النسق الأسطوري للأمومة والخصوبة في الشعر الجاهلي : الناقة أنموذجًا

Configurations mythiques de la maternité et de la fécondité dans la poésie préislamique : la chamelle comme modèle

Mythic Patterns of Motherhood and Fertility in Pre-Islamic Poetry : The She-Camel as a Model

دلال شيباني Dalal Chibani

Citer cet article

Référence électronique

دلال شيباني Dalal Chibani, « النسق الأسطوري للأمومة والخصوبة في الشعر الجاهلي : الناقة أنموذجًا », Aleph [En ligne], mis en ligne le 12 mai 2026, consulté le 16 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16765

ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن الناقة في الشعر الجاهلي لا تظهر بوصفها كائنًا رحليًا أو حيوانًا نفعيًا فحسب، بل بوصفها علامة ثقافية حاملة لنسق أسطوري تتشابك داخله دلالات الأمومة والخصوبة والنجاة. وتستند الدراسة إلى قراءة نسقية ـ تأويلية لمجموعة من الشواهد الشعرية التي تربط الناقة بالنخلة والنعامة والبيض والدلو واللبن والسحاب، بما يكشف عن شبكة رمزية تتجاوز التشبيه البلاغي إلى إنتاج معنى ثقافي عميق. وتبيّن القراءة أن صورة الناقة الملقحة أو اللاقح، وصورتها المتداخلة مع أمومة النعامة وخصوبة النخلة، تؤسس لمخيال شعري يجعل من الأمومة قوة كونية مقاومة للموت والفناء. كما تقف الدراسة عند النسق المضاد، حيث تتحول صور النخلة والناقة أحيانًا إلى علامات عقم أو احتراق أو جدب، بما يبرز توتر المخيال الجاهلي بين الحياة والموت. وبذلك يسعى المقال إلى إعادة تأويل حضور الناقة ضمن بنية رمزية كلية، لا باعتباره استطرادًا وصفيًا، بل بوصفه مكوّنًا مركزيًا في تشكيل الرؤية الشعرية الجاهلية.

Cet article propose une lecture mythopoétique et culturelle de la chamelle dans la poésie préislamique. L’hypothèse défendue est que la chamelle ne relève pas seulement d’un motif descriptif lié au voyage, mais d’une structure symbolique où se condensent maternité, fécondité, protection et résistance à la mort. À partir d’un corpus de vers attribués notamment à Ṭarafa, al-A‘šā, Aws b. Ḥajar, Labīd, Abū Du’ād al-Iyādī et d’autres poètes, l’étude analyse les configurations qui associent la chamelle au palmier, à l’autruche, à l’œuf, au lait, au seau et au nuage. Ces correspondances construisent un réseau d’images où le végétal, l’animal et le cosmique se répondent pour figurer la continuité du vivant. L’article montre également que ce système symbolique comporte un envers : l’image de la fécondité peut se renverser en signes d’aridité, de brûlure ou de stérilité. La chamelle apparaît ainsi comme un opérateur central du passage entre disparition et recommencement, perte et régénération.

This article offers a mythopoetic and cultural reading of the she-camel in pre-Islamic poetry. It argues that the she-camel is not merely a descriptive motif attached to desert travel, but a symbolic structure in which motherhood, fertility, protection, and resistance to death are condensed. Drawing on poetic evidence attributed to Ṭarafa, al-Aʿshā, Aws b. Ḥajar, Labīd, Abū Duʾād al-Iyādī, and other poets, the study examines the configurations linking the she-camel to the date palm, the ostrich, the egg, milk, the bucket, and the raincloud. These associations form a network of images in which the vegetal, the animal, and the cosmic mutually reinforce the idea of life’s continuity. The article also shows that this symbolic system has a reverse side : images of fertility may turn into signs of aridity, burning, or sterility. The she-camel thus emerges as a central operator of the passage from loss to regeneration and from threatened life to renewed existence.

مقدمة

تحتلّ الناقة في الشعر الجاهلي موقعًا يتجاوز الوظيفة الرحلية المباشرة إلى أفق رمزي أوسع؛ إذ تتحول من كائن صحراوي ملازم للترحال إلى بنية دلالية مركّبة تستوعب الخصب، والأمومة، والنجاة، ومقاومة الفناء. ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ الناقة هنا بوصفها موضوعًا وصفيًا معزولًا، بل بوصفها علامة ثقافية تتقاطع عندها التجربة الوجودية للشاعر مع موروث أسطوري ورمزي عميق.

لقد فرضت الحياة الرعوية في شبه الجزيرة العربية على الإنسان الجاهلي أن يمنح الناقة مكانة مخصوصة، لأنها لم تكن مجرد وسيلة للانتقال، بل كانت عنصرًا حيويًا في نظام العيش، ومصدرًا للقوة، والاحتمال، والخصب، والاستمرار. ومن هنا غدا حضورها في الشعر الجاهلي حضورًا كثيفًا، لا يفسَّر بالإطالة الوصفية وحدها، بل بما تنطوي عليه هذه الإطالة من تبجيل رمزي وتقديس ثقافي لكائن ارتبط في المخيال القديم بالحياة والنجاة ومقاومة العدم.

وتكشف الأسطورة، بوصفها نظامًا رمزيًا عابرًا للثقافات والحضارات، عن قدرة الصورة الشعرية على حمل دلالات تتجاوز ظاهرها المباشر. فالناقة في الشعر الجاهلي لا تحضر بوصفها حيوانًا أليفًا أو رفيقًا في الرحلة فحسب، وإنما بوصفها نسقًا أسطوريًا تتداخل فيه رموز الخصوبة والنماء والأمومة، وتتجاور داخله صور النخلة والنعامة والدلو واللبن والسحاب. لذلك ينهض هذا البحث على سؤال مركزي مفاده : كيف تشكّلت صورة الناقة في الشعر الجاهلي بوصفها نسقًا أسطوريًا للأمومة والخصوبة؟ وكيف أسهمت علاقاتها الرمزية بالنخلة والنعامة والسحاب في بناء دلالة الخصب ومقاومة الموت؟

إنّ القدسية الحيوانية للناقة، بما تقيمه من صلات رمزية مع النخيل والنعامة وسائر العلامات المخصبة في المخيال الجاهلي، تكشف عن شبكة من الدلالات الظاهرة والمضمرة، حيث تتجاور القدرة على الإخصاب ووظيفة الأمومة وبعث الحياة مع إمكانات الهلاك والموت والفناء. ومن ثمّ، فإن صورة الناقة لا تنغلق على معنى واحد، بل تتحرك داخل توتر دلالي بين الخصب والعقم، الحياة والموت، العطاء والفقد، الحضور والغياب.

منهجيًّا، تنهض هذه الدراسة على قراءة تأويلية ـ نسقية للصور الشعرية المتصلة بالناقة في نماذج مختارة من الشعر الجاهلي، مستندةً إلى أدوات النقد الثقافي والقراءة الأسطورية والرمزية. ولا تدّعي الدراسة الإحاطة بجميع شواهد الناقة في المدونة الجاهلية، إذ إنّ حضور هذا الحيوان في الشعر الجاهلي واسع ومتعدد المستويات، بل تقارب شبكة دلالية مخصوصة يتداخل فيها الحيواني والنباتي والكوني، حيث تتجاور الناقة والنخلة والنعامة والدلو واللبن والسحاب بوصفها علامات ثقافية منتجة لمعنى الأمومة والخصوبة. ومن ثمّ، فإن قيمة البحث لا تكمن في حصر الشواهد أو استقصائها استقصاءً كميًّا، بل في إعادة تنظيمها داخل نسق تأويلي يربط الصورة الشعرية الجزئية بالبنية الرمزية الكبرى التي تشكّل المخيال الجاهلي، وتكشف عن آليات اشتغال المقدّس والخصب والأمومة داخل المتن الشعري القديم.

1. النسق الأسطوري الشعري

يشكّل الشعر الجاهلي، بأغراضه وصوره وطقوس إنشاده وتلقيه، مجالًا رمزيًا تتداخل فيه التجربة الجمالية بالمخيال الأسطوري. فلم يكن الشعر، في الوعي العربي القديم، مجرد ممارسة قولية أو تعبير وجداني، بل كان فعلًا ذا سلطة رمزية، تُسند إلى الشاعر من خلاله وظائف تتجاوز الوصف والإنشاد إلى التأثير، والتنبؤ، والحماية، والهجاء، واستدعاء القوى الخفية. ومن هنا ارتبطت صورة الشاعر في المخيال الجاهلي بالحكيم والرائي وصاحب القول النافذ، كما ارتبطت اللغة الشعرية بذخيرة من الإيحاءات والرموز التي تمنح القول قدرة على الفعل داخل الجماعة.

وفي هذا السياق، لا تنحصر الصورة الشعرية في بعدها الجمالي المباشر، بل تنفتح على ما تضمره من شفرات ثقافية وأنساق رمزية. فقد أشار عليمات إلى أنّ الصورة الفنية في الخطاب الشعري لا تتجلى في جوانبها الجمالية وحدها، وإنما في مضمراتها وشفراتها وطاقاتها المخاتلة داخل أنساق ثقافية تجعل النص يبني نفسه ضمن نظامه الرمزي (عليمات، 2009، ص. 120-121). وبذلك تغدو الصورة الشعرية بنية مزدوجة : فهي من جهة تركيب لغوي جمالي، وهي من جهة ثانية حامل دلالي لخبرة ثقافية عميقة.

ومن هذا المنظور، يصبح مفهوم النسق مدخلًا ضروريًا لفهم اشتغال الصورة الأسطورية في الشعر الجاهلي. فالنسق ليس تجاورًا عارضًا بين علامات متفرقة، بل نظام دلالي مترابط، تتساند عناصره وتنتج معناها داخل بنية كلية. ولهذا عُرّف النسق بأنه :

« نظام ينطوي على استقلال ذاتي؛ ما يشكل كلًا موحدًا، ويعمل على انقياد عقلية المتأثر به؛ فهناك أجزاء للنسق مترابطة ترابطًا لا يمكن الفصل بينها، وما يجدر ذكره أنّ النسق لا يعمل في ذهن المتلقي إلا من خلال الشفرات التي تعمل على تحريكه »
(اللويش، 2010، ص. 128-129).

ولا تنفصل الأسطورة عن هذا التصور النسقي، لأنها تقوم في جوهرها على تنظيم رمزي للعالم، يجعل الموجودات الطبيعية والثقافية علامات قابلة للتأويل. فاللغة كانت، منذ مراحل الوعي الأولى، الوسيلة التي عبّر بها الإنسان عن خوفه ورغبته ومعتقده، سواء في الملاحم الشعرية، أو الأغاني الطقسية، أو التعاويذ، أو الحكايات ذات الطابع المقدس. ومن ثمّ، تُفهم الأسطورة بوصفها لغة رمزية، أو شكلًا من أشكال التعبير الشعري الأول، كما يذهب السيف إلى أنها « نوع من اللغة الشعرية، وهي اللغة الوحيدة التي كان الإنسان يستطيع أن يعبّر بها عن نفسه في المرحلة البدائية من تطور البشرية » (السيف، 2009، ص. 31-32).

وتتأكد هذه العلاقة حين ينظر السواح إلى الأسطورة بوصفها نسقًا رمزيًا يتشكل من ترابطات داخلية تجعل معناها غير قابل للاختزال في تفسير واحد (السواح، 2001، ص. 27). فالأسطورة لا تسلّم دلالتها مباشرة، بل تظل محتاجة إلى قراءة تكشف شفراتها وعلاقاتها المضمرة. ولذلك فإن تحليلها لا يقوم على تفكيك عناصرها منفردة، وإنما على ردّ هذه العناصر إلى النظام الرمزي الذي يمنحها معناها داخل الثقافة.

ومن هنا تبرز أهمية النقد الثقافي في مقاربة الشعر الجاهلي، لأن هذا الشعر لا يعرض صورًا حسية فحسب، بل يعيد إنتاج أنساق راسخة في المخيال الجماعي. فالأسطورة والمثل، كما يشير السماهيجي وآخرون، قد يبرزان بوصفهما قناعًا تستتر به الثقافة لتمرير دلالاتها ومعتقداتها من غير مؤلف فردي مباشر أو مساءلة ظاهرة (السماهيجي وآخرون، 2003، ص. 114). وبهذا المعنى، لا يكون النص الشعري مجرد خطاب فردي للشاعر، بل يتحول إلى فضاء تتكلم فيه الثقافة من خلال صورها وأقنعتها ورموزها.

وقد تنبّه الغذامي إلى هذا البعد حين رأى أن « الشخصية الشعرية » نسق ثقافي مترسخ يعاد إنتاجه في الخطاب والسلوك، فيصوغ النسق المهيمن مجالات الوجدان والعقل معًا (الغذامي، 2005، ص. 90). وهذا يعني أنّ الشعر الجاهلي لا يكتفي بتسجيل التجربة، بل يشارك في ترسيخ منظومة رمزية تحدد علاقة الإنسان بالعالم، وبالقبيلة، وبالمقدس، وبالموت، وبقوى الطبيعة.

وعليه، يعمل النسق والأسطورة داخل الخطاب الشعري وفق حركة مزدوجة : ظاهرة ومضمرة. فعلى مستوى الظاهر، تبدو الصورة وصفًا لحيوان أو نبات أو ظاهرة كونية؛ أما في مستواها العميق، فإنها تتحول إلى علامة ثقافية تستدعي الاعتقاد، والطقس، والرغبة في الخصب، والخوف من الفناء. ومن ثمّ، لا يمكن قراءة الصورة الشعرية الجاهلية قراءة وصفية خالصة، لأن الوصف نفسه محمّل ببنية رمزية تتجاوز المرئي إلى ما يختزنه من دلالات أسطورية.

ولذلك فإنّ العلاقة بين الشعر والأسطورة ليست علاقة استعارة عابرة، بل علاقة تأسيسية. فالشعر، كما يرى السيف، هو « السليل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي »، لأنه ورث عنها التناوب بين التصريح والتلميح، وبين الدلالة والإشارة، كما ورث منها الرمز والإيحاء والقدرة على استثمار الظلال السحرية للغة (السيف، 2009، ص. 31). ومن هذا المنظور، لا تبدو الصورة الجاهلية مجرد بناء بلاغي، بل تصبح أثرًا من آثار المخيال الأسطوري الذي يواصل حضوره داخل القول الشعري.

وانطلاقًا من هذا الأساس، يمكن فهم حضور الناقة في الشعر الجاهلي لا بوصفه حضورًا حيوانيًا أو رحليًا فحسب، بل بوصفه تمثيلًا لنسق رمزي تتداخل فيه الحياة بالموت، والخصوبة بالعقم، والأمومة بالفقد، والرحلة بالبحث عن النجاة. فالناقة، في هذا السياق، لا تنتمي إلى عالم الصحراء الواقعي وحده، بل تنتمي أيضًا إلى شبكة من العلامات الأسطورية التي تربط الحيواني بالنباتي والكوني، وتصلها بالنخلة، والنعامة، واللبن، والسحاب، والدلو، بوصفها جميعًا رموزًا دالة على العطاء والخصب واستمرار الحياة.

وبهذا لا يكتسب النص الأسطوري، كما يقرر السواح، معناه ومغزاه إلا بالعودة إلى نسقه الميثيولوجي والثقافي الذي تشابك في إنتاجه مع مجموعة من الأساطير والعلامات داخل نظام رمزي واحد (السواح، 2001، ص. 27). ومن هنا تنفتح قراءة الناقة في الشعر الجاهلي على أفق تأويلي أوسع، يجعلها مركزًا دلاليًا تتجمع حوله رموز الأمومة والخصوبة والنجاة ومقاومة الفناء.

2. الناقة الملقّحة رمزًا أموميًا

تتأسس صورة الناقة في الشعر الجاهلي على علاقة عميقة بفكرة الأمومة، لا بوصفها وظيفة بيولوجية فحسب، بل باعتبارها بنية رمزية تتصل بالانتماء، والحماية، والخصب، واستمرار الحياة. ومن هذا المنظور، يرى مصطفى ناصف أنّ صورة الأم تمثل جزءًا عميقًا من الرغبة في الانتماء، لأنها تلتقي، في اشتقاقاتها ودلالاتها، مع فكرة المقصد أو الغاية التي يؤمها الشاعر؛ فالأم، بهذا المعنى، ليست مجرد أصل عائلي، وإنما هي صورة للملاذ الأول، ومصدر للمحبة والرضا والسلام (ناصف، 1981، ص. 102). وبذلك تغدو الأمومة، في المخيال الشعري القديم، إحدى الصيغ الكبرى التي يعبر بها الشاعر عن حاجته إلى الأمان، وإلى تعويض الفقد، وإلى استعادة التوازن بعد تجربة الطلل والرحيل.

ضمن هذا الأفق، عبّر طرفة بن العبد عن الناقة بوصفها كائنًا تتجاوز دلالته حدود الوظيفة الرحلية. فهي، في معلقته، ليست مجرد وسيلة لعبور الصحراء، بل كائن رمزي يحمل في بنيته توترًا بين الموت والحياة، وبين الخطر والخصوبة، وبين الفناء وتجدد الوجود. يقول طرفة بن العبد :

أَمُونٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا
عَلَى لَاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ

تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ، وَأَتْبَعَتْ
وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
(طرفة بن العبد، 2000، ص. 20)

تبدو الناقة في هذين البيتين سائرة في فضاء موحش، شديد الاتصال بالموت، ولا سيما من خلال تشبيهها بـ « ألواح الإران »، أي ألواح التوابيت. غير أنّ هذا القرب من الموت لا يلغي دلالتها الحيوية، بل يزيدها كثافة وتعقيدًا؛ فهي تتحرك في اتجاه الخطر، لكنها تحمل، في الوقت نفسه، إمكان الخصب وتجدد الحياة. ومن ثمّ، لا تقوم صورة الناقة عند طرفة على دلالة واحدة، بل على جدلية رمزية تجعلها سبيلًا إلى النجاة بقدر ما تجعلها ملامسة للفناء.

وقد تنبّه كمال أبو ديب إلى هذا التوتر الدلالي حين رأى أنّ صورة الناقة تتبلور على محورين متلازمين : الاندفاع والصلابة من جهة، والزمن والموت من جهة أخرى. فهي « كألواح الإران »، وتباري « عتاقًا ناجيات » بما في اللفظتين من إحساس بالخطر والزمنية، غير أنها، في الوقت نفسه، مرتبطة بسياق تجدد الحياة وولادتها، لأنها ناقة حامل مندفعة في عالم من الخصب والازدهار (أبو ديب، 1986، ص. 152). وبهذا لا تكون الناقة كائنًا رحليًا فحسب، بل تصبح صورة مركبة تجمع بين العبور والميلاد، وبين الفقد والتعويض، وبين الموت والخصوبة.

غير أن بعض القراءات الشارحة ظلت تقف عند المستوى الوصفي المباشر للصورة، فذهبت إلى أن الناقة تصدّ الفحل حتى لا تحمل منه، وتظل خفيفة سريعة مكتنزة اللحم. فقد قيل في شرح هذه الصورة إنها « تباري إبلا أصيلة مسرعة »، وإنها تجعل ذنبها حاجزًا بينها وبين فحل متلبد الوبر « حتى لا تحمل منه وتظل خفيفة سريعة مكتنزة اللحم » (بشير، د.ت، ص. 4). وهذه القراءة، وإن كانت تفسر جانبًا من السلوك الحيواني الظاهر، لا تستنفد الدلالة النسقية للصورة، لأنها تفصل الحركة الوصفية عن بنيتها الرمزية العميقة.

فالناقة، في ضوء الشرح القديم، لا تصد الفحل لأنها تريد تفادي الحمل، بل لأنها لاقح أصلًا. ومن هنا تتحول حركة الاتقاء بالذنب من مجرد تفصيل وصفي إلى علامة دالة على وضعية الأمومة الكامنة. يؤكد الأعلم الشنتمري هذا المعنى في شرحه لديوان طرفة، إذ يبيّن أن الناقة إذا أتاها الفحل فراعها بهديره، اتقته بذنبها ورفعته، كأنها تريه أنها لاقح، فتدفعه بذلك (طرفة بن العبد، 2000، ص. 31). وبذلك يصبح الذنب، في هذا السياق، علامة على الامتناع لا بوصفه رفضًا للخصوبة، بل بوصفه إعلانًا عنها واكتمالًا لها.

من هنا يتضح أن صورة الناقة الملقّحة عند طرفة لا تقوم على وصف حيواني محايد، بل على بنية رمزية تجعل الحمل قرينًا للعبور، وتجعل الأمومة قوة مقاومة للموت. فالناقة تسير في أرض الفلاة، حاملة صاحبها في رحلة محفوفة بالخطر، لكنها تحمل في أحشائها حياة أخرى، أي إمكانًا مضادًا للفناء. ولذلك تبدو الناقة في هذا الموضع كائنًا مزدوج الدلالة : فهي قريبة من التابوت من جهة، وقريبة من الرحم من جهة أخرى؛ تقطع فضاء الموت، لكنها تختزن وعد الحياة.

وعلى هذا الأساس، لا تكون أمومة الناقة عند طرفة معنى عارضًا، بل نسقًا رمزيًا تتكثف فيه قيم الخصوبة، والحماية، والصلابة، والقدرة على الاستمرار. فالناقة اللاقح لا تمثل مجرد أنثى حاملة، وإنما تمثل صورة للأمومة الكبرى التي تمنح الشاعر إمكان تجاوز الفقد. وإذا كان الطلل في القصيدة الجاهلية يضع الذات أمام أثر الغياب، فإن الناقة، في المقابل، تفتح أمامها طريق العبور نحو حياة قابلة للتجدد. وبذلك تنتقل الناقة من كونها أداة للرحلة إلى كونها بنية أمومية عميقة، تؤسس علاقة الشاعر بالعالم على مبدأ الخصب ومقاومة العدم.

ولا تنحصر هذه الدلالة في صورة طرفة وحده، بل تتكرر، بصيغ مختلفة، في الشعر الجاهلي، حيث تتصل الناقة اللاقح بصور أخرى تؤكد حضور الأمومة والخصب. فمن خلال اقترانها بالنخلة، أو النعامة، أو اللبن، أو السحاب، تتسع صورة الناقة لتصبح مركزًا دلاليًا يجمع بين الحيواني والنباتي والكوني. وبذلك تمهد صورة الناقة الملقّحة للانتقال إلى نسق أوسع، هو نسق الناقة/النخلة، حيث تتضاعف رموز الخصب وتغدو الأمومة بنية جامعة في المخيال الشعري الجاهلي.

3. نسقية خصوبة النخلة/الناقة

تتأسس العلاقة بين الناقة والنخلة في الشعر الجاهلي على مبدأ رمزي جامع، هو مبدأ الخصب والعطاء واستمرار الحياة. فإذا كانت الناقة تمثل، في المخيال الصحراوي، وسيلة النجاة والارتحال والاحتمال، فإن النخلة تمثل، في المقابل، صورة الثبات والظل والثمر والوفرة. ومن ثمّ، فإن اقترانهما في الصورة الشعرية لا يقوم على مشابهة حسية عارضة، بل على اشتراكهما في وظيفة رمزية عميقة، تجعل كلتيهما علامة على القدرة على الإمداد، والإخصاب، ومقاومة الجدب.

للناقة أهمية بالغة في حياة الإنسان الجاهلي؛ لأن طبيعة الحياة الرعوية فرضت عليه تقديرها، ولأن الصحراء الضامئة لا يطفئ عطشها ولا يخفف قسوتها إلا دَرّ الناقة، كما أن رحلات الصحراء المتوالية كانت، في معظمها، قائمة على احتمال هذا الحيوان وصبره وثباته. ولذلك ترددت صورة الناقة في الشعر الجاهلي على نحو لافت، فأطال الشعراء في وصف ذنبها، ورائحتها، وهزالها، وطولها، وضخامتها، وصبرها، وثباتها، وسائر أعضائها. ويرى إسماعيل أحمد العالم أن هذا الحضور الكثيف جعل الناقة تدخل في شبكة من التشبيهات التي تصلها بالنخل المثمر، حيث يتمثل عطاء الممدوح، في فكر شعراء الجاهلية، في صورة النوق السمينة التي تشبه النخل في وفرتها وامتلائها وخصبها (العالم، د.ت، ص. 17).

يقول الأعشى :

هو الواهبُ المائةَ المصطفاةَ
كالنخلِ طافَ بها المجترمُ
(الأعشى، د.ت، ص. 71)

فالممدوح، في هذا البيت، يهب مائة مصطفاة من الإبل، تُشبَّه بالنخل الذي يطوف به المجتني عند أوان الثمر. وعنصر المشابهة بين النوق والنخل ليس مجرد الضخامة أو الكثرة، بل الإخصاب والامتلاء والعطاء. ولهذا يكرر الأعشى الصورة نفسها في مواضع أخرى، فيجعل النوق، في كثرتها وتمامها، قرينة للنخل المثمر، كما في قوله :

هو الواهبُ المائةَ المصطفاةَ
كالنخلِ زَيَّنها بالرُّجُنِ
(الأعشى، د.ت، ص. 53)

وفي موضع آخر، يربط الشاعر بين كرم الممدوح وهبته للنوق السمان الضخام، مشبهًا إياها بالبستان أو النخل المثمر الذي يحوط الصغار ويحمل معنى الوفرة والرعاية :

يهبُ الجِلَّةَ الجراجرَ كالبسـ
ـتانِ تحنو على صغارِها لدُردقِ الأطفالِ
(الأعشى، د.ت، ص. 41)

ويستمر الأعشى في بناء هذه الدلالة حين يجعل الإبل البيضاء الضخمة شبيهة بالنخيل العالية، فيقول :

ترى الأُدْمَ كالجَبّارِ والجُرْدَ كالقَنا
موهبةً من طارفٍ ومُتْلَدِ
(الأعشى، د.ت، ص. 255)

إن هذه الصور لا تكتفي بإقامة علاقة تشبيهية بين الناقة والنخلة، وإنما تكشف عن بنية رمزية تجعل النوق والنخيل علامتين على الوفرة المقدسة. فحضور هذين الكائنين في الشعر الجاهلي يرتبط بفكرة العطاء الكامل، والخصوبة المتجددة، والقيمة المطلقة التي يمنحها الممدوح للآخر. ومن ثمّ، فإن الناقة والنخلة لا تحضران بوصفهما عنصرين من عناصر البيئة فحسب، بل بوصفهما صورتين من صور المقدس الأرضي، حيث يتحول العطاء الحيواني والنباتي إلى علامة على الكرم، والنجاة، واستمرار الحياة.

ويظهر هذا الارتباط أيضًا في صورة الناقة المتصلة بالحدائق والأودية، وهي أمكنة ذات حمولة خصبية واضحة. يقول طرفة بن العبد في وصف ناقته :

تَرَبَّعَتِ القَفَّينِ في الشَّوْلِ تَرْتَعي
حدائقَ مَوْلَى الأُسْرَةِ أَغْيَدِ
(طرفة بن العبد، 2000، ص. 43)

فالحدائق هنا ليست مجرد فضاء طبيعي للرعي، بل موضع تتكثف فيه علامات الخصب والحياة. والأودية، في التصور الصحراوي، من أكثر الأمكنة اتصالًا بالخصب، لأنها تمنح الشبع والسمنة والحياة لما يؤمها من الحيوان. ولذلك يقول أبو دؤاد الإيادي :

وإذا ما فَجِئْتَها بطنَ غَيْبٍ
قلتَ : نخلٌ قد حانَ منها صِرامُ
(أبو دؤاد الإيادي، 2010، ص. 167)

فالنوق، في ذهن الشاعر، تتحول إلى نخل حان قطافه. وهذه الصورة المثمرة تكشف بوضوح عن البنية الخصبية التي تجمع بين الناقة والنخلة. ويتكرر هذا المعنى عند الأعشى حين يقول :

كأنَّ على أنسائِها عِذْقَ خَصْبَةٍ
تَدَلّى من الكافورِ غيرَ مُكَمَّمِ
(الأعشى، د.ت، ص. 151)

إن تضخم هذا الارتباط النسقي بين الناقة والنخلة يدل على أن رمزية الخصب ليست معنى عابرًا في الصورة الشعرية، بل هي بنية عميقة تتصل بفكرة الوجود ذاته. فالشاعر لا يرى في الناقة والنخلة مصدرين ماديين للعطاء فقط، بل يراهما صورتين تؤسسان استمرار الفرد والقبيلة والجماعة. ومن هنا تتجاوز الدلالة حدود الذات الشاعرة إلى معنى أشمل، هو استمرار النوع البشري ومقاومة الفناء.

ويشير إسماعيل أحمد العالم إلى أن هذا الامتداد الأسطوري لرمزية الخصب في المخيال العربي القديم تمثل في إشارات نسقية أخرى، منها أن عرق الناقة يشبه رائحة وعاء طلع النخلة (العالم، د.ت، ص. 18). وهذه المشابهة الحسية تتحول، في بنيتها العميقة، إلى مشابهة رمزية، لأن الطلع والعرق والحليب والثمر جميعها تدخل في شبكة واحدة من دلالات الإخصاب والعطاء.

ومن ثمّ، فإن ارتباط النخلة بالناقة بوصفهما رمزين للخصوبة يؤهلهما لأن يكونا أيضًا رمزين للأمومة. فالنخلة، كما يرى مصطفى ناصف، تقدم للعربي ما تقدمه الأم : الطعام، والظل، والملجأ، والنجاة. بل إنها، في بعض تمثلات المخيال القديم، تكاد تكون محلّ الإله وإلهًا في الوقت نفسه، لأنها تمنح الإنسان ما يحتاج إليه من عناصر البقاء (ناصف، 1981، ص. 98-99). وفي هذا السياق يقول ناصف :

« وإصلاح النخلة وتلقيحها جزء لا يتجزأ من الناقة... قد كانت هذه الناقة أشبه الأشياء بالأمومة القوية، ولذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب. فأمومة الناقة ـ إن صحت هذه الفكرة ـ أمومة صابرة قادرة راغبة ـ بطبعها ـ في استمرار الحياة »
(ناصف، 1981، ص. 98-99).

وتلقيح الأنثى، سواء أكان في عالم الحيوان أم النبات، يؤهلها لأن تحمل معنى الأمومة والإنجاب واستمرار النوع. وقد ورد في وصف تلقيح النخل :

« إذا قاربتَ بين ذكران النخل وإناثها فإنه يكثر حملها، لأنها تستأنس بالمجاورة، وإذا قطع إلفها من الذكران فلا تحمل شيئًا لفراقها، وإذا غرست الذكران وسط الإناث فهبت الريح فخالطت الإناث رائحة طلع الذكر حملت من تلك الرائحة كل أنثى حوله »
(القزويني، 1892، ص. 92).

تكشف هذه الصورة عن امتداد رمزية التلقيح من الحيواني إلى النباتي، ومن الواقعي إلى الأسطوري. فالنخلة الملقحة تضفي على الناقة المشبهة بها دلالة خصبية إضافية، وتحوّل اقترانهما إلى تعاضد بين نسقين مقدسين : نسق الحيوان المانح للحليب والرحلة، ونسق النبات المانح للثمر والظل. ومن خلال هذا التعاضد، تولد الحياة من الحياة، وتتضاعف رموز الأمومة داخل المخيال الجاهلي.

ويظهر هذا التداخل في قول المتلمس الضبعي :

حَنَّتْ إلى نخلةِ القُصوى فقلتُ لها
بَسْلٌ عليكِ، ألا تلكَ الدهاريسُ
(المتلمس الضبعي، 1970، ص. 85)

فالناقة تحن إلى الأمكنة التي يتكاثر فيها النخيل، كما لو أن بينها وبين النخلة صلة أصلية تتجاوز مجرد المكان. فالمتلمس يتطلع إلى العراق حيث الأحبة وأهل المودة، أما الناقة فتتطلع إلى العراق حيث يوافق هواها ومنبتها الأول. وبذلك يتوزع الحنين بين الإنسان والحيوان، غير أن حنين الناقة يتجه إلى موضع الخصب، أي إلى الفضاء الذي تستعيد فيه علاقتها الرمزية بالنخلة.

ولا يقتصر هذا النسق على علاقة الناقة بالنخلة وحدهما، بل يمتد إلى صور أخرى تتصل بالحيوان الوحشي والنعامة والبيض. ففي بعض التشبيهات، تُقرن الناقة بالحمار الوحشي لما فيه من صلابة وقوة واحتمال، كما في قول أوس بن حجر :

عَيْرانةٌ كأَتانِ الضَّحْلِ صَلَّبَها
جَرْمُ السَّوادِيِّ ضَوْهُ بِمِرْضاحِ
(أوس بن حجر، 1979، ص. 18)

فناقة أوس بن حجر، في صلابتها وقوتها، تُقارب صورة عير الوحش، وتتصل بما يتغذى عليه من تمر أو نبات، بما يعزز صلتها غير المباشرة بفضاء الخصب النباتي. كما تمتد الصورة، عند بعض الشعراء، إلى النعامة وبيضها، حيث تتجاور الناقة والنخلة والنعامة داخل شبكة واحدة من رموز الخصب. يقول ثعلبة بن صعير المازني :

يَبْرِي لرائحةٍ يُساقِطُ ريشَها
مَرُّ النَّجاءِ سُقاطَ لِيفِ الآبِرِ
(المفضل الضبي، د.ت، ص. 127)

فالشاعر يشبه تساقط ريش النعامة من شدة العدو بتساقط ليف النخلة حين يرميه الآبر. ولفظة « الآبر » تحيل مباشرة إلى عملية تلقيح النخل، بما تمنحه من كثافة خصبية للصورة. كما أن بيض النعامة، في هذا السياق، سيغدو معادلًا آخر للخصوبة والأمومة، وهو ما يفتح الطريق إلى نسق جديد تتداخل فيه أمومة الناقة بأمومة النعامة.

وعليه، فإن ارتباط صورة الناقة بالنخلة، ثم امتدادها إلى الحمار الوحشي والنعامة والبيض، يكشف عن تعاظم عجائبي في المخيال الجاهلي، حيث تتجمع علامات الحيوان والنبات والطائر في بيت شعري واحد لتدعيم وظيفة الخصب. غير أن مركز هذا النسق يظل قائمًا على العلاقة الأولى بين الناقة والنخلة، لأنهما تمثلان، معًا، صورة الأمومة القادرة على العطاء، والحماية، وتجديد الحياة. ومن هنا تمهد هذه النسقية للانتقال إلى صورة أخرى أكثر كثافة، هي صورة الناقة/النعامة، حيث تصبح الأمومة الحيوانية مجالًا رمزيًا لتجدد النوع ومقاومة الفناء.

4. نسق أمومة الناقة/أمومة النعامة

لا تنغلق أمومة الناقة في الشعر الجاهلي على صورتها الحيوانية المباشرة، بل تنفتح على أمومات أخرى تتجاور معها وتتداخل في بنيتها الرمزية. ومن أبرز هذه الصور صورة النعامة، بما تحمله من دلالات متصلة بالبيض، والحضانة، والخوف على النوع، والعودة إلى موضع الحياة. ولذلك لا يقوم التشبيه بين الناقة والنعامة على السرعة وحدها، كما قد يبدو في القراءة الأولى، بل يتأسس على شبكة أعمق من الدلالات التي تجعل من الأمومتين صورة واحدة لمقاومة الفناء وحفظ الحياة.

يقول ثعلبة بن صعير المازني :

وَكَأَنَّ عَيْبَتَهَا وَفَضْلَ فِتَانِهَا
فَنَنَانِ مِنْ كَنَفَيْ ظَلِيمٍ نَافِرِ

يَبْرِي لِرَائِحَةٍ يُسَاقِطُ رِيشَهَا
مَرُّ النَّجَاءِ سُقَاطَ لِيفِ الآبِرِ

فَتَذَكَّرَتْ ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْدَمَا
أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ

فَبَنَتْ عَلَيْهِ مَعَ الظَّلَامِ خِبَاءَهَا
كَالأَحْمَسِيَّةِ فِي النَّصِيفِ الحَاسِرِ
(المفضل الضبي، د.ت، ص. 127-128)

في هذه الأبيات، تتراكب صورة الناقة مع صورة النعامة والظليم. فالشاعر يشبه ما اكتنف جانبي ناقته بجناحي ظليم نافِر، ثم ينقل الصورة إلى نعامة تمضي مسرعة، وقد تذكرت بيضها المدفون في موضعه. وليست هذه الحركة مجرد صورة حركية قائمة على السرعة والفرار، بل هي حركة أمومية في جوهرها، لأنها مشدودة إلى البيض بوصفه علامة على الذرية واستمرار النوع.

ويزداد هذا النسق كثافة حين يشبّه الشاعر تساقط ريش النعامة، من شدة العدو، بتساقط ليف النخلة حين يرميه الآبر. فلفظة « الآبر » تحيل إلى تلقيح النخل، وبذلك تدخل النعامة في شبكة أوسع من رموز الخصب، حيث تتجاور الناقة، والنعامة، والبيض، والنخلة، والتلقيح داخل بنية واحدة. وبذلك لا تكون النعامة مجرد مشبَّه به للناقة، بل تصبح امتدادًا رمزيًا لأمومتها، ومجالًا آخر تتجسد فيه وظيفة الحفظ والرعاية وتجدد الحياة.

وتزداد دلالة البيض وضوحًا إذا استُحضرت رمزيته في الثقافات القديمة. فقد ارتبط بيض النعام في عدد من الحضارات بفكرة الحياة المتجددة والاستمرارية الخلاقة، ولا سيما في السياقات الجنائزية. وتشير نورية أكلي إلى أن اكتشاف قشور بيض النعام في المقابر المصرية وبلاد ما بين النهرين، وكذلك في العالم المسيني، ثم في الطقوس المأتمية البونيقية، يدل على أن البيضة حملت دلالة رمزية متصلة بالحياة، حتى أصبحت، داخل القبور، علامة مؤنسة ومبشرة بالاستمرار (أكلي، 2015، ص. 388-389). ومن ثمّ، فإن حضور البيض في صورة النعامة لا يخرج عن هذا الأفق الرمزي؛ فهو علامة على إمكان الحياة داخل فضاء مهدد بالموت.

وقد التفت مصطفى ناصف إلى هذا التداخل بين الناقة والنعامة حين رأى أن الشاعر الجاهلي لا يفصل بين الحيوان والطائر فصلًا صارمًا، بل يجعل الوحدات المتمايزة متداخلة، كما لو أنها تدور جميعًا حول أم أو مصدر واحد. يقول ناصف :

« إن الناقة بالمعنى الحرفي حيوان، وإن النعام طائر، ولكن ليس هناك انفصال، إن الشاعر يجعل الوحدات المتمايزة متداخلة، ينتمي بعضها إلى بعض، فليس هناك فرق بين هذه الأنواع وكأنها جميعًا تدور حول أم أو مصدر واحد... إن الناقة تستحيل فيما يسمى عبثًا باسم الاستطراد إلى الظليم والنعامة اللذين يتذكران بيضًا مدفونًا تبحث عنه النعامة. ولذلك كان حفظ الحياة الموكول إلى الأم قريبًا من هذا المجال. فالبيض واضح الدلالة على الذرية واستمرار النوع. وليس هناك استطراد بالمعنى المتعارف، ففكرة الناقة أقرب ما تكون مظهرًا للبحث عن أوجه الانتماء أو البحث عن الأمومة »
(ناصف، 1981، ص. 99).

تكشف هذه القراءة أن ما يبدو في القصيدة الجاهلية استطرادًا وصفيًا هو، في العمق، انتقال داخل النسق نفسه. فالناقة لا تغادر مركز الصورة حين تتحول إلى ظليم أو نعامة، بل تتسع دلالتها لتستوعب صورًا أخرى للأمومة. وبذلك تتحول النعامة وبيضها إلى وسيط رمزي يعمق دلالة الناقة، ويجعلها أكثر اتصالًا بفكرة الحماية والرعاية واستمرار النوع.

ويقدم الأعشى صورة أخرى لهذا التداخل، إذ يجعل الناقة والنعامة وجهين لدلالة واحدة، قوامها الخفة والسرعة، ولكن أيضًا الرجوع إلى موطن الحياة. يقول :

وَشَمِلَّةٍ حَرْفٍ كَأَنَّ قُتُودَهَا
جَلَّلْتُهُ جَوْنَ السَّرَاةِ خَفَيْدَدَا

أَوْ صَعْلَةٌ بِالقَارَتَيْنِ تَرَوَّحَتْ
رَبْدَاءَ تَتَّبِعُ الظَّلِيمَ الأَرْبَدَا

يَتَجَارَيَانِ وَيَحْسَبَانِ إِضَاعَةً
مُكْثَ العِشَاءِ وَإِنْ يُغِيمَا يُفْقَدَا

طَوْرًا تَكُونُ أَمَامَهُ فَتَفُوتُهُ
وَيَفُوتُهَا طَوْرًا إِذَا مَا خَوَّدَا

وَكَأَنَّهُ هَقْلٌ يُبَارِي هِقْلَةً
رَمْدَاءَ فِي خِيطِ نَقَانِقَ أَرْمَدَا
(الأعشى، د.ت، ص. 261)

تبدأ الصورة بناقة خفيفة سريعة، كأن الرحل قد وُضع فوق نعام شديد الحركة، ثم تتحول إلى نعامة رمادية تتبع الظليم وتجارِيه. غير أن هذه المجاراة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حركة مطاردة فحسب، بل بوصفها صورة لقلق العودة إلى موضع الحياة. فالنعامة والظليم يتحركان في فضاء مكشوف، مهدد بالضياع والتلف، ومع ذلك تظل الحركة مشدودة إلى ما يحفظ النوع ويصون الوجود. ومن هنا تتكرر الدلالة الأمومية لا بوصفها عاطفة مباشرة، بل بوصفها بنية رمزية تجعل الحركة في الصحراء بحثًا عن الحياة.

ويتكرر هذا التداخل بين الناقة والنعامة عند طرفة بن العبد، إذ يشبه ناقته بالنعامة في سرعة جريها وصلابة اندفاعها :

جُمَالِيَّةٌ وَجْنَاءُ تَرْدِي كَأَنَّهَا
سَفَنَّجَةٌ تَبْرِي لِأَزْعَرَ أَرْبَدِ
(طرفة بن العبد، 2000، ص. 152)

وكذلك نجد بشامة بن الغدير يشبه ناقته بالنعامة المذعورة التي تلحق ظليمًا مسرعًا، فيقول :

إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْتَ مَذْعُورَةٌ
مِنَ الرُّمْدِ تَلْحَقُ هَيْقًا ذَمُولَا
(المفضل الضبي، د.ت، ص. 56)

ليست هذه التشبيهات المتكررة مجرد صيغ بلاغية لتصوير السرعة، بل هي علامات على تشابك نسقي بين الناقة والنعامة. فالذعر، والعدو، والعودة إلى البيض، والبحث عن موضع الحضانة، كلها عناصر تجعل صورة النعامة امتدادًا لصورة الناقة الأم. ومن ثمّ، فإن الخوف في هذه الصور ليس خوفًا غرائزيًا فحسب، بل خوف أمومي متصل بحماية الحياة من التلف والضياع.

ويتجلى هذا التداخل أيضًا في صفة « ذِعْلِبَة » التي تُطلق على الناقة السريعة، وقد قيل إنها شُبّهت بالذعلبة، أي النعامة، لسرعتها (المصري، 2004، ص. 1503). غير أن الدلالة لا تقف عند السرعة، لأن انتقال صفة النعامة إلى الناقة يعني أن أمومة النعامة تتسرب إلى أمومة الناقة، وأن الحركة السريعة نفسها تصبح علامة على حفظ الحياة. ومن الشعراء الذين وصفوا نياقهم بهذه الصفة المسيب بن علس، إذ يقول :

صَكَّاءَ ذِعْلِبَةٍ إِذَا اسْتَدْبَرْتَهَا
حَرَجٍ إِذَا اسْتَقْبَلْتَهَا هِلْوَاعِ
(المفضل الضبي، د.ت، ص. 59)

ويقول بشر بن أبي خازم :

بِذِعْلِبَةٍ بَرَاهَا النَّصُّ حَتَّى
بَلَغْتُ نُضَارَهَا وَفَنَى السَّنَامُ
(بشر بن أبي خازم، 1994، ص. 126)

إن وصف الناقة بالذعلبة يكشف عن اندماج صورتين في بنية واحدة : صورة الناقة بوصفها حاملة للرحلة والاحتمال، وصورة النعامة بوصفها رمزًا للسرعة والحضانة والرجوع إلى البيض. وبذلك لا تكون النعامة خارج صورة الناقة، بل كامنة فيها، تمدها بطاقة أمومية إضافية، وتجعلها أكثر قدرة على تمثيل الرغبة في الاستمرار.

ولا يقتصر ربط الناقة بالنعامة على مستوى الصورة الجزئية، بل يمتد إلى بنية القصيدة الجاهلية نفسها. فالانتقال من الطلل إلى الرحلة لا يمثل مجرد انتقال موضوعي من غرض إلى آخر، بل هو انتقال من زمن الفقد إلى أفق البحث عن النجاة. وفي هذا السياق، تصبح الناقة مجالًا رمزيًا لتعويض غياب الحبيبة، واستعادة الشعور بالحماية، وإعادة بناء الصلة بالحياة. تقول ريم هلال إن الشاعر الجاهلي، بعد انقطاع العلاقة بالحبيبة ورحلة الظعائن، يجد في الناقة فكرة الأمومة التي تشكل أحد الأساسين الأصليين لبدء الحياة وتجددها، كما تتفرع عن الناقة صور حيوانية أخرى مرتبطة بالأمومة، مثل النعامة والظليم، وأنثى الغراب، والظبية الباحثة عن ولدها (هلال، 1999، ص. 38).

ومعنى ذلك أن مشهد الرحلة، الذي يحاول فيه الشاعر تجاوز الذكريات المؤلمة وفقدان الحبيبة ووحشة الطلل، لا ينفصل عن صورة الناقة بوصفها أمومة كبرى. فإذا كان الطلل يضع الذات الشاعرة أمام الغياب، فإن الناقة تفتح أمامها طريقًا رمزيًا نحو الحياة. وحين تُشبَّه الناقة بالنعامة العائدة إلى بيضها، فإن الصورة تؤكد أن الرحلة ليست هروبًا من الماضي فحسب، بل بحث عن إمكان جديد للوجود.

ويظهر هذا المعنى أيضًا عند أبي دؤاد الإيادي، الذي يشبه ناقته بالنعامة وبالأداحي، أي المواضع التي تبيض فيها النعامة، فيقول :

وَهِيَ كَالبَيْضِ فِي الأَدَاحِي مَا يُو
هَبُ مِنْهَا لِمُسْتَثِمٍّ عِصَامُ
(الأصمعي، د.ت، ص. 188)

هنا يبلغ التداخل بين الناقة والنعامة والبيض ذروته، إذ لا تبقى الناقة مجرد كائن مشبه بالنعامة، بل تدخل في فضاء البيض نفسه، أي في فضاء التكوين والحضانة واستمرار الحياة. وبذلك تكتمل الدلالة النسقية : الناقة أمٌّ رمزية، والنعامة صورة أمومية موازية، والبيض علامة على الذرية والتجدد. ومن خلال هذا التواشج، تتحول الرحلة في الشعر الجاهلي إلى بحث عن مأوى رمزي، وعن أمومة قادرة على حماية الذات من الفقد والموت والفناء.

5. نسق الناقة/الدلو/اللبن/السحاب رموزًا أمومية

لا تقتصر أمومة الناقة في الشعر الجاهلي على صورتها اللاقح أو على اقترانها بالنخلة والنعامة، بل تمتد إلى شبكة أخرى من العلامات المائية واللبنية التي تجعلها مصدرًا للعطاء والريّ والحياة. ومن هنا تتصل صورة الناقة بالدلو، واللبن، والسحاب، والمطر، بوصفها رموزًا أمومية تتقاطع في دلالة الإمداد والخصب ومقاومة الجدب. فالأمومة، في هذا النسق، لا تعني الحمل والولادة فقط، بل تعني أيضًا السقي، والحلب، والإنقاذ، وإعادة بعث الحياة في فضاء الصحراء.

ويظهر هذا البعد في وصف طرفة بن العبد لناقته حين يقارب بين قوة أعضائها وصورة السقاء الحامل للدلاء. يقول طرفة :

أَمِرّا بِسَلْمَى دَالِجٍ مُتَشَدِّدِ
لَهَا مِرْفَقَانِ أَفْتَلَانِ، كَأَنَّمَا
(طرفة بن العبد، 2000، ص. 33)

وهذا الموضع يحتاج، في النسخة النهائية، إلى ضبط Philologique دقيق، لأن البيت كما ورد في النسخة المتداولة يبدو مبتورًا أو غير مكتمل. غير أنّ الدلالة التي يستند إليها الشرح واضحة : فطرفة يشبه مرفقي الناقة بسقاء يحمل دلوين، أحدهما بيمينه والآخر بشماله. وشأن السقاء أن يكون قويًا قادرًا على النهوض بما يحمل، كما أن شأن الناقة أن تنهض بعبء الرحلة والنجاة. ومن هنا تتحول الناقة إلى معادل رمزي للسقاء والدلو، أي إلى صورة مانحة للماء، والخير، والحياة، وهي كلها وظائف تلتقي في النسق الأمومي.

ولا يقف هذا المعنى عند صورة الدلو، بل يمتد إلى صورة اللبن والحلب، حيث تتحول الناقة إلى مصدر مباشر للغذاء والخصب. ومن هنا نجد الشعراء يصفون الممدوح أو العزيز أو صاحب الكرم بأنه « متحلب الكفين »، وكأن كفيه تدرّان بالعطاء كما يدرّ الضرع باللبن. يقول الأعشى، واصفًا ممدوحه :

مُتَحَلِّبِ الكَفَّيْنِ مِثْـ
ـلِ البَدْرِ، قَوَّالٍ وَفَاعِلِ
(الأعشى، د.ت، ص. 379)

إن صورة « متحلب الكفين » لا تنتمي إلى البلاغة المجازية وحدها، بل تستند إلى خلفية رمزية عميقة تجعل الحلب قرينًا للعطاء المطلق. ولذلك يرى حسني عبد الجليل يوسف أن استعارة هذه الصورة في الشعر الجاهلي ترتبط بجذور أسطورية، حيث كان المعبود القديم يُتصور مانحًا لمصادر الحياة، فتسح كفاه بالماء واللبن والخمر، أي بما يضمن البقاء والخصب (يوسف، 2001، ص. 450).

وتتكرر هذه الدلالة في قول سعدى بنت الشمردل في وصف أخيها :

مُتَحَلِّبِ الكَفَّيْنِ أَمْيَثُ بَارِعٌ
أَنِفٌ، طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ، سَمَيْدَعُ
(الأصمعي، د.ت، ص. 104)

فالتحلب هنا ليس وصفًا جسديًا، بل علامة على الكرم الفائض. إنه يحوّل اليدين إلى ضرعين رمزيين، ويجعل العطاء صورة من صور الرضاعة الكونية. وبذلك تتجاوز الناقة وظيفتها الحيوانية لتصبح أصلًا تخييليًا لصورة الكف المانحة، والضرع المدرّ، والماء المنقذ.

ومن هذا المنظور، يصبح اللبن وجهًا آخر من وجوه الأمومة في المخيال الجاهلي، لا سيما حين يقترن بنسق الناقة، لأن حلب الناقة يحيل إلى أعلى درجات العطاء الأمومي : عطاء الجسد نفسه. فاللبن ليس مادة غذائية فحسب، بل علامة على الحماية والرعاية واستمرار الحياة. ولذلك أمكن للصورة الشعرية أن تنتقل من الناقة إلى السحاب، ومن اللبن إلى المطر، في وحدة رمزية تجعل السماء نفسها كأنها ناقة كونية مدرار.

وفي هذا السياق يطرح نصرت عبد الرحمن سؤالًا دالًا : هل كان الجاهليون يتصورون السماء ناقة؟ ثم يربط هذا التصور بما عرفته بعض الحضارات القديمة من تصوير السماء في هيئة أنثى يتحلب المطر من ثدييها، أو في هيئة بقرة كبيرة الضرع (عبد الرحمن، 2013، ص. 175). ومهما يكن من حدود هذا الافتراض، فإنه يكشف عن تقارب رمزي بين السماء والأنثى المرضعة، وبين المطر واللبن، وبين السحاب والناقة الدرور.

ولذلك لا تبدو السحب، في بعض الصور الجاهلية، مجرد كتل مائية، بل تتحول إلى أراعيل من النوق. يقول النابغة الذبياني :

أَجَشُّ سَمَاكِيًّا كَأَنَّ رَبَابَهُ
أَرَاعِيلُ شَتَّى مِنْ قَلَائِصَ أُبَّدِ
(النابغة الذبياني، 2005، ص. 42)

فالسحاب هنا لا يمطر ماءً فحسب، بل يُرى في صورة قطيع من القلائص الوحشية. وبذلك تتحول الظاهرة الكونية إلى صورة حيوانية أمومية، يتقاطع فيها المطر مع اللبن، والسحاب مع الضرع، والسماء مع الناقة.

ويعمّق طرفة بن العبد هذه الدلالة حين يرى في السحاب، بكثرة رعده، إبلًا عواذ ضلّت عنها أولادها، فهي تحنّ إليها وتدرّ إذا هزها الرعد. يقول :

كَأَنَّ الخَلَايَا فِيهِ ضَلَّتْ رِبَاعُهَا
وَعُوذًا إِذَا مَا هَزَّهُ رَعْدُهُ اجْتَفَلْ
(طرفة بن العبد، 2000، ص. 99)

في هذه الصورة، يتخذ الرعد وظيفة مثيرة للحلب، كما لو أن السماء قطيع من النوق التي تفزع لأبنائها فتدرّ. ومن ثمّ، لا يكون المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل يصبح حليبًا كونيًا، أو عطاءً أموميًا ينزل من السماء إلى الأرض ليبعث فيها الحياة.

ويتكرر هذا التصور عند أوس بن حجر، إذ يجعل في السحاب نوقًا حلائب، خشنة الهيئة، بحّة الحناجر، تسوق أولادها في الصحراء :

كَأَنَّ فِيهِ عِشَارًا جُلَّةً شُرُفًا
شُعْثًا لَهَامِيمَ قَدْ هَمَّتْ بِإِرْشَاحِ

هُدْلًا مَشَافِرُهَا، بُحًّا حَنَاجِرُهَا
تُزْجِي مَرَابِيعَهَا فِي صَحْصَحٍ ضَاحِي
(أوس بن حجر، 1979، ص. 17)

إن السحاب، في هذه الصورة، لا ينفصل عن الأمومة الحيوانية؛ فهو يتحول إلى نوق عشار تسوق أولادها، وتستعد للإرشاح، أي للإدرار. وبذلك تتكثف دلالة الأمومة في حركة مزدوجة : أمومة الناقة التي تحلب، وأمومة السحاب الذي يمطر.

وتتضح بنية التلقيح الكوني أيضًا في قول أبي دؤاد الإيادي :

وَغَيْثٌ تَوَسَّنَتْ مِنْهُ الرِّيَاحُ
جُونًا عِشَارًا وَعُونًا ثِقَالَا

إِذَا كَرْكَرَتْهُ رِيَاحُ الجَنُوبِ
أَلْقَحْنَ مِنْهُ عِجَافًا حِيَالَا
(أبو دؤاد الإيادي، 2010، ص. 144-145)

فالرياح هنا تقوم بوظيفة التلقيح، كما لو أنها تنقل الخصوبة من الغيث إلى السحاب. والسحب لا تُرى، في هذا المتخيل، بوصفها أبخرة مائية، بل بوصفها نوقًا عشارًا أو حيالا تستقبل فعل الإخصاب. ومن هنا تتداخل الرياح، والسحاب، والغيث، والنوق في نسق واحد، قوامه التلقيح والإدرار والخصب.

وقد شبّه لبيد بن ربيعة ناقته بسحابة صهباء تسوقها ريح الجنوب، فقال :

فَلَهَا هُبَابٌ فِي الزِّمَامِ كَأَنَّهَا
صَهْبَاءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جَهَامُهَا
(لبيد بن ربيعة، 1993، ص. 210)

وفي هذا التشبيه، تندمج حركة الناقة بحركة السحابة، كما يتداخل زمام الحيوان بمسار الريح. فالناقة، في سرعتها واندفاعها، تستدعي صورة السحاب المحمول بالجنوب، بما يحمله ذلك من دلالة مائية وخصبية.

وتظهر العلاقة نفسها عند طفيل الغنوي، إذ يجعل ريح الجنوب تبسّ السحاب، أي تستدعي ماءه كما تُدعى الناقة إلى الحلب. يقول :

أَبَسَّتْ بِهِ رِيحُ الجَنُوبِ فَأَسْعَدَتْ
رَوَايَا لَهُ بِالمَاءِ لَمَّا تَصَرَّمِ
(طفيل الغنوي، 1989، ص. 105)

ولفظة « أبسّت » ذات دلالة دقيقة في هذا السياق، إذ يقال : أبسّ بالناقة إذا دعاها للحلب. وبذلك تنتقل حركة الحلب من الحيوان إلى السحاب، وتصبح الريح بمنزلة من يستدعي اللبن/المطر من جسد كوني مؤنث. إن السحاب، في هذه الصورة، لا يمطر فقط، بل يُحلب؛ والريح لا تهبّ فقط، بل تستثير فعل الإدرار.

إن هذه الصور جميعها تكشف عن ثقافة رمزية تجعل العطاء والخير والخصب متوحدة في إطار نسقي واسع، يمكن أن يسمى نسق الناقة الأم. ففي هذا النسق، يتصل الدلو بالسقي، واللبن بالحلب، والسحاب بالمطر، والريح بالتلقيح، لتنشأ صورة مركبة للأمومة بوصفها قدرة على الإمداد والحماية والإنقاذ. وقد اختار الشعراء أقصى رموز الأمومة، وهو الحلب أو الرضاعة، لأن وظيفة الأم تبلغ فيه ذروة عطائها، ثم دمجوا هذه الأمومة الحيوانية بدلالات كونية تقويها وتوسعها، ولا سيما السحب والأمطار والرياح.

ومن هنا يغدو المطر في هذه الصور قريبًا من الحليب، لا من حيث المادة، بل من حيث الوظيفة الرمزية : فكلاهما يروي، ويغذي، وينقذ من الجفاف، ويعيد الحياة إلى ما أوشك على الفناء. ولذلك يفترض نصرت عبد الرحمن وجود رابط بين المعبود الوثني الجاهلي والمطر، حيث تمثل قطرات المطر، في بعض التصورات القديمة، بنات ذلك المعبود من أمها الناقة، بما يؤيد ارتباط الغيث الملقح بالناقة الدرور (عبد الرحمن، 2013، ص. 176). وبصرف النظر عن حدود هذا الافتراض، فإنه يضيء العلاقة العميقة بين المقدس والمطر والناقة في المخيال الجاهلي.

وعلى هذا الأساس، يمكن ربط صورة « متحلب الكفين » بصورة الناقة الدرور والسحاب الممطر. فالكف المانحة، والناقة الحلوب، والسحابة المدرار، كلها وجوه متعددة لمعنى واحد : الأمومة بوصفها عطاءً مخصبًا وحمايةً من العدم. غير أن هذه الأمومة لا تحضر في الشعر الجاهلي حضورًا هادئًا دائمًا، بل تظهر غالبًا في مواجهة الخطر والجدب والموت. ومن هنا تمهد هذه الصور للانتقال إلى الوجه المضاد من النسق، حيث تتحول دلالات الخصب، أحيانًا، إلى علامات على العقم، والاحتراق، والفناء.

6. ضدية الخصوبة والموت : الحريق، العقم، والجدب

لا يشتغل نسق الناقة/النخلة في الشعر الجاهلي بوصفه نسقًا أحادي الدلالة، مقصورًا على الخصب والعطاء واستمرار الحياة، بل يقوم أيضًا على ضدية داخلية تجعل رموز الخصوبة قابلة للانقلاب إلى رموز للعقم، والجدب، والاحتراق، والموت. فالصورة الشعرية، في بنيتها النسقية، لا تستقر عند معنى واحد، وإنما تتحرك بين قطبين متوترين : الحياة والفناء، الإخصاب والعقر، الامتلاء واليباس. ومن هنا تكتسب الناقة والنخلة قوتهما الرمزية لا لأنهما تدلان دائمًا على الخصب، بل لأنهما تكشفان أيضًا هشاشة هذا الخصب وإمكان تحوله إلى نقيضه.

لقد عمد الشاعر الجاهلي إلى تدقيق وصف أعضاء الناقة، حتى غدا كل عضو من أعضائها قابلًا لأن يحمل دلالة رمزية مخصوصة. ومن ذلك ذنب الناقة، الذي لا يظهر في الشعر بوصفه تفصيلًا وصفيًا فحسب، بل بوصفه علامة تتصل بالخصوبة حين يُشبَّه بعناقيد النخل المرطبة. يقول علقمة الفحل :

كأنَّ بِحاذَيْها إذا ما تَشَذَّرَتْ
عَثَاكِيلَ عِذْقٍ من سُمَيْحَةَ مُرْطِبِ
(علقمة الفحل، 1935، ص. 23)

في هذا البيت، يتأسس التشبيه على علاقة واضحة بين ذنب الناقة وعثاكيل النخل، حيث تستدعي كثافة الشعر وغزارته صورة العذق المرطب. وبذلك يتحول ذنب الناقة إلى علامة خصبية، لأنه يرتبط بالنخلة، وبالعذق، وبالثمر، وبالامتلاء. فالصورة لا تكتفي بإبراز هيئة حسية، بل تنقل الناقة إلى فضاء نباتي مثمر، يجعلها جزءًا من نسق العطاء والخصب.

غير أنّ هذا النسق نفسه يمكن أن ينقلب إلى دلالة معاكسة حين تدخل عليه علامة العقم. يقول الأعشى :

تَلْوِي بِعِذْقٍ خَصِيبٍ كُلَّمَا خَطَرَتْ
عَنْ فَرْجِ مَعْقُومَةٍ لَمْ تَتْبَعْ رُبْعَا
(الأعشى، د.ت، ص. 137)

يبدو البيت، في ظاهره، استمرارًا للصورة الخصبية نفسها : ذنب يشبه العذق، وحركة جسدية، وإيحاءات جنسية واضحة. غير أن كلمة « معقومة » تقلب البنية الدلالية كلها، إذ تنقل الصورة من أفق الإخصاب إلى أفق العقم. فالعذق، الذي كان في بيت علقمة علامة ثمر وامتلاء، يصبح هنا مجاورًا لفرج عقيم، لا يتصل بولد ولا بذرية. وبذلك تتشكل مفارقة نسقية دقيقة : العلامة نفسها التي تحيل إلى الخصب يمكن أن تكشف، في موضع آخر، عن انتفاء الخصب وانقطاعه.

وقد أشار إسماعيل أحمد العالم إلى أن تشبيه ذنب الناقة بعذق النخلة يرمز، في العادة، إلى الخصب الجنسي، لأن الذنب يرتبط بجسد الناقة وبما يستر عورتها، فيكون الإخصاب هو الجامع بين الطرفين المتشابهين (العالم، د.ت، ص. 18). غير أن قراءة بيت الأعشى تكشف أن هذه الدلالة لا تبقى مستقرة دائمًا؛ فالصورة الظاهرة تحيل إلى الخصب، أما بنيتها الباطنة فتحيل إلى العقم والعقر. فالناقة تضرب بذنبها ذات اليمين وذات الشمال، فينكشف فرج عاقر لا يتبعه ولد، ولا تؤخره أمومة، ولا تشده رابطة حضانة أو إرضاع. إنها ناقة مخصصة للرحلة، لا للإنتاج والنسل، ومن هنا يتحول جسدها من موضع محتمل للحياة إلى علامة على انقطاعها.

وتتعمق هذه الضدية حين تنتقل الصورة من العقم إلى الحريق. فكما تراءى لشاعر الجاهلية عنصر الخصب والحياة في نسقي الناقة والنخلة، تراءت له كذلك عناصر الموت والقحط والجدب فيهما. وقد أشار العالم إلى أن الناقة الهزيلة قد تمثلها نخلة أصابها التحريق، فإذا كانت قائمة صارت صريعة، وإذا كان لونها بين الحمرة والصفرة انقلب إلى سواد فاحم (العالم، د.ت، ص. 19). وهكذا لا يعود النخل رمزًا للثمر والظل والحياة، بل يغدو أثرًا محترقًا، مشوهًا، فاقدًا لقداسته الخصبية.

يقول الأعشى :

يومَ حِجْرٍ بما أزلْنا إليكم
إذ تُذَكَّى في حافَتَيْهِ الضِّراما

جارَ فيه نافِي العُقابِ فأضحى
آئدُ النخلِ يفضحُ الجُرَّاما

فتراها كالخُشْنِ تسفحُها النيـ
ـرانُ، سودًا مصرَّعًا وقيامَا
(الأعشى، د.ت، ص. 279)

تقدم هذه الأبيات صورة مقلوبة للنخلة. فهي لم تعد نخلة مثمرة يجتني منها الإنسان غذاءه، ولا علامة على ظل أو مأوى أو خصب، بل صارت جسدًا محترقًا بين قائم ومصرع، أسود اللون، تشبهه النوق الهزيلة العجاف. وفي الشرح المنسوب إلى الديوان، يمضي الشاعر في تعداد نعم قومه على بني عبدان، فيذكّرهم بيوم « حجر » حين التهمت النيران الوادي من جانبيه، فبدا النخل، بعد أن لفحته النار، بين قائم ومصرع، أسود كالنوق الهزيلة العجاف (الأعشى، د.ت، ص. 278).

في هذه الصورة، تبلغ ضدية النسق مداها الأقصى. فالنخلة، التي كانت في الأقسام السابقة قرينة للناقة في الخصب والأمومة والعطاء، تتحول إلى حطام أسود، وتفقد ثمارها ووظيفتها الرمزية. والناقة، التي كانت صورة للأمومة والنجاة، تستدعى هنا من خلال الهزال والعجف، أي من خلال صورة جسدية مضادة للامتلاء والدرّ والحياة. وهكذا يصبح التشبيه بين الناقة والنخلة قائمًا لا على الوفرة، بل على الفقد؛ ولا على الخصب، بل على الجدب؛ ولا على القداسة، بل على التشوه والاحتراق.

إن أهمية هذه الصور تكمن في أنها تكشف عن الطبيعة المركبة للنسق الأسطوري في الشعر الجاهلي. فالناقة والنخلة لا تمثلان الحياة تمثيلًا بسيطًا أو مطلقًا، بل تحملان في داخلهما إمكان الموت نفسه. فحيث يوجد الخصب يوجد الخوف من العقم، وحيث توجد الوفرة يوجد احتمال الجدب، وحيث تتجلى الأمومة يظل الفناء حاضرًا بوصفه تهديدًا دائمًا. ومن ثمّ، فإن رمزية الناقة لا تكتمل إلا بهذه الضدية : فهي أمٌّ رمزية لأنها تمنح الحياة، ولكن قيمتها الأسطورية تتعاظم لأنها تمنحها في عالم مهدد دائمًا بالموت والحريق والفقد.

وبذلك تنغلق البنية التحليلية للبحث على مفارقة مركزية : إن الناقة في الشعر الجاهلي ليست مجرد رمز للخصوبة، بل هي مركز دلالي تتصارع داخله قوى الحياة والموت. فهي، في صورتها اللاقح، رحم ووعد بالاستمرار؛ وفي اقترانها بالنخلة، وفرة وثمر وظل؛ وفي تشابهها مع النعامة، حضانة وبيض وتجدد؛ وفي صلتها باللبن والسحاب، إدرار وسقي وإنقاذ؛ لكنها، في المقابل، قد تنقلب إلى علامة عقم أو هزال أو احتراق. ومن هذه الحركة بين الخصب والفناء تستمد صورة الناقة كثافتها الأسطورية وقوتها النسقية داخل المخيال الشعري الجاهلي.

خاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أنّ صورة الناقة في الشعر الجاهلي لا تنحصر في وظيفتها الرحلية أو في بعدها الوصفي المباشر، بل تتجاوز ذلك إلى بناء نسق أسطوري عميق تتداخل فيه دلالات الأمومة، والخصوبة، والنجاة، ومقاومة الفناء. فالذات الشاعرة، الخارجة من فضاء الطلل بما يحمله من فقد وغياب وذاكرة موجعة، لا تجد في الناقة مجرد وسيلة لعبور الصحراء، بل تجد فيها كائنًا رمزيًا قادرًا على حمل القلق الوجودي وتحويله إلى أفق محتمل للحياة. ومن ثمّ، تغدو الناقة في القصيدة الجاهلية صورة للثبات والاحتمال، ووسيطًا بين زمن الفقد وزمن الرجاء.

وقد بيّن البحث أنّ الناقة الملقّحة تمثل أحد المداخل الأساسية لفهم هذه الرمزية، لأنها تجمع بين العبور والميلاد، وبين خطر الموت ووعد الحياة. فهي تسير في فضاء الفلاة بما يحمله من تهديد وفناء، لكنها تختزن في جسدها إمكان الخصوبة والاستمرار. ومن هنا تبدو الناقة اللاقح صورة أمومية مركّبة، لا تقوم على الوظيفة البيولوجية وحدها، بل على قدرة رمزية على تعويض الفقد واستعادة معنى الانتماء والحماية.

كما كشفت الدراسة عن مركزية العلاقة بين الناقة والنخلة في بناء نسق الخصب. فالنخلة، بما تحمله من ثمر وظل وامتلاء وتلقيح، تتقاطع مع الناقة بوصفهما علامتين على العطاء واستمرار الحياة. ولا يقوم هذا الاقتران على تشابه خارجي فحسب، بل على وحدة رمزية عميقة تجعل الحيواني والنباتي يتبادلان دلالات الأمومة والوفرة والنجاة. ولذلك تحضر الناقة والنخلة في الشعر الجاهلي بوصفهما صورتين متكاملتين للخصوبة المقدسة في المخيال الصحراوي.

وتتسع هذه الرمزية حين تقترن الناقة بالنعامة وبيضها. فقد أظهرت الشواهد الشعرية أنّ تشبيه الناقة بالنعامة لا يقتصر على معنى السرعة، بل ينفتح على دلالة أعمق تتصل بالبيض، والحضانة، والخوف على النوع، والعودة إلى موضع الحياة. وبذلك تتداخل أمومة الناقة بأمومة النعامة، لتغدو الصورة الشعرية مجالًا لتكثيف معنى الحفظ والرعاية وتجدد الوجود. فالبيض، في هذا السياق، ليس تفصيلًا عرضيًا، بل علامة على الذرية والاستمرار ومقاومة العدم.

ومن جهة أخرى، بيّنت الدراسة أنّ أمومة الناقة تمتد إلى رموز مائية ولبنية، مثل الدلو، واللبن، والسحاب، والمطر. فالحلب والرضاعة والسقي والإدرار كلها وظائف تتصل بالأمومة بوصفها عطاءً ماديًا ورمزيًا في آن واحد. ولذلك تتحول الناقة، في المخيال الشعري الجاهلي، إلى أصل تخييلي لصورة الكف المانحة، والسحابة المدرار، والمطر المنقذ. وبهذا المعنى، يصبح المطر قريبًا من الحليب من حيث وظيفته الرمزية، لأنه يروي، ويغذي، ويعيد الحياة إلى فضاء مهدد بالجدب والفناء.

غير أنّ هذه الرمزية لا تعمل في اتجاه الخصب وحده، بل تقوم أيضًا على ضدية داخلية تجعل الصورة قابلة للانقلاب إلى معنى العقم والموت والاحتراق. فقد كشفت بعض الشواهد أنّ الناقة والنخلة، وهما علامتان على الوفرة والحياة، قد تتحولان إلى علامتين على الجدب والهزال والفقد. وبذلك لا تكون صورة الناقة رمزًا بسيطًا للخصوبة، بل مركزًا دلاليًا تتصارع داخله قوى الحياة والموت، الإخصاب والعقم، العطاء والحرمان.

وعليه، يمكن القول إنّ الناقة في الشعر الجاهلي تمثل نسقًا أسطوريًا جامعًا، تتداخل فيه العلامات الحيوانية والنباتية والكونية لتشكيل صورة كبرى للأمومة. فهي ناقة لاقح، ونخلة مثمرة، ونعامة حاضنة، وضرع مدرار، وسحابة ممطرة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون علامة على الهزال والعقم والاحتراق. ومن هذه الحركة بين الخصب والفناء تستمد صورة الناقة كثافتها الشعرية وقوتها الرمزية، بوصفها أحد أعمق المداخل إلى فهم المخيال الجاهلي وعلاقته بالحياة، والموت، والمقدس، واستمرار الوجود.

قائمة المصادر والمراجع

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين بن مكرم. (2004). لسان العرب. دار صادر.

أبو ديب، كمال. (1986). الرؤى المقنعة. مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب.

أبو دؤاد الإيادي. (2010). الديوان (ج. 1). دار العصماء.

الأصمعي، أبو سعيد عبد الملك بن قريب. (د.ت.). الأصمعيات (ج. 3). دار المعارف.

الأعشى، ميمون بن قيس. (د.ت.). الديوان. مكتبة الآداب.

أكلي، نورية. (2015). بيض النعام في شمال إفريقيا القديمة. مجلة أفكار وآفاق، 4(6)، 385-398.

أوس بن حجر. (1979). الديوان (محمد يوسف نجم، محقق؛ ط. 1). دار الكتب العلمية.

بشير، عبد العالي. (د.ت.). صورة الناقة في النص الجاهلي. مجلة التراث العربي، 4.

بشر بن أبي خازم الأسدي. (1994). الديوان. دار الكتاب العربي.

ثعلبة بن صعير المازني. انظر : المفضل الضبي. (د.ت.). المفضليات.

حجر، أوس بن. انظر : أوس بن حجر. (1979). الديوان.

السواح، فراس. (2001). الأسطورة والمعنى : دراسات في الميثيولوجيا والديانات الشرقية. دار علاء الدين.

السيف، عمر بن عبد العزيز. (2009). بنية الرحلة في القصيدة الجاهلية : الأسطورة والرمز. مؤسسة الانتشار العربي.

السماهيجي، حسين، وآخرون. (2003). عبد الله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية. المؤسسة العربية للدراسات.

طرفة بن العبد. (2000). الديوان (ط. 2). المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

طفيل الغنوي. (1989). الديوان. دار صادر.

عبد الرحمن، نصرت. (2013). الصورة الفنية في الشعر الجاهلي. كنوز المعرفة.

العالم، إسماعيل أحمد. (د.ت.). الشعر العربي (د.ط.). هبة النيل.

الغذامي، عبد الله. (2005). النقد الثقافي : قراءة في الأنساق الثقافية العربية. المركز الثقافي العربي.

علقمة الفحل. (1935). الديوان (ج. 1). المطبعة المحمودية.

عليمات، يوسف. (2009). النسق الثقافي : قراءة ثقافية في أنساق الشعر العربي القديم. عالم الكتب الحديث.

القزويني، زكريا بن محمد. (1892). عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات (د.ط.). المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين.

لبيد بن ربيعة. (1993). الديوان. دار الكتاب العربي.

اللويش، محمد بن لافي. (2010). جدل الجمالي والفكري : قراءة في الأنساق المضمرة عند الغذامي. مؤسسة الانتشار العربي.

المتلمس الضبعي. (1970). الديوان (د.ط.). معهد المخطوطات العربية.

المفضل الضبي. (د.ت.). المفضليات (ج. 6). دار المعارف.

النابغة الذبياني. (2005). الديوان. دار المعرفة.

ناصف، مصطفى. (1981). قراءة ثانية لشعرنا القديم (ط. 2). دار الأندلس للطباعة والنشر.

هلال، ريم. (1999). حركة النقد العربي الحديث في الشعر الجاهلي. منشورات اتحاد الكتاب العرب.

يوسف، حسني عبد الجليل. (2001). الأدب الجاهلي : قضايا وفنون ونصوص. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع.

دلال شيباني Dalal Chibani

جامعة محمد خيضر بسكرةUniversité de Biskra
اdalal.chibani@univ-biskra.dz
https://orcid.org/0009-0003-1350-1146

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article