قرارات مجلس المنافسة الجزائري : دراسة تحليلية في التصنيف والآثار وطرق الطعن

Les décisions du Conseil algérien de la concurrence : typologie, régime juridique et voies de recours

Decisions of the Algerian Competition Council : Typology, Legal Framework, and Appeal Mechanisms

خديجة قشي Khadidja Guechi

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

بحث إلكتروني

خديجة قشي Khadidja Guechi, « قرارات مجلس المنافسة الجزائري : دراسة تحليلية في التصنيف والآثار وطرق الطعن », Aleph [على الإنترنت], نشر في الإنترنت 17 mai 2026, تاريخ الاطلاع 18 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16941

تتناول هذه الدراسة القرارات التي يصدرها مجلس المنافسة الجزائري في ضوء الأمر رقم 03-03 المتعلق بالمنافسة، المعدل والمتمم، مع التركيز على تصنيف هذه القرارات ووظائفها القانونية وآثارها العملية في ضبط السوق ومكافحة الممارسات المنافية للمنافسة. وتنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها : ما طبيعة القرارات التي يصدرها مجلس المنافسة الجزائري، وما حدود فعاليتها في حماية المنافسة الحرة والعادلة؟ وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي القائم على قراءة النصوص القانونية والتنظيمية المنظمة لاختصاصات المجلس، وتحليل ما أفرزته الكتابات الفقهية الجزائرية في هذا المجال. وتخلص الدراسة إلى أن مجلس المنافسة لا يضطلع بمجرد وظيفة استشارية أو تقنية، بل يمارس سلطة تنظيمية وتقريرية وزجرية ذات أثر مباشر في الحياة الاقتصادية، غير أن فعالية هذه السلطة تظل رهينة وضوح المساطر الإجرائية، وتماسك نظام الطعون، وحسن ضبط العلاقة بين سلطاته التنظيمية والرقابية والعقابية. كما تنتهي الدراسة إلى أن بعض جوانب البناء التشريعي ما تزال بحاجة إلى تدخل أوضح من المشرع، خصوصا فيما يتعلق بالطعن في التصريح بعدم التدخل، وسحب الترخيص في مجال التجميعات الاقتصادية، وتجميع القواعد الإجرائية الخاصة بالطعن في القرارات الصادرة عن المجلس في بناء قانوني أكثر إحكاما.

Cette étude examine les décisions rendues par le Conseil algérien de la concurrence à la lumière de l’ordonnance n° 03-03 relative à la concurrence, telle que modifiée et complétée. Elle s’attache à en proposer une typologie juridique, à en préciser les fonctions et à évaluer leur portée dans la régulation du marché et la répression des pratiques anticoncurrentielles. La problématique centrale peut être formulée ainsi : quelles sont les catégories de décisions émises par le Conseil de la concurrence et dans quelle mesure ces décisions assurent-elles effectivement la protection d’une concurrence libre et loyale ? L’étude repose sur une démarche descriptive et analytique fondée sur les textes législatifs et réglementaires applicables, ainsi que sur la doctrine algérienne mobilisée dans le manuscrit. Elle montre que le Conseil dispose de prérogatives larges, allant de la non-intervention et de l’autorisation à l’injonction, à la mesure conservatoire, à la sanction pécuniaire et aux mécanismes transactionnels. Toutefois, l’efficacité du dispositif reste tributaire de la cohérence des voies de recours, de la précision des règles procédurales et de la consolidation de certaines compétences, notamment en matière de concentrations économiques et de contrôle juridictionnel.

This study examines the decisions issued by the Algerian Competition Council under Ordinance No. 03-03 on competition, as amended and supplemented. It seeks to classify these decisions, clarify their legal functions, and assess their practical impact on market regulation and the control of anti-competitive practices. The central research question is as follows : what types of decisions are issued by the Algerian Competition Council, and to what extent are these decisions effective in safeguarding free and fair competition ? The article follows a descriptive and analytical approach based on the relevant legislative and regulatory framework and on the Algerian doctrinal literature cited in the manuscript. It argues that the Council exercises not only an advisory or technical role, but also genuine regulatory, decision-making and punitive powers with direct economic effects. At the same time, the effectiveness of these powers depends on procedural clarity, the coherence of appeal mechanisms, and a more precise legislative framing of several issues, particularly the appealability of non-intervention declarations, the withdrawal of merger authorisations, and the organisation of litigation relating to the Council’s decisions.

مقدمة

يحتل مبدأ المنافسة في الاقتصاد المعاصر مكانة محورية، لكونه يشكل أحد الأسس التي تقوم عليها حرية المبادرة الاقتصادية، وفعالية السوق، وحماية المستهلك. ومن ثم، فإن ضبط المنافسة لم يعد مسألة تقنية محضة، بل أصبح مجالا تتقاطع فيه اعتبارات القانون والاقتصاد والسياسات العمومية، بما يفرض مقاربة تتجاوز الوصف التشريعي البسيط إلى تحليل الوظائف المؤسسية والآثار العملية للآليات القانونية المعتمدة في هذا المجال.

وفي هذا الإطار، أنشأ المشرع الجزائري مجلس المنافسة، ومنحه بموجب الأمر رقم 03-03 المتعلق بالمنافسة، المعدل والمتمم، صلاحيات واسعة تروم السهر على احترام قواعد المنافسة، ومنع الممارسات المقيدة لها، ومراقبة عمليات التجميع الاقتصادي ذات الأثر في بنية السوق. غير أن أهمية مجلس المنافسة لا تقف عند حدود وجوده المؤسسي، بل تتجلى أساسا في طبيعة القرارات التي يصدرها، لأن هذه القرارات هي الأداة العملية التي تتجسد من خلالها سلطة المجلس في الضبط والتنظيم والردع والتوجيه.

فالقرار الصادر عن مجلس المنافسة قد يأخذ صورة تصريح بعدم التدخل، أو قرار ترخيص، أو قرار رفض للإخطار، أو أمر بوقف ممارسة مقيدة للمنافسة، أو تدبير مؤقت، أو عقوبة مالية، أو قرار متصل بآليات التفاوض والعفو. ومن هنا تظهر الحاجة العلمية إلى تحليل هذه القرارات لا على سبيل الجرد الوصفي فحسب، بل من زاوية بنيتها القانونية، ووظيفتها في النظام التنافسي، وحدود أثرها في تحقيق الردع، وضمان التوازن داخل السوق، وتأمين الحماية القانونية للمتعاملين الاقتصاديين.

وتنبع أهمية الموضوع من أن مجلس المنافسة يمثل إحدى السلطات الإدارية المستقلة التي أفرزها التحول نحو اقتصاد السوق، بما يقتضي إعادة النظر في أنماط الرقابة والجزاء خارج الصورة التقليدية للإدارة المركزية والقضاء العادي. كما أن دراسة قراراته تسمح بفهم كيفية ترجمة قواعد المنافسة إلى ممارسات مؤسساتية ملموسة، وتكشف، في الوقت نفسه، عن النقائص التي قد تعوق فعالية النظام القانوني، سواء على مستوى الاختصاص، أو الإجراءات، أو الطعن القضائي، أو تنفيذ القرارات ونشرها.

وعليه، تتمثل إشكالية هذه الدراسة في السؤال الآتي : ما هي القرارات التي يصدرها مجلس المنافسة الجزائري، وكيف يمكن تصنيفها وتحليلها في ضوء وظائفها القانونية وآثارها العملية؟ ويندرج ضمن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الفرعية، من قبيل : ما حدود القرارات التنظيمية التي يصدرها المجلس؟ وما موقع الأوامر والتدابير المؤقتة ضمن أدوات الضبط؟ وما طبيعة القرارات العقابية والتفاوضية التي يعتمدها؟ وكيف يتوزع الاختصاص القضائي في الطعن في هذه القرارات؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال قراءة النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لاختصاصات مجلس المنافسة، وتحليل ما ورد في الفقه الجزائري من اجتهادات وتفسيرات ذات صلة بقراراته وبالرقابة القضائية عليها، مع الاستفادة من بعض الأمثلة التطبيقية الواردة في الأدبيات القانونية لإبراز أوجه التداخل بين النص والممارسة.

وبناء على ذلك، تم تقسيم الدراسة إلى محورين رئيسين : يتناول المحور الأول القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة بين التنظيم والتدبير المؤقت، بينما يخصص المحور الثاني للقرارات الصادرة عنه بين الردع والتسوية الودية.

1. القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة بين التنظيم والتدبير المؤقت

تكشف قراءة النصوص المنظمة لاختصاصات مجلس المنافسة أن هذه الهيئة لا تمارس وظيفة واحدة بسيطة، بل تتدخل عبر أنماط متعددة من القرارات تختلف باختلاف الغاية المباشرة التي تستهدفها. فمنها ما يرمي إلى التنظيم المسبق أو إلى ضبط بنية السوق، ومنها ما يتخذ لمواجهة وضعية استعجالية أو لإزالة خطر محدق بالمنافسة. ولذلك فإن دراسة هذا الصنف الأول من القرارات تقتضي التمييز بين القرارات التنظيمية من جهة، والقرارات الفاصلة في الأوامر والتدابير المؤقتة من جهة أخرى.

1.1. القرارات التنظيمية الصادرة عن مجلس المنافسة

تتمثل القرارات التنظيمية في تلك القرارات التي تستهدف ضبط هياكل السوق، وتأطير تصرفات الأعوان الاقتصاديين، وتحديد ما إذا كانت بعض الممارسات تدخل ضمن دائرة الحظر، أو الاستثناء، أو القبول المشروط. وهي، بهذا المعنى، قرارات تؤدي وظيفة بنيوية في النظام التنافسي، لأنها ترسم الحدود الفاصلة بين الممارسة المشروعة والممارسة الممنوعة، وبين السلوك الذي يستوجب تدخل المجلس والسلوك الذي لا يبرر هذا التدخل.

1.1.1. التصريح بعدم التدخل في الممارسات المشتبه في مساسها بالمنافسة

يعد التصريح بعدم التدخل من بين أكثر القرارات التنظيمية دلالة على الطبيعة الخاصة لتدخل مجلس المنافسة، لأنه لا يرتب جزاء ولا يفرض التزاما مباشرا، بل يفيد أن المجلس، بعد الفحص، لا يرى سببا قانونيا أو واقعيا للتدخل في مواجهة الممارسة المعروضة عليه. ويستند هذا النوع من القرارات إلى المرسوم التنفيذي رقم 05-175 المحدد لكيفيات التصريح بعدم التدخل بخصوص الاتفاقات ووضعية الهيمنة على السوق، تطبيقا لأحكام المادة 08 من الأمر رقم 03-03 المتعلق بالمنافسة.

وفي فقه قانون المنافسة، يوصف هذا التصريح في كثير من الأحيان بأنه قريب مما يسمى « الشهادة السلبية »، أي وثيقة ذات وظيفة وقائية تمنح الفاعلين الاقتصاديين قدرا من اليقين القانوني بشأن سلوك معين، متى تبين للمجلس أنه لا يشكل، في وضعيته المعروضة، مساسا بقواعد المنافسة، أو أنه يندرج ضمن إحدى حالات الإعفاء أو الاستثناء المقررة قانونا. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى التصريح بعدم التدخل على أنه مجرد موقف سلبي، بل هو في حقيقته أداة تنظيمية غير مباشرة، لأنه يحدد حدود امتناع السلطة الضابطة عن الزجر، ويعكس، في الوقت ذاته، الطريقة التي تفهم بها النصوص التنافسية وتطبقها.

وتظهر أهمية هذا التصريح أيضا في كونه لا يتعلق بجميع صور الممارسات المقيدة للمنافسة، بل ينصرف أساسا إلى الاتفاقات ووضعيات الهيمنة على السوق، مع استبعاد بعض الصور الأخرى من الممارسات المقيدة التي لم يشملها التنظيم الخاص بهذا الإجراء. ويبين هذا التحديد الموضوعي أن المشرع أراد إحاطة بعض الفئات الحساسة من السلوك الاقتصادي بآلية خاصة تسمح بتقدير قانونيتها قبل ترتيب الجزاءات بشأنها.

ومع ذلك، يثير هذا النظام إشكالا مهما يتمثل في سكوت قانون المنافسة عن إمكانية الطعن في التصريح بعدم التدخل. فعدم النص الصريح على هذه الإمكانية يطرح تساؤلات تتصل بمدى اتساق هذا الموقف مع مبدأ خضوع قرارات السلطات الإدارية المستقلة للرقابة القضائية، خاصة إذا كان لهذا التصريح أثر عملي في المراكز القانونية للمتعاملين الاقتصاديين وفي إعادة تشكيل التوازن التنافسي داخل السوق. ولذلك تبدو الدعوة إلى تدخل المشرع لتوضيح قابلية هذا التصريح للطعن دعوة مؤسسة من الناحية القانونية والمنهجية.

2.1.1. قرارات الترخيص بالاتفاقات والممارسات المحظورة

إذا كان الأصل في بعض الاتفاقات والممارسات هو الحظر متى كانت منافية لقواعد المنافسة، فإن المشرع لم يجعل هذا الحظر مطلقا في جميع الأحوال، بل أتاح لمجلس المنافسة إمكانية الترخيص بها في حالات استثنائية ومحددة. وتستند هذه الإمكانية إلى المادة 09 من الأمر رقم 03-03، التي تجسد توازنا دقيقا بين حماية المنافسة من جهة، ومراعاة مقتضيات التنمية الاقتصادية أو التقنية من جهة أخرى.

ويظهر من خلال تحليل هذا المقتضى أن الترخيص لا يمنح إلا في صورتين أساسيتين. تتمثل الأولى في وجود نص تشريعي أو تنظيمي يجيز الاتفاق أو الممارسة المحظورة، مع اشتراط استشارة مجلس المنافسة بشأن النصوص المتعلقة بالمنافسة. أما الثانية فتتجلى في قدرة أطراف الاتفاق أو الممارسة على إثبات أن سلوكهم، رغم طابعه التقييدي للمنافسة، يحقق منافع اقتصادية أو تقنية معتبرة، أو يسهم في تحسين فرص العمل، أو يسمح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بتعزيز وضعها التنافسي في السوق.

وتكشف هذه الآلية أن قانون المنافسة لا يشتغل بمنطق المنع المجرد، وإنما بمنطق الموازنة بين الأضرار المحتملة للممارسة التقييدية والمنافع الاقتصادية أو الاجتماعية التي قد تترتب عنها. ومن ثم فإن قرار الترخيص لا يعد استثناء شكليا فحسب، بل يمثل أداة تنظيمية ذات بعد اقتصادي، تسمح للسلطة الضابطة بأن تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات التنمية والكفاءة والهيكلة الاقتصادية، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى تقويض جوهر المنافسة الحرة.

ويخضع هذا النوع من القرارات للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر عندما يتعلق الأمر بالترخيص بالممارسات المحظورة المنصوص عليها في المادتين 08 و09 من الأمر رقم 03-03. ويؤكد هذا المسلك القضائي أن الترخيص، وإن كان قرارا ذا طبيعة تنظيمية، فإنه لا يخرج عن دائرة الرقابة القضائية، لأن أثره يتجاوز مصالح أطرافه المباشرين إلى البنية التنافسية للسوق ذاتها.

3.1.1. قرارات رفض الإخطار

يشكل قرار رفض الإخطار صورة أخرى من صور القرارات التنظيمية التي يصدرها مجلس المنافسة، وهو قرار يكشف بصورة واضحة أن الوصول إلى المجلس لا يعني بالضرورة انتقال النزاع إلى مرحلة الفحص الموضوعي. فالإخطار، لكي ينتج أثره، ينبغي أن يستوفي شروطا تتعلق بالاختصاص، والصفة، والمصلحة، وكفاية عناصر الإثبات، واحترام الآجال القانونية. وإذا تخلف أحد هذه الشروط، جاز للمجلس أن يصدر قرارا معللا برفض الإخطار استنادا إلى المادة 44 من الأمر رقم 03-03.

ومن أبرز أسباب رفض الإخطار أن تكون الوقائع المدعى بها خارجة عن اختصاص المجلس، أو أن تكون الأدلة المقدمة غير كافية لإثبات وجود ممارسة مقيدة للمنافسة، أو أن تكون الدعوى قد تجاوزت مدة التقادم المحددة بثلاث سنوات دون أن يقع بشأنها بحث أو معاينة أو عقوبة. كما قد يكون سبب الرفض انعدام الصفة أو المصلحة لدى مقدم الإخطار، أو تعلق الوقائع بمجال لا يخضع لقانون المنافسة بالمعنى الدقيق، كما هو الحال بالنسبة لبعض الممارسات التي تندرج ضمن المنافسة غير المشروعة لا ضمن الممارسات المقيدة للمنافسة.

وتتجلى الأهمية العملية لهذا القرار في كونه لا يقتصر على فرز الإخطارات من الناحية الشكلية، بل يحدد أيضا الحدود الموضوعية لاختصاص مجلس المنافسة. فالمجلس، بوصفه هيئة ضبط متخصصة، لا يمتد اختصاصه إلى كل نزاع اقتصادي، بل يظل مقيدا بما يدخل في مجال الاتفاقات والممارسات المقيدة للمنافسة ضمن الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج أو التوزيع أو الخدمات. ولهذا يمكن أن يرفض الإخطار إذا تعلق الأمر، مثلا، بعقود أو قرارات إدارية تندرج ضمن ممارسة السلطة العامة وتخضع لاختصاص القضاء الإداري لا لاختصاصه هو.

ومن التطبيقات الدالة في هذا الصدد ما أوردته الأدبيات بشأن إخطار شركة « أقروديس » ضد الديوان الوطني للتموين والخدمات الفلاحية « أونابسا »، حيث رفض المجلس الإخطار لعدم كفاية العناصر المقدمة لإثبات التعسف في وضعية الهيمنة، وعدم تحديد السوق المعنية بشكل دقيق، وعدم تقديم مؤشرات وافية بشأن الحصة السوقية ورقم الأعمال. ويكشف هذا المثال أن رفض الإخطار ليس مجرد وسيلة إجرائية للتصفية، بل هو تعبير عن متطلبات الإثبات والتحليل الاقتصادي التي لا غنى عنها في مادة المنافسة.

ويظل هذا القرار قابلا للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، الأمر الذي يوفر ضمانة قضائية مهمة ضد كل توسع أو تضييق غير مبرر في استعمال سلطة الرفض.

4.1.1. قرارات عمليات التركيز الاقتصادي

تحظى عمليات التركيز الاقتصادي بمكانة خاصة ضمن مجال تدخل مجلس المنافسة، لأنها لا تتعلق فقط بممارسة مخالفة وقعت بالفعل، بل تمس أيضا بنية السوق في المستقبل، وباحتمالات إعادة تشكيل مواقع القوة الاقتصادية داخلها. ولهذا السبب خص المشرع هذه العمليات بنظام ترخيص ومراقبة خاص يرتبط بالمادة 19 من الأمر رقم 03-03.

وفي هذا المجال يمكن لمجلس المنافسة أن يصدر، من حيث الأصل، ثلاثة أصناف من القرارات : قرار الترخيص بالتجميع، وقرار الترخيص المشروط، وقرار رفض الترخيص. ويستند قرار الترخيص إلى تحقق شروط تضمن ألا يكون من شأن العملية المساس بالمنافسة، ولاسيما عبر تعزيز وضعية هيمنة مؤسسة على السوق. كما يشترط تقديم طلب ترخيص مسبق من الأطراف المعنية، وأخذ الرأي المسبق للوزير المكلف بالتجارة والوزير المسؤول عن القطاع المعني.

أما الترخيص المشروط، فيفترض أن العملية قد تكون، في أصلها، ذات أثر محتمل على المنافسة، غير أن هذا الأثر يمكن الحد منه أو تخفيفه من خلال فرض شروط أو التزامات على المؤسسات المعنية، سواء تعلقت هذه الالتزامات بالسلوك المستقبلي للمؤسسة أو بتصرفات تنظيمية أو اقتصادية تكفل تقليص مخاطر الإخلال بالتوازن التنافسي. وفي هذا يظهر البعد المرن لوظيفة مجلس المنافسة، لأنه لا يقتصر على القبول أو الرفض، بل يتدخل أيضا لتصميم حلول وسطى تحقق قدرا من التوفيق بين حرية المبادرة الاقتصادية ومتطلبات حماية السوق.

أما قرار رفض الترخيص بالتجميع، فيصدر عندما يتبين للمجلس أن العملية من شأنها الإضرار بالمنافسة، وخاصة عبر تعزيز وضعية الهيمنة. وفي هذه الحالة يتعين أن يكون القرار مسببا، وأن يصدر بعد أخذ الرأي المسبق للسلطات الوزارية المختصة. ويجوز للأطراف المتضررة من قرار الرفض الطعن فيه أمام مجلس الدولة أو طلب الترخيص من الحكومة، وهو ما يبرز خصوصية المنازعات المتعلقة بالتجميعات الاقتصادية وتميزها عن غيرها من منازعات الممارسات المقيدة للمنافسة.

ومن المسائل المهمة في هذا الباب أن المشرع منع الأطراف، خلال المدة المخصصة لصدور قرار المجلس، من اتخاذ أي تدبير يجعل عملية التجميع غير قابلة للرجوع فيها. وتكشف هذه القاعدة البعد الاحترازي للنظام القانوني للتجميعات، لأنه يسعى إلى الحيلولة دون فرض أمر واقع اقتصادي قبل استكمال الرقابة القانونية عليه.

كما يمكن استخلاص صور أخرى من القرارات المرتبطة بالتجميع من النصوص ومن التحليل الفقهي، مثل القرار الضمني برفض الترخيص عند سكوت المجلس مدة ثلاثة أشهر دون الرد على الطلب، وقرار فرض العقوبة في حالة إنجاز التجميع دون ترخيص، وقرار معاقبة عدم الامتثال للشروط المفروضة في الترخيص المشروط. غير أن هذا النظام يظل، رغم ذلك، في حاجة إلى مزيد من الإحكام، وخاصة فيما يتعلق بالنص الصريح على إمكانية سحب الترخيص إذا أخلت المؤسسة بالتعهدات أو التحفظات المرتبطة به.

2.1. القرارات الفاصلة في الأوامر والتدابير المؤقتة الصادرة عن مجلس المنافسة

إلى جانب القرارات التنظيمية ذات الطابع البنيوي، يملك مجلس المنافسة سلطة إصدار أوامر وتدابير مؤقتة ترمي إلى التدخل السريع والفعال لمواجهة الممارسات التي من شأنها الإضرار بالمنافسة أو بالمصلحة الاقتصادية العامة. ويكتسي هذا الصنف من القرارات أهمية خاصة، لأنه يعكس الوظيفة العملية والوقائية للمجلس، ويجعل تدخله غير مقصور على التشخيص أو التصنيف، بل ممتدا إلى فرض التزامات فورية أو اتخاذ إجراءات استعجالية تحول دون تفاقم الضرر.

1.2.1. القرارات الفاصلة في الأوامر

تتمثل الأوامر التي يصدرها مجلس المنافسة في قرارات موجهة إلى الأعوان الاقتصاديين الذين ثبت ارتكابهم ممارسات مقيدة للمنافسة، ويقصد بها وضع حد لهذه الممارسات أو إلزام مرتكبيها باتخاذ سلوك معين يعيد الأمور إلى وضعها المشروع. وتستند هذه السلطة إلى المادة 45 من الأمر رقم 03-03، التي تخول للمجلس إصدار أوامر معللة كلما تبين له أن الممارسة المعروضة عليه تشكل إخلالا بقواعد المنافسة أو مساسا بنظام المنافسة الحرة في السوق.

وتتسم هذه الأوامر بطابع تقويمي أو تصحيحي، لأن الغاية منها ليست العقاب في حد ذاته، بل إزالة أثر الممارسة الضارة وإعادة التوازن إلى السوق. ولهذا يمكن أن تتخذ صورة أوامر سلبية، مثل الامتناع عن القيام بسلوك معين، كما يمكن أن تتخذ صورة أوامر إيجابية، مثل تعديل تصرف أو مراجعة شروط أو إعلام المتعاملين بوضعية معينة. كما يملك المجلس أن يأمر بنشر قراره أو تعليقه أو توزيع مستخرج منه، بما يسمح بتحقيق أثر تحذيري وردعي يتجاوز أطراف النزاع المباشرين إلى باقي الفاعلين في السوق.

غير أن سلطة إصدار الأوامر ليست سلطة مطلقة، بل تخضع لجملة من القيود التي يفرضها مبدأ المشروعية وطبيعة اختصاص المجلس. فلا يجوز، مثلا، أن تتحول الأوامر إلى وسيلة لرقابة عامة ومستمرة على قطاع اقتصادي بأكمله في المستقبل، لأن وظيفة المجلس تظل مرتبطة بممارسات محددة وبوضعيات قائمة أو وشيكة. ومن ثم فإن الأمر ينبغي أن يظل متصلا بوقائع معروضة على المجلس، وأن يكون موجها إلى معالجة اختلال تنافسي محدد.

وتخضع القرارات المتعلقة بإصدار الأوامر للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، وهو ما يوفر ضمانة قضائية ضد أي استعمال غير متناسب أو غير مشروع لهذه السلطة، ويؤكد مرة أخرى الطبيعة شبه القضائية لتدخل مجلس المنافسة في هذا المجال.

2.2.1. القرارات الفاصلة في التدابير المؤقتة

إلى جانب الأوامر، يملك مجلس المنافسة صلاحية اتخاذ تدابير مؤقتة ذات طابع استعجالي، عندما يكون من شأن الممارسة المعروضة عليه أن تلحق ضررا جسيما وفوريا بالمنافسة أو بالمصالح الاقتصادية للأطراف المعنية أو بالمصلحة الاقتصادية العامة. وتستند هذه السلطة إلى المادة 46 من الأمر رقم 03-03، التي تجعل من التدبير المؤقت أداة قانونية وقائية ترمي إلى الحيلولة دون تفاقم الضرر قبل الفصل النهائي في موضوع النزاع.

وتخضع هذه التدابير لجملة من الشروط الشكلية والموضوعية. فمن الناحية الشكلية، يفترض أن يقدم الطلب من الطرف المعني أو من الوزير المكلف بالتجارة، وأن يتم ذلك قبل انتهاء مرحلة التحقيق. أما من الناحية الموضوعية، فيلزم توافر عنصر الاستعجال، وقيام خطر حقيقي أو ضرر يتعذر تداركه أو يصعب إصلاحه إذا انتظر المجلس إلى حين الفصل النهائي في الموضوع. ومن هنا يتضح أن التدابير المؤقتة لا تصدر لمجرد وجود نزاع، بل تستوجب حالة من الضرورة تبرر التدخل الفوري.

وتتمثل أهمية هذه التدابير في أنها تمنح مجلس المنافسة إمكانية حماية السوق بصفة آنية، وتفادي أن يصبح القرار النهائي عديم الجدوى بسبب تحقق الأضرار قبل صدوره. فهي، بهذا المعنى، تشكل أداة تحفظية واحترازية في آن واحد، غايتها تثبيت الوضع القانوني والاقتصادي مؤقتا إلى حين البت في أصل النزاع.

وتخضع القرارات المتعلقة بالتدابير المؤقتة للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، وهو ما يضمن خضوع هذا التدخل الاستعجالي لرقابة القضاء، ويحافظ على التوازن بين مقتضيات السرعة والفعالية من جهة، وضمانات المشروعية وحقوق الدفاع من جهة أخرى.

وبذلك يتبين أن القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة في هذا المحور الأول لا تنحصر في بعد تنظيمي مجرد، بل تمتد إلى بعد وقائي وتنفيذي يسمح للمجلس بالتدخل لضبط السوق، ومنع الاختلالات التنافسية، والتصدي للمخاطر الاستعجالية، ضمن إطار قانوني يزاوج بين الفعالية الاقتصادية والرقابة القضائية.

2. القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة بين الردع والتسوية الودية

إذا كان المحور الأول قد أبرز البعد التنظيمي والتحفظي لتدخل مجلس المنافسة، فإن هذا المحور الثاني يكشف وجها آخر لا يقل أهمية، يتمثل في البعد الردعي والتسووي لتدخله. فالمجلس لا يقتصر دوره على الوقاية من الاختلالات التنافسية أو تصحيح آثارها، بل يملك أيضا سلطة توقيع عقوبات مالية، كما يملك، في حالات مخصوصة، تفعيل آليات قانونية تقوم على التعاون الإجرائي أو التسوية. ومن ثم تتأكد الطبيعة المركبة لتدخل مجلس المنافسة، بوصفه هيئة تجمع بين منطق الضبط، ومنطق الزجر، ومنطق الحفز على الامتثال، بما يجعل قراراته ذات وظيفة تنظيمية وردعية وإجرائية في آن واحد.

1.2. القرارات العقابية الصادرة عن مجلس المنافسة

تتمثل القرارات العقابية في تلك القرارات التي يفرض المجلس بموجبها عقوبات مالية أو غرامات تهديدية على مرتكبي الممارسات المقيدة للمنافسة، أو على المؤسسات التي تخل بالتزاماتها في مجال التجميع الاقتصادي، أو تمتنع عن التعاون مع المجلس في تقديم المعلومات اللازمة للتحقيق. وتمنح هذه السلطة العقابية مجلس المنافسة مكانة متميزة ضمن منظومة السلطات الإدارية المستقلة، لأنها تخوله ممارسة اختصاص ذي طبيعة شبه قضائية، بالنظر إلى ما ينطوي عليه من تقدير للمخالفة، وتكييف للسلوك، وإنزال لجزاء ذي أثر مالي مباشر.

1.1.2. القرارات المتعلقة بالغرامات المالية

أناط المشرع الجزائري بمجلس المنافسة سلطة توقيع غرامات مالية في حالات محددة قانونا، مع تحديد الحد الأقصى لهذه الغرامات وترك سلطة تقدير مقدارها للمجلس بحسب جسامة المخالفة وظروفها وآثارها. ويفهم من هذا الاختيار التشريعي أن المشرع قصد إلى تمكين المجلس من هامش تقدير يسمح له بتفريد الجزاء تبعا لخطورة السلوك الاقتصادي محل المتابعة، بدل الاكتفاء بمنطق عقابي جامد لا يراعي تفاوت الأوضاع الاقتصادية ودرجات الإضرار بالمنافسة.

وتتجلى الصورة الأولى لهذه الغرامات في الغرامات المفروضة على الممارسات المقيدة للمنافسة. ففي حالة ثبوت إحدى هذه الممارسات، يمكن لمجلس المنافسة، طبقا للمادة 57 من الأمر رقم 03-03، أن يفرض غرامة لا تتجاوز 12 % من رقم الأعمال من غير الرسوم المحقق في الجزائر خلال آخر سنة مالية مختتمة. أما إذا كان مرتكب المخالفة شخصا طبيعيا أو معنويا أو منظمة مهنية لا يتوافر لها رقم أعمال محدد، فلا تتجاوز الغرامة ستة ملايين دينار جزائري. كما يمكن معاقبة الشخص الطبيعي الذي شارك شخصيا وبطريقة احتيالية في تنظيم الممارسة أو تنفيذها بغرامة مالية مستقلة. وتعكس هذه المقتضيات إدراكا تشريعيا لطبيعة المخالفات التنافسية، لأنها غالبا ما ترتكب في إطار مؤسسات أو تجمعات أو شبكات اقتصادية ذات قدرات مالية متفاوتة. ومن ثم كان من الضروري، في بعض الحالات، ربط الغرامة بحجم النشاط الاقتصادي حتى لا تتحول العقوبة إلى عبء رمزي بالنسبة إلى المؤسسات الكبرى، أو إلى عبء غير متناسب بالنسبة إلى الفاعلين الأصغر.

وتندرج ضمن هذه السلطة أيضا الغرامات المالية المرتبطة بواجب التعاون مع المجلس. فالمجلس يملك، طبقا للمادة 59، أن يفرض غرامة مالية على المؤسسات التي تتعمد تقديم معلومات خاطئة أو ناقصة، أو تتهاون في تقديمها، أو تمتنع عن تقديمها داخل الأجل المحدد. وتؤكد هذه الصورة من الجزاء أن احترام قواعد المنافسة لا يقتصر على الامتناع عن السلوك المحظور، بل يشمل كذلك الالتزام بالتعاون مع سلطة الضبط وتمكينها من الوسائل المعلوماتية والوثائقية الضرورية للتحقيق واتخاذ القرار. فالمعلومة، في هذا المجال، ليست مجرد عنصر مساعد، بل هي شرط جوهري لحسن التكييف وللوصول إلى قرار مشروع وفعال.

أما الصورة الثانية فتتعلق بالغرامات المفروضة على التجميعات الاقتصادية غير المرخص بها. ففي مجال التجميعات الاقتصادية، يمكن لمجلس المنافسة، طبقا للمادة 61 من الأمر رقم 03-03، أن يفرض على المؤسسة الطرف في التجميع، أو على المؤسسة الناتجة عنه، غرامة مالية قد تصل إلى 7 % من رقم الأعمال من غير الرسوم المحقق في الجزائر خلال آخر سنة مالية مختتمة، إذا تم إنجاز التجميع دون الحصول على الترخيص المطلوب. كما يملك المجلس، طبقا للمادة 62، فرض غرامة قد تصل إلى 5 % من رقم الأعمال من غير الرسوم المحقق في الجزائر على كل مؤسسة لا تتقيد بالشروط أو الالتزامات التي فرضها المجلس لقبول عملية التجميع. وتكشف هذه السلطة الجزائية عن أن الترخيص في هذا المجال ليس مجرد إذن شكلي، بل يرتب نظاما من الالتزامات القانونية التي يضمن المجلس احترامها عن طريق الجزاء المالي.

وتخضع القرارات المتعلقة بالغرامات المفروضة على الممارسات المقيدة للمنافسة للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، في حين تخضع القرارات المرتبطة بغرامات التجميعات الاقتصادية غير المرخص بها للطعن أمام مجلس الدولة. ويعكس هذا التمييز اختلافا في نظام الاختصاص القضائي بين منازعات الممارسات المقيدة للمنافسة ومنازعات التجميعات الاقتصادية، كما يكشف، في الوقت نفسه، عن حاجة تشريعية إلى مزيد من الوضوح والتجميع، حتى لا يتحول اختلاف جهات الطعن إلى مصدر غموض إجرائي بالنسبة إلى المتقاضين.

ولا يمارس مجلس المنافسة سلطته في تقدير الغرامات المالية على نحو مطلق، بل يستند، طبقا للمادة 62 مكرر 1، إلى مجموعة من المعايير القانونية والاقتصادية. ومن أهم هذه المعايير : مدى خطورة الممارسة المرتكبة، وحجم الضرر اللاحق بالاقتصاد، والفوائد التي جناها مرتكب المخالفة، ومدى تعاون المؤسسة مع المجلس أثناء التحقيق، وأهمية وضعية المؤسسة المعنية في السوق. وتبرز هذه المعايير أن العقوبة التنافسية لا تبنى على منطق جزائي مجرد، بل على تحليل اقتصادي وقانوني متداخل يأخذ بعين الاعتبار أثر السلوك في السوق، وموقع الفاعل، وحجمه، وطبيعة الضرر الناتج عنه. وبذلك يقترب تقدير العقوبة في هذا المجال من منطق التناسب الوظيفي، أي العقوبة التي تكون كافية للردع، من غير أن تنفصل عن الواقع الاقتصادي الذي نشأت فيه المخالفة.

2.1.2. القرارات المتعلقة بالغرامات التهديدية

إلى جانب الغرامات المالية ذات الطابع النهائي، يملك مجلس المنافسة سلطة فرض غرامات تهديدية، وهي غرامات تختلف في طبيعتها ووظيفتها عن الغرامة العقابية. فالغرامة التهديدية لا يقصد بها أساسا معاقبة السلوك الماضي، وإنما الضغط على المؤسسة لحملها على تنفيذ أوامر المجلس أو احترام التزاماتها في الوقت المناسب. ولذلك فإنها تمثل وسيلة تنفيذية ذات بعد إكراهي، تجعل من القرار الإداري أداة فعالة، لا مجرد حكم نظري عديم الأثر العملي.

وتظهر الصورة الأولى لهذه الغرامات في حالة عدم احترام الأوامر والتدابير المؤقتة. فتنص المادة 58 من الأمر رقم 03-03 على أنه يمكن لمجلس المنافسة، في حالة عدم احترام الأوامر أو التدابير المؤقتة التي قررها للحد من الممارسات المقيدة للمنافسة، أن يفرض غرامة تهديدية في حدود مبلغ يومي محدد مقابل كل يوم تأخير. وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تربط بين القرار وبين فعاليته التنفيذية؛ إذ لا جدوى من الأمر أو الإجراء المؤقت إذا ظل مجردا من وسيلة تلزم المخاطب به باحترامه. ومن الناحية العملية، تسهم هذه الغرامة في منع المؤسسات المخالفة من استغلال بطء الإجراءات أو تعقيدها لتعطيل تنفيذ القرارات، كما تحول دون تحويل حق الطعن أو المناورة الإجرائية إلى وسيلة لتمديد أثر الممارسة الضارة في السوق.

وتتجلى الصورة الثانية في حالة الامتناع عن تقديم المعلومات أو تقديم معلومات غير صحيحة. إذ يمكن كذلك لمجلس المنافسة، استنادا إلى المادة 59 من الأمر رقم 03-03، أن يقرر غرامة تهديدية ضد كل مؤسسة تتعمد تقديم معلومات خاطئة أو غير كاملة، أو تتهاون، أو تمتنع عن تقديم المعلومات المطلوبة خلال الآجال المحددة. ويظهر من ذلك أن المشرع عدّ التعاون مع المجلس جزءا من الالتزام القانوني الواقع على الأعوان الاقتصاديين، لأن التحقيق في مادة المنافسة لا يمكن أن يبلغ غايته ما لم تتوفر للمجلس المعطيات الكافية للتحليل والتكييف. ومن ثم فإن الغرامة التهديدية في هذا السياق لا تحمي فقط سلطة المجلس، بل تحمي أيضا شروط الوصول إلى الحقيقة القانونية والاقتصادية اللازمة لاتخاذ القرار.

وتخضع القرارات المتعلقة بالغرامات التهديدية للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، وهو ما يكرس مرة أخرى الطبيعة شبه القضائية لهذه الآلية، مع إبقاء باب الرقابة القضائية مفتوحا على كيفية استعمال المجلس لسلطته التقديرية، وعلى مدى احترامه لمبدأ المشروعية والتناسب في توقيع هذا النوع من الجزاءات.

2.2. القرارات الفاصلة في إطار التسوية الودية

لا يقوم قانون المنافسة على الردع وحده، بل يتضمن أيضا آليات تهدف إلى تشجيع الاعتراف بالمخالفة والتعاون مع السلطة الضابطة، من أجل تسريع كشف الممارسات الضارة والحد من آثارها. ومن ثم منح المشرع مجلس المنافسة سلطة إصدار قرارات تندرج ضمن إطار تفاوضي أو تسووي، بما في ذلك العفو الشامل أو الجزئي، والاعتراف بالمآخذ. وتعكس هذه الآليات تحولا في فلسفة الضبط الاقتصادي الحديثة، حيث لا يكون الهدف من القرار مجرد إنزال العقوبة، بل استعادة الانتظام التنافسي بأسرع وقت ممكن، مع الحفاظ على البعد الردعي للنظام القانوني.

1.2.2. القرارات الفاصلة في إطار العفو الشامل أو الجزئي من العقوبة

تقرر المادة 60 من الأمر رقم 03-03 إمكانية تخفيض مبلغ الغرامة أو عدم الحكم بها أصلا على المؤسسات التي تعترف بالمخالفات المنسوبة إليها أثناء التحقيق، وتتعاون في التعجيل به، وتتعهد بعدم ارتكاب مخالفات متعلقة بالمنافسة في المستقبل. ويعكس هذا المقتضى اتجاها حديثا في قانون المنافسة يقوم على تحفيز التعاون مع سلطة الضبط، لأن بعض الممارسات، ولا سيما الاتفاقات السرية أو التواطئية، لا يسهل كشفها إلا عبر إفادات الأطراف المشاركة فيها أو مساهمتها في تقديم الأدلة.

غير أن العفو، سواء كان كليا أو جزئيا، لا ينبغي فهمه بوصفه تنازلا عن الردع، بل بوصفه تقنية قانونية لتحسين فعالية الردع نفسه. فحين يعلم الفاعلون الاقتصاديون أن التعاون المبكر قد يؤدي إلى تخفيف العقوبة، يصبح احتمال الكشف عن الممارسة أكبر، ويضعف منطق التواطؤ الجماعي أو الصمت المتبادل بين المخالفين. ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذا الامتياز لا تقوم في حالة العود، وهو ما يؤكد أن المشرع أراد الحفاظ على البعد الردعي لهذه الآلية وعدم تحويلها إلى منفذ للتسامح المتكرر مع المخالفات.

2.2.2. القرارات الفاصلة في إطار الاعتراف بالمآخذ

إلى جانب العفو، يتيح النظام القانوني لمجلس المنافسة آلية أخرى تتعلق بالاعتراف بالمآخذ، ومؤداها أن المؤسسة التي تبادر إلى إنهاء الممارسة المنافية للمنافسة قبل إبلاغها رسميا بالمآخذ، وقبل تكييف السلوك كمخالفة من طرف المجلس، قد تستفيد من عدم توقيع العقوبة المالية عليها. وتعكس هذه الآلية بعدا وقائيا وتفاوضيا في آن واحد، لأنها تشجع على الامتثال المبكر، وتخفف من كلفة النزاع، وتسمح باستعادة المشروعية التنافسية في وقت أسرع.

ومن الناحية العملية، تفترض هذه الآلية قدرا من التفاعل الإيجابي بين المجلس والمؤسسة المعنية، كما تفترض أن يكون الهدف من تدخل السلطة الضابطة هو إعادة التوازن إلى السوق وضمان احترام قواعد المنافسة، لا مجرد مراكمة العقوبات. غير أن نجاح هذا النوع من القرارات يظل مرتبطا بوضوح شروط الاستفادة منه، وبضبط حدوده الإجرائية، وبضمان التوازن بين تشجيع التسوية من جهة، وعدم الإضرار بمبدأ المساواة بين الفاعلين الاقتصاديين من جهة أخرى. ومن ثم فإن الاعتراف بالمآخذ يشكل آلية ذات قيمة وظيفية كبيرة، بشرط أن تظل محكومة بضوابط الشفافية والمشروعية والتناسب.

خاتمة

تُظهر دراسة القرارات الصادرة عن مجلس المنافسة الجزائري أن هذه الهيئة لا تؤدي وظيفة استشارية أو تنظيمية محضة، بل تمارس اختصاصا مركبا يتداخل فيه البعد الضبطي بالبعد الردعي والبعد التفاوضي. فمجلس المنافسة يتدخل، من جهة أولى، لضبط السوق ومنع الاختلالات التي تمس بحرية المنافسة وشفافيتها، ويتدخل، من جهة ثانية، من خلال أوامر وتدابير تحفظية وعقوبات مالية وغرامات تهديدية، بما يضمن فعالية قواعد المنافسة وعدم بقائها مجرد قواعد نظرية عديمة الأثر العملي. كما يتدخل، من جهة ثالثة، عبر آليات أقرب إلى التسوية الإجرائية، من قبيل العفو الشامل أو الجزئي والاعتراف بالمآخذ، بما يعكس تطورا في فلسفة الضبط الاقتصادي الحديثة، حيث لا يقاس نجاح السلطة الضابطة فقط بمقدار ما توقعه من عقوبات، وإنما أيضا بقدرتها على استعادة الانتظام التنافسي بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة على السوق والمتعاملين.

وتكشف هذه الدراسة كذلك أن قرارات مجلس المنافسة ليست متجانسة من حيث طبيعتها أو آثارها أو النظام القضائي الذي يحكم الطعن فيها. فبعضها يرتبط مباشرة بالممارسات المقيدة للمنافسة ويخضع للطعن أمام مجلس قضاء الجزائر، في حين يرتبط بعضها الآخر بعمليات التجميع الاقتصادي ويؤول الطعن فيه إلى مجلس الدولة. ويعكس هذا التعدد في جهات الطعن والطبيعة القانونية للقرارات الصادرة عن المجلس تعقيدا بنيويا في النظام الإجرائي المنظم لمنازعات المنافسة، وهو تعقيد قد يؤثر في وضوح المسار القانوني بالنسبة إلى المتقاضين، كما قد يضعف من قابلية هذا النظام للإدراك السريع من قبل الفاعلين الاقتصاديين والباحثين على السواء.

كما يتضح من خلال تحليل مختلف صور القرارات التي يصدرها مجلس المنافسة أن المشرع الجزائري قد منحه سلطة معتبرة في مجال حماية السوق، غير أن هذه السلطة لا تخلو من بعض مواطن القصور أو الفراغ التشريعي. ويبرز ذلك بوجه خاص في مجال التجميع الاقتصادي، حيث منح المشرع المجلس سلطة الترخيص والرفض وفرض الشروط والالتزامات، من غير أن ينص صراحة على إمكانية سحب الترخيص الممنوح إذا أخلت المؤسسة المستفيدة بالتعهدات أو التحفظات التي بُني عليها القرار. كما يظهر القصور أيضا في سكوت النصوص عن إمكانية الطعن في التصريح بعدم التدخل في بعض الحالات المتعلقة بالاتفاقات أو بوضعية الهيمنة على السوق، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى اكتمال الضمانات القضائية المرافقة لعمل المجلس.

ومن ثم، فإن فعالية مجلس المنافسة لا تتوقف فقط على اتساع صلاحياته، بل تتوقف أيضا على وضوح الإطار القانوني الذي يمارس ضمنه هذه الصلاحيات، وعلى مدى انسجام النصوص المنظمة لاختصاصاته وقراراته وطرق الطعن فيها. فكلما كان البناء التشريعي أكثر إحكاما، كان تدخل المجلس أكثر نجاعة، وكانت الحماية القانونية للمنافسة أكثر استقرارا وقابلية للتفعيل. أما إذا بقيت بعض الجوانب موزعة بين نصوص متعددة أو محاطة بقدر من الغموض، فإن ذلك قد يحد من الأثر العملي للقرار، ويضعف من فاعلية الردع، ويعقد مهمة القضاء في بسط رقابته على أعمال المجلس.

وعليه، يمكن القول إن مجلس المنافسة الجزائري يمثل أداة مركزية في حماية النظام التنافسي، غير أن تطوير دوره يقتضي مواصلة الجهد التشريعي والفقهي والقضائي في آن واحد. ويبدو من المستحسن، في هذا السياق، أن يتدخل المشرع لتدقيق بعض الأحكام المتعلقة بقرارات التجميع الاقتصادي، وللنص صراحة على المسائل التي ما زالت محل سكوت أو غموض، ولا سيما ما تعلق بإمكانية سحب بعض التراخيص أو الطعن في بعض التصريحات الصادرة عن المجلس. كما يظل من المفيد تجميع الأحكام المتعلقة بطرق الطعن في إطار أكثر اتساقا ووضوحا، بما يعزز الأمن القانوني وييسر عمل المتقاضين والباحثين والجهات القضائية المختصة.

وفي المحصلة، فإن دراسة قرارات مجلس المنافسة لا تكشف فقط عن تنوع الأدوات القانونية التي يملكها المجلس، وإنما تكشف أيضا عن التحول العميق الذي عرفته وظيفة الدولة في المجال الاقتصادي، من دولة متدخلة على نحو مباشر في السوق إلى دولة تؤطر المنافسة وتحرس قواعدها وتضمن توازنها. ومن هنا تتأكد أهمية مواصلة البحث في هذا الموضوع، ليس فقط لحداثته النسبية في النظام القانوني الجزائري، بل أيضا لما يتيحه من إمكانات علمية لفهم العلاقة بين الضبط الاقتصادي، والسلطة الإدارية المستقلة، والرقابة القضائية، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى سوق منظم، ومنافسة فعالة، وأمن قانوني حقيقي.

قائمة المراجع

براشمي، مفتاح. (2018). الطعون في قرارات مجلس المنافسة والإشكالات الناجمة عنها. مجلة القانون، 7(1)، 58 وما بعدها.

بوشريط، حسناء. (2018). دور مجلس المنافسة عند عرض الأسعار أو ممارسة أسعار بيع منخفضة تعسفيا للمستهلك. مجلة العلوم الإنسانية، 18(50)، 212 وما بعدها.

تواتي محند، الشريف. (2007). قمع الاتفاقات في قانون المنافسة. مذكرة لنيل شهادة الماجستير، كلية الحقوق، جامعة محمد بوقرة - بومرداس.

عمورة، عيسى. (2007). النظام القانوني لمنازعات مجلس المنافسة. رسالة ماجستير، فرع قانون الأعمال، كلية الحقوق، جامعة مولود معمري - تيزي وزو.

معين فندي، الشناق. (2010). الاحتكار والممارسات المقيدة للمنافسة. دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن.

محمودي، فاطمة. (2018). القرارات الفاصلة في الأوامر والتدابير المؤقتة الصادرة عن مجلس المنافسة. مجلة الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، 2(9)، 955 وما بعدها.

نقاش، حمزة، وبولعراس، أحمد. (2022). التصريح بعدم تدخل مجلس المنافسة في القانون الجزائري. مجلة الاجتهاد القضائي، 14(30)، 53 وما بعدها.

نموشي، حبيبة. (2022-2023). الرقابة القضائية على سلطات الضبط الاقتصادية : دراسة حالة مجلس المنافسة. أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإخوة منتوري - قسنطينة 1.

خديجة قشي Khadidja Guechi

جامعة قسنطينة 1 - الإخوة منتوري Université Mentouri – Constantine

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article