التجويد بوصفه آلية داعمة للتأهيل الأرطوفوني : دراسة عيادية وصفية لدى أطفال ذوي إعاقة سمعية بولاية غرداية

العنوان بالفرنسية : Les entraînements phonétiques issus du tajwīd dans la rééducation orthophonique des enfants présentant une déficience auditive : étude clinique descriptive de cinq cas à Ghardaïa.

English title : Tajwīd-based phonetic training in orthophonic rehabilitation for children with hearing impairment : A clinical descriptive study of five cases in Ghardaia.

جوهرة بوجمعي / Djouhara Boudjemai

للإحالة المرجعية إلى هذا المقال

بحث إلكتروني

جوهرة بوجمعي / Djouhara Boudjemai, « التجويد بوصفه آلية داعمة للتأهيل الأرطوفوني : دراسة عيادية وصفية لدى أطفال ذوي إعاقة سمعية بولاية غرداية », Aleph [على الإنترنت], نشر في الإنترنت 16 mai 2026, تاريخ الاطلاع 23 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16875

تهدف هذه الدراسة إلى فحص الإمكانات العلمية والتطبيقية لتوظيف التدريبات الصوتية المستمدة من علم التجويد في دعم التأهيل الأرطوفوني للأطفال ذوي الإعاقة السمعية. وتنطلق الدراسة من ملاحظة مفادها أن علم التجويد، بما يقدمه من توصيف دقيق لمخارج الحروف وصفاتها وآليات النفس والوقف والمد والإيقاع، لا يمثل رصيداً أدائياً مرتبطاً بتلاوة القرآن الكريم فحسب، بل يشكل أيضاً جهازاً صوتياً-حركياً قابلاً للاستثمار العلاجي، متى أُدمج ضمن بروتوكول أرطوفوني مضبوط ومراعٍ للمعايير الإكلينيكية. اعتمد البحث منهجاً عيادياً وصفياً، مستنداً إلى دراسة خمس حالات من الأطفال ضعاف السمع وزارعي القوقعة بولاية غرداية، تراوحت أعمارهم بين 8 و15 سنة. واستُخدمت أدوات متعددة شملت الملاحظة المنظمة، المقابلة، استمارة البيانات الأولية، وتمارين نطقية وتجويذية منتقاة. أظهرت النتائج أن أعلى مستويات الأداء ظهرت في العبارات الثنائية ذات المعنى، في حين مثّل إنتاج الجمل أكثر المستويات هشاشة. وتؤكد الدراسة أن التجويد يمكن أن يكون آلية مساندة لا بديلاً عن العلاج الأرطوفوني، شريطة توظيفه في إطار علمي يربط بين التمييز السمعي، الضبط الحركي، الوعي الفونولوجي، والسياق الدلالي.

Cette étude examine les potentialités scientifiques et cliniques des exercices phonétiques issus du tajwīd dans l’accompagnement orthophonique d’enfants présentant une déficience auditive. Elle part de l’hypothèse que le tajwīd, en tant que système articulatoire décrivant avec précision les points et les traits d’articulation, la respiration, la tenue vocalique, le rythme et l’arrêt, peut constituer un support thérapeutique complémentaire lorsqu’il est intégré à un protocole orthophonique rigoureusement construit. La recherche adopte une démarche clinique descriptive fondée sur l’étude de cinq cas d’enfants malentendants ou porteurs d’implant cochléaire à Ghardaïa, âgés de 8 à 15 ans. Les outils mobilisés comprennent l’observation structurée, l’entretien, une fiche de données cliniques et des exercices de production inspirés du tajwīd. Les résultats indiquent que les meilleures performances apparaissent dans les unités bisyllabiques porteuses de sens, tandis que la production de phrases constitue le niveau le plus fragile. L’étude conclut que le tajwīd ne saurait remplacer l’intervention orthophonique, mais peut en renforcer l’efficacité comme médiation phonétique, rythmique et proprioceptive, à condition d’être soumis à une progression clinique contrôlée.

This study investigates the scientific and clinical potential of Tajwīd-based phonetic exercises as a complementary support for orthophonic rehabilitation in children with hearing impairment. It assumes that Tajwīd, as an articulatory system that precisely describes points and manners of articulation, breath control, vocal duration, rhythm and pausing, may be therapeutically relevant when integrated into a clinically controlled speech-language intervention. The research follows a descriptive clinical design based on five cases of hard-of-hearing children or cochlear implant users in Ghardaia, aged 8 to 15. Data were collected through structured observation, interviews, a clinical information form and selected production tasks inspired by Tajwīd. The findings show comparatively better performance in meaningful bisyllabic units, whereas sentence production remains the most fragile level. The study concludes that Tajwīd should not be considered a substitute for speech-language therapy, but rather a culturally and phonetically grounded supportive mechanism that may reinforce auditory discrimination, articulatory control, phonological awareness and functional verbal communication.

مقدمة

تُعد اللغة نسقاً تأسيسياً في بناء الذات الاجتماعية والمعرفية، لأنها الأداة التي ينتقل عبرها الطفل من الإدراك الفردي للعالم إلى المشاركة الرمزية مع الآخرين. وفي هذا النسق تمثل مهارات النطق والكلام الواجهة الأكثر ظهوراً للقدرة التواصلية، إذ لا يقتصر النطق على إصدار الأصوات، بل يقتضي توافقاً دقيقاً بين السمع، والتنفس، والتصويت، وحركات أعضاء النطق، والتمثيلات الفونولوجية المخزنة في الذاكرة اللغوية.

تتأثر هذه المنظومة تأثراً مباشراً بالإعاقة السمعية؛ فضعف المدخلات السمعية أو اضطرابها يحد من قدرة الطفل على بناء تمثيلات دقيقة للفروق الصوتية، كما يضعف التغذية الراجعة الضرورية لتعديل شدة الصوت، ونبرته، وإيقاعه، ودقة مخارجه. لذلك لا تظهر الصعوبات لدى هذه الفئة في صورة أخطاء صوتية معزولة فحسب، بل قد تمتد إلى تركيب المقطع، وبناء الكلمة، وإنتاج الجملة، والمشاركة التواصلية داخل القسم والأسرة والفضاء الاجتماعي.

في هذا السياق تبرز الأرطوفونيا بوصفها علماً تطبيقياً يعنى بتشخيص اضطرابات التواصل واللغة والكلام والصوت والسمع، وبناء خطط علاجية فردية تقوم على التقييم، والتدرج، والقياس المرحلي، والتنسيق مع الأسرة والمدرسة. غير أن الممارسة الأرطوفونية في البيئات العربية يمكن أن تستفيد، دون أن تنغلق على التراث أو تستغني عن العلوم الحديثة، من رصيد صوتي عربي شديد الدقة، هو علم التجويد، الذي اهتم منذ قرون بضبط مخارج الحروف وصفاتها، وتمييز الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والاستعلاء والاستفال، والغنة، والمد، والوقف، والتنفس.

إن المسألة العلمية التي يطرحها هذا البحث لا تتمثل في نقل قواعد التجويد نقلاً وعظياً إلى المجال العلاجي، بل في اختبار قيمتها كوسيط صوتي-حركي يمكن أن يدعم بعض أهداف التأهيل الأرطوفوني : تنمية الوعي الفونولوجي، تحسين التمييز السمعي، تثبيت مواضع النطق، تنظيم النفس، وتدريب الطفل على الانتقال من الصوت إلى المقطع، ثم إلى الكلمة والجملة. ومن ثَمّ تسعى الدراسة إلى بناء جسر معرفي بين التراث الصوتي العربي والمقاربات الحديثة في اضطرابات النطق لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية.

1. الإطار العام للدراسة

1.1. الإشكالية وسياقها العلمي

تكتسب السنوات الأولى من حياة الطفل أهمية حاسمة في تشكل اللغة المنطوقة، إذ يبني الطفل خلالها منظومة التمييز السمعي، ويكتسب أنماطاً أولية للتحكم في أعضاء النطق، ويتدرج من الأصوات والمقاطع إلى الكلمات والجمل. غير أنّ هذا المسار النمائي قد يتعرض لاختلالات عميقة عندما يكون الطفل مصاباً بفقد سمعي شديد أو عميق، لأن محدودية المدخلات السمعية تؤثر مباشرة في بناء التمثيلات الفونولوجية، وفي ضبط العلاقة بين ما يسمعه الطفل وما ينتجه صوتياً. وحتى في حال استعمال السماعات الطبية أو الاستفادة من الزرع القوقعي، فإن الوسيط السمعي لا يكفي وحده لضمان دقة الإدراك الصوتي ولا سلامة الأداء النطقي، ما لم يُدعّم بتدخل أرطوفوني منتظم يراعي البعد السمعي، والحركي، والفونولوجي، والدلالي في آن واحد.

وتزداد أهمية هذه المسألة حين يتعلق الأمر بالأطفال ذوي الإعاقة السمعية، لأن اضطرابات النطق لديهم لا ترتبط غالباً بعامل واحد، بل تتداخل فيها محدودية التغذية الراجعة السمعية، وضعف الوعي الفونولوجي، وصعوبات التحكم في مخارج الأصوات، واضطراب الإيقاع والتنفس أثناء الكلام. لذلك لا يمكن النظر إلى النطق بوصفه فعلاً آلياً لإنتاج الحروف، بل ينبغي فهمه باعتباره نشاطاً مركباً تشترك فيه الأذن، والجهاز النطقي، والحركة، والذاكرة الصوتية، والمعنى. ومن هذا المنظور، تندرج الأرطوفونيا ضمن مقاربة علاجية متعددة الأبعاد، لا تكتفي بتصحيح الخطأ الصوتي، بل تسعى إلى إعادة بناء الكفاءة التواصلية للطفل في سياقات لغوية واجتماعية فعلية.

ضمن هذا الأفق، تطرح الدراسة إمكان الإفادة من علم التجويد بوصفه مورداً صوتياً عربياً دقيقاً اهتم، منذ نشأته، بضبط مخارج الحروف وصفاتها، وتنظيم النفس، والمد، والوقف، والإيقاع، والتمييز بين الأصوات المتقاربة. ولا يتعلق الأمر هنا بتحويل التجويد إلى بديل عن العلاج الأرطوفوني، ولا بإضفاء وظيفة علاجية مطلقة عليه، بل بدراسة إمكان إعادة تنظيم بعض تدريباته الصوتية ضمن بروتوكول أرطوفوني علمي، يستثمر الدقة النطقية التي يتيحها هذا العلم دون الخروج عن مقتضيات التشخيص والتأهيل السريريين.

بناءً على ذلك، تتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال الآتي : إلى أي مدى يمكن للتدريبات الصوتية المستندة إلى مبادئ علم التجويد، ولا سيما مخارج الحروف وصفاتها والمد والوقف والتنفس، أن تسهم في دعم التأهيل الأرطوفوني وتحسين الأداء النطقي لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية، ضمن مقاربة عيادية تكاملية لا تفصل بين الصوت، والسمع، والحركة، والمعنى؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الانشغالات العلمية المتداخلة. فالدراسة تسعى، أولاً، إلى تحديد طبيعة اضطرابات النطق والكلام لدى الأطفال ضعاف السمع في ضوء التقييم الأرطوفوني، ثم إلى الكشف عن المستويات الصوتية والمقطعية والتركيبية الأكثر هشاشة لدى الحالات المدروسة. كما ترمي إلى بيان العناصر التجويدية التي يمكن تحويلها إلى تمارين علاجية مساندة، مثل ضبط المخارج، والتمييز بين الصفات، وتنظيم النفس، واستثمار الإيقاع، شرط أن يتم ذلك ضمن حدود علمية واضحة. وتنتهي الإشكالية إلى البحث في كيفية بناء بروتوكول تدخل يجمع بين التدريب السمعي، وتنمية الوعي الفونولوجي، والضبط الحركي، وتفعيل السياق الدلالي.

وعليه، فإن الإشكالية لا تنحصر في إثبات علاقة مباشرة وبسيطة بين التجويد وتحسن النطق، بل تتمثل في اختبار قابلية هذا المورد الصوتي لأن يُعاد توظيفه داخل ممارسة أرطوفونية عيادية مضبوطة. ومن ثمّ، فإن قيمة هذه الدراسة تكمن في سعيها إلى بناء جسر معرفي وتطبيقي بين التراث الصوتي العربي والمقاربات الحديثة في تأهيل اضطرابات النطق لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية.

2.1. فرضية الدراسة وأهميتها ومفاهيمها الإجرائية

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التدريبات الصوتية المعتمدة في علم التجويد، إذا أُعيد تنظيمها ضمن بروتوكول أرطوفوني متدرج، يمكن أن تشكل آلية علاجية مساندة في تحسين الكفاءة النطقية لدى الأطفال ضعاف السمع. غير أنّ هذه الفرضية تُفهم في إطار عيادي استكشافي، لأن العينة المعتمدة محدودة ولا تسمح بتعميم إحصائي واسع، كما أنّ المعطيات المتاحة لا تكفي وحدها لإثبات أثر سببي نهائي ما لم تُستكمل لاحقاً بدراسة تجريبية تقوم على قياسات قبلية وبعدية، وعلى مجموعة مقارنة، وعلى ضبط دقيق لمتغيرات السن، ودرجة الفقد السمعي، ونوع الوسيط السمعي، ومدة التكفل الأرطوفوني.

وتنبع أهمية الدراسة من كونها تقترح مقاربة مزدوجة تجمع بين بعد علمي وبعد علاجي-تربوي. فمن الناحية العلمية، تتيح الدراسة إعادة قراءة علم التجويد باعتباره علماً صوتياً تطبيقياً يمتلك جهازاً وصفياً دقيقاً لمخارج الحروف وصفاتها، ويمكن أن يدخل في حوار منهجي مع الأرطوفونيا، والصوتيات العلاجية، واللسانيات العصبية. أما من الناحية العلاجية والتربوية، فإنها تفتح المجال أمام بناء تمارين صوتية مألوفة ثقافياً، يمكن أن تساعد الطفل على اكتساب دقة أكبر في التمييز والإنتاج، شريطة أن تخضع هذه التمارين للتكييف السريري، وأن تُقدَّم بوصفها أدوات مساندة لا بوصفها ممارسة معيارية أو تكليفاً دينياً قد يثقل الطفل أو أسرته.

ولكي تتضح حدود الدراسة، ينبغي ضبط مفاهيمها الإجرائية الأساسية. فالإعاقة السمعية تُفهم هنا باعتبارها حالة تحدّ من استقبال الأصوات بدرجات متفاوتة، وقد تكون خفيفة، متوسطة، شديدة أو عميقة، وتؤثر في اكتساب اللغة المنطوقة وفي جودة التواصل. أما اضطرابات النطق والكلام فتحيل إلى الصعوبات التي تمس إنتاج الأصوات أو المقاطع أو الكلمات أو الجمل، سواء ارتبطت بمنشأ حسي أو حركي أو عصبي أو بنيوي أو وظيفي. وتُقصد بالأرطوفونيا الممارسة العلمية العلاجية التي تهدف إلى تشخيص اضطرابات التواصل واللغة والكلام والسمع، وبناء خطط تدخل فردية قابلة للتقويم. أما التجويد فيُستعمل في هذه الدراسة بوصفه علماً يضبط الأداء الصوتي للقرآن الكريم من خلال دراسة مخارج الحروف وصفاتها وقواعد النفس والمد والوقف والإيقاع، مع التأكيد على أنه يُستثمر هنا مورداً صوتياً علاجياً مساعداً، لا بديلاً عن العلاج الأرطوفوني ولا عن أدواته التشخيصية.

ومن ثمّ، فإن هذه الدراسة تتموقع في منطقة تقاطع بين علوم الصوت، والأرطوفونيا، والتربية الخاصة، والتراث اللساني العربي. وهي لا تدّعي تقديم نموذج علاجي نهائي، بل تقترح إطاراً عيادياً أولياً يمكن تطويره لاحقاً في بحوث تجريبية أوسع، بما يسمح بالتحقق من فعالية التدريبات التجويدية المكيّفة في تحسين الأداء النطقي والتواصلي لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية.

2. الإطار النظري

1.2. الإعاقة السمعية واضطرابات النطق

تؤكد الأدبيات الحديثة أن اضطرابات أصوات الكلام لا تُختزل في خطأ articulatoire بسيط، بل قد تشمل الإدراك السمعي، والتمثيل الفونولوجي، والتخطيط الحركي، وقواعد ترتيب الأصوات داخل اللغة. وفي حالات الإعاقة السمعية، يصبح ضعف التغذية الراجعة السمعية عاملاً مركزياً في تشكل الأخطاء، لأن الطفل لا يسمع بدقة ما ينتجه، ولا يملك دائماً صورة سمعية مستقرة للأصوات التي يطلب منه إنتاجها.

تظهر هذه الصعوبات في مستويات متعددة : تشويه الصوت أو إبداله أو حذفه، صعوبة في ضبط الشدة والنبرة، اضطراب في الإيقاع والتنفس، ضعف في إنتاج المقاطع غير ذات المعنى، ومحدودية في بناء الجملة. لذلك يتطلب التكفل علاجاً متعدد الأبعاد لا يركز على « تصحيح الحرف » فقط، بل يربطه بالسمع، والحركة، والمعنى، والتفاعل الاجتماعي.

2.2. الأرطوفونيا بوصفها ممارسة تكاملية

تقوم الأرطوفونيا الحديثة على تقييم شامل يراعي التاريخ السمعي، درجة الفقد، سن التجهيز السمعي أو الزرع القوقعي، مستوى اللغة الاستقبالية والتعبيرية، خصائص الجهاز الفموي-الوجهي، والبيئة الأسرية والمدرسية. ولا يكتمل التشخيص إلا بالتمييز بين ما يعود إلى قصور في الإدراك السمعي، وما يعود إلى ضعف في التخطيط الحركي، وما يتعلق بمحدودية القاموس أو البناء التركيبي.

ومن ثمّ، فإن إدماج أي تمرين مستمد من التجويد يجب أن يخضع لمنطق أرطوفوني : تحديد الهدف العلاجي، اختيار مثيرات مناسبة لسن الطفل، تجزئة المهمة، اعتماد التعزيز البصري واللمسي، القياس المرحلي، وتفادي تحويل الجلسة العلاجية إلى اختبار حفظ أو تلاوة لا يتلاءم مع قدرات الحالة.

3.2. علم التجويد : من الوصف الصوتي إلى الإمكان العلاجي

يمتلك علم التجويد رصيداً وصفياً دقيقاً في تحديد مواضع إنتاج الأصوات العربية : الحلق، أقصى اللسان، وسطه، حافته، طرفه، الشفتان، والخيشوم. كما يميز بين صفات صوتية لها قيمة علاجية محتملة، مثل الجهر والهمس، الشدة والرخاوة، الاستعلاء والاستفال، الإطباق، الصفير، القلقلة، الغنة، والمد. هذه التصنيفات، إذا أعيدت صياغتها بلسان أرطوفوني، تتيح تدريب الطفل على الانتباه إلى موضع الصوت وطريقته ومدة إنتاجه.

لا تكمن قيمة التجويد العلاجية في الجانب الديني فحسب، بل في كونه ممارسة صوتية قائمة على التكرار، والإيقاع، وضبط النفس، والمراقبة السمعية الذاتية، وهو ما يجعله قابلاً للتوظيف في تمارين الوعي الفونولوجي والتحكم الفموي-الحركي. غير أن هذا التوظيف يجب أن يظل مسانداً، لأن التكفل بذوي الإعاقة السمعية يتطلب أيضاً أجهزة سمعية ملائمة، تدريباً سمعياً، متابعة طبية، ودعماً أسرياً ومدرسياً.

جدول 1. إمكانات تحويل بعض عناصر التجويد إلى أهداف أرطوفونية

الوظيفة الأرطوفونية المحتملة

القيمة الصوتية

العنصر التجويدي

تنمية الوعي بموقع اللسان والشفتين والحلق

تحديد موضع إنتاج الصوت

المخارج

تحسين دقة التمييز والإنتاج الصوتي

تمييز الجهر/الهمس، الشدة/الرخاوة، الاستعلاء/الاستفال

الصفات

تنظيم النفس والاستمرارية الصوتية

تمديد الصوت وضبط الزمن

المدود

تنظيم الإيقاع والتنفس وبناء الجملة

تقطيع السلسلة الكلامية

الوقف والابتداء

تعزيز التعلم التدريجي وتقليل الخطأ

ترسيخ النموذج السمعي-الحركي

التكرار الموجّه

العمل على الرنين والتمييز السمعي

تفعيل الرنين الأنفي المضبوط

الغنة والخيشوم

3. المنهجية والإجراءات

1.3. التصميم المنهجي ومجال الدراسة

اعتمدت الدراسة منهجاً عيادياً وصفياً قائماً على دراسة الحالة، لأن هذا التصميم يُعدّ الأنسب لفهم الاضطرابات النطقية لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية في خصوصيتها الفردية، وفي علاقتها بالسياق المدرسي، والأسري، والعلاجي الذي تتحرك داخله كل حالة. ولا يُفهم هذا الاختيار المنهجي بوصفه تجربة مكتملة لإثبات الفعالية السببية للتدريبات التجويدية، بل بوصفه مرحلة استكشافية تهدف إلى وصف الأداء النطقي، وتحديد مواطن القوة والضعف، وبناء مؤشرات أولية تسمح لاحقاً باقتراح بروتوكول علاجي قابل للاختبار في دراسات تجريبية أوسع.

وقد أُنجزت الدراسة الاستطلاعية خلال الفترة الممتدة من 18 فيفري إلى 10 أفريل 2025، بعد الحصول على ترخيص من مديرية التربية لولاية غرداية، وبالتنسيق مع إدارة ابتدائية بلي مسعود — بوهراوة. وأتاحت هذه المرحلة التعرف إلى المحيط المدرسي والأسري للأطفال، والاطلاع على بعض المعطيات المتوفرة لدى الجهات المختصة، وتحديد القسم الخاص بالأطفال ذوي الإعاقة السمعية بوصفه فضاءً ملائماً للملاحظة والتقييم. كما مكّنت الباحثة من بناء تصور أولي عن ظروف التكفل، وطبيعة التفاعل بين الأطفال، والأساتذة، والأخصائي الأرطوفوني، وهو ما ساعد على ضبط أدوات جمع البيانات وتكييفها مع خصائص الحالات المدروسة.

غير أنّ هذه المرحلة لم تخلُ من صعوبات ميدانية، تمثلت أساساً في محدودية الاطلاع على الملفات الطبية، وضيق الزمن المتاح للملاحظة، وصعوبة توحيد ظروف الاختبار بين الحالات. ولهذا السبب، لا تُعامل النتائج بوصفها معطيات قابلة للتعميم الإحصائي، بل بوصفها مؤشرات عيادية نوعية تساعد على فهم أنماط الأداء النطقي، وتسمح بصياغة فرضيات علاجية أولية قابلة للتطوير والتحقق.

وتكوّنت العينة من خمس حالات اختيرت بطريقة قصدية، مراعاةً لطبيعة المنهج العيادي ولضرورة توفر حالات تسمح بملاحظة مظاهر مختلفة من الاضطراب النطقي لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية. وقد تنوعت الحالات من حيث الجنس والسن ودرجة الفقد السمعي، مع الحرص على استبعاد الحالات التي تظهر لديها إعاقات حركية أو ذهنية مصاحبة يمكن أن تغيّر تفسير الأداء النطقي أو تخلط بين أثر الإعاقة السمعية وأثر اضطرابات أخرى.

جدول 2. خصائص الحالات الخمس المدروسة

السن

الجنس

درجة الفقد السمعي

الحالة

15 سنة

ذكر

شديدة

الحالة الأولى

8 سنوات

ذكر

شديدة

الحالة الثانية

11 سنة

أنثى

عميقة

الحالة الثالثة

12 سنة

أنثى

عميقة

الحالة الرابعة

10 سنوات

أنثى

عميقة

الحالة الخامسة

يُظهر الجدول أنّ العينة، على محدوديتها العددية، تتيح قراءة عيادية مقارنة بين حالات تختلف في السن والجنس ودرجة الفقد السمعي. غير أنّ هذا التنوع لا يسمح باستخلاص نتائج إحصائية نهائية، لأن حجم العينة لا يتجاوز خمس حالات، ولأن الدراسة لا تقوم على تصميم تجريبي مضبوط. ومن ثمّ، فإن القيمة المنهجية للعينة تكمن في قدرتها على إضاءة الفروق الفردية، لا في تمثيلها الإحصائي لجميع الأطفال ذوي الإعاقة السمعية.

2.3. أدوات جمع البيانات ومنهجية التحليل

اعتمدت الدراسة على مجموعة من الأدوات العيادية والأرطوفونية التي تسمح برصد الأداء النطقي من زوايا متعددة. وقد تم اختيار هذه الأدوات لأنها تجمع بين الملاحظة المباشرة، والمعطيات السياقية، والتقييم الصوتي، بما ينسجم مع طبيعة البحث القائم على دراسة الحالة. وتتمثل هذه الأدوات فيما يأتي:

  • الملاحظة المنظمة: استُعملت لرصد جودة المخارج، ووضوح الصوت، والطلاقة، والإيقاع، واستجابة الطفل للمثيرات السمعية والبصرية داخل مواقف تواصلية شبه طبيعية.

  • المقابلة العيادية: أُجريت مع الأطفال، والأساتذة، والأخصائي الأرطوفوني، بهدف تحديد الصعوبات النطقية واللغوية، والتعرف إلى أنماط التواصل اليومية، والوقوف على التدخلات السابقة ومدى انتظامها.

  • استمارة البيانات الأولية: وُظفت لتوثيق المعطيات الأساسية الخاصة بكل حالة، مثل السن، والجنس، ودرجة الفقد السمعي، ونوع الوسيط السمعي المستعمل، والسياق التربوي والعلاجي.

  • أداة التجويد القرآني: تمثلت في مقاطع وتمارين مختارة لاختبار مخارج الحروف وصفاتها والمدود والإيقاع، مع استثمار هذه المعطيات لاحقاً في تصور علاجي مساند، لا بوصفها أداة معيارية قائمة بذاتها، بل بوصفها مورداً صوتياً قابلاً للتكييف ضمن البروتوكول الأرطوفوني.

ويُلاحظ أن هذه الأدوات لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تتكامل فيما بينها. فالملاحظة تكشف الأداء الفعلي، والمقابلة تضيء السياق النفسي والتربوي، والاستمارة تضبط خصائص الحالة، أما أداة التجويد فتسمح باختبار بعض الجوانب الدقيقة المرتبطة بالمخارج والصفات والإيقاع والتنفس. وبذلك، يصبح تحليل الاضطراب قائماً على تقاطع المعطيات، لا على مؤشر واحد معزول.

أما منهجية القراءة الكمية والكيفية، فقد قامت على التعامل مع النسب الواردة في الجداول بوصفها مؤشرات على نسبة الأداء الصحيح في كل صنف صوتي أو مقطعي، لا بوصفها نسب اضطراب. وبناءً على ذلك، تدل النسبة المرتفعة على أداء أفضل، في حين تشير النسبة المنخفضة إلى هشاشة أكبر في المستوى المقاس. وهذا التوضيح ضروري لتجنب اللبس في تفسير النتائج، إذ إن القول بأن الحالة حققت نسبة مرتفعة في صنف معين يعني أنها أظهرت قدرة أفضل في هذا المستوى، لا أن اضطرابها كان أعلى.

غير أنّ الرقم، مهما بلغت دقته، لا يكفي وحده لتفسير طبيعة الصعوبة النطقية. لذلك دُعمت القراءة الكمية بتحليل كيفي لأنماط الخطأ، من خلال النظر في نوع الصوت المتعثر، وموقع المخرج، وطبيعة المقطع، ودور المعنى، وأثر الإيقاع، ومدى قدرة الطفل على الانتقال من الصوت المفرد إلى المقطع، ثم إلى الكلمة والجملة. وقد سمح هذا الجمع بين التحليل الكمي والكيفي بتحديد مسارات التكفل المناسبة لكل حالة، بدل الاكتفاء بوصف عام للضعف أو الاضطراب.

وعليه، فإن المنهجية المعتمدة في هذه الدراسة تظل منهجية عيادية استكشافية، هدفها بناء فهم دقيق للأداء النطقي لدى خمس حالات من الأطفال ذوي الإعاقة السمعية، واقتراح مداخل علاجية مساندة تستثمر بعض عناصر التجويد ضمن إطار أرطوفوني مضبوط. ولا تدّعي الدراسة، في حدود تصميمها الحالي، إثبات فعالية علاجية نهائية، بل تسعى إلى وضع أساس علمي أولي يمكن تطويره لاحقاً في دراسات تجريبية أوسع، تعتمد القياس القبلي والبعدي، وتستند إلى عينات أكبر ومجموعات مقارنة.

4. عرض النتائج وتحليلها

1.4. قراءة تركيبية للنتائج العامة

جدول 3. متوسطات الأداء الصحيح حسب الأصناف الصوتية والمقطعية

متوسط نسبة الأداء الصحيح لدى الحالات الخمس

المؤشر

43.2 %

الحروف الأمامية

50.4 %

الحروف المؤخرة

42.0 %

الحروف المفخمة

30.2 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

40.0 %

عبارات أحادية ذات معنى

48.4 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

56.6 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

9.0 %

اختبار الجمل

تظهر المتوسطات العامة أن العبارات الثنائية ذات المعنى حققت أعلى أداء لدى الحالات الخمس، بمتوسط 56.6 %، تليها الحروف المؤخرة بمتوسط 50.4 %، ثم العبارات الثنائية دون معنى بمتوسط 48.4 %. في المقابل، مثّل اختبار الجمل أضعف مستوى بمتوسط 9 % فقط، ما يؤكد أن الصعوبة لا تقتصر على إنتاج الصوت أو المقطع، بل تتجلى بقوة عند الانتقال إلى التنظيم التركيبي والدلالي للجملة.

وتشير النتائج أيضاً إلى أن المعنى والإيقاع يعملان كعاملين داعمين : فالأداء في العبارات الثنائية ذات المعنى أعلى من العبارات الأحادية أو المقاطع غير ذات المعنى. وهذا يبيّن أن الطفل لا ينتج الصوت بمعزل عن الذاكرة المعجمية والسياق الدلالي، وأن التدريب الناجع ينبغي أن ينتقل من المقطع المجرد إلى الكلمة ذات المعنى ثم إلى الجملة الوظيفية.

2.4. الحالة الأولى

جدول 4. نتائج الحالة الأولى

نسبة الأداء الصحيح

المؤشر

46 %

الحروف الأمامية

38 %

الحروف المؤخرة

45 %

الحروف المفخمة

25 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

43 %

عبارات أحادية ذات معنى

33 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

41 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

18 %

اختبار الجمل

تظهر الحالة الأولى قوة نسبية في الحروف الأمامية والمفخمة، مقابل ضعف واضح في المقاطع غير ذات المعنى وفي إنتاج الجمل. وتوحي هذه الصورة بأن السياق الدلالي يساعد على تحسين الأداء، بينما يظل الانتقال إلى التركيب اللغوي هشاً. لذلك ينبغي أن يبدأ التكفل من الأصوات التي تملك فيها الحالة أداءً نسبياً، ثم يتدرج نحو الحروف الخلفية والمقاطع المجردة، مع تدريب مكثف على الجمل القصيرة المدعومة بالصور.

خطة التكفل المقترحة : تدريب سمعي-بصري على الأصوات الأكثر هشاشة؛ تمارين فموية حركية للسان والشفتين؛ إدماج المدود والوقف والتكرار بوصفها أدوات لتنظيم النفس والإيقاع؛ استعمال كلمات مألوفة ثم جمل قصيرة؛ تقييم مرحلي كل أربعة إلى ستة أسابيع لتعديل الأهداف بحسب استجابة الطفل.

3.4. الحالة الثانية

جدول 5. نتائج الحالة الثانية

نسبة الأداء الصحيح

المؤشر

56 %

الحروف الأمامية

52 %

الحروف المؤخرة

29 %

الحروف المفخمة

40 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

37 %

عبارات أحادية ذات معنى

41 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

66 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

27 %

اختبار الجمل

تحقق الحالة الثانية أفضل أداء في العبارات الثنائية ذات المعنى، بينما تظهر صعوبة بارزة في الحروف المفخمة وفي اختبار الجمل. ويؤكد ذلك أهمية الدلالة والتتابع الإيقاعي في دعم الإنتاج، مع الحاجة إلى تمارين مركزة لضبط التفخيم وموضع اللسان والتوتر العضلي. كما يجب الانتقال من ثنائيات ذات معنى إلى جمل وظيفية من كلمتين ثم ثلاث كلمات.

خطة التكفل المقترحة : تدريب سمعي-بصري على الأصوات الأكثر هشاشة؛ تمارين فموية حركية للسان والشفتين؛ إدماج المدود والوقف والتكرار بوصفها أدوات لتنظيم النفس والإيقاع؛ استعمال كلمات مألوفة ثم جمل قصيرة؛ تقييم مرحلي كل أربعة إلى ستة أسابيع لتعديل الأهداف بحسب استجابة الطفل.

4.4. الحالة الثالثة

جدول 6. نتائج الحالة الثالثة

نسبة الأداء الصحيح

المؤشر

40 %

الحروف الأمامية

58 %

الحروف المؤخرة

58 %

الحروف المفخمة

30 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

50 %

عبارات أحادية ذات معنى

58 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

58 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

0 %

اختبار الجمل

تتميز الحالة الثالثة بأداء أفضل في الحروف المؤخرة والمفخمة والعبارات الثنائية، لكنها تسجل عجزاً تاماً في الجمل. وتدل هذه المفارقة على أن القدرة الصوتية الجزئية لا تتحول تلقائياً إلى قدرة تواصلية. لذلك ينبغي استثمار مواطن القوة في الأصوات الخلفية والإيقاع الثنائي لبناء وحدات لفظية ذات معنى، ثم تدريبها على تركيب جمل بسيطة ثابتة.

خطة التكفل المقترحة : تدريب سمعي-بصري على الأصوات الأكثر هشاشة؛ تمارين فموية حركية للسان والشفتين؛ إدماج المدود والوقف والتكرار بوصفها أدوات لتنظيم النفس والإيقاع؛ استعمال كلمات مألوفة ثم جمل قصيرة؛ تقييم مرحلي كل أربعة إلى ستة أسابيع لتعديل الأهداف بحسب استجابة الطفل.

5.4. الحالة الرابعة

جدول 7. نتائج الحالة الرابعة

نسبة الأداء الصحيح

المؤشر

33 %

الحروف الأمامية

52 %

الحروف المؤخرة

37 %

الحروف المفخمة

25 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

31 %

عبارات أحادية ذات معنى

58 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

58 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

0 %

اختبار الجمل

تظهر الحالة الرابعة ضعفاً في الحروف الأمامية والمقاطع الأحادية، مقابل أداء أفضل في الحروف المؤخرة والعبارات الثنائية. وهذا يرجح وجود صعوبات في التحكم في المنطقة الأمامية للفم أو في تمييز أصواتها. وينبغي توظيف المرآة، والمؤشرات البصرية، واللمس الفموي، إضافة إلى أنشطة إيقاعية تسمح بالانتقال من الثنائي إلى الأحادي.

خطة التكفل المقترحة : تدريب سمعي-بصري على الأصوات الأكثر هشاشة؛ تمارين فموية حركية للسان والشفتين؛ إدماج المدود والوقف والتكرار بوصفها أدوات لتنظيم النفس والإيقاع؛ استعمال كلمات مألوفة ثم جمل قصيرة؛ تقييم مرحلي كل أربعة إلى ستة أسابيع لتعديل الأهداف بحسب استجابة الطفل.

6.4. الحالة الخامسة

جدول 8. نتائج الحالة الخامسة

نسبة الأداء الصحيح

المؤشر

41 %

الحروف الأمامية

52 %

الحروف المؤخرة

41 %

الحروف المفخمة

31 %

عبارات أحادية المقطع دون معنى (لوجاتوم)

39 %

عبارات أحادية ذات معنى

52 %

عبارات ثنائية المقطع دون معنى

60 %

عبارات ثنائية المقطع ذات معنى

0 %

اختبار الجمل

تكشف الحالة الخامسة عن نمط قريب من الحالة الرابعة، إذ ترتفع النسب في العبارات الثنائية ذات المعنى وتنخفض في الأحادية والجمل. ويبرز هنا دور الإيقاع والدلالة في تنظيم النطق. لذلك تقترح الخطة العلاجية البدء بثنائيات مألوفة، ثم تفكيكها إلى مقاطع أصغر، وإعادة تركيبها داخل جمل قصيرة وظيفية يشارك فيها الطفل داخل القسم والمنزل.

خطة التكفل المقترحة : تدريب سمعي-بصري على الأصوات الأكثر هشاشة؛ تمارين فموية حركية للسان والشفتين؛ إدماج المدود والوقف والتكرار بوصفها أدوات لتنظيم النفس والإيقاع؛ استعمال كلمات مألوفة ثم جمل قصيرة؛ تقييم مرحلي كل أربعة إلى ستة أسابيع لتعديل الأهداف بحسب استجابة الطفل.

7.4. مناقشة النتائج

تؤكد النتائج أن الأداء النطقي لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية لا يتوزع توزيعاً خطياً بسيطاً؛ فقد تظهر بعض الحالات قدرة نسبية في أصوات تبدو صعبة نظرياً، بينما تعجز عن إنتاج جملة قصيرة. وهذا يعني أن التكفل لا ينبغي أن ينطلق من ترتيب ثابت للأصوات فقط، بل من بروفيل كل حالة : ما تسمعه، ما تنتجه، ما تفهمه، وما تستطيع توظيفه في تواصل فعلي.

تدل قوة العبارات الثنائية ذات المعنى على أن المعجم والسياق يعملان كرافعة للنطق. لذلك لا يكون التدريب الأكثر نجاعة ذلك الذي يعزل الطفل طويلاً في مقاطع مجردة، بل الذي يوظف المقاطع المجردة في طريق تدريجي نحو كلمات وجمل ذات وظيفة تواصلية. ومن هنا يمكن للمدود والتكرار في التجويد أن يساعدا على تثبيت الإيقاع، شريطة ربطهما بمعنى وصورة وموقف.

أما الضعف الحاد في اختبار الجمل فيشير إلى ضرورة تجاوز المقاربة الصوتية الضيقة. فالتأهيل الأرطوفوني ينبغي أن يربط الصوت بالبنية النحوية البسيطة : فاعل + فعل، اسم + صفة، طلب + موضوع، ثم يوسع هذه البنى داخل مواقف مألوفة. وتكتسب الأسرة هنا دوراً محورياً لأنها توفر فرصاً يومية لإعادة الإنتاج في سياقات طبيعية.

5. بروتوكول علاجي مقترح مستند إلى التجويد

انطلاقاً من النتائج، يمكن اقتراح بروتوكول من خمس مراحل، لا يُطبَّق آلياً على جميع الحالات، بل يكيف حسب درجة الفقد السمعي، عمر الطفل، نوع الوسيط السمعي، ومستوى اللغة الاستقبالية والتعبيرية.

جدول 9. مراحل بروتوكول تجويدي-أرطوفوني مقترح

أمثلة تطبيقية

الهدف

المرحلة

تمييز صوتين متقاربين باستعمال نماذج سمعية وصور للفم

تنشيط الانتباه للفروق الصوتية

1. التمييز السمعي والبصري

تدريب أمام المرآة على أصوات مختارة من المخارج الأمامية والخلفية

تثبيت موضع اللسان والشفتين والحلق

2. الوعي بالمخرج

مدّ صوتي قصير ثم متوسط ثم طويل مع مراقبة التنفس

تنظيم المدة والشدة والنفس

3. الصفات والمدود

مقاطع ذات معنى وغير ذات معنى، ثم كلمات مألوفة

الانتقال من الصوت إلى الوحدة المعجمية

4. المقطع والكلمة

جمل من كلمتين، ثم ثلاث كلمات، داخل قصة مصورة أو موقف لعب

تحويل الإنجاز الصوتي إلى استعمال وظيفي

5. الجملة والتواصل

الخاتمة

أظهرت هذه الدراسة أن الاضطرابات النطقية لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية ظاهرة مركبة، تتداخل فيها محدودية التغذية الراجعة السمعية، وضعف التمييز الفونولوجي، وصعوبات التحكم الحركي في مخارج الأصوات، إضافة إلى هشاشة الانتقال من الصوت المفرد إلى المقطع، ثم إلى الكلمة والجملة. وقد بينت نتائج الحالات الخمس المدروسة أن الأداء النطقي لا يتوزع بصورة متجانسة، إذ تختلف مواطن القوة والضعف باختلاف درجة الفقد السمعي، والسن، والخبرة العلاجية، ونوع الوسيط السمعي المستعمل، ومدى قدرة الطفل على توظيف المعنى والإيقاع في دعم إنتاجه الكلامي.

وقد كشفت القراءة الكمية والكيفية للنتائج أن بعض المستويات الصوتية والمقطعية تظل أكثر هشاشة من غيرها، ولا سيما الأصوات التي تتطلب ضبطاً دقيقاً للمخرج أو صفة صوتية مخصوصة، فضلاً عن الصعوبات البارزة في بناء الجملة لدى عدد من الحالات. كما أظهرت المعطيات أن السياق الدلالي والإيقاع المقطعي يمكن أن يؤديا دوراً مساعداً في تحسين الأداء، الأمر الذي يفتح المجال أمام استثمار بعض عناصر علم التجويد، مثل مخارج الحروف، والصفات، والمد، والوقف، والتنفس، ضمن تصور أرطوفوني علاجي مساند.

غير أن نتائج هذه الدراسة ينبغي أن تُقرأ في حدودها المنهجية الدقيقة. فهي دراسة عيادية وصفية محدودة بخمس حالات اختيرت بطريقة قصدية، ولا تقوم على مجموعة مقارنة أو على قياسات قبلية وبعدية مضبوطة، كما أن أدوات القياس المستعملة تحتاج إلى مزيد من التقنين والتحقق. لذلك، لا تقدم الدراسة دليلاً تجريبياً نهائياً على فعالية التجويد بوصفه علاجاً مستقلاً، بل تدعم إمكان توظيفه كوسيط تدريبي مساند داخل برنامج أرطوفوني متدرج. ومن ثمّ، فإن الصيغة العلمية الأوثق هي الحديث عن قابلية التوظيف العلاجي وعن مؤشرات عيادية واعدة، لا عن إثبات سببي حاسم.

وعليه، يمكن القول إن التجويد، بما يتضمنه من ضبط دقيق لمخارج الحروف وصفاتها وتنظيم للنفس والإيقاع، يمثل مورداً صوتياً عربياً قابلاً للاستثمار في التأهيل الأرطوفوني، شريطة إخضاعه للتكييف السريري، وفصله عن أي استعمال معياري أو تعليمي غير علاجي، وربطه بأهداف واضحة قابلة للتقويم. وتكمن قيمة هذا التوجه في أنه يفتح أفقاً بحثياً وتطبيقياً يجمع بين التراث الصوتي العربي والمعارف الأرطوفونية الحديثة، بما يسمح ببناء برامج أكثر قرباً من البيئة اللغوية والثقافية للطفل، وأكثر استجابة لحاجاته التواصلية.

وتوصي الدراسة، بناءً على ذلك، بتطوير بروتوكولات علاجية تجريبية تستند إلى عناصر مختارة من التجويد، على أن تُختبر لاحقاً على عينات أوسع، ووفق تصميمات قبلية وبعدية، وبالاعتماد على مجموعات مقارنة وأدوات قياس مقننة. كما تدعو إلى تعزيز التعاون بين الأخصائيين الأرطوفونيين، وأساتذة علم الأصوات، والمتخصصين في التجويد، من أجل بناء نموذج علاجي تكاملي لا يستبدل العلاج الأرطوفوني، بل يدعمه بموارد صوتية دقيقة ومألوفة ثقافياً.

التوصيات

  • إعداد دليل تدريبي مشترك بين الأرطوفونيين والمتخصصين في علم الأصوات والتجويد، يحدد التمارين، الأهداف، ومحكات القياس.

  • اعتماد قياسات قبلية وبعدية في الدراسات اللاحقة لتحديد أثر التدريبات بدقة.

  • تكييف حصص التعليم القرآني الموجهة للأطفال ضعاف السمع بما يراعي خصوصياتهم الأرطوفونية دون ضغط أدائي.

  • إشراك الأسرة في تمارين قصيرة يومية تعتمد التكرار، الصورة، والمعنى.

  • تطوير تطبيقات رقمية عربية تعرض نموذجاً سمعياً وبصرياً للمخرج، وتتيح تغذية راجعة فورية.

  • تشجيع رسائل جامعية مشتركة في مجال الصوتيات العلاجية والتجويد والأرطوفونيا.

المراجع بصيغة

American Speech-Language-Hearing Association. (n.d.). Speech sound disorders : Articulation and phonology [Practice portal]. https://www.asha.org/practice-portal/clinical-topics/articulation-and-phonology/

Bishop, D. V. M., Snowling, M. J., Thompson, P. A., Greenhalgh, T., & CATALISE-2 Consortium. (2017). Phase 2 of CATALISE : A multinational and multidisciplinary Delphi consensus study of problems with language development : Terminology. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 58(10), 1068–1080. https://doi.org/10.1111/jcpp. 12721

Kent, R. D., & Vorperian, H. K. (2018). Speech impairment in Down syndrome : A review. Journal of Speech, Language, and Hearing Research, 61(3), 1–15. https://doi.org/10.1044/2017_JSLHR-S-17-0138

Marschark, M., & Knoors, H. (2021). Educating deaf learners : Creating a global evidence base. Oxford University Press.

Nittrouer, S., Caldwell-Tarr, A., & Lowenstein, J. H. (2013). Working memory in children with cochlear implants : Problems are in storage, not processing. International Journal of Pediatric Otorhinolaryngology, 77(11), 1886–1898. https://doi.org/10.1016/j.ijporl.2013.09.001

Rvachew, S., & Brosseau-Lapré, F. (2018). Developmental phonological disorders : Foundations of clinical practice (2nd ed.). Plural Publishing.

Williams, A. L., McLeod, S., & McCauley, R. J. (Eds.). (2021). Interventions for speech sound disorders in children (2nd ed.). Brookes Publishing.

World Health Organization. (2021). World report on hearing. World Health Organization.

World Health Organization. (2026, March 3). Deafness and hearing loss. https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/deafness-and-hearing-loss

عبد العزيز، م. (2016). مقدمة في الأرطوفونيا : الاضطرابات اللغوية والكلامية. دار الفكر العربي.

المرسلي، ف. (2019). الأرطوفونيا بين النظرية والتطبيق. دار الهدى.

الطائي، س. ع. (2019). التجويد واللسانيات : دراسة في مخارج الحروف وصفاتها. دار الجامعة.

الزعبي، م. أ. (2020). علم الأصوات ومجالاته التطبيقية. دار كنوز المعرفة.

عبد المجيد، ع. م. (2021). الأبعاد الصوتية للتجويد وإمكانات توظيفها في علاج اضطرابات النطق. دار الفكر العربي.

بويزري، م. (2013). مدخل إلى علم النفس العيادي. دار الخلدونية.

خليل، أ. ع. (2019). مناهج البحث في علوم التربية الخاصة. دار الفكر العربي.

الزهراني، م. س. (2021). الأساليب العيادية في تشخيص وعلاج اضطرابات النطق واللغة. دار المنارة.

العتيبي، ر. ف. (2022). مستجدات البحث في اضطرابات التواصل : مقاربات عيادية وتطبيقية. مكتبة الملك فهد الوطنية.

جوهرة بوجمعي / Djouhara Boudjemai

المدرسة العليا لأساتذة الصم والبكم – الجزائر

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.