فبهذه الأدوات يمكن الانتقال من تحليل المحتوى إلى تحليل الأثر والتلقي.

وتُظهر المناقشة أيضًا أن منصة YouTube ليست مجرد وسيط محايد لنشر الفيديوهات، بل هي بيئة تقنية وثقافية تؤثر في طريقة إنتاج المحتوى. فصانع المحتوى يراعي، صراحة أو ضمنًا، منطق المنصة : مدة الفيديو، قابلية العنوان للجذب، أهمية الصورة المصغرة، إيقاع المونتاج، وتوقعات الجمهور. ولذلك فإن تحليل المحتوى الرقمي لا ينبغي أن ينفصل عن تحليل شروط المنصة التي يُنتج داخلها. فالقناة لا تتحدث فقط بلغة السياحة، بل تتحدث أيضًا بلغة YouTube، أي بلغة الانتباه، والتفاعل، والخوارزمية، وقابلية المشاركة.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن نتائج الدراسة تؤكد أن قناة « خبيب » تسهم في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر من خلال ثلاثة مستويات مترابطة. يتمثل المستوى الأول في المستوى التقني والجمالي، من خلال جودة الصورة، وحركة الكاميرا، وتنويع الصوت، وبناء فيديوهات متوسطة الطول ذات إيقاع مناسب. ويتمثل المستوى الثاني في المستوى الاتصالي، من خلال بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وتحويل السفر إلى تجربة قابلة للمرافقة والتفاعل. أما المستوى الثالث فهو المستوى الثقافي والسياحي، من خلال إعادة تقديم المكان الجزائري والعربي والدولي ضمن خطاب بصري يربط بين الاكتشاف والمتعة والمعرفة.

غير أن هذه المساهمة تظل بحاجة إلى تطوير منهجي ومعرفي حتى تبلغ مستوى أكثر نضجًا. فالقناة قوية من حيث الحضور البصري والانتشار الجماهيري، لكنها تحتاج، من منظور تطوير المحتوى السياحي، إلى تعميق البعد المعرفي، وتنويع القوالب، وتوسيع تمثيل المناطق، وتوثيق المعلومات، وإدراج أصوات محلية وخبيرة داخل الفيديوهات. وبهذا يمكن أن ينتقل المحتوى من مرحلة الإبهار البصري إلى مرحلة الوساطة الثقافية الواعية، حيث لا يكون الفيديو مجرد دعوة إلى المشاهدة، بل مدخلًا إلى فهم المكان واحترام خصوصيته وإعادة تثمينه.

وعليه، فإن المناقشة التركيبية للنتائج تسمح بالخروج بخلاصة أساسية مفادها أن المؤثر الرقمي، في حالة قناة « خبيب »، يمارس دورًا مركبًا يتجاوز إنتاج الفيديو إلى إنتاج صورة اجتماعية وثقافية للمكان. فهو يختار، ويؤطر، ويروي، ويقترح على الجمهور طريقة معينة في النظر إلى المدن والمناطق والتجارب. ومن هنا تصبح مساهمته في تطوير المحتوى الرقمي مساهمة مزدوجة : مساهمة تقنية تتعلق بجودة الإنتاج، ومساهمة رمزية تتعلق بتشكيل المخيال السياحي لدى الجمهور. غير أن قيمة هذه المساهمة تظل مشروطة بمدى قدرة المحتوى على الجمع بين الجاذبية الرقمية والدقة المعرفية والمسؤولية الثقافية.

6. النتائج العامة للدراسة

أفضى تحليل مضامين عينة الفيديوهات المختارة من قناة « خبيب » على منصة YouTube إلى مجموعة من النتائج العامة التي تسمح بفهم طبيعة المحتوى الرقمي السياحي الذي تنتجه القناة، وحدود مساهمته في تطوير صناعة المحتوى الرقمي في الجزائر. ولا ينبغي النظر إلى هذه النتائج بوصفها أحكامًا نهائية على مجمل تجربة القناة، لأن العينة المعتمدة قصدية ومحدودة بعشرة فيديوهات، لكنها تقدم مؤشرات دالة على أنماط الإنتاج البصري، وعلى طرائق تمثيل المكان، وعلى طبيعة العلاقة التي يبنيها صانع المحتوى مع الجمهور داخل بيئة الميديا الجديدة.

أولًا، كشفت الدراسة أن قناة « خبيب » تعتمد نمطًا زمنيًا متوسطًا في بناء فيديوهاتها، إذ تراوحت جميع فيديوهات العينة بين عشر دقائق وخمس وعشرين دقيقة، مع غياب المقاطع القصيرة جدًا. وتدل هذه النتيجة على أن صانع المحتوى لا يراهن على الاختزال السريع، بل يفضّل بناء مادة بصرية تسمح بتقديم المكان تدريجيًا، وإدراج التعليق، والتنقل بين المشاهد، وإتاحة قدر من التفاعل مع الأشخاص والفضاءات. وبذلك تتحول المدة الزمنية إلى عنصر بنائي داخل الفيديو، لأنها تمنح المحتوى إمكانات سردية أوسع من مجرد تقديم لقطة سياحية أو معلومة عابرة.

ثانيًا، أظهرت الدراسة أن القالب الربورتاجي يمثل البنية الفنية المهيمنة على الفيديوهات المدروسة، إذ حضرت صيغة الربورتاج في جميع عناصر العينة. وتدل هذه النتيجة على أن القناة تبني خطابها السياحي وفق منطق ميداني قائم على الحركة، والتوثيق، والمرافقة، والتعليق، والتفاعل مع المكان. فالربورتاج يسمح لصانع المحتوى بالجمع بين التجربة الشخصية والمعلومة البصرية، وبين حضور الذات المصوِّرة وتمثيل الفضاء المصوَّر. غير أن هذا المعطى يكشف في الوقت نفسه عن حاجة القناة إلى تنويع قوالبها الفنية مستقبلًا، من خلال إدراج المقابلة، والبورتريه، والشهادة المحلية، والمشهد التفسيري، بما يرفع من العمق المعرفي والثقافي للمحتوى.

ثالثًا، بينت النتائج أن الكاميرا المتحركة تحتل موقعًا مركزيًا في البناء الإخراجي للقناة، حيث ظهرت في أغلب فيديوهات العينة. ويؤكد ذلك أن قناة « خبيب » لا تقدم المكان بوصفه موضوعًا ساكنًا للتأمل، بل بوصفه تجربة حية قائمة على التنقل والاكتشاف. فحركة الكاميرا تسهم في بناء إحساس بالمرافقة، وتجعل المشاهد يتقدم داخل المكان مع صانع المحتوى، ويرى تفاصيله عبر مسار بصري متدرج. وبذلك تتحول الكاميرا إلى أداة وساطة بين الجمهور والفضاء، لا إلى جهاز تسجيل محايد فقط.

رابعًا، كشفت الدراسة أن المؤثرات الصوتية تؤدي دورًا مهمًا في بناء هوية الفيديوهات، إذ جمعت العينة بين الموسيقى الجزائرية، والموسيقى الأجنبية، والمؤثرات الطبيعية. وتدل هذه النتيجة على أن المحتوى السياحي في القناة يُبنى من خلال تكامل الصورة والصوت، لا من خلال الصورة وحدها. فالموسيقى توجه الانفعال، وتمنح المشهد إيقاعًا معينًا، بينما تسهم المؤثرات الطبيعية في تعزيز الإحساس الواقعي بالمكان. غير أن حضور الموسيقى الجزائرية ظل محدودًا نسبيًا، وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في ضرورة تقوية الهوية السمعية المحلية، خاصة في الفيديوهات التي تتناول فضاءات جزائرية ذات حمولة ثقافية وسياحية واضحة.

خامسًا، بينت مؤشرات المشاهدة وجود تفاوت واضح في مستوى انتشار الفيديوهات المدروسة. فليست كل فيديوهات القناة تحقق الدرجة نفسها من الوصول الجماهيري، على الرغم من انتمائها إلى القناة نفسها وصدورها عن صانع المحتوى نفسه. وتدل هذه النتيجة على أن التفاعل الرقمي لا يرتبط بعدد المشتركين وحده، بل يتأثر أيضًا بالموضوع، والعنوان، والصورة المصغرة، وتوقيت النشر، وخوارزميات الاقتراح، وقابلية الفيديو للتداول عبر المنصات الأخرى. ومن ثمّ، فإن المشاهدات تُعد مؤشرًا مهمًا على الانتشار، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات التأثير أو قياس عمق التلقي.

سادسًا، أظهر تحليل فئة الموضوع أن المناطق الحضرية هي الأكثر حضورًا في العينة، مقارنة بالمناطق الساحلية والصحراوية والأثرية. ويعكس هذا المعطى ميل القناة إلى تمثيل المدينة بوصفها فضاءً غنيًا بالحركة، والأصوات، والمعالم، والأسواق، والتفاعلات اليومية. فالمدينة توفر لصانع المحتوى مادة بصرية وسردية سهلة التداول، وتسمح ببناء فيديو ديناميكي يجمع بين المشاهدة والتجربة. غير أن هذا التركيز الحضري يطرح في المقابل ضرورة توسيع تمثيل الفضاءات الأخرى، لا سيما المناطق الجبلية، والمواقع الأثرية، والواحات، والقرى، والمسارات الصحراوية، حتى لا تختزل الصورة السياحية في الفضاء الحضري وحده.

سابعًا، بينت الدراسة أن قناة « خبيب » تسهم في بناء صورة رقمية عن المكان من خلال تحويل الرحلة إلى خطاب بصري قابل للتداول. فالمكان لا يظهر في الفيديوهات بوصفه فضاءً جغرافيًا محايدًا، بل يظهر من خلال اختيار الزوايا، وحركة الكاميرا، والتعليق، والموسيقى، وطريقة التفاعل مع السكان أو الفضاءات. وبهذا المعنى، لا يكتفي صانع المحتوى بنقل صورة المكان، بل يشارك في تأطيرها وإعادة إنتاجها رمزيًا، بما يؤثر في الطريقة التي يتخيل بها الجمهور المدن والمناطق والتجارب السياحية.

ثامنًا، أظهرت النتائج أن خبيب كواس يجمع بين صفة صانع المحتوى وصفة المؤثر الرقمي. فهو صانع محتوى لأنه ينتج مادة سمعية بصرية منظمة تعتمد على التصوير، والمونتاج، والسرد، وبناء المشهد. وهو مؤثر لأنه يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، ويستطيع توجيه الانتباه نحو أماكن وتجارب معينة، وتحويلها إلى موضوع للمشاهدة والتفاعل والتداول. ويكشف هذا التداخل أن المؤثر الرقمي في الميديا الجديدة لم يعد مجرد شخصية تحظى بالمتابعة، بل أصبح فاعلًا اتصاليًا قادرًا على المشاركة في تشكيل التمثلات السياحية والثقافية.

تاسعًا، تؤكد الدراسة أن المحتوى السياحي الرقمي لا يكتسب قيمته من الجاذبية البصرية فقط، بل من قدرته على الجمع بين المتعة والمعرفة. فقد نجحت القناة، في حدود العينة المدروسة، في بناء محتوى بصري جذاب، قائم على الحركة والتشويق والتجربة الشخصية، لكنها تظل بحاجة إلى تعزيز الجانب التوثيقي والمعرفي، خاصة حين يتعلق الأمر بتاريخ الأماكن، وخصوصياتها الثقافية، ومعطياتها التراثية. فالمحتوى السياحي الأكثر نضجًا هو الذي لا يكتفي بإثارة الرغبة في المشاهدة، بل يسهم كذلك في إنتاج معرفة دقيقة ومسؤولة حول المكان.

عاشرًا، تبين الدراسة أن مساهمة قناة « خبيب » في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر تتمثل في ثلاثة مستويات مترابطة. يتمثل المستوى الأول في المستوى التقني والجمالي، من خلال جودة التصوير، وحركة الكاميرا، وتنويع المؤثرات الصوتية، وبناء فيديوهات قابلة للمتابعة. ويتمثل المستوى الثاني في المستوى الاتصالي، من خلال بناء علاقة مباشرة مع الجمهور وتحويل التجربة الفردية إلى مادة جماعية قابلة للتفاعل. أما المستوى الثالث فهو المستوى الثقافي والسياحي، من خلال إعادة تقديم بعض المدن والمناطق والتجارب في صورة رقمية جديدة تسهم في تنشيط المخيال السياحي لدى الجمهور.

وبناءً على هذه النتائج، يمكن القول إن قناة « خبيب » تمثل نموذجًا دالًا على التحولات التي يعرفها الإنتاج الرقمي السياحي في الجزائر. فهي تكشف عن انتقال المحتوى من مستوى التسجيل الفردي البسيط إلى مستوى أكثر تنظيمًا في التصوير والسرد والمونتاج والتفاعل. غير أن هذا التطور يظل في حاجة إلى مزيد من الضبط المنهجي والمعرفي، حتى يتحول المحتوى السياحي الرقمي من ممارسة قائمة على الجاذبية والمشاهدة إلى وساطة ثقافية أكثر عمقًا، قادرة على تمثيل المكان تمثيلًا متوازنًا، وعلى الجمع بين الانتشار الرقمي والدقة المعرفية والمسؤولية الأخلاقية في تصوير الأشخاص والفضاءات والثقافات.

7. الإجابة عن أسئلة الدراسة

تسمح النتائج المتوصل إليها، في ضوء التحليل الكمي والنوعي لمضامين العينة، بالإجابة عن الأسئلة التي انطلقت منها الدراسة. ولا تُقدَّم هذه الإجابات بوصفها خلاصات منفصلة عن التحليل السابق، بل بوصفها تركيبًا علميًا يربط بين الإشكالية، والفئات المعتمدة في تحليل المضمون، والنتائج العامة التي كشفتها الجداول والقراءة التفسيرية. ومن ثمّ، فإن الإجابة عن أسئلة الدراسة تمثل خطوة منهجية ضرورية لإظهار مدى اتساق النتائج مع الأهداف المعلنة، ومدى قدرة العينة على تقديم فهم أولي لدور قناة « خبيب » في تطوير المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر.

1.7. الاستراتيجية البصرية المعتمدة في إنتاج المحتوى

بالنسبة إلى السؤال المتعلق بالاستراتيجية البصرية التي يتبعها خبيب كواس في إنتاج ونشر المحتوى على منصة YouTube، تُظهر النتائج أن القناة تعتمد استراتيجية قائمة على الحركة، والتدرج السردي، وتنويع المشاهد، وتحويل المكان إلى تجربة مشاهدة. ويتضح ذلك من خلال هيمنة الكاميرا المتحركة، واعتماد القالب الربورتاجي، واختيار مدة زمنية متوسطة تسمح ببناء تجربة بصرية لا تكتفي بعرض المكان، بل ترافق المتلقي داخله.

فالقناة لا تعتمد على تصوير ساكن أو على عرض معلومات مجردة عن المدن والمناطق، بل تبني الفيديو بوصفه رحلة مرئية تبدأ غالبًا بمقدمة تشويقية، ثم تنتقل إلى استكشاف المكان عبر الحركة والتعليق والتفاعل. وتؤدي الكاميرا، في هذا السياق، وظيفة مزدوجة : فهي من جهة أداة توثيق، ومن جهة أخرى أداة سردية تقود عين المتلقي وتمنحه إحساسًا بالمشاركة. ولذلك يمكن القول إن الاستراتيجية البصرية في القناة تقوم على تحويل المشاهدة إلى شكل من أشكال المرافقة الرقمية، حيث يشعر الجمهور بأنه يتقدم مع صانع المحتوى داخل المكان ويتعرف إلى تفاصيله بصورة تدريجية.

كما يتضح أن هذه الاستراتيجية لا تنفصل عن طبيعة YouTube بوصفها منصة تسمح بمحتوى أطول نسبيًا وأكثر قابلية للتفصيل من المنصات القائمة على المقاطع القصيرة. فاختيار فيديوهات تتراوح مدتها بين عشر دقائق وخمس وعشرين دقيقة يمنح صانع المحتوى مساحة لبناء الإيقاع، وتوزيع المشاهد، وإدراج الموسيقى، وتقديم الانطباعات، دون الوقوع في الاختزال المفرط. ومن ثمّ، فإن الاستراتيجية البصرية في قناة « خبيب » تقوم على الجمع بين الجاذبية، والحركة، والسرد، وقابلية التداول.

2.7. العلاقة بين الاختيارات التقنية وجاذبية الفيديو

أما السؤال المتعلق بطبيعة العلاقة بين الاختيارات التقنية، مثل حركة الكاميرا والزوايا والموسيقى، وبين جاذبية الفيديو وقابليته للتداول، فتُظهر النتائج أن هذه العناصر تشكل منظومة متكاملة تسهم في بناء تجربة مشاهدة جذابة. فحركة الكاميرا تمنح الفيديو ديناميكية واضحة، وتحدّ من الرتابة البصرية، وتتيح للمتلقي اكتشاف المكان عبر مسار بصري متجدد. أما المؤثرات الصوتية، فتوجه الإحساس بالمشهد، وتضبط إيقاع الانتقال بين اللقطات، وتمنح الفيديو طابعًا وجدانيًا أو واقعيًا بحسب نوع الصوت المستخدم.

وتتوزع المؤثرات الصوتية في العينة بين الموسيقى الجزائرية، والموسيقى الأجنبية، والمؤثرات الطبيعية. ويدل هذا التوزيع على أن القناة تستثمر الصوت بوصفه عنصرًا مكملًا للصورة لا مجرد خلفية. فالموسيقى تساعد على تكثيف التشويق والانفعال، بينما تمنح المؤثرات الطبيعية للمشهد درجة من الصدقية والحضور المباشر. وبذلك يصبح الفيديو السياحي في القناة بناءً سمعيًا بصريًا متكاملًا، حيث لا يمكن فصل أثر الصورة عن أثر الصوت.

ومع ذلك، لا تسمح معطيات الدراسة الحالية بإثبات علاقة سببية مباشرة بين هذه الاختيارات التقنية وعدد المشاهدات، لأن ذلك يتطلب تحليلًا أوسع يشمل مدة المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور، ومصادر الزيارات، والصور المصغرة، والعناوين، وخوارزميات الاقتراح. لكن ما يمكن تأكيده أن الاختيارات التقنية المعتمدة في القناة تساهم في رفع قابلية الفيديو للمتابعة، وفي بناء هوية بصرية وسمعية تجعل المحتوى أكثر قربًا من معايير الفيديو السياحي الرقمي المعاصر.

3.7. مستوى استجابة الجمهور وتفاعله مع المحتوى

فيما يتعلق بالسؤال الخاص بمدى استجابة الجمهور وتفاعله مع محتوى القناة، أظهر تحليل فئة المشاهدات وجود تفاوت واضح بين فيديوهات العينة. فقد حققت بعض الفيديوهات مستويات مرتفعة من المشاهدة، بينما ظلت أخرى ضمن مستوى أقل، وهو ما يدل على أن التفاعل لا يتحدد بشهرة القناة وحدها، ولا بعدد المشتركين فقط، بل يتأثر بمجموعة من العوامل الموضوعية والتقنية والمنصاتية.

ويكشف هذا التفاوت أن الجمهور لا يتفاعل بالطريقة نفسها مع جميع الموضوعات، بل يبدو أكثر انجذابًا إلى بعض التجارب أو العناوين أو الأماكن أو القصص التي تحمل طابعًا تشويقيًا أو استثنائيًا. كما أن عدد المشاهدات، على أهميته، لا يكفي وحده لقياس طبيعة التفاعل، لأن التفاعل الرقمي أوسع من المشاهدة؛ فهو يشمل التعليق، والإعجاب، والمشاركة، ومدة المشاهدة، والعودة إلى القناة، وطبيعة الخطاب الذي ينتجه المتابعون حول الفيديو.

لذلك، يمكن القول إن قناة « خبيب » تمتلك قدرة واضحة على الوصول إلى جمهور واسع، غير أن قياس عمق هذا التفاعل يحتاج إلى أدوات أكثر تفصيلًا، مثل تحليل التعليقات، ودراسة نبرة التلقي، وتحديد ما إذا كان الجمهور يتفاعل مع الفيديو بوصفه مادة ترفيهية فقط، أم بوصفه مصدرًا للمعلومة السياحية، أم بوصفه حافزًا لإعادة التفكير في صورة المكان. ومن ثمّ، فإن الاستجابة الجماهيرية التي تكشفها مؤشرات المشاهدة تظل مؤشرًا مهمًا على الانتشار، لكنها تحتاج إلى استكمال نوعي لقياس التأثير الثقافي والسياحي.

4.7. الأدوات والتقنيات الرقمية المعتمدة في إنتاج الفيديوهات

أما السؤال المتعلق بالأدوات والتقنيات الرقمية التي يعتمد عليها صانع المحتوى في إنتاج الفيديوهات ونشرها، فتشير نتائج التحليل إلى حضور واضح لمنظومة إنتاج سمعية بصرية منظمة. يظهر ذلك من خلال جودة الصورة، وحركة الكاميرا، وتنوع اللقطات، والمونتاج، واستعمال المؤثرات الصوتية، وبناء إيقاع سردي يسمح بالانتقال بين المشاهد. وتدل هذه المؤشرات على أن القناة لا تكتفي بتسجيل عفوي للرحلات، بل تعتمد حدًا معتبرًا من التخطيط التقني والجمالي.

ويمكن استنتاج أن إنتاج الفيديوهات يتطلب استخدام كاميرات ذات جودة مناسبة، ومعدات تثبيت أو حركة، وبرامج مونتاج، وأدوات لمعالجة الصوت والصورة، وربما استعمال لقطات جوية أو لقطات بانورامية في بعض المواد، بحسب طبيعة الفيديو. غير أن هذه النتائج تبقى في حدود الاستنتاج البصري المبني على تحليل المحتوى المنشور، لأن الدراسة لا تتضمن مقابلة مباشرة مع صاحب القناة أو تصريحًا دقيقًا حول المعدات والبرمجيات المستخدمة.

لذلك، فإن الإجابة العلمية الدقيقة تقتضي التمييز بين ما تثبته المعاينة وما يستنتج منها. فالمعاينة تثبت وجود جودة إنتاجية، وحركة تصوير منظمة، ومونتاج واضح، واستعمالًا متنوعًا للصوت. أما تحديد نوع الكاميرا، أو البرمجيات، أو حجم فريق العمل، أو آليات التخطيط، فيحتاج إلى معطيات إضافية. ومع ذلك، يكفي التحليل الحالي لتأكيد أن المحتوى المدروس ينتمي إلى مستوى من الإنتاج الرقمي المنظم، لا إلى مستوى التسجيل العابر أو العفوي.

5.7. مساهمة صناع المحتوى في تعزيز الوعي المعرفي والثقافي

فيما يتعلق بالسؤال الخاص بكيفية مساهمة صناع المحتوى الرقمي في تعزيز التنمية المعرفية والثقافية لدى الجمهور، تكشف الدراسة أن قناة « خبيب » تسهم في هذا المجال من خلال إعادة تقديم الأماكن في صورة مرئية قابلة للتداول، وربط المشاهدة بالتجربة، وتحويل المدن والمناطق إلى موضوعات للاكتشاف. فالفيديو السياحي لا يمنح الجمهور صورًا جميلة فحسب، بل قد يفتح أمامه إمكانات معرفة غير رسمية تتعلق بالمكان، والعادات، والممارسات اليومية، والمطبخ، والأسواق، والفضاءات الطبيعية والحضرية.

وتكمن قوة هذا النوع من المحتوى في أنه يجعل المعرفة مرتبطة بالتجربة لا بالمعلومة المجردة. فالمتلقي لا يقرأ عن المكان فقط، بل يراه، ويسمع أصواته، ويتابع مسار الحركة داخله، ويتلقى الانطباعات التي يقدّمها صانع المحتوى. وهذه الصيغة قد تكون مؤثرة لأنها تجمع بين المعرفة والمتعة، وبين التوثيق والانفعال، وبين المعلومة والتجربة الحسية.

غير أن هذه المساهمة المعرفية تظل مشروطة بدقة المعلومات وبمدى توثيقها. فالمحتوى الرقمي السياحي قد يتحول إلى أداة تثقيف فعالة إذا اعتمد معلومات صحيحة، واحترم خصوصية الأماكن، وقدّم سياقات تاريخية وثقافية موثوقة. أما إذا اكتفى بالانطباع الشخصي والجاذبية البصرية، فقد يبقى أثره محصورًا في الترفيه والترويج. ومن هنا تبرز ضرورة أن يطور صناع المحتوى، ومنهم خبيب كواس، آليات أكثر دقة لتدعيم الجانب المعرفي، من خلال الإشارة إلى مصادر المعلومات، واستضافة أصوات محلية، وإدراج عناصر تفسيرية حول تاريخ الأماكن وثقافتها.

6.7. حضور الابتكار الرقمي في تجربة القناة

أما السؤال المتعلق بمدى حضور التقنيات والأساليب الرقمية الابتكارية في إنتاج محتوى القناة، فتشير نتائج الدراسة إلى أن الابتكار حاضر بصورة نسبية في طريقة بناء الفيديو، وفي الدمج بين الحركة، والصوت، والمونتاج، والسرد الشخصي، والتفاعل الميداني. ولا ينبغي اختزال الابتكار هنا في امتلاك معدات تقنية حديثة فقط، بل يجب فهمه بوصفه قدرة على تحويل المكان إلى تجربة رقمية مؤثرة، وعلى بناء خطاب بصري يحافظ على انتباه الجمهور ويمنحه إحساسًا بالاكتشاف.

تظهر مظاهر الابتكار في اعتماد القناة على فيديوهات متوسطة الطول ذات بناء سردي واضح، وعلى الكاميرا المتحركة التي تمنح المتلقي شعورًا بالمرافقة، وعلى المؤثرات الصوتية التي تضبط الإيقاع والانفعال، وعلى الربورتاج بوصفه قالبًا مرنًا يتيح الجمع بين المعلومة والتجربة. كما يظهر الابتكار في قدرة صانع المحتوى على جعل التجربة الفردية قابلة للمشاركة الجماعية، بحيث لا تبقى الرحلة تجربة شخصية، بل تتحول إلى مادة يتابعها الجمهور ويتفاعل معها ويعيد تداولها.

ومع ذلك، فإن الابتكار في القناة لا يزال قابلًا للتطوير، خاصة من حيث تنويع القوالب الفنية، وتعميق الجانب المعرفي، واستثمار إمكانات المنصة في بناء تفاعل أكبر مع الجمهور، مثل إدراج استطلاعات، أو حلقات مبنية على اقتراحات المتابعين، أو مقاطع تفسيرية، أو تعاونات مع خبراء في السياحة والتراث والثقافة. وبذلك يمكن أن ينتقل الابتكار من مستوى الجاذبية التقنية إلى مستوى بناء معرفة رقمية تشاركية حول المكان.

7.7. خلاصة الإجابة عن السؤال المركزي

انطلاقًا من الإجابات الجزئية السابقة، يمكن القول إن قناة « خبيب » تسهم في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر من خلال الجمع بين جودة الإنتاج السمعي البصري، وبناء سرد سياحي قائم على التجربة، وتحقيق حضور جماهيري واسع داخل منصة YouTube. فهي تقدم نموذجًا لصانع محتوى استطاع أن ينتقل من مجرد تسجيل الرحلات إلى إنتاج خطاب بصري منظم حول المكان، قائم على الحركة، والتشويق، والموسيقى، والتفاعل، وتمثيل الفضاءات المحلية والدولية.

وتتمثل مساهمة القناة في تطوير المحتوى الرقمي في ثلاثة أبعاد أساسية. يتمثل البعد الأول في البعد التقني والجمالي، من خلال تحسين صورة الفيديو السياحي وإعطائه طابعًا بصريًا أكثر احترافية. ويتمثل البعد الثاني في البعد الاتصالي، من خلال بناء علاقة مباشرة بين صانع المحتوى والجمهور، وتحويل المشاهدة إلى تجربة مرافقة وتفاعل. أما البعد الثالث فهو البعد الثقافي والسياحي، من خلال إعادة تقديم الأماكن في صيغة رقمية قادرة على إثارة الاهتمام وإعادة تشكيل صورة الجمهور عنها.

غير أن هذه المساهمة لا تعني اكتمال التجربة أو خلوها من الحدود. فالقناة تحتاج إلى مزيد من التنويع الفني، وتعزيز الدقة المعرفية، وتوسيع تمثيل المناطق، وتحليل أعمق للتفاعل الجماهيري. لذلك فإن قناة « خبيب » تمثل نموذجًا مهمًا في تطور المحتوى الرقمي الجزائري، لكنها تمثل أيضًا حالة قابلة للتطوير نحو وساطة سياحية وثقافية أكثر نضجًا، تجمع بين الجاذبية الرقمية، والمسؤولية المعرفية، والقدرة على تمثيل المكان في عمقه وتعدده.

8. التوصيات

انطلاقًا من النتائج التي توصلت إليها الدراسة، ومن الحدود المنهجية التي كشفت عنها عملية تحليل مضامين عينة الفيديوهات المختارة من قناة « خبيب » على منصة YouTube، يمكن صياغة مجموعة من التوصيات التي تتصل بتطوير المحتوى السياحي الرقمي من جهة، وبتعزيز البحث العلمي في مجال المؤثرين وصنّاع المحتوى من جهة ثانية. ولا تُقدَّم هذه التوصيات بوصفها إرشادات تقنية معزولة، بل بوصفها امتدادًا منطقيًا للنتائج التي بيّنت أهمية الصورة، والصوت، والسرد، والتفاعل، وتمثيل المكان في بناء المحتوى الرقمي السياحي.

تتمثل التوصية الأولى في ضرورة توحيد مؤشرات القياس الرقمي وتثبيت تاريخ استخراج البيانات. فقد أظهرت الدراسة أن عدد المشاهدات يمثل مؤشرًا مهمًا على مستوى الانتشار، غير أن هذا المؤشر قابل للتغير المستمر داخل منصة YouTube. لذلك ينبغي، في الدراسات اللاحقة، تحديد تاريخ المعاينة بدقة، وتوضيح ما إذا كانت الأرقام معبَّرًا عنها بالعدد المطلق، أو بالألف، أو بالمليون، مع إدراج مؤشرات إضافية مثل عدد الإعجابات، وعدد التعليقات، ونسبة المشاركة، ومدة المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور. فمن دون هذا الضبط، قد تصبح القراءة الإحصائية عرضة للالتباس، وقد يصعب التحقق من صدقية النتائج أو مقارنتها بدراسات أخرى.

وتتعلق التوصية الثانية بضرورة توسيع أدوات تحليل التفاعل الرقمي. فقد اعتمدت الدراسة الحالية على عدد المشاهدات بوصفه مؤشرًا ظاهرًا، غير أن فهم العلاقة بين الجمهور والمحتوى يتطلب تجاوز هذا المؤشر نحو تحليل نوعي للتعليقات، ودراسة نبرة التلقي، وتصنيف استجابات المتابعين، والتمييز بين التعليق الإعجابي، والتعليق النقدي، والتعليق المعلوماتي، والتعليق الذي يتضمن رغبة في زيارة المكان أو إعادة التفكير في صورته. وبذلك يمكن الانتقال من قياس الانتشار إلى فهم الأثر، ومن رصد المشاهدة إلى تحليل التلقي.

أما التوصية الثالثة فتتصل بتنويع القوالب الفنية داخل المحتوى السياحي الرقمي. فقد كشفت الدراسة عن هيمنة القالب الربورتاجي على فيديوهات العينة، وهو قالب ملائم لطبيعة السفر والاكتشاف، لكنه يحتاج إلى دعم بقوالب أخرى قادرة على تعميق البعد المعرفي والثقافي. لذلك يُستحسن أن يدمج صانع المحتوى، إلى جانب الربورتاج، مقابلات قصيرة مع سكان محليين، أو مرشدين سياحيين، أو مختصين في التاريخ والتراث، إضافة إلى بورتريهات مصغرة لشخصيات محلية، ومقاطع تفسيرية تقدم معلومات موثقة حول الأماكن المصوَّرة. ومن شأن هذا التنويع أن يحوّل الفيديو من تجربة مشاهدة ممتعة إلى مادة معرفية أكثر اكتمالًا.

وتتمثل التوصية الرابعة في تعزيز البعد التوثيقي والمعرفي للمحتوى السياحي. فالمحتوى الرقمي المؤثر لا يكتفي بإنتاج صورة جميلة أو تجربة مشوقة، بل يجب أن يقدّم معلومات دقيقة ومسؤولة حول المكان، وتاريخه، وثقافته، وخصوصياته الاجتماعية. لذلك ينبغي أن يحرص صناع المحتوى على التحقق من المعلومات قبل نشرها، وتجنب التعميمات السريعة، والإشارة عند الإمكان إلى مصادر موثوقة، أو الاستعانة بفاعلين محليين قادرين على تقديم معرفة دقيقة عن الفضاءات المصورة. وهذا الأمر ضروري حتى لا يتحول المحتوى السياحي إلى مجرد استهلاك بصري للمكان، بل يصبح مدخلًا إلى فهمه وتثمينه.

وتتعلق التوصية الخامسة بضرورة توسيع تمثيل المناطق السياحية داخل المحتوى الرقمي الجزائري. فقد بينت الدراسة هيمنة المناطق الحضرية داخل العينة، مقابل حضور أقل للمناطق الأثرية والصحراوية والساحلية، وغياب بعض الأنماط السياحية الأخرى، مثل المناطق الجبلية والريفية والواحات والمسارات الثقافية. لذلك ينبغي تشجيع صناع المحتوى على الخروج من التمثيلات السياحية الأكثر تداولًا، والتوجه نحو إبراز مناطق أقل حضورًا في الإعلام التقليدي، بما يسمح ببناء صورة أكثر توازنًا عن التنوع الجغرافي والثقافي في الجزائر. فالتأثير الرقمي يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة اكتشاف الهامش، لا إلى إعادة إنتاج المركز وحده.

وتتمثل التوصية السادسة في تقوية الهوية السمعية البصرية للمحتوى المحلي. فقد أظهر التحليل حضورًا محدودًا للموسيقى الجزائرية مقارنة بالموسيقى الأجنبية والمؤثرات الطبيعية. ولا يعني ذلك رفض الانفتاح على الإيقاعات العالمية، بل يعني ضرورة تحقيق توازن بين الجاذبية الكونية والخصوصية المحلية. فالمحتوى السياحي الجزائري يستطيع أن يستثمر الموسيقى المحلية، واللهجات، والأصوات البيئية، والإيقاعات التراثية، بما يعزز تميز المكان ويمنح الفيديو هوية ثقافية أقوى. إن السياحة الرقمية لا تُبنى بالصورة وحدها، بل بالصورة والصوت واللغة والإيقاع والذاكرة السمعية للمكان.

أما التوصية السابعة فتخص الجانب الأخلاقي في تصوير الأشخاص والفضاءات. فصانع المحتوى السياحي يتعامل مع أماكن مأهولة، وسكان محليين، وممارسات ثقافية، وفضاءات عامة أو شبه خاصة. لذلك ينبغي احترام خصوصية الأشخاص، وتجنب التصوير المسيء أو الاختزالي، وعدم تحويل الفقر أو الاختلاف الثقافي أو الهشاشة الاجتماعية إلى مادة للفرجة. كما ينبغي الحرص على تقديم المناطق والثقافات المحلية بطريقة تحفظ كرامة الأشخاص، وتراعي حساسية المكان، وتبتعد عن الصور النمطية أو الاستشراقية أو التمثيلات الفولكلورية السطحية. فالمسؤولية الأخلاقية جزء أساسي من جودة المحتوى، وليست عنصرًا خارجًا عنه.

وتتصل التوصية الثامنة بضرورة تطوير التكوين المهني لصناع المحتوى، خاصة في مجالات التصوير، والمونتاج، وكتابة السيناريو، والتحقق من المعلومات، وأخلاقيات النشر، وحقوق الصورة، وحقوق الموسيقى. فقد أصبحت صناعة المحتوى الرقمي ممارسة ذات أثر جماهيري واسع، ولم تعد نشاطًا فرديًا عفويًا بالكامل. ومن ثمّ، فإن تطوير هذا المجال يتطلب بناء كفاءات تجمع بين المعرفة التقنية والوعي الثقافي والمسؤولية الاتصالية. ويمكن للجامعات، ومخابر البحث، والمؤسسات السياحية، والجمعيات الثقافية، أن تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم ورشات تكوين وتعاون مع صناع المحتوى.

وتتمثل التوصية التاسعة في تشجيع التعاون المنظم بين المؤسسات السياحية والثقافية وصناع المحتوى، شريطة أن يتم ذلك ضمن أطر مهنية وأخلاقية واضحة. فالتعاون بين صانع المحتوى والمؤسسات يمكن أن يسهم في تثمين المناطق، وتوفير المعلومات الدقيقة، وتسهيل الوصول إلى بعض المواقع، وتحسين جودة الإنتاج. غير أن هذا التعاون ينبغي ألا يحوّل المحتوى إلى إعلان مباشر فاقد للمصداقية، بل يجب أن يحافظ على استقلالية صانع المحتوى وعلى شفافية العلاقة مع الجمهور. فإذا كان الفيديو مدعومًا أو ممولًا، ينبغي التصريح بذلك حفاظًا على الثقة الرقمية.

أما التوصية العاشرة فتتعلق بالبحث الأكاديمي في مجال المؤثرين والميديا الجديدة. فقد أظهرت الدراسة أن تحليل المحتوى وحده لا يكفي لفهم الظاهرة في جميع أبعادها، لذلك يُستحسن أن تتجه الدراسات اللاحقة إلى مقاربات متعددة الأدوات، تجمع بين تحليل المحتوى، وتحليل الخطاب، وتحليل التعليقات، والمقابلات، والاستبيانات، وربما الدراسات المقارنة بين قنوات جزائرية وعربية ودولية. كما يمكن توسيع العينة لتشمل عددًا أكبر من الفيديوهات، أو دراسة تطور القناة زمنيًا، أو مقارنة الفيديوهات التي حققت انتشارًا واسعًا بتلك التي حققت انتشارًا محدودًا.

وتتعلق التوصية الحادية عشرة بضرورة دراسة أثر المحتوى السياحي الرقمي في صورة الجزائر لدى الجمهور المحلي والخارجي. فالسؤال لم يعد متعلقًا فقط بما تعرضه القناة، بل بكيفية تلقي الجمهور لهذه العروض، وما إذا كانت تسهم فعلًا في تغيير الصورة الذهنية عن المدن والمناطق، أو في تعزيز الرغبة في السفر، أو في إعادة اكتشاف أماكن كانت مهمشة إعلاميًا. ويمكن إنجاز ذلك من خلال دراسات ميدانية تستهدف المتابعين، وتبحث في علاقتهم بالفيديوهات، وفي أثرها على معارفهم، وتمثلاتهم، وسلوكياتهم السياحية.

وتتمثل التوصية الثانية عشرة في ضرورة إدماج مفهوم « الوساطة السياحية الرقمية » ضمن الدراسات الإعلامية والسياحية. فقد أظهرت حالة قناة « خبيب » أن صانع المحتوى لا يعمل فقط بوصفه منتج فيديو، بل بوصفه وسيطًا بين المكان والجمهور، وبين التجربة الفردية والتمثل الجماعي، وبين الفضاء المحلي والمنصة العالمية. لذلك يمكن أن يشكل هذا المفهوم مدخلًا نظريًا مهمًا لفهم الدور الجديد للمؤثرين في بناء صورة الأماكن، وفي إعادة توزيع الاهتمام السياحي، وفي خلق أشكال جديدة من الترويج غير المؤسسي.

وتتعلق التوصية الثالثة عشرة بضرورة الحفاظ على التوازن بين الجاذبية الرقمية والدقة العلمية أو المعرفية. فالميديا الجديدة تدفع صانع المحتوى إلى البحث عن التشويق والسرعة وقابلية التداول، لكن المحتوى السياحي والثقافي يحتاج في الوقت نفسه إلى التحقق، والتأطير، واحترام السياق. لذلك ينبغي ألا يؤدي البحث عن المشاهدات إلى تبسيط مخلّ، أو إلى تقديم معلومات غير دقيقة، أو إلى استعمال عناوين مضللة. إن القيمة الحقيقية للمحتوى السياحي الرقمي تكمن في قدرته على الجمع بين الجاذبية والصدق، وبين المتعة والمعرفة، وبين الانتشار والمسؤولية.

وأخيرًا، توصي الدراسة بضرورة النظر إلى تجربة قناة « خبيب » لا بوصفها حالة معزولة، بل بوصفها مؤشرًا على تحولات أوسع في بنية الاتصال السياحي في الجزائر. فقد أصبح صانع المحتوى قادرًا على منافسة الإعلام التقليدي في بعض وظائفه، وعلى إنتاج صورة بديلة عن الأماكن، وعلى مخاطبة جمهور واسع خارج القنوات الرسمية. ولذلك فإن تطوير المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين البحث العلمي، والتكوين المهني، والدعم المؤسساتي، والوعي الأخلاقي، والابتكار السردي والبصري. وبهذا فقط يمكن تحويل التأثير الرقمي من مجرد ظاهرة جماهيرية إلى قوة ثقافية وتنموية قادرة على خدمة صورة المكان، وتعزيز المعرفة به، وتثمين تنوعه الطبيعي والتاريخي والاجتماعي.

خاتمة

سعت هذه الدراسة إلى تحليل مساهمة المؤثرين وصنّاع المحتوى في تطوير المحتوى الرقمي في الجزائر، من خلال دراسة تحليلية لمضامين قناة « خبيب » على منصة YouTube، بوصفها نموذجًا دالًا على التحولات التي عرفتها الممارسة الاتصالية في زمن الميديا الجديدة. وقد انطلقت الدراسة من فرضية مفادها أن صانع المحتوى الرقمي لم يعد مجرد منتج لمواد ترفيهية أو ناقل عفوي للصور، بل أصبح فاعلًا اتصاليًا قادرًا على بناء خطاب بصري، وتوجيه الانتباه الجماهيري، وإعادة تمثيل المكان داخل فضاء رقمي شديد التفاعل والتداول.

وقد أظهرت النتائج أن قناة « خبيب » تعتمد على بنية إنتاجية تقوم على الفيديو متوسط الطول، والقالب الربورتاجي، والكاميرا المتحركة، وتنويع المؤثرات الصوتية، بما يسمح ببناء تجربة مشاهدة ديناميكية تجمع بين الرحلة، والسرد، والتفاعل، والمتعة البصرية. فالفضاء السياحي لا يظهر في هذه الفيديوهات بوصفه معطى جغرافيًا محايدًا، بل يُعاد تشكيله من خلال اختيارات صانع المحتوى : زاوية التصوير، حركة الكاميرا، الموسيقى، التعليق، ترتيب المشاهد، وطريقة التفاعل مع الأشخاص والفضاءات. وبذلك يتحول المكان إلى خطاب رقمي، وتتحول الرحلة الفردية إلى تجربة جماعية قابلة للمشاهدة والتداول والتأويل.

كما بينت الدراسة أن قناة « خبيب » تقدم نموذجًا لصانع محتوى يجمع بين صفة المنتج السمعي البصري وصفة المؤثر الرقمي. فهو ينتج مادة مرئية منظمة من جهة، ويمتلك قدرة على توجيه الانتباه وبناء علاقة تفاعلية مع الجمهور من جهة ثانية. ويكشف هذا التداخل أن التأثير الرقمي في الميديا الجديدة لا يقوم على الشهرة وحدها، بل على قدرة صانع المحتوى على بناء الثقة، واستثمار الصورة، وتحويل التجربة الشخصية إلى سرد يشارك الجمهور في تلقيه وإعادة تداوله.

غير أن النتائج أظهرت أيضًا أن هذا النموذج، على أهميته، لا يخلو من حدود. فقد كشفت العينة عن هيمنة واضحة للفضاء الحضري، مقابل حضور أقل للمناطق الأثرية والصحراوية والساحلية، وغياب بعض الأنماط السياحية الأخرى، مثل المناطق الجبلية والريفية. كما بيّنت الدراسة أن القالب الربورتاجي، رغم ملاءمته للمحتوى الرحلي، يحتاج إلى دعم بقوالب أخرى، مثل المقابلة، والبورتريه، والشهادة المحلية، والمقطع التفسيري، حتى يتعمق البعد المعرفي والثقافي للمحتوى. كذلك فإن مؤشرات التفاعل، وعلى رأسها عدد المشاهدات، تظل غير كافية وحدها لقياس التأثير الفعلي، لأنها تحتاج إلى استكمال بتحليل نوعي للتعليقات، ومدة المشاهدة، ومصادر الزيارات، ونبرة التلقي الجماهيري.

وتؤكد هذه الدراسة أن تطوير المحتوى الرقمي السياحي في الجزائر لا يتحقق بمجرد تحسين جودة الصورة أو زيادة عدد المتابعين، بل يتطلب بناء رؤية إنتاجية ومعرفية وأخلاقية متكاملة. فالمحتوى السياحي القادر على خدمة صورة المكان ينبغي أن يجمع بين الجاذبية الرقمية والدقة المعرفية، وبين التشويق والتوثيق، وبين المتعة البصرية واحترام الخصوصيات المحلية. ومن ثمّ، فإن صانع المحتوى لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه وسيطًا ترفيهيًا فقط، بل بوصفه فاعلًا ثقافيًا يمكن أن يسهم في تثمين المدن والمناطق، وفي إعادة اكتشاف التراث الطبيعي والاجتماعي، وفي بناء صورة بديلة عن السياحة خارج القنوات الرسمية التقليدية.

وعليه، يمكن القول إن قناة « خبيب » تمثل حالة مهمة لفهم صعود الوساطة السياحية الرقمية في الجزائر. فهي تكشف عن انتقال المحتوى الرقمي من مرحلة التسجيل الفردي البسيط إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في التصوير، والسرد، والمونتاج، وبناء العلاقة مع الجمهور. غير أن هذه التجربة تحتاج، في أفق تطويرها، إلى مزيد من التنويع الفني، والتدقيق المعلوماتي، وتوسيع تمثيل المناطق، وتعزيز حضور الأصوات المحلية، وتبني وعي أخلاقي أوضح في تصوير الأشخاص والفضاءات والثقافات. وبهذا فقط يمكن للمحتوى الرقمي السياحي أن ينتقل من مستوى الإبهار البصري إلى مستوى الوساطة الثقافية الواعية، القادرة على إنتاج معرفة، وبناء صورة، وتحريك اهتمام الجمهور بالمكان الجزائري في تعدده وثرائه وعمقه.

قائمة المراجع

Abidin, C. (2018). Internet celebrity : Understanding fame online. Emerald Publishing.

Batchelot, B. (2023, March 20). Influenceur. Définitions Marketing. https://www.definitions-marketing.com/definition/influenceur/

بطاش، و. (2023، 3 ديسمبر). صانع المحتوى الجزائري خبيب كواس يحقق إنجازًا جديدًا. البلادhttps://www.elbilad.net/

Content Marketing Institute. (2021, August 18). Personal content experiences matter more than personalized contenthttps://contentmarketinginstitute.com/articles/personal-content-experiences/

دراحي، إ. (2022). المشهد الإعلامي الرقمي في الجزائر : دور مواقع التواصل الاجتماعي في بروز صناع المحتوى الإعلامي في الجزائر. في دور مواقع التواصل الاجتماعي في بروز صناع المحتوى الإعلامي في الجزائر (ص. 35–37). ألفا للوثائق للنشر والتوزيع.

Geyser, W. (2022). What is an influencer ? Social media influencers defined. Influencer Marketing Hub. https://influencermarketinghub.com/what-is-an-influencer/

Goh, T. (2022, July 22). 120 types of digital content for your next content marketing campaign. Equinet Academy. https://www.equinetacademy.com/content-types/

Gushcloud. (2023). Digital content creatorhttps://www.gushcloud.com/digital-content-creator

Indeed Editorial Team. (2024, July 2). 14 different types of digital content with definitions. Indeed. https://uk.indeed.com/career-advice/career-development/digital-content

Jenkins, H. (2006). Convergence culture : Where old and new media collide. New York University Press.

Kaplan, A. M., & Haenlein, M. (2010). Users of the world, unite ! The challenges and opportunities of social media. Business Horizons, 53(1), 59–68. https://doi.org/10.1016/j.bushor.2009.09.003

Khamis, S., Ang, L., & Welling, R. (2017). Self-branding, “micro-celebrity” and the rise of social media influencers. Celebrity Studies, 8(2), 191–208. https://doi.org/10.1080/19392397.2016.1218292

KHOUBAI. (s. d.). KHOUBAI [Chaîne YouTube]. YouTube. Consulté le 18 janvier 2026, à l’adresse https://www.youtube.com/@Khoubai/videos

Makhalov, A. (2022, February 22). User-generated content to increase the ROI of your digital signage project. Look Digital Signage. https://www.lookdigitalsignage.com/blog/top-5-digital-signage-content-creation-services-in-2023

Makhalov, A. (2023, March 9). Top 5 digital signage content creation services. Look Digital Signage. https://www.lookdigitalsignage.com/blog/top-5-digital-signage-content-creation-services-in-2023

Mokhtari, R. (2022). Social media influencers at the 2.0 era toward content making and public opinion manipulating : An overview on Algerian reality. Rakmana : Journal for Media and Communication Studies, 2(1), 340–377.

الرؤوف، ك. ع.، ومحمودي، م. ب. (2024). صناعة المحتوى الرقمي في الجزائر وعلاقته بهبوط الذوق العام : دراسة نقدية في الأساليب والممارسات. مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية، 12(3)، 202–213.

Rose, R. (2021, August 18). Personal content experiences matter more than personalized content. Content Marketing Institute. https://contentmarketinginstitute.com/articles/personal-content-experiences/

Semji. (s. d.). Qu’est-ce qu’un influenceur ? Consulté le 18 janvier 2026, à l’adresse https://semji.com/fr/guide/qu-est-ce-qu-un-influenceur/

Senft, T. M. (2013). Microcelebrity and the branded self. In J. Hartley, J. Burgess, & A. Bruns (Eds.), A companion to new media dynamics (pp. 346–354). Wiley-Blackwell. https://doi.org/10.1002/9781118321607.ch22

TV5MONDE. (2018, December 19). Influenceur : histoire et sens du mot [Vidéo]. YouTube. https://www.youtube.com/watch ?v =xcM5-eNzRG0

Weinstein, A. (2021). A brief history of influencer marketing. Référence à compléter avant publication : nom du site, date complète, URL et date de consultation nécessaires.

مهدية حسناوي Mahdia Hasnaoui

SOPHILab - جامعة 8 ماي 1945 قالمة Université de Guelma

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.