التناصّ الأسطوريّ في شعر سليمان جوادي

L’intertextualité mythique dans la poésie de Suleiman Jawadi

Mythological Intertextuality in the Poetry of Suleiman Jawadi

الطاهر بوفنش et Tahar Boufenech

Citer cet article

Référence électronique

الطاهر بوفنش et Tahar Boufenech, « التناصّ الأسطوريّ في شعر سليمان جوادي », Aleph [En ligne], mis en ligne le 11 mai 2026, consulté le 16 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16774

يهدف هذا المقال إلى رصد حضور التناصّ الأسطوريّ في شعر سليمان جوادي، والكشف عن أبرز الأساطير التي استدعاها الشاعر، وبيان الوظائف الدلالية والجمالية التي أدّتها داخل القصيدة. وتنبع أهمية هذه الدراسة من أنّها تُبرز تعدّد آليات التناصّ لدى جوادي؛ إذ أفاد من الأساطير القديمة بوصفها خزّاناً رمزياً وثقافياً، وأعاد توظيفها في ضوء تجربة شعرية معاصرة ترتبط بالوطن والإنسان والحرية والمعاناة. كما تسعى الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما أهمّ الأساطير التي وظّفها الشاعر؟ وما أثرها في شعره؟ وإلى أيّ مدى نجح في استحضارها ضمن بنية القصيدة؟ وتخلص الدراسة إلى أنّ جوادي لم يقتصر على الاستدعاء الاسمي للأسطورة، بل استفاد من طاقتها الرمزية والدلالية في بناء رؤيته الشعرية، وإن تباينت درجات النجاح بين توظيف مباشر وآخر أكثر اندماجاً وخصوبة.

Cet article étudie l’intertextualité mythique dans la poésie de Suleiman Jawadi. Il vise à identifier les principales figures mythiques convoquées par le poète et à mettre en évidence les fonctions sémantiques et esthétiques qu’elles remplissent dans le poème. L’étude montre que l’écriture de Jawadi mobilise le matériau mythique selon des degrés variés, allant de l’allusion directe à l’absorption profonde de la structure symbolique. Les mythes de la souffrance, de l’épreuve, de la destruction et de la renaissance y jouent un rôle central, car ils permettent d’articuler l’expérience individuelle, la mémoire collective et la crise historique. L’article conclut que le recours au mythe, chez Jawadi, contribue à densifier la signification, à élargir l’horizon interprétatif et à renforcer la portée poétique du texte.

This article examines mythic intertextuality in the poetry of Suleiman Jawadi. It seeks to identify the major myths mobilized by the poet and to clarify the semantic and aesthetic functions they perform within the poem. The importance of this study lies in showing the plurality of intertextual mechanisms in Jawadi’s work, since he draws on ancient myths as a symbolic and cultural reservoir and reshapes them within a modern poetic experience concerned with the nation, the human condition, freedom, and suffering. The article therefore addresses the following questions: which myths recur most clearly in Jawadi’s poetry, what effects do they produce, and to what extent does the poet succeed in integrating them into the poetic texture? The study concludes that Jawadi does not rely solely on explicit mythical references; rather, he often activates the symbolic charge of myth in order to deepen meaning and intensify poetic vision, even though the degree of integration varies from one text to another.

الملخّص

الكلمات المفتاحية

Résumé

Mots-clés

Abstract

Keywords

المقدّمة

شكّل حضورُ الأسطورة في الشعر العربي المعاصر إحدى السمات الفنية البارزة التي طبعت هذا الشعر وميّزت كثيراً من تجاربه، إذ ارتبطت به منذ بداياته الأولى، ثم تواصل استعمالها وتوظيفها حتى غدت، في عدد من النماذج الشعرية، عنصراً بنيوياً لا مجرّد زينة ثقافية عابرة. وقد أدّت الأسطورة دوراً واضحاً في تطوّر الحداثة الشعرية، لأنّها أتاحت للشاعر توسيع أفق الدلالة، وربط التجربة الذاتية بذاكرة إنسانية أرحب. وفي هذا السياق، يلاحظ بعض الدارسين أنّ أهميتها تنبع من كونها بنيةً ثقافيةً أصيلةً تُكسب القصيدة أبعاداً جديدة للتعبير عن تجارب أكثر عمقاً، وتسهم في تقديم رؤية أرحب للتفكير والإحساس على مختلف الصعد (شعت، 2013، ص. 97).

وتتعدّد أسباب توظيف الشعراء للأسطورة؛ فمنها التأثر ببعض النماذج الشعرية الغربية التي جعلت من الأسطورة رافداً أساسياً في بناء القصيدة، ومنها ما يتصل بطاقة الأسطورة على وصل الإنسان بالطبيعة، وبحركة الخصب والنماء، وبالإحساس بالاستمرار التاريخي. كما أنّ الأسطورة تعين الشاعر على إحياء الماضي وبعثه من جديد وربطه بالحاضر، وتساعده على توحيد التجربة الذاتية والجماعية، وفتح القصيدة على شبكة من القوى المتصارعة والدلالات المركّبة (شعت، 2013، ص. 97).

وانطلاقاً من ذلك، تطرح هذه الدراسة الإشكال الآتي: ما مدى حضور الأسطورة في شعر سليمان جوادي؟ وهل وفّق الشاعر في استحضارها وتوظيفها داخل قصيدته؟ وهل أضفى ذلك بعداً جمالياً ودلالياً على تجربته الشعرية؟

وتعتمد هذه الدراسة مقاربةً وصفيةً تحليليةً تقوم على قراءة المقاطع الشعرية التي استدعت المخيال الأسطوري في دواوين سليمان جوادي، ثم تفكيك وظائفها الدلالية والجمالية في ضوء مفاهيم التناصّ، والاستدعاء الرمزي، والامتصاص الدلالي. ومن ثمّ، فإنّ الغاية لا تتمثّل في مجرّد إحصاء الأسماء الأسطورية الواردة في المتن، بل في بيان الكيفية التي تنتقل بها هذه العناصر من مرجعياتها الحكائية الأصلية إلى بنية شعرية جديدة تعيد إنتاجها داخل أفق وطني ووجودي وجمالي.

ومن الرموز الأسطورية القديمة التي استعملها الشعراء المعاصرون شخصياتٌ كثيرة ترتبط بالموروث الإنساني القديم، مثل السندباد، وسيزيف، وتموز، وعشتار، وأيوب، وهابيل، وقابيل، وعنترة، وعبلة، وشهريار، وهرقل، والتتار، وغير ذلك من الشخصيات والرموز ذات الحمولة الأسطورية أو الرمزية (إسماعيل، د.ت.، ص. 202). وقبل الانتقال إلى تجلّيات هذا الحضور في شعر جوادي، لا بدّ من التوقّف عند مفهوم التناصّ من حيث الماهية، والنشأة، والتداول النقدي.

1. التناصّ: الماهية والمفهوم

تعدّد مفهومُ التناصّ عند الكتّاب والباحثين، ويرجع هذا التعدّد إلى تنوّع المرجعيات الفكرية والثقافية، واختلاف المنطلقات الإيديولوجية والنقدية التي تؤطّر النظر إلى النص ووظائفه وآليات اشتغاله. ومن الناحية اللغوية، وردت مادة «نصص» في المعاجم العربية القديمة بدلالات متقاربة تشير إلى الرفع والإظهار والانتهاء والبلوغ إلى الغاية. ففي لسان العرب جاء:

«نصص النص: رفع الشيء. نص الحديث ينصّه: رفعه. وكل ما أظهر فقد نصّ. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت رجلاً أنصّ للحديث من الزهري، أي أرفع له وأسند. ونصّت الظبية جيدها: رفعته... وأصل النص: أقصى الشيء وغايته... ونصّ كل شيء: منتهاه» (ابن منظور، 2005، ج4، ص. 539–540).

وفي المعجم الوسيط ورد أنّ:

«تناصى القوم: أخذ بعضهم بنواصي بعض في الخصومة، وتناصت الأشياء: اتصلت» (مجمع اللغة العربية، 2004، ص. 927).

وتكشف هذه الدلالات المعجمية عن شبكة من المعاني المرتبطة بالاتصال والرفع والإظهار، وهي معانٍ تفيد، على نحو غير مباشر، في فهم الخلفية الاشتقاقية التي يمكن أن يتحرّك في أفقها المصطلح النقدي الحديث.

أمّا من الناحية الاصطلاحية، فالتناصّ مصطلح نقدي حديث يُعدّ ترجمةً للمصطلح الإنجليزي Intertextuality، وقد تُرجم أيضاً إلى «البينصية». وقد عرّفه أحمد جبر شعت بأنّه:

«ظاهرة لغوية معقّدة تستعصي على الضبط والتقنين الصارمين، وتعتمد في تمييزها وإدراك أبعادها على ثقافة المتلقي وسعة معرفته بالأجناس الأدبية، حيث يتمكّن من ترجيح حقول التناصّ ومواقعه ومصادره وأصوله النصوصية وفاعليته في بناء النص» (شعت، 2013، ص. 54).

ويركّز هذا التصور على دور المتلقي في تفكيك الشفرات النصية، ذلك أنّ إدراك العلاقات النصية الغائبة أو المتخفية يقتضي ثقافة واسعة ومعرفة بالأجناس الأدبية المختلفة، من شعر ورواية ومسرح وأساطير وغيرها. ومن هنا يلتقي هذا الفهم مع ما ذهب إليه محمد مفتاح حين رأى أنّ التناصّ وسيلة تواصل لا يتحقّق المقصد من أيّ خطاب لغوي من دونها، إذ لا يكون هناك مرسل بغير متلقٍّ متقبّل ومستوعب ومدرك لمراميه (مفتاح، 1992، ص. 134).

وقد حظيت نظرية التناصّ في الثقافة الغربية بمراجعات نقدية واسعة، نظراً إلى الأثر الكبير الذي أحدثه هذا المصطلح في الدرس الأدبي الحديث. وتُعدّ جوليا كريستيفا من أوائل من بلور هذا المفهوم في صيغته المعاصرة خلال ستينيات القرن العشرين، مع اعترافها بإفادتها من تصورات ميخائيل باختين في الحوارية وتعدّد الأصوات (العدواني، 2009، ص. 13). وقد نظرت إلى النص بوصفه:

«لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحول لنصوص أخرى» (الغامدي، د.ت.، ص. 321).

ويعني ذلك أنّ النص لا يولد من فراغ، بل يتشكّل من شبكة من العلاقات والتحوّلات والتجاورات النصية.

وقد أثرى رولان بارت هذا المفهوم في كتاباته المتصلة بموت المؤلف، إذ أكّد أنّ النص فضاء تتقاطع فيه نصوص متعددة، وقد تتصارع أحياناً داخل بنية واحدة (تيروريت وراجح، د.ت.، ص. 60). أمّا جيرار جينيت فقد سعى إلى تأطير هذه العلاقات ضمن تصور أكثر منهجية، ولا سيما في حديثه عن الأنواع الخمسة للعلاقات النصية: التناصّ، والمناصّ، والميتانصّ، ومعمارية النص، والتعلّق النصي، مميّزاً في هذا الأخير بين المحاكاة والتحويل (البقشي، 2007، ص. 26).

وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ التناصّ، بوصفه تسمية وممارسة نقدية حديثة، يعدّ مفهوماً غربياً في صيغته الاصطلاحية، غير أنّ هذا لا ينفي وجود أشكال قريبة منه في التراث النقدي العربي القديم.

فعلى المستوى العربي الحديث، كان لازدهار الحركة النقدية الغربية أثر واضح في تنشيط النقاش حول هذا المفهوم؛ فقد خصصت دورية ألفالقاهرية عددها الرابع سنة 1984 للتناصّ، كما أفردت مجلة الفكر العربي المعاصر عدداً خاصاً له، وتناولت فيه بعض الجهود المرتبطة بباختين وكريستيفا وجينيت (العدواني، 2009، ص. 14–15). أمّا النقاد العرب القدامى، فقد تناولوا ظواهر قريبة من التناصّ تحت مسميات مختلفة، مثل الاقتباس، والتضمين، والسرقة، والمعارضة، والمناقضة؛ والقاسم المشترك بينها وبين التناصّ هو انتقال المعنى أو اللفظ، أو جزء منهما، من نص إلى آخر، مع اختلاف المقاصد والغايات (الحلبي، 2007).

ولا يعني ذلك أنّ النقد العربي القديم سبق إلى صياغة المصطلح نفسه، وإنّما يعني أنّه تنبّه إلى بعض آلياته ووظائفه من خلال ترسانة بلاغية ونقدية متنوّعة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التناصّ باعتباره مفهوماً حديثاً يجد بعض امتداداته الإجرائية في تراث عربي أقدم.

وقد اهتمّ المبدعون الجزائريون بالنص الغائب، فاستحضروا القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر قديمه وحديثه، والأمثال الشعبية، والأسطورة، والتراث العربي والإنساني عامة. ومن بين هؤلاء الشاعر Suleiman Jawadi، أحد رواد الشعر الجزائري المعاصر، الذي كتب بالفصحى وباللهجة الجزائرية، وكرّس قلمه لقضايا الوطن والإنسان. وقد شهد له محمد بلقاسم خمّار بسعة المعرفة، وحدّة الذكاء، وامتلاك ناصية التجديد في الكتابة الشعرية والنثرية (جوادي، 2012، ص. 4). ويظهر هذا الثراء الثقافي جلياً في طبيعة النصوص التي يحاورها، وفي مقدمتها النص الأسطوري.

2. الحضور الأسطوريّ في شعر Suleiman Jawadi

تشكّل الأسطورة في شعر Suleiman Jawadi معلماً بارزاً من معالم بنائه الشعري، إذ تسهم في إكساب قصائده طاقة فنية ودلالية لافتة، وتفتحها على أفق رمزي يتجاوز المعنى المباشر إلى مستويات أعمق من الإيحاء والتأويل. وانطلاقاً من النصوص المدروسة، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات في توظيف الأسطورة: مستوى أول يتجلّى في الاستخدام السطحي، حيث تُذكر الشخصية الأسطورية أو الرمزية من غير أن تنصهر في النسيج الشعري انصهاراً عميقاً؛ ومستوى ثانٍ يتمثل في حضور الأسطورة حضوراً واضحاً داخل النص مع اندماجها النسبي في التجربة؛ ومستوى ثالث أكثر فنية يقوم على هيمنة البعد الأسطوري مع غياب الاسم الأسطوري صراحةً، بحيث تصبح الأسطورة قوة داخلية محرّكة للدلالة (البادي، 2009، ص. 89).

ويبيّن هذا التقسيم أنّ الشاعر لا يتعامل مع الأسطورة على نحو واحد؛ فمرّةً يكتفي بإيرادها بصفتها علامة ثقافية مباشرة، ومرّةً يجعلها عنصراً مكوّناً للرؤية الشعرية، ومرّةً ثالثة يمتصّ دلالتها العميقة من غير التصريح باسمها. وهذه المرونة في التوظيف هي التي تمنح قراءة شعر جوادي أهميتها، لأنّها تكشف عن وعي جمالي لا يكتفي بالزخرف الرمزي، بل يسعى إلى إدماج الموروث الأسطوري في بناء المعنى.

ويمثّل المستوى الأول ما نجده في ديوان قصائد للحزن وأخرى للحزن أيضاً، إذ يقول الشاعر:

مخاطبتي قدّها القرمطي يكفر كل الخطايا
ويدخل في العمق
تنسف كل الرواسب
... ويشيد محكمة لبقايا النوادر والنكت المشرقية
للشهريارات في المغرب العربي
(جوادي، 1985، ص. 19)

يستدعي الشاعر هنا شخصية شهريار، غير أنّ حضورها يظل أقرب إلى الاستعمال الإشاري المباشر منه إلى الاندماج البنيوي العميق في القصيدة. فشهريار، بوصفه أحد شخصيات ألف ليلة وليلة، يحضر رمزاً للاستبداد والتسلّط، غير أنّ طاقته الأسطورية لا تُستثمر بكثافة داخل المقطع؛ لذلك يبدو حضوره محدوداً من الناحية الفنية، أقرب إلى التعيين الثقافي منه إلى التشكيل الرمزي المنتج.

ومن الرموز التي وظّفها جوادي أيضاً رمز التتار، بما يحمله من عنف وخراب وذاكرة تاريخية دامية. فقد ارتبط ذكر المغول والتتار في المخيال العربي بفعل التدمير الكاسح والانهيار الحضاري (صلاحي، 2009، ص. 186). وفي إحدى قصائده يقول:

مدينتنا تفتح اليوم أبوابها
للتتار الشعوبي
تحصي المحبين، تخصي المحبين
تبدي آخر صيحاتها في التبرج
(جوادي، 1985، ص. 25)

يوظّف الشاعر هذا الرمز ليصوّر حالة الفوضى والخراب التي أصابت المدينة العربية؛ فالمعادلة هنا قائمة على إسقاط الماضي الكارثي على الواقع المعاصر. ومن ثمّ يصبح «التتار» معادلاً رمزياً لكل قوة استبداد تُخرّب العمران والإنسان معاً، وتحوّل المجال الحضري إلى فضاء للانتهاك والتشويه والقمع.

كما يستلهم جوادي، في ديوان يوميات متسكع محظوظ، أسطورتي شهرزاد والسندباد، غير أنّ هذا التوظيف يظل، في هذا الموضع تحديداً، أقرب إلى السطحية الدلالية، إذ يقول:

نحن لا نطلب منكم أيّها السادة إلغاء الضرائب
تلك أشياء روتها شهرزاد
وأمور قال عنها سندباد
نحن لا نطلب منكم أن تعيدوها إلينا
قد مللنا أيّها السادة صندوق العجائب
(جوادي، 2009، ص. 14)

تحيل شهرزاد هنا إلى الحكاية والقدرة على التأجيل والمراوغة السردية، بينما يحيل السندباد إلى الرحلة والمغامرة والبحث عن المجهول (إسماعيل، د.ت.، ص. 203). غير أنّ الشاعر يوظّف هذين الرمزين كي يفضح انفصال السلطة عن الواقع؛ فالحكام، في تصوّره، يعيشون داخل عالم من الوهم والحكايات، في حين تعيش الرعية عالم الحاجة والحرمان. وهكذا يغدو الرمز الأسطوري أداةً للسخرية السياسية وكشف المسافة الفاصلة بين الخطاب السلطوي وواقع الناس.

ويحضر سيزيف في شعر جوادي حضوراً أكثر كثافة وارتباطاً بالتجربة الوجودية والمعاناة الجماعية. وقد اتخذ الشاعر من هذه الأسطورة معادلاً للشقاء الدائم، وربط من خلالها بين معاناته الذاتية ومعاناة الوطن، وبين الماضي الأسطوري والواقع الراهن. يقول في قصيدة أغنية لم يلحنها الشيخ إمام:

انزعوا الصخرة عن ظهر سيزيف
واكتبوها غيرة أو وطنية
(جوادي، 2009، ص. 15)

ويقول في موضع آخر:

لا شيء يزحزحني
فالصخرة لم تسقط
... القمة عالية لكني لم أقنط
ما سرّ الصخرة يا أمي؟
(جوادي، 2009، ص. 30)

إنّ سيزيف، بوصفه رمزاً للعمل غير المثمر والعذاب المتكرر الذي لا ينتهي (الحلبي، 2007، ص. 93)، يتحوّل في هذه النصوص إلى مرآة لوجع الفرد والجماعة معاً. فالشاعر لا يستحضر الشخصية لذاتها، بل يستثمر طاقتها الرمزية كي يعبّر عن الإصرار والألم ومحنة الاستمرار في واقع مأزوم. ومن هنا يتجاوز الرمز بعده الحكائي ليصير شكلاً من أشكال التمثيل الوجودي لمعاناة الإنسان العربي في مواجهة القهر والتكرار والانسداد.

وفي قصيدة غابت فكان الموعد يستدعي جوادي شخصية علاء الدين بما ترمز إليه من السحر والإنارة والتحوّل المفاجئ، فيقول:

أهديك إذ لبيت
حصاناً ثورياً
مصباح علاء الدين
حكايات يكرهها مسرور
(جوادي، 2009، ص. 41)

وفي هذا الموضع يريد الشاعر أن يهدي الوطن بصيرةً ورؤيةً تخرجه من الظلمة، وكأنّ مصباح علاء الدين قد تحوّل إلى استعارة للنور الرمزي الذي يمكن أن تبعثه الكلمة الشعرية. ومع ذلك، يبقى الحضور الأسطوري هنا أقرب إلى الإشارة المباشرة منه إلى التشكّل البنيوي العميق، لأنّ الرمز لم يتحوّل بعدُ إلى مكوّن عضوي من مكوّنات التجربة الشعرية.

أمّا في ديوان رصاصة لم يطلقها حمة لخضر، وبخاصة في قصيدة الخروج من الرماد، فيستحضر الشاعر أسطورة العنقاء، وهي من أكثر الأساطير اتصالاً بدلالة الانبعاث والتجدد. والعنقاء، في المرويات القديمة، طائر يحترق ثم ينبعث من رماده، ولذلك غدت رمزاً للبعث المستمر (الحلبي، 2007، ص. 90). يقول جوادي:

سأطلع من شهقات اليتامى
وأبعث من نبضات الجنين
وأخرج من جوف هذا الرماد
بنصر مبين وحق أكيد
(جوادي، 2013، ص. 138)

في هذا المقطع لا تكون الأسطورة مجرد اسم مستعار، بل تتحوّل إلى نواة دلالية تصوغ رؤية النص كله؛ فثنائية الاحتراق والانبعاث تمنح القصيدة دينامية داخلية قوامها الانتقال من الحزن إلى الرجاء، ومن الرماد إلى إمكان الولادة الجديدة. ومن هنا يبدو التوظيف أكثر نضجاً واندماجاً في البنية الشعرية، لأنّ الأسطورة لم تعد عنصراً مزخرفاً، بل صارت أفقاً تأويلياً منظّماً للمعنى.

وفي ديوان قال سليمان يرد مقطع آخر يكشف عن استدعاء قريب من أفق جلجامش:

كن جذوة ترفض الانطفاء
حنانيك كن قدراً
وجواد يغامر ضد الفناء
(جوادي، 2012، ص. 17)

فالمستوى الدلالي في هذا المقطع يستحضر مغامرة جلجامش في مواجهة الموت والبحث عن الخلود (الأزرق بن علّو، 2001، ص. 14–15)، غير أنّ الشاعر لا يذكر الاسم صراحة، بل يمتص المعنى العام للأسطورة ويعيد إنتاجه في سياق حديثه عن خلود الشعر ورفض الأفول. وهنا يتجلّى التفاعل بين النص الحاضر والنص الأسطوري في صورة امتصاص دلالي لا استدعاء اسمي مباشر، وهو ما يكشف عن مستوى أعلى من الوعي الجمالي في تشغيل المرجع الأسطوري.

وتتأكد هذه الآلية أيضاً مع البعد التموزي في قصيدة شاعر، حيث يقول جوادي:

كلّما أنتهي
كلّما أبتدئ
فأنا شاعر
جلّ أن ينطفئ
(جوادي، 2012، ص. 33)

يحضر تموز هنا حضوراً ضمنياً من خلال دلالة الموت والبعث؛ فالنهاية ليست نهاية مطلقة، بل بداية جديدة. وهكذا تصبح الكتابة فعلاً دائماً من أفعال الانبعاث، ويتحوّل الشعر إلى طاقة لا تنطفئ. وهذا النوع من الحضور الخفي لا يدركه المتلقي إلا إذا امتلك مفاتيح ثقافية تحيله إلى الأفق الأسطوري الكامن خلف النص. ومن ثمّ فإنّ القيمة الجمالية في هذا المستوى لا تقوم على ذكر الرمز، بل على فاعليته الباطنة في تنظيم المعنى وتكثيفه.

ويواصل جوادي امتصاصه للدلالة العامة للنصوص الأسطورية في قصيدة يا شعبنا، إذ يقول:

يا شعبنا
ما أتفه القلب الذي
يحنو عليك ليخدعك
ويريك نور الشمس صبحاً
كي يدبّر في الليالي مصرعك
(جوادي، 2012، ص. 19)

يكشف هذا المقطع عن حضور ضمني لأسطورة البطل الذي يقدّم قرباناً أو تضحية كبرى في سبيل الجماعة؛ وقد أمكن قراءة هذا المعنى على ضوء أسطورة أغاممنون. والمهم هنا ليس تطابق العناصر الحكائية، بل الوظيفة الرمزية التي ينهض بها الاستدعاء؛ إذ يقيم الشاعر مقابلة بين نموذج تضحية بطولية وبين ممارسات سلطوية تقدّم الشعوب ضحايا من أجل البقاء في الحكم. وبذلك ينشأ توتّر دلالي بين قيم الفداء وقيم الخيانة السياسية، ويتحوّل الرمز الأسطوري إلى أداة نقدية تفضح اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

وبناءً على ما سبق، يتبيّن أنّ الحضور الأسطوري في شعر Suleiman Jawadi لا ينتظم في صورة واحدة، بل يتدرّج من الإشارة المباشرة إلى الامتصاص الدلالي العميق. وإذا كانت بعض المواضع تكشف عن توظيف سطحي يظل فيه الرمز قريباً من الاستدعاء الثقافي المباشر، فإنّ مواضع أخرى تبلغ درجة أعلى من النضج، حيث تصبح الأسطورة بنية داخلية مولّدة للمعنى، تسهم في توسيع أفق القصيدة وربطها بأسئلة الألم والانبعاث والمصير. ومن هنا تكتسب تجربة جوادي قيمتها، لأنّها لا تستعير الأسطورة على سبيل التزيين، بل تجعلها، في أفضل تجلياتها، وسيلةً لإعادة قراءة الواقع والتعبير عن القلق الفردي والجماعي بلغة شعرية مشحونة بالرمز والرؤية.

الخاتمة

يمكن، في ضوء ما سبق، القول إنّ حضور الأسطورة في شعر Suleiman Jawadi حضورٌ فعّال ومتدرّج، غير أنّ درجات هذا الحضور تختلف من نص إلى آخر ومن صيغة شعرية إلى أخرى. ففي بعض المواضع، يظلّ الاستدعاء الأسطوري سطحياً، يقتصر على إيراد الاسم أو الرمز من غير اندماجٍ عميق في النسيج الشعري؛ بينما تبلغ نصوص أخرى مستوى أعلى من الفنية حين تمتصّ الأسطورة في بنيتها الدلالية والرمزية، فتغدو جزءاً من آلية إنتاج المعنى لا مجرد إحالة ثقافية مباشرة.

وتبيّن هذه الدراسة أيضاً أنّ الأساطير الأكثر حضوراً في شعر جوادي هي، من جهة، الأساطير المرتبطة بالعذاب والألم والمكابدة، مثل سيزيفوجلجامش، ومن جهة أخرى الأساطير المرتبطة بالانبعاث والتجدّد، مثل تموز والعنقاء. وهي أساطير تفتح القصيدة على أفق تأويلي أرحب، وتمنحها قدرةً على وصل التجربة الفردية بالذاكرة الجماعية والإنسانية. ومن ثمّ، فإنّ القيمة الجمالية لهذا التوظيف لا تكمن في مجرّد تسمية الرمز أو استحضاره، بل في قدرة الشاعر على تحويله إلى أداة لإنتاج المعنى، وتكثيف الرؤية، وتوسيع المجال الدلالي للنص.

كما تكشف هذه القراءة أنّ قيمة التناصّ الأسطوري عند جوادي لا تتمثّل في استعارة أسماء أسطورية معروفة فحسب، بل في القدرة على إعادة تشغيلها داخل سياق شعري جديد، بحيث تتحول إلى وسائط تأويلية تضيء الواقع الجزائري والعربي، وتمنح التجربة الشعرية عمقاً تاريخياً ووجدانياً يتجاوز المباشرة والخطابية. فكلما ازداد الاندماج بين الرمز الأسطوري والتجربة الشعرية، ارتفع منسوب الشعرية، وانتقل النص من مستوى الإشارة الثقافية العابرة إلى مستوى البنية الدلالية المشبعة بالإيحاء.

ومن هذه الزاوية، يمكن عدّ شعر Suleiman Jawadi مجالاً خصباً لدراسات لاحقة تتناول أشكال التناصّ الديني والتاريخي والشعبي في منجزه الشعري، وتعيد فحص العلاقة بين المرجع الثقافي وآليات التشكيل الجمالي. وبذلك تسهم هذه الدراسة في ترسيخ صورة جوادي بوصفه شاعراً يزاوج بين الذاكرة الثقافية والابتكار الفني، ويجعل من الموروث الأسطوري أداةً لقول الحاضر، لا مجرد صدىً للماضي.

قائمة المراجع

ابن منظور. (2005). لسان العرب (ج. 4). دار الكتب العلمية.

الأزرق بن علّو، أ. (2001). رحلة: أساطير، تاريخ، أدب، حكايات. دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.

البادي، ح. (2009). التناص في الشعر العربي الحديث: البرغوثي نموذجاً. كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع.

البقشي، ع. ق. (2007). التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية. أفريقيا الشرق.

تيروريت، ب.، وراجح، س. (د.ت.). التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر: دراسة في الأصول والملامح والإشكالات النظرية والتطبيقية. دار رسلان.

العدواني، م. (2009). الكتابة والمحو: التناص في أعمال رجاء عالم. مؤسسة الإنشاء العربي.

الغامدي، عبد الله. (د.ت.). الخطيئة والتكفير. النادي الأدبي الثقافي.

إسماعيل، عز الدين. (د.ت.). الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية. دار الفكر العربي.

الحلبي، أ. ط. (2007). التناص بين النظرية والتطبيق: شعر البياتي نموذجاً. الهيئة العامة السورية للكتاب.

جوادي، س. (1985). قصائد للحزن وأخرى للحزن أيضاً. المؤسسة الوطنية للكتاب.

جوادي، س. (2009). يوميات متسكع محظوظ، ويليه ثلاثيات العشق. منشورات آرتيستيك.

جوادي، س. (2012). قال سليمان (ط. 2). دار التنوير للنشر والتوزيع.

جوادي، س. (2013). رصاصة لم يطلقها حمة لخضر. المتصدر للترقية الثقافية والعلمية والإعلامية.

شعت، أ. ج. (2013). جماليات التناص. دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.

صلاحي، ع. م. (2009). المغول والتتار بين الانتشار والانكسار. الأندلس الجديد.

مجمع اللغة العربية. (2004). المعجم الوسيط (ط. 4). مكتبة الشروق الدولية.

مفتاح، م. (1992). تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص (ط. 3). المركز الثقافي العربي.

الطاهر بوفنش

Tahar Boufenech

Département de langue et littérature arabes — Université Badji Mokhtar, Annaba, AlgérieE-mail: boufenechetahar@gmail.com

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article