الأنساق المضمرة في روايات فضيلة الفاروق : قراءة ثقافية في تمثّلات الذكورة والأنوثة

Les implicites culturels dans les romans de Fadhila Al-Farouk : lecture des figures de la masculinité et de la féminité

Implicit Cultural Patterns in Fadhila Al-Farouk’s Novels : A Cultural-Critical Reading of Masculinity and Femininity

محمّد لمين فارسي Mohammed Lamine Farsi

Citer cet article

Référence électronique

محمّد لمين فارسي Mohammed Lamine Farsi, « الأنساق المضمرة في روايات فضيلة الفاروق : قراءة ثقافية في تمثّلات الذكورة والأنوثة », Aleph [En ligne], mis en ligne le 05 mai 2026, consulté le 16 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16563

تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء الأنساق المضمرة التي تنتظم الخطاب الروائي عند فضيلة الفاروق، انطلاقا من فرضية مفادها أن النص الروائي النسوي لا يكتفي بتمثيل التجربة الأنثوية تمثيلا موضوعاتيا، بل يشتغل كذلك على تفكيك البنى الرمزية التي تعيد إنتاج الهيمنة داخل اللغة والجسد والفضاء الاجتماعي. وتعتمد الدراسة مقاربة وصفية تحليلية ذات أفق تأويلي، تستند إلى مفاهيم النقد الثقافي كما بلورها عبد الله الغذامي وبعض منظّري الدراسات الثقافية، مع التركيز على ثلاث روايات هي : تاء الخجل، ومزاج مراهقة، واكتشاف الشهوة. وتُظهر القراءة أن الروايات المدروسة تنقل الصراع بين الذكورة والأنوثة من مستوى الحكاية إلى مستوى النسق؛ إذ يتحول الجسد إلى موضع دلالة، والذاكرة إلى فضاء مقاومة، والمكان إلى بنية رمزية تختزن صور القمع والانكسار والتطلع إلى التحرر. كما تكشف الدراسة أن كتابة فضيلة الفاروق لا تُقارب الآخر الذكوري بوصفه شخصا فحسب، بل بوصفه جهازا ثقافيا ومعيارا مؤسسيا يضبط توزيع السلطة والمعنى.

Cette étude interroge les implicites culturels qui structurent l’écriture romanesque de Fadhila Al-Farouk. Elle part de l’hypothèse selon laquelle le roman féminin ne se borne pas à représenter l’expérience des femmes, mais travaille aussi à dévoiler les mécanismes symboliques par lesquels la domination se reconduit dans la langue, le corps et l’espace social. L’analyse adopte une démarche descriptive, analytique et interprétative, adossée aux acquis de la critique culturelle et à la notion de système implicite telle qu’elle a été mobilisée dans la critique arabe contemporaine. Le corpus retenu comprend Tâ’ al-khajal, Mizâj murâhiqa et Iktishâf al-shahwa. La lecture met en évidence un déplacement majeur : la conflictualité entre masculin et féminin ne relève pas seulement du thème, mais d’une organisation profonde du sens. Le corps y devient lieu d’inscription de la contrainte et du désir, la mémoire un espace de résistance, et la ville un opérateur symbolique de dépossession et de quête identitaire.

This article examines the implicit cultural systems that shape Fadhila Al-Farouk’s fiction. It argues that women’s writing does not merely represent female experience thematically ; it also reveals the symbolic mechanisms through which domination is reproduced in language, the body, and social space. The study adopts a descriptive, analytical, and interpretive approach grounded in cultural criticism, with particular attention to the notion of the hidden system as developed in contemporary Arabic criticism. The corpus includes Taa al-Khajal, Mizaj Murahiqa, and Iktishaf al-Shahwa. The analysis shows that the tension between masculinity and femininity operates not only at the level of plot, but at the deeper level of cultural structuring : the body becomes a site of inscription, memory a space of resistance, and place a symbolic form through which violence, dispossession, and the desire for emancipation are articulated.

مقدمة

قد جرفت الحداثة وما بعد الحداثة الكثير من المفاهيم الفكرية والإجراءات النّقدية، فكان من أهمّ وأحدث تلك المفاهيم ما يُعرف بالنّقد الثّقافي، والذي يتأسّس أوّلا باعتباره إعادة قراءة للخطابات الأدبية ثقافيا بالتركيز على القيم غير الأدبية التي يُضمرها العمل الأدبي منظورا إلى الجمالي باعتباره قناعا تضليليا، متوخيا تفكيك المضمرات الإيديولوجية الثقافية خلف ذلك القناع، وينفتح ثانيا بأفق أوسع على مختلف المقاربات الثقافية بعدّها نصوصا دالة.

ولعلّ الملاحظ أنّ النّقد الثقافي يُؤدّي وظيفته من خلال الاستعارة لا بمفهومها البلاغي وإنّما بدلالتها الواسعة التي تقبض على بقية الفروع المعرفية الأخرى كعلم الاجتماع وعلم الإناسة وعلم النّفس وعلم النّحو واللّسان والفلسفة والسياسة...

وقد باتت قضية المرأة تُشكّل مركز اهتمام الدّراسات النّقدية التي ركّزت الأضواء على المرأة ووظيفتها الثّقافية والسّعي إلى رصد حقيقة التحولات الجذرية لنسقي الذّكورة والأنوثة في المجتمع، ولا سيما الرّواية النّسوية الجزائرية، لذلك فإنّ ما تتغيّأ هذه الورقة البحثية بُلوغه وفق القراءة التحليلية الوقوف على حقيقة هذا الوافد الجديد بوصفه دورا يتنامى في أهميته ليس فقط لِمَا يكشفه عنه في الجانب السّياسي أو الاجتماعي فحسب، بل لأنّه يُمثّل كذلك الأنظمة والأنساق والقيم والرّموز والإشارات والإحالات....إلخ، كما يُحدّد وعي الإنسان بها، ومن هنا تتّضح العِلاقة الوثيقة بين النّقد الثّقافي والأيديولوجيا الرّمزية.

ومن هنا أيضا تأتي أهمّية هذه الورقة البحثية لتُثير جملة من التساؤلات أهمّها : ما هو النّقد الثّقافي؟ وما هي مرجعياته ومرتكزاته؟ وهل يُمكن اعتباره بديلا عن النّقد الأدبي؟ وهل استطاع النّقد الثقافي/النّسوي من نقل واقع المرأة ممّا يسمح بإيجاد مكانة جديدة وأفاق مستقبلية له؟ وهل حاول هذا النّقد النّسوي تجاوز الأسئلة الثقافية الكبرى وعدم تقبّل الآخر بهدف استرداد الصّوت المقهور؟ وهل ظلّت المرأة تراوح مكانها بين مصطلحي السّلطة الذكورية والأنوثة المركونة على الهامش؟ وهل تمكنت من كسر حاجز الصّمت المطبق حيالها كصوت مقهور والتحاور مع الآخر لإثبات الوجود والدّفاع عن حقوقها؟

هذه الأسئلة وغيرها تبقى معلّقة إلى حين مناقشتها ومن ثَمّ اقتراح بعض الإجابات لها وفق هذه الورقة البحثية والتي قادتنا للوصول إلى نتائج مرضية.

1. إضاءة مدخلية : قراءة في المفاهيم والتصوّرات والمرجعيات

1.1. مفهوم النّقد الثّقافي

يتميّز النّقد الثّقافي بحدود زئبقية حين محاولة القبض على تعريف له، فهو منفلت لا نكاد نعثر على تعريف دقيق وواضح لمعناه، ضابط لحدُوده، وربّما هذا ما يمنحه أن يكون بديلا نقديا يتخلّل مستويات معرفيّة مختلفة عند محاولة التّحليل، ومن بين التعريفات التي لفتت انتباهنا ما وضعه أحد الباحثين والذي يٌعرف النّقد الثّقافي بأنّه : « مهمّة متداخلة مترابطة، متجاورة، متعدّدة....وبمقدور النّقد الثقافي أن يشمل نظرية الأدب والجمال والنّقد، وأيضا التفكير الفلسفي » (أيزابرجر، 2003، الصفحة 30)

يُفهم من هذا التعريف أنّ النّقد الثّقافي حالة متجاوزة للنّقد الأدبي، وميزته هي الكشف عن مضمرات الخطاب الأدبي في أنساق تشكّله ممّا لا يظهر عند اعتماد النّقد الأدبي وهذا هو مكمن القصور في النّقد الأدبي كما يرى « الغذامي »، وهو أحد مبرّرات اختيار النّقد الثّقافي عوضا عنه، إذ أنّ النّقد الأدبي يبحث في علاقات النّصوص بالدّلالات الصّريحة والضمنية ويدرس العلاقات اللّسانية وغير اللّسانية ويستخرج وظائفها، ولهذا فإنّ النّقد الثّقافي في نظر« الغذامي » « يُركّز على الدّلالة النّسقية والتي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزّمن لتكون عنصرا ثقافيا أخذ بالتشكّل التدريجي إلى أن أصبح عنصرا فاعلا -وبسبب نشوئه التدريجي- تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظلّ كامنا في أعماق الخطابات .. » ( الغذامي، 2005، الصّفحة 72)

ولهذا فإنّ المتأمل في الدّراسات المتّجهة صوب النّقد الثّقافي يحدّها تعريفه بوصفه « نشاطا وليس مجالا معرفيا قائما بذاته، وله مهمّة متداخلة ومترابطة، متجاورة ومتعدّدة، ممّا أوقع تغييرا مهمّا في منهج تحليل الخطاب واستثمار المعطيات النّظرية والمنهجية لحقول معرفية متداخلة كالتاريخ والسياسة والفلسفة والأدب والجمال والنّقد والأنثروبولوجيا » (بالعلي، 2005، الصفحة 11)

فالمستنتج من هذا التعريف أنّ النّقد الثّقافي يستقّل بذاته، له خصائصه التي ينفرد بها عن بقية الأنشطة الأخرى، فهو يتميّز بالحركية والنّشاط، الأمر الذي ساعده على إحداث ثورة جديدة في التعامل مع النّصوص في العصر الحديث نظرا لانفتاحه اللاّمحدود على غيره من المناهج المحيطة به.

أمّا « عبد الله الغذامي » فيذكر أنّ النّقد الثّقافي « يُولي أهمّية كبيرة لدور المؤسسة العلمية والثقافية، كيفما كانت في توجيه الخطاب والقرّاء نحو نماذج وأنساق وتصوّرات يتأسّس معها الذّوق العام وتتحقّق بها الصياغة الذهنية والفنّية وأصبح معيارا يُحتذى به أو يُقاس عليه » (الغذامي، 2005، الصفحة 26)، وعليه فإنّ النّقد الثقافي نشاط إنساني يهدف إلى دراسة الممارسات الثّقافية في أوجهها الاجتماعية والذّاتية بدءاً بمضمرات النّصوص، وهو بذلك ليس بحثا في الثقافة بل هو بحث في أنساقها المضمرة وفي مشكلاتها المركّبة والمعقّدة، ومن هنا يبتعد النّقد الثّقافي عن الأدوات المنهجية المستخدمة في النّقد الأدبي. لهذا نتساءل : هل كان النّقد الثّقافي نابع من فراغ، أو كانت له مرجعيات، ودعائم يقوم عليها؟

2.1. مرجعيات النّقد الثّقافي

كي يقوم النّقد الثّقافي بمهمّته الأساسية وهي اشتغاله على كشف الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثّقافي، متجاوزا نطاق الجماليات إلى حدود الإنتاجات الجمالية، قد استفاد النّقد الثّقافي من حقول ومجالات معرفية كثيرة ك : الفلسفة، والبلاغة، والأدب، والنّقد، كما انفتح على مجموعة من المناهج النّقدية مثل : البِنيوية، والسميائيات، والتفكيكية والتأويلية، والنّقد النّسائي، والبِنيوية الأنثروبولوجية، وجمالية القراءة، والماركسية الجديدة، والتاريخانية الجديدة، والنّقد الكولونيالي أو ما يُعرف بالنّقد الاستعماري، والنّقد الجنوسي...وبصفة عامّة، قد تأثر النقد الثقافي أيّما تأثرا بالنّقد الحداثي والنّقد ما بعد الحداثي على حدّ سواء.

لهذا كان ظهوره في الغرب كردّ فعل على النّظرية الجمالية والبِنيوية اللّسانية والسيميائيات النصّية، والبويطيقا، وفوضى التفكيك وعدميته، وذلك باتجاهاته المختلفة : الماركسية الجديدة، والمادية الثقافية، والتاريخانية الجديدة وما بعد الكولونيالية. وهذا ما يسمح لنا بالقول : إنّ النّقد الثّقافي هو مجموعة من المناهج والمقاربات المتعدّدة الاختصاصات التي تصب جميعها في الحقل الثّقافي، وخدمة الأنساق المضمرة اللاعقلية والأنظمة الإيديولوجية.

3.1. مرتكزات النّقد الثّقافي

هي مجموعة الثوابت والمفاهيم النّظرية والتطبيقية التي ينطلق منها الباحث لمقاربة النّصوص والخطابات فهما وتفسيرا وتأويلا. وتتمثّل هذه المفاهيم والمرتكزات في :

  1. الدّلالة النّسقية : هي أحد مرتكزات القارئ النّاقد أثناء استنطاقه المنجزات الذّهنية ذات الدّلالات المضمرة التي يجب الوصول إليها، وفي هذا الصّدد يقول « الغذامي » : « الدّلالة النّسقية قيمة نحوية ونصوصية مخبوءة في المضمر النصّي، في الخطاب اللّغوي (...) ونحتاج إلى أدوات نقدية مدققة تأخذ بمبدأ النّقد الثّقافي لكي نكشفها، ولكي تكتمل منظومة النّظر والإجراء » (الغذامي، اصطيف، 2004 الصفحة 26)
    فهذا القول يُشير إلى أنّ الدّلالات اللّغوية لم تعد كافية لكشف كلّ ما تخبّئه اللّغة من مخزون دلالي، لهذا وجب الكشف عن ما وراء الدّلالات اللّغوية وهي في الغالب دلالات نسقية مضمرة داخل عمق النصّ. وعلى هذا الأساس فالنّقد الثّقافي يستند إلى ثلاث دلالات :

  • الدّلالة المباشرة الحرفية.

  • الدّلالة الإيحائية المجازية الرّمزية.

  • الدّلالة النّسقية الوظيفية.

  1. النّسق المضمر : يُعرّفه « الغذامي » بقوله : « يأتي مفهوم النّسق المضمر في النّقد الثّقافي بوصفه مفهوما مركزيا والمقصود هنا أنّ الثّقافة تملك أنساقها الخاصّة التي هي أنساق مهيمنة، وتتوسّل هذه الهيمنة عبر التّخفّي وراء أقنعة سميكة، وأهمّ هذه الأقنعة وأخطرها هو قناع الجمالية، أي الخطاب البلاغي الجمالي يُخبّئ من تحته شيئا آخر غير الجمالية » (الغذامي، اصطيف، 2004، الصفحة 30)، فما يُلفت الانتباه هو أنّ النّسق مصطلح شديد الارتباط بالنّقد الثّقافي، فالمفترق الجذري بين النّقد الأدبي والنّقد الثّقافي هو هذا السّؤال أي سؤال النّسق بديلا عن سؤال النصّ، وتصبح النّصوص تبعا لذلك ليست إلاّ حوامل تحمل هذه الأنساق. وهنا يُمكن استخلاص نتيجة في غاية الأهمّية هي أنّ النّسق المضمر نقيض النّسق الدّال والبلاغي الذي هو تكوين دلالي إبداعي من معطيات النصّ جلي في وعي الباحث والمبدع.

  2. الحيل الثّقافية : يُحاول « الغذامي » من خلال نقده الأنساق الثّقافية التي درسها في مؤلّفاته سواء أكانت شعر أم نثرا، مثل قصائد « حمزة شحاتة » في منجزه (الخطيئة والتكفير) أو قصائد « نزار قباني » في كتابه (النّقد الثّقافي) أو قصص « ألف ليلة وليلة » في كتابه (اللّغة والمرأة) وغيرها، أن يُبيين لنا برؤية النّاقد المنظّر والممارس كيف أنّ الأنساق المضمرة في الثّقافة تمارس حيلها الثقافية لتعمل على نشر « ثقافة الوهم »، حين يقول : « حينما تدفعنا خُطانا إلى البحث في الأنساق الثّقافية سنكتشف أنّنا نقرأ التاريخ البشري والسيرة البشرية، بوصفها حالا من التفكير في المفاهيم والمصطلحات، وسنرى أنّ المسار البشري هو مسار تحكّمت فيه المنظومات المفاهيمية والمصطلحية، وكأنّما التاريخ البشري هو تاريخ في المصطلح والمفهوم » (الغذامي، 2005، الصفحة 15)، وبناءً عليه يظلّ دائما النّسق كإجراء مفهوما مركزيا في العملية الثّقافية حين يلعب دور ما أسماه هذا الباحث « التورية الثّقافية ».

ولمّا كانت الرّواية تبدأ من حيث انتهت إليه الحكاية، فقد أصبحت ذات حضور قويّ ممّا كانت عليه، خاصّة بعدما دخل العنصر النّسوي -أحضان الحداثة- في مجالي القصّة والرّواية كذات فاعلة في الخطاب الرّوائي، لهذا سعت المرأة عبر لغتها وإنتاجها إلى تشكيل هويتها وإثباتها والبحث عن ذاتها وكرامتها، لا كتيمة منظور إليها. وهنا نُسلّط الضوء على :

2. تمهيد مفهومي: الرواية والنسق

1.2. الرّواية بوصفها جنسا أدبيا

تُعدّ الرّواية من الموضوعات الجادّة التي أثارت جدلا كبيرا في العالمين العربي والغربي، إذ أنّها تُمثّل جنسا أدبيا الشّعر والقصّة والمسرح وهلُم جر...غير أنّ هذا الجنس لم تتّضح معالمه بشكل دقيق ولم تستقر حدوده أيضا. والرّواية في الاصطلاح تعرّف على أنّها : « سياق حوادث متصلة ترجع إلى شخص أو أشخاص يدور ما فيها من الحديث عليهم، ففيها يعالج المؤلّف موضوعا كاملا أو أكثر. فلا يفرغ القارئ منه، إلاّ وقد ألمّ بحياة البطل أو الأبطال في مراحلها المختلفة » (سلام، 2010، الصفحة 20)، إذاً فالرّواية هي بشكل أو بأخر تمثّل : « حكاية...وهذه الحكاية هي الكنز الذي نبحث عنه جميعا منذ الميلاد وحكايات المهد، وما دامت تدب فيها الرّوح فنحن إلى بحث دائم عن هذا الكنز » (خضر، 2007، الصفحة 134)

يُفهم من هذا الكلام أنّ الرّواية هي مجرّد سرد طويل للأحداث والتفاصيل الدّقيقة وتوصيف للأماكن والشّخصيات والأحداث. لهذا فهي تهدف كغيرها من الأعمال الإبداعية الأخرى إلى الكشف عن الحقيقة والمساهمة في تطوير الفرد والمجتمع وفق منظور المواقف الإنسانية.

2.2. النّسق/البناء

تتعلّق فكرة النّسق « system  » تعلّقا وثيقا بمفهومات البناء الاجتماعي والنّظم الاجتماعية، فهي في أبسط معانيها تشير إلى قيام هذه الوحدة الشاملة التي تتكون من عدد كبير من العناصر والمكونات المتفاعلة على الرغم من كثرتها وتعقّدها وتناقضها في أغلب الأوقات، فهي بذلك تقتضي ضرورة التسليم بأنّ كلّ جزء أو عنصر من العناصر الدّاخلة في تكوين « الكل » -أيا كان ذلك الكلّ- يؤدي وظيفة محدّدة بالذات من شأنها المشاركة في تماسك هذا الكل، فهي إذاً تشير بحسب ما يقول عالم الاجتماع الأمريكي الشّهير ’تالكوت بارسونز

«  إلى « وجود نوع من التساند أو الاعتماد المتبادل الذي يهدف على تحقيق وظائف معينة أيضا بين عدد من الأفراد أو الزّمر الاجتماعية الذين يقومون بأدوار مرسومة محدّدة » (بارسونز، (13 ديسمبر 1902-08 مايو 1979)

لقد أدى كلّ ذلك إلى الاهتمام بفكرة

« النّسق كفكرة مكملة ومرتبطة أشدّ الارتباط بمفهوم البناء الاجتماعي على أساس أنّ المجتمع نفسَه يؤلّف نمطا طبيعيا مكونا من أجزاء متفاعلة متساندة ذلك التساند الوظيفي الذي يميّز الكلّ المتكامل المتماسك » (أحمد، 1967، الصفحات 1-3)

أمّا  »عبدالله الغذامي«  فيرى أنّ « النّسق يتحدّد عبر وظيفته وليس وجوده المجرّد والوظيفة النّسقية لا تحدث إلاّ في وضع محدّد ومقيّد. وهذا يُكوّن حتما تعارض بين نسقين أو نظامين من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر.. » (الغذامي، 2005، الصفحة 77)

وهذا يعني أنّ الحقائق لا تنكشف إلاّ بعد ذلك الصّراع التأويلي للنّصوص من أجل الوقوف على أدق تفاصيلها غير الظاهرة. وبما أنّ النّسق دلالة مضمرة منغرسة في الخطاب تؤلّفه الثّقافة، ويستهلكه جمهور اللّغة، وكذا الأنساق الثّقافية التاريخية راسخة لها الغلبة دوما، باعتبارها أحد أنواع الأنساق الاجتماعية. هنا يشتغل النّقد على أنظمة هذه الخطابات، لأنّ بِنية النصّ الثّقافية مرتبطة بالسّياق الذي أنشئت فيه مع استمراريتها عبر الأزمنة وهذا يجعلها تنتج أبعادها من داخل الأنساق الخفية والمحمّلة في ذلك النّصّ. أين نجد هذه الخطابات مبنية على فكرة الثنائيات الضّدّية ك : (العقل/العاطفة)، (المشافهة/الكتابة)، (الذّات/الآخر)، (الرّجل/المرأة)، (المركز/الهامش)، وهنا نقف على :

3. نصّ المرأة من موقع المؤثّر لا المتأثّر

يظهر للوهلة الأولى ومن خلال مقاربتنا للإنتاج الأدبي النّسوي، أنّ نصّ المرأة لا يزال دليلا قويا على حضورها المتميّز بوصفها ذاتا فاعلة منتجة للخطاب، وذلك وفق مستويين اثنين هما : المستوى السّردي، والمستوى الفعلي، وكأنّ لسان حالها يقول :  »أنا هنا«  فالحضور يُجاور الغياب، والكينونة تجاور العدم.

من هنا تتمرّد المرأة أو تخرج بعض الكتابات النّسوية عن المألوف، باعتبارها تحمل جملة من الأفكار لم تتطابق مع الفكر الذّكوري فلم تحظ بالتقبّل من طرف الجنس الآخر، ممّا جعلها تواجه رفضا على السّاحة الأدبية من خلال الخطابات المختلفة التي قدّمتها في نصوصها، لذلك كان ولا يزال الأدب النّسوي مجالا للجدل الفكري والنّقدي، وهو كذلك الأدب المرتبط بحركة تحرير المرأة وحرّيتها.

ومنه فأنّ المرأة في موقع تغلب عليها (الفحولة)، وحيث لا صوت فيه للمرأة. هذه الخلفية الثّقافية التي تُقدّس فُحولة الرّجل، قد ولّدت لدى المرأة المبدعة، سلطة الخرق، وتكسير المألوف، من خلال تلك اللّغة المسبوغة بالذّاتية، كما كان فعل الكتابة عندها رفضا للسّائد، وثورة عليه، وتجاوزا للمحظورات الحريمية التي كانت عائقا أمام ممارستها لحقها الإبداعي، بحيث لم تعد ترى تحقق فعل الذّات عندها إلاّ من خلال اعتراف الرّجل بها، أو من خلال الخروج من دائرة الخنوع والاستسلام إلى فضاء المواجهة والتّحدّي، لذلك فإنّ المتأمل للمشهد الإبداعي النّسائي في المغرب العربي عموما والجزائري على وجه الخصوص يلمس صوت المرأة من خلال جنس الرّواية، هذا الصّوت الذي يسرُد تاريخ التهميش الذي يطال حضور المرأة. فكان أوّل ظهور للإبداع النّسوي الجزائري باللّغة العربية على شكل مقالات وقصص، وكانت  »زهور ونيسي«  أوّل أديبة قاصّة كتبت باللّغة العربية في الجزائر، ولحقها العديد من الكاتبات اللائي سخّرن أقلامهن لتكريس القيم الوطنية السّامية. إلى أن برزت أسماء عديدة اشتهرت في الجزائر والوطن العربي بصفة خاصّة من بينها : أحلام مستغانمي، فضيلة الفاروق، ياسمين صالح، ربيعة جلطي ومليكة مقدّم. وهنا نقف على :

4. تمظهرات نسق الذّكورة والأنوثة في روايات فضيلة الفاروق

إنّ المرأة في المجتمع الإنساني قوامه الذي يستند ويتكئ عليه، لأنّه بدونها لا يكتمل وجوده، فهي حين تمتزج بالكتابة، تتفاعل معها جسدا وروحا، مخلصة في ذلك إلى حدّ إفراغهما على الورق، وإذا كانت المرأة (السّاردة) تهتمّ بجسدها، فهي كذلك تعتني بتشكيل نصّها الإبداعي، تستبّد بها رغبة جامحة في إفراغ المكبوت، أو المسكوت عنه، باعتباره جهدا ومشقّة وألما، يوازي عسر المخاض وألم الولادة.

لهذا فقد كسر نص المرأة جدار الصّمت بكلّ تأكيد، وأثبت وجوده وفاعليته كطاقة حيّة مغيّبة، برزت لتقف في وجه الهيمنة الذّكورية، بل وجاءت لتحرير الذّكورة من العوائق التي قيّدته وكبّلت سرده، لا على أساس التجاوز والاختراق فحسب، بل والمصالحة والتفاهم والتعاون المتكامل.

ثمّ إنّ هاجس الكتابة عند المرأة والعِلاقة المتوتّرة بين (الذّات) الأنثى، و(الآخر) الرّجل، ولعبة (الجسد) ومغامرة (اللّغة) الإيحائية، أدّى إلى أن تُنشأ هذه الأخيرة -المرأة- نصّا يكون في عِلاقة مستمرّة مع ثنائيات مختلفة/مؤتلفة، كالحاضر والغائب، والموت والحياة...انعكس في أغلب المتون السّردية النّسوية، ففي رواية  »تاء الخجل«  ل(فضيلة الفاروق) كان العنوان تعبيرا حيّا عن الدّونية والسلبية التي تتّسِم بها حياة الأنثى، وكأنّ اللّغة انحازت إلى الذّكر، فرُبطت المرأة ب(تاء التأنيث) لتبقى سجينة تفاصيل همومها، وجزئيات حياتها. وبناءً على عنوان الرّواية، نشعر بثقافة (الفحل) التي سطت على النّسيج اللّغوي، جعلت تاء التأنيث أقلّ مكانة وحظوة في ظلّ قسرية المؤسسات الاجتماعية، وعنف تخلّفها. من هنا نتساءل : كيف كانت هذه الكاتبة -كمرأة- تنظر لنفسها من خلال ما عكسته لنا في إبداعاتها؟ وما الأنساق المضمرة داخل هذه النّصوص؟ وما الذي أرادت نقله إلى متلقّي هاته الكتابات؟

لذا كان نصّ المرأة ذاكرة تنبعث من تحت آثار الطّمس، وركام التاريخ، والإلغاء الحضاري، ولا يتأتى لها ذلك إلاّ بترويض أحصنة اللّغة، وركوبها، ثمّ تعرية الوجه الذّكوري الذي سلب منها هذه اللّغة. وحين تفرض المرأة ذاتها، تكون بذلك قد فرضت وجهها المخبوء تحت الكلمات، ووراء المجازات.

1.4. المرأة والذّاكرة

ففي روايتها  »تاء الخجل«  جاء السّرد من خلف (تاء التأنيث)، إذ نجد نصّها بين صمت النّساء، وصراخ اللّغة، وهي، من دون شكّ، تستمدّ مادتها الحكائية من أدغال الذّاكرة المؤنّثة، وتستنطق اللّغة التي كثرا ما انحازت إلى المذكّر، حين تقول : « ...منذ العائلة...منذ المدرسة...منذ التقاليد...منذ الإرهاب...كلّ شيء عني كان تاء الخجل...كلّ شيء عنهن تاء الخجل...منذ أسمائنا التي تتعثّر عند آخر حرف...منذ العبوس الذي يستقبلنا عند الولادة...منذ أقدم من هذا...منذ والدتي التي ظلّت معلّقة بزواج ليس زواجا تماما...منذ القدم » (الفاروق، 2003، الصفحة 1-2)

ففي هذه العبارات نجد ملفوظ الضمير (أنا)، والأفعال المتّصلة به، هي المؤطّرة للرّواية، من بدايتها إلى نهايتها، مثل : « عشت، أتذكّر، سافرت، وجدت، كنت، أجيب، أحيط » (الفاروق، 2003، الصفحات 12.8.6.3.1..)

ومن هذا العالم الدّاخلي للذّات، تنظم المرأة المبدعة مادّة حكايتها، وتنجز برنامجها السّردي على إيقاعه، مع الاعتماد على الاستبطان، والتمثّل لموطن الوجع لديها. فكتابتها نبض للقلب، وانفتاح على الدّاخل بدون تهميش الأحداث المباشرة، والوقائع اليومية التي تخضع لمعيار التماثل والتطابق مع عالمها النّفسي. « أما وقد شاءت المرأة أن تمدّ يدها إلى القلم، وتكتب، فإنّها بهذا، تخرج من زمن الحكي، وتتحوّل من كائن مندمج إلى ذات مستقلّة تتكلّم بضمير (الأنا)، وبالخطاب النّهاري المكشوف » (الغذامي، 1996 ، الصفحة 131)

2.4. المرأة ولعبة الأقنعة والتّخفّي

إذا كان بناء الذّات، جسدا وروحا، بواسطة الصّورة وأفعال التصوير، فإنّ المرأة قد أتقنت المحافظة على تلك المسافة بين الذّات والجسد، والظاهر والضامر...وما يصحبه من تحولات، استطاعت، من خلالها أن ترصُد القرائن المصاحبة لطقوس الخفاء والتجلّي، وتمزج بين الرّغبة والرّهبة والدّهشة...كيف لا ! والمرأة زخم من (الانفعال)، وكم من العواطف، والمشاعر والأحاسيس، ممّا مكّنها وأهّلها تكوينها البيولوجي المختلف عن الرّجل وعاطفة الامومة. وإذا كان (جسد) المرأة هُوّيَة علامات يحمل من العتبات ما يسمح بِبناء التّأويل، فالمرأة حين تكتب بجسدها فهي تُفرغ ما يحمله هذا الجسد ظاهرا وباطنا، فكتابة المرأة هي كتابة المحو وكتابة المحو كتابة مصاحبة للّذة التشكيل ومتعة الابتهاج، وإرادة الحضور، نلمس من خلالها صوت المرأة يصرخ :  »أنا هنا...أنا موجودة« .

ففي رواية  »تاء الخجل«  وعند سرد  »خالدة«  مجريات حياتها « أمّا أنت فقد بقيت تتأمّلني وبؤبؤ عينيك يمليان، ورموشك تغرق سجود طويل، اقتربت منك وقلت لك هامسة ما بك؟ ولكنك واصلت صلاتك وأنت تمسك بوجهي ثمّ أجبت، إنّ هنا...وهذا كلّ ما أريده في الحياة » (الفاروق،2003، الصفحة 18) وهنا تنظر الأنثى للرّجل بنظرة زوج المستقبل وأنّه يحفظ شرف الحبّ وسيصون العشرة.

وفي قولها : « وفي اليوم الثّاني أمسكني سيدي إبراهيم من أذني وآلمني كثيرا ثمّ أدخلني إلى غرفة الضّيوف وأغلق الباب وراءه، وإذا بالغرفة تضيق وتتحوّل إلى مقصلة، اقترب مني كاد أنفه الرفيع أن يلتصق بأنفي، ابتعدّت عنه قليلا وأنا أرتجف فرفع سبّابته نحو عيني وقال : لا أريد أن يتكرّر ما حدث البارحة بسببك » (الفاروق، 2003، الصفحة 20)، فهذا المقطع يُشير إلى الرّجل الذي ينظر إليها نظرة خبث. فنظرة سيدي إبراهيم إلى (بلارج) نظرة شهوة فهو يحاول أن يستغلّها ويتلدّد بجسدها بينما هي كانت في حالة اضطراب على ما يقوم به سيدي إبراهيم بينما كانت تُكنّ له احتراما، نظرا لما كان يتمتّع به من مكانة مرموقة.

أمّا في رواية  »مزاج مراهقة«  فهي تقدّم لنا وقع الذّات من خلال حضور الآخر حين تقول :

« ...لا أدري بالضبط، هل هذه قصّتي أم قصّة توفيق عبد الجليل؟ هل هذه منحتي أم منحته، أسئلتي أم أسئلته؟ أم عقدة ما كان بيننا من خلاف؟.....ولكنّني أعرف اليوم أنّه كان الرّجل الذي تمنيت أن أكونه حين تجاوزتني رغبة الحبّ في أن يكون لي... » (الفاروق، 1999، الصفحة 5 )

ففي قراءتنا التحليلية لهذا المقطع السّردي، ندرك الآتي : -حين يدخل الآخر (المذكر) إلى العالم الدّاخلي للذّات السّاردة، تتولّد شهوة المعرفة، وشراهة الفضول، مانحة النّصّ طاقة الجذب وفاعليته الفنّية في إضاءة السّرد ومدّه بجسور العبور إلى الأعماق الدّاخلية، حيث النّشوة، وحيث العذاب.

وحين تصرّح في رواية  »تاء الخجل«  قائلة : « تخيّلتك تضع أصابعك على شفتي، تطلب مني قبلة، كدت أقبّلك لولا ضجيج عمارة الآداب، وابتعادي عن المطر.. » (الفاروق، 2003، الصفحة 31-32)، وهنا تطرح الرّواية هاجس البحث عن الأمان، من خلال حاجتها إلى الآخر، ووعيها الملّم بأبعاد مأساتها، كما أنّ نوازع الذّات حريصة على الاتّحاد والتلاحم مع الآخر، نظرا لشعورها بالغربة، وحاجتها إلى السّكينة في ظلّ وجود هذا الآخر.

ومنه فإنّ المُلاحَظ على (فضيلة الفاروق) محاولتها خلق واقع نصّي جديد محايث لواقع الجسد في تمظهراته المختلفة، مشيرة إلى المرأة واللّغة والجسد، وعلاقتهما الحميمية، كما يشير إلى قدرة الأنثى على التجوال والترحال مع تفاصيل جسدها التي استأثرت عموما بولع الأنثى دون غيرها من الرّواية (الذكورية) فتفعيل السّرد الرّوائي في هذه الرّواية ما هو إلاّ تفعيل لحواس الجسد وإثارة شهوته القائمة على استدعاء الطرف الآخر.

أمّا في روايتها  »اكتشاف الشّهوة«  فنجد أحداثها تدور حول تمرّد وحرّية تتركّز حول الجنس التي تجسّدها بطلة دخلت في عالم تخيلي بعيد عن واقعها لاكتشاف الشّهوة، حينما سردت شخصيات وأحداث لا وجود لهم في واقعها. فها هي تكتب قائلة

« حين يُمارس الجنس معي، يفعل عكس رغبتي تماما، كان يعود متأخّرا في كلّ ليلة، فيوقظني لحاجة في نفسه، ثمّ يفعل ذلك كما في كلّ مرّة بسرعة ودون أن يعطيني مجالا لأعبّر عن وجودي، كان يقوم بالعملية وكأنّها عملية عسكرية مستعجلة... » (الفاروق، 1999، الصفحة 9 )

وهذا ما جعل «باني» امرأة تتضايق من أنوثتها. هذا الزّواج الذي غيّر حياتها برمّتها وحوّلها إلى قذارة؛ رجل بعيد عن التخاطب، لا يملك المرح، وهو عائد إلى البيت متى شاء.

«..لا يهمّه أحيانا رفضي لإطفائي رغبته...» (الفاروق، 1999، الصفحة 11)

3.4. المرأة: المكان/الأم، الحبيبة، الوطن

1.3.4. الأبعاد الرّمزية للمكان

لمّا كانت « الرّمزية تنظر إلى العالم الحسّي بكثير من القلق والتوجّس فلا تلمح منه إلاّ رسوما أو أصداءً لعالم آخر غير منظور، تكمن فيه الحقيقة الجوهرية لعالم الإنسان » (الأيّوبي، 1982، الصفحة 32)، فكلّ مجرّدة معاد لها في الحقائق الإنسانية. ومن هنا يكمن دور الأديب في الرّبط الفنّي الدّقيق بين العالمين الحسّي والمجرّد، فجاء الرّمز لاستجلاء المجهول القابع وراء عالم الحس أو داخل ذواتنا، ولا يمكن الوصول إلى ذلك باللّغة المألوفة والمتعارف عليها، بل بواسطة اللّغة الغير مباشرة التي ترافق ذلك « ولذلك فقد عمد الرّمزيون إلى نمط من الكلمات والاستعارات والتّشابه وما يقابلها من معاني ودلالات يحقّقون من خلالها إيحاءاتهم وإشاراتهم، فالكلمة الموحية أشبه بالصّدى الذي ينبعث من صوت آخر يختفي وراءه » (الأيوبي، 1982، الصفحة 36)

2.3.4. المرأة والوطن: ضرورة حضور الآخر

آريس هي القرية الصّغيرة في جبال (الأوراس) التي نشأت بها الكاتبة بشخصياتها الرّوائية على الخضوع والتهميش إلى قسنطينة مدينة الجسور المعلّقة والتي تحمل أبعادا رمزيّة نلمس فيها المرأة فمثلما نجدها الأمّ، الحبيبة...الوطن « الوطن يشبع أبناءه كلّ يوم، الحب مؤلم جدا حين تعبره الجنائز وتلوّثه الاغتصابات ويملأه دخان الإناث المحروقات » (الفاروق، 2003، الصفحة 13)

ولذا فقد استعانت الكاتبة بالرّمز حين كتبت قائلة : « ...لا شيء تغيّر سوى تنوّع في وسائل القمع وانتهاك كرامة النّساء، لهذا كثيرا ما هربت من أنوثتي » (الفاروق، 2003، الصفحة، 10)، فالمرأة منذ الأزل تعاني من قيود على حقوقها وحرّيتها التي تأسّست على معتقدات دينية أدّت إلى كبت صوتها وهدر حقوقها. وقد جسّدت السّاردة ذلك في شخصيتي :  »خالدة مسعودي«  في (تاء الخجل) و »باني بسطانجي«  في (اكتشاف الشهوة) من خلال البحث عن وطنيتهم الضائعة تحت الصمت المجبر حين ما سردت لنا واقعا مريرا في أرض حرمتها طعم الحرّية « ...قسنطينة....إنّها مدينة تشبه الحكايات، تشبه النّساء المفخخات بالأمّ، تشبه الجواري، وتشبه الكمنجة التي لا تكف عن الانين » (الفاروق، 2003، الصفحة11)

ويُؤكّد أحد الباحثين على تلك العِلاقة التي تربط المدينة/الفضاء والمرأة/الجسد في قوله : « إنّ أشكال الفضاء التي رسمتها الرّواية النّسائية المغاربية، ذات التعبير العربي تكشف عن حقيقة رؤية المرأة/الكاتبة، للجسد وتعاملها معه عند ممارسة فعل الإبداع، فهي تتحدّث في الأغلب عنه من وراء حجب، تلتقي والمنظور الاجتماعي » (بوشوشة، د.ت، الصفحة 268)

وهنا نقف على حاجة الأنثى للآخر، فقد أحبّت البطلة (نصر الدّين) بن (مسعودة)، إلاّ أنّها أرغمت على الزّواج من أحد أبناء عمومتها. إمّا (محمود) أو (أحمد)، فقرّرت الهروب إلى الجامعة بمدينة  »قسنطينة«  لتمنع هذا الزّواج. لكنّها علمت فيما بعد أنّ (محمود) اعتقل؛ لأنّه كان ينشُط مع جماعة إسلامية متطرّفة، في حين إنّ (أحمد) رفض الزّواج؛ لأنّ (نصر الدّين) صديقه وهو يخشى خداعه.

لذا جاء هذا النصّ الرّوائي  »تاء الخجل«  ولا سيما في الصّفحات الأخيرة منه، يقطُر دما، كلّه أحزان ومآسي لشخصيات عاشت أحداثا صعبة، أين وصفت الرّوائية مُعاناة النّسوة، وأشركت المتلقّي في الأحداث، وكأنّه شاهد عيان على تلك الحقبة السّوداء بدقّة وتحليل. وهنا نقف على ما قاله هذا الطّبيب للصُحفية البطلة (خالدة) في حديثه عن هذه الشّخصية : « ..يبدو أنّها متعلّمة، حتما جامعية لتتصرّف هذا التصرّف... » (الفاروق، 2003، الصفحة 89)

لهذا لقد أجادت الأنثى فنّ ملاحقة الآخر، والمحافظة على ما يفصل بين الجسد وظلّه، وكان الآخر هو (أحمد)، وهو المطر أيضا من خلال عملية توزيع الضمائر في ثنايا النّصّ حين تقول : « ... كان رجلا مثيرا، يعرف أين يضع أصابعه، أين يرمي شفتيه، كيف يغمُر الأنوثة، كيف يُطوّقها، كيف يُغنها، كيف يجعلها تبلغ قمّة النّشوة. كان جميلا ذلك اليوم، كان أجمل الأيّام على الإطلاق.. » (الفاروق، 2003، الصفحة 90)

إلاّ أنّ السّؤال الذي قد يشغل الذّهن ويُمثّل إشكالية في حدّ ذاته، هو : ماذا يعني هذا المُتساقِط من السّماء للمرأة؟ وما عِلاقته بالكتابة النّسوية؟ ثمّ ولِمَ توظّفه هذه الكاتبة تحديدا؟

ربّما قد تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات المحيّرة في كون أنّ المطر، وعلى الصّعيد الإنساني، بداية نمو...اكتمال...بداية متجدّدة قد تختار المرأة لبدايتها أن تتجدّد، أن تُزهر، أن تورِق وتثمر، ولذا فهي في أمسّ الحاجة إلى هذا الينبوع المتدفّق، والذي يبعث الحياة من جديد بعد فقد وغياب.

خاتمة

لذلك جاءت هذه القراءة النّقدية في حيّز الأدب والنّقد للإشارة إلى ما كتبته المرأة، وما تكتبه من إبداعات اجتماعية وفكرية إنسانية، أردنا أن نناقش عِلاقة المرأة بالكتابة ضمن نطاق التجريب الإبداعي، ورهان ذلك مكتسبات الخطاب النّقدي الحديث. وأخيرا تقتضي الحكمة ويفرض العلم وتحتّم المسؤولية أن نخلُص إلى جملة من الرّؤى متمثّلة في :

  1. النّقد الثّقافي دعامة للنّقد الأدبي الذي يعالج ويُولي اهتماما بالنّواحي الفنّية في النّصّ بمنأى عمّا يُحيط به من ظروف.

  2. الفعل الإبداعي للكتابة الأنثوية يتفرّد بالخصوصية، ممّا يستوجب إخضاع جسد النّص الإبداعي المنجز إلى عملية التشريح؛ بغية معرفة أغواره الباطنية القابعة في ثنايا الذّات، ومن ثمّ الجسد المشكّل لها. وهذا لزاما سيساهم في احتمالية تحديد ورسم حدود علاقتها مع الآخر وهيمنته.

  3. إنّ الكتابة الإبداعية الأنثوية، بعد تمخّض الوعي النّقدي الجديد، والذي استندت إليه هذه المرأة الكاتبة في درء مزاعم الثقافة في أنّ الإبداع منجز ذكوري، وبالتالي استطاعت ومن خلال تحريك اللغة وتحويلها من كائن مسموع إلى كائن موجود بفعل الكتابة، وعن طريق التجسيم الاستعاري وفاعليته. وهذا ما تجسّد من خلال إبداعات الكتابة النسوية.

  4. هذه إذاً هي الرّواية النّسوية الزاخرة، ولا سيما الجزائرية منها تحديدا، بدخول عالم الممنوعات والمحرّمات، ومحاولة تعرية المستور، بل والمكاشفة الجريئة لتلك الأفكار القابعة في معبد الفحولة، المتجذّرة في ثقافة الرّجل -سي السيّد- وتاريخه.

  5. تعتبر روايات «فضيلة الفاروق» من الإبداعات الأكثر جرأة على كسر جدار الصّمت المطبق.

وفي ختام هذا المقال نأمل أن يكون بداية للاشتغال على التقنيات الموظفة في تشكيل النّصّ الرّوائي الأنثوي، وبِنياته السّردية باعتماد ما جاء به النّقد الثّقافي كبديل عن النّقد الأدبي، من جهة، واستكانة مكنونات هاته الرّوايات من خلال النّبش في أعماقها من جهة أخرى.

قائمة المراجع

أرثر أيزابرجر. (2003)، النّقد الثّقافي. تر : وفاء إبراهيم. رمضان بسطاويس. القاهرة. المشروع الفرعي للترجمة. ط1.

عبد الله الغذامي، (2005). قراءة في الأنساق الثقافية العربية. المغرب. المركز الثقافي العربي. ط2.

حفناوي بلعلي. (2005). مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن. منشورات الاختلاف. ط1.

عبد الله الغذامي، عبد النبي اصطيف. (2004). نقد ثقافي أم نقد أدبي. دمشق. دار الفكر. ط1.

محمد خضر. (2007). شعرية النصوص. د/ب. دار إيمان للنشر والتوزيع. ط1.

تالكوت بارسونز. (13 ديسمبر 08-1902 مايو 1979). عالم اجتماع أمريكي في هيئة التدريس بجامعة هارفارد منذ 1927م حتى عام 1973م. وضع بارسونز نظرية عامة لدراسة المجتمع تسمى بنظرية السلوك استنادا إلى المبدأ المنهجي التطوعي ومبدأ المعرفة من الواقعية التحليلية.

أبوزيد أحمد. (1967). البناء الاجتماعي. مدخل لدراسة المجتمع. الجزء الثاني (الأنساق). جامعة الإسكندرية. جامعة الكويت. دار الكاتب العربي للطباعة والنشر.

فضيلة الفاروق. (2003). تاء الخجل. بيروت. رياض الريّس للكتب والنّشر. ط1.

فضيلة الفاروق. (1999). مزاج مراهقة. بيروت. دار الفارابي. ط1.

فضيلة الفاروق. (1999). اكتشاف الشّهوة. بيروت. دار الغرابي.

عبد الله الغذامي. (1996). المرأة واللّغة. المركز الثقافي العربي. ط1.

ياسين الأيوبي. (1982). مذاهب الأدب. معالم وانعكاسات. بيروت. المؤسسة الجامعية للدّراسات والنشر والتوزيع. ط1.

بو شوشة بن جمعة. د.ت. الرواية النسائية المغاربية. سوسة. تونس.

محمّد لمين فارسي Mohammed Lamine Farsi

المدرسة العليا للأساتذة - طالب عبد الرحمن - الأغواطمخبر اللغة العربية وآدابها - جامعة الأغواط
m.farsi@ens-lagh.dz

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article