إعادة التصور الرقمي للتراث الأثري المعماري : تأصيل مفاهيمي ومنهجي

La restitution numérique du patrimoine archéologique architectural : fondements conceptuels et méthodologiques

Digital Restitution of Architectural Archaeological Heritage: Conceptual and Methodological Foundations

قادة لبتر Qadda Labtar et يبدري عثمان Othman Yebdri

Citer cet article

Référence électronique

قادة لبتر Qadda Labtar et يبدري عثمان Othman Yebdri, « إعادة التصور الرقمي للتراث الأثري المعماري : تأصيل مفاهيمي ومنهجي », Aleph [En ligne], mis en ligne le 22 avril 2026, consulté le 02 mai 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16366

يتناول هذا المقال مفهوم « إعادة التصور الرقمي » بوصفه إحدى الأدوات المركزية في توثيق التراث الأثري المعماري وتحليله وتأويله. وينطلق من ملاحظة مفادها أن التداول الواسع لهذا المصطلح في الكتابات المتخصصة لا يقابله دائماً ضبط نظري ومنهجي كافٍ، إذ تختلط به مفاهيم قريبة مثل الترميم، وإعادة البناء، والمحاكاة، والتمثيل الافتراضي. لذلك يسعى البحث إلى تأصيل المفهوم تأصيلاً علمياً، وتتبع تشكّله التاريخي منذ محاولات ما قبل الرقمنة، مروراً بجدل القرن التاسع عشر حول التدخل في الأثر، وصولاً إلى التحول الذي أحدثته النمذجة الرقمية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. كما يشرح المقال الدوافع العلمية لاستعمال إعادة التصور، ويقترح مساراً منهجياً يقوم على جمع المعطيات، ونقدها، وترتيب درجات اليقين، ثم ترجمتها إلى نموذج رقمي موثَّق بالمصادر والقرارات التأويلية. ويعرض، في هذا الإطار، أهم التقنيات المعاصرة، ولا سيما الفوتوغرامتري والمسح الليزري، مع بيان مبادئهما الفيزيائية والهندسية ومجالات استعمالهما وحدودهما. ويخلص البحث إلى أن إعادة التصور الرقمي لا تكتسب قيمتها من قوتها البصرية وحدها، بل من قدرتها على تحويل الفرضية إلى بناء علمي قابل للفحص والمراجعة، شريطة الالتزام الصارم بأخلاقيات التدخل على التراث والتمييز الواضح بين المؤكَّد والمحتمل والافتراضي.

Cet article examine la restitution numérique comme un instrument scientifique de documentation, d’analyse et d’interprétation du patrimoine archéologique architectural. Il part du constat que le terme circule trop souvent dans les travaux spécialisés, au point de se confondre avec la restauration, la reconstruction ou la simulation. L’étude vise donc à stabiliser le cadre conceptuel de la restitution numérique, à retracer sa généalogie depuis les expériences antérieures à l’ère numérique jusqu’au tournant des modélisations 3D, et à expliciter les raisons scientifiques de son emploi. Elle propose un protocole fondé sur la collecte des données, leur critique, la hiérarchisation des degrés de certitude, puis leur traduction en un modèle documenté. L’article présente enfin les principaux outils contemporains, notamment la photogrammétrie et le scan laser, en montrant leurs principes, leurs usages et leurs limites. Il conclut que la valeur scientifique d’une restitution réside moins dans sa séduction visuelle que dans l’explicitation de ses preuves, de ses inférences et de ses zones d’incertitude.

This article examines digital restitution as a scientific instrument for documenting, analysing, and interpreting architectural archaeological heritage. It starts from the observation that the term circulates widely in specialised scholarship without always being conceptually stabilised, often overlapping with restoration, reconstruction, or simulation. The study therefore aims to clarify the notion, retrace its historical formation from pre-digital practices to the rise of three-dimensional modelling, and explain the scientific rationale for its use. It proposes a methodological sequence comprising data collection, critical processing, ranking certainty levels, and translating evidence into a documented model. The paper also discusses the main contemporary techniques, especially photogrammetry and laser scanning, outlining their physical principles, fields of application, and limitations. It concludes that digital restitution derives its scientific value not merely from visual persuasiveness but from the explicit documentation of sources, interpretive decisions, and uncertainty.

المقدمة

يشهد حقل حفظ التراث المعماري والأثري، خلال العقود الأخيرة، تحولاً عميقاً نقل مركز الثقل من منطق الصيانة المادية التقليدية إلى مقاربة مركبة توظف الرفع الرقمي، والتصوير الحاسوبي، والنمذجة ثلاثية الأبعاد، والمحاكاة البصرية. ولم يعد الأثر يُقرأ فقط من خلال مادته الباقية أو وثائقه الأرشيفية، بل صار موضوعاً لإعادة تمثيل تسمح باختبار فرضيات تتصل بهيئته الأصلية، ومسارات تحوله، وأنساقه البنائية والزخرفية، ووظائفه المحتملة.

في هذا السياق، برزت « إعادة التصور الرقمي » بوصفها أداة معرفية وإجرائية في آن واحد. فهي ليست مجرد إنتاج لصورة جذابة أو استعادة بصرية لمشهد مفقود، بل هي عملية تركيبية تجمع بين القياس، والمقارنة، والاستدلال، والنمذجة، بغرض صياغة تمثيل افتراضي معلَّل لحالة سابقة من حالات الأثر. ومن هنا فإنها تقع في نقطة التماس بين علم الآثار، والهندسة المعمارية، والتاريخ، وعلوم الصورة، والمعلوميات التطبيقية.

غير أن الانتشار الواسع للمصطلح في المشاريع التراثية وفي الأدبيات المتخصصة لا يخلو من التباس نظري. فكثيراً ما تُستعمل ألفاظ من قبيل « الترميم »، و« إعادة البناء »، و« المحاكاة »، و« إعادة التصور » على نحو تبادلي، مع أن لكل واحد منها وضعه الإجرائي وحدوده العلمية الخاصة. ويؤدي هذا الخلط إلى إضعاف دقة التقارير البحثية، وإلى إرباك تقويم النماذج الرقمية، ولا سيما حين تُعرض بصفتها تمثيلاً للحقيقة التاريخية من غير بيان صريح لدرجات اليقين والافتراض الكامنة فيها.

وتزداد الإشكالية تعقيداً عندما نستحضر البعد الفلسفي والأخلاقي للتدخل على التراث. فكل إعادة تصور، مهما بلغت من الدقة التقنية، تنطوي على عنصر تأويلي؛ إذ يضطر الباحث إلى سدّ فجوات الأثر الناقص بالاعتماد على القرائن والمقارنات والمعرفة السياقية. ومن هنا يعود السؤال الذي بلورته بوضوح المادة التاسعة من ميثاق البندقية : متى يظل التمثيل وفياً للأثر، ومتى يتحول إلى تخمين بصري غير مبرَّر (ICOMOS, 1964)؟

على هذا الأساس، يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن جملة من الأسئلة المتداخلة : كيف يمكن ضبط مفهوم إعادة التصور الرقمي وتمييزه عن المفاهيم المجاورة له؟ كيف تشكّل هذا المفهوم تاريخياً قبل أن يجد في الرقمنة وسيطه الأكثر فعالية؟ ما الدوافع العلمية والمنهجية التي تفسر الإقبال المتزايد على هذه التقنية في دراسة التراث؟ وما الشروط الإجرائية التي تجعل النموذج الرقمي بناءً علمياً قابلاً للفحص، لا مجرد تمثيل إقناعي؟

وينطلق البحث من فرضية مفادها أن القيمة العلمية لإعادة التصور لا تقوم على جودة الإخراج البصري وحدها، بل على نوعية العلاقة التي تنشئها بين الشاهد المادي، والوثيقة التاريخية، والقياس الهندسي، والقرار التأويلي المصرَّح به. ولذلك يعتمد المقال مقاربة وصفية تحليلية تستند إلى استقراء القواميس والمراجع المتخصصة، وتتبع التحولات التاريخية للفكرة، ثم عرض التقنيات الرقمية الرئيسة عرضاً يربط بين المبدأ العلمي والاستعمال الميداني.

1. الإطار المفاهيمي والمصطلحي لإعادة التصور

يرتبط مصطلح restitution، في أصله اللاتيني restitutio، بفكرة الردّ أو الإرجاع أو إعادة الشيء إلى حالته السابقة. وقد انتقلت هذه الدلالة العامة إلى الاستعمال الفرنسي، قبل أن تتخصص في الحقول الفنية والأثرية للدلالة على استعادة حالة أولية مفترضة لمبنى أو جزء من مبنى. وتجمع القواميس المتخصصة على أن restitution لا تعني مجرد الإعادة المادية، بل تشمل كذلك التمثيل البياني أو التجسيم الافتراضي لهيئة غابت أو تشوهت، أي representation graphique par le dessin ou le volume لحالةٍ مفترضة يستعيد بها الباحث منطق البناء وهيئته التنظيمية (Dictionnaire de l’Académie française, s. d. ; Pérouse de Montclos, 2009).

ومن ثم فإن « إعادة التصور » في المجال الأثري لا تنحصر في استرجاع صورة محسوسة، بل تحيل إلى فعل معرفي يتوسط بين الفكرة والصورة. وهذا المعنى يجد له سنداً فلسفياً فيما يورده أرسطو من أن النفس لا تفكر من غير صورة (Aristote, 1997). فالصورة هنا ليست زينة خارجية، بل شرطاً لإعادة تنظيم المعطيات وتحويلها إلى هيئة قابلة للفهم والمقارنة. ولذلك فإن إعادة التصور ليست استنساخاً بصرياً للماضي، بل بناءً استدلالياً يهدف إلى جعل الماضي قابلاً للإدراك العلمي.

وقد قدّم Golvin تعريفاً أصبح مرجعاً في هذا المجال حين اعتبر أن إعادة التصور هي الصورة التي يمكن أن يقدّمها المعلم التاريخي إذا أمكن الوصول، عبر الأدلة المتاحة، إلى رؤية افتراضية لحالته الأصلية أو الأولية في فترة من فترات وجوده (Golvin, s. d.). وينطوي هذا التعريف على بعدين متلازمين : أولهما أن الصورة المقترحة ليست اعتباطية، بل مؤسَّسة على شواهد؛ وثانيهما أنها تظل رؤيةً افتراضية قابلة للمراجعة كلما ظهرت قرائن جديدة أو أعيد تفسير المعطيات القديمة.

ومن ثم فإعادة التصور لا تشتغل في فراغ، بل داخل منطقة وسطى بين المعاينة والافتراض : فهي لا تستغني عن الشاهد الأثري، ولكنها لا تكتفي به أيضاً، لأن عليها أن تنظّم النقص وتفسّر الفراغ. ولهذا قد تختلف نتائجها من مشروع إلى آخر تبعاً لاختلاف corpus documentaire، ومعايير الترجيح، وحدود الجرأة التأويلية التي يعتمدها الباحث أو فريق العمل (Golvin, s. d.).

وتُفيد هذه الصياغة في التمييز بين إعادة التصور وبين الترميم المادي. فالترميم، وفق ميثاق البندقية، تدخل متخصص غايته صون المادة الأصلية وإظهار قيمتها التاريخية والجمالية، على أن يتوقف عند النقطة التي يبدأ فيها التخمين (ICOMOS, 1964, art. 9). أما إعادة التصور فتشتغل، في الغالب، داخل فضاء تمثيلي أو رقمي، وتحاول أن تجعل الفرضية قابلة للرؤية والاختبار من غير أن تضيف بالضرورة مادة جديدة إلى الأثر نفسه.

وعلى المستوى الاصطلاحي، يمكن تعريف إعادة التصور الرقمي بأنها عملية علمية ترمي إلى بناء تمثيل افتراضي مبرَّر لحالة ماضية أو محتملة لمعلم أثري أو معماري، بالاستناد إلى معطيات أثرية وتاريخية وهندسية قابلة للتحقق، مع التصريح الصريح بدرجات اليقين والفراغات التأويلية. وبهذا المعنى، فهي تختلف عن « إعادة البناء » التي قد تشير إلى تدخل إنشائي فعلي، كما تختلف عن « المحاكاة » التي قد تركز على السلوك أو الاستعمال أو البيئة من غير أن تجعل استعادة الهيئة الأصلية هدفها الأول.

وقد شددت المواثيق الحديثة الخاصة بالتصوير الحاسوبي للتراث، مثل London Charter وSeville Principles، على أن مشروعية التمثيل الرقمي لا تُستمد من كونه مفصلاً أو مقنعاً بصرياً، بل من كونه موثَّق المصادر، قابل المراجعة، ومصاحباً بما يكشف أدلته وحدود قراراته التأويلية (The London Charter, 2009 ; The Seville Principles, 2011). وهذه النقطة أساسية لأنها تنقل النقاش من مستوى الإبهار التقني إلى مستوى الحجاج العلمي.

جدول 1. الحدود الفاصلة بين المفاهيم القريبة

حدوده العلمية

موضوعه

طبيعته

المصطلح

يتوقف عند حدود الأصالة وما تسمح به الشواهد الموثوقة

صون المادة الأصلية وإظهار قيمتها التاريخية والجمالية

تدخل مادي على الأثر

الترميم

يتطلب مبررات قوية لأنه يضيف مادة أو بنية إلى الأثر

استكمال عناصر مفقودة مادياً أو إعادة إقامة جزء منهار

فعل إنشائي أو تركيبي

إعادة البناء

مشروعيته رهينة بتوثيق مصادره وبيان درجات اليقين فيه

بناء صورة معللة لحالة ماضية أو محتملة للأثر

تمثيل استدلالي/افتراضي

إعادة التصور

لا تعني بالضرورة استعادة الهيئة الأصلية للمبنى

اختبار الحركة أو الاستعمال أو البيئة أو الإضاءة

تمثيل وظيفي أو سلوكي

المحاكاة

2. التطور التاريخي لمفهوم إعادة التصور

لا يمكن فهم إعادة التصور الرقمية من غير ردّها إلى تاريخ أطول من التفكير في كيفية استحضار الماضي المعماري وتمثيله. فقبل ظهور الوسائط الرقمية بقرون، وُجدت محاولات متعددة لإعادة تخيل المعالم الغائبة أو المهدمة، غير أن أغلبها كان أقرب إلى الرؤية الفنية أو الرمزية منه إلى التحقيق العلمي. ومن هذا القبيل الرسوم التي تناولت برج بابل في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة، والتي عبّرت عن مخيال ديني أو اجتماعي أكثر مما عبّرت عن قراءة أثرية مضبوطة.

وتؤكد بعض التجارب السابقة للرقمنة هذه الطبيعة غير المستقرة للمفهوم. فمحاولات تصوير برج بابل في القرون الوسطى وعصر النهضة، عند Pieter Brueghel وValkenborch مثلاً، ظلت في معظمها مشدودة إلى المخيال الرمزي والديني، ولم تكن تستند إلى بروتوكول قياس أو إلى تصور منهجي للأصالة المعمارية كما نفهمها اليوم (Escoyes, 2016 ; De Bideran, 2012).

وقد بدأ التحول الفعلي مع عصر النهضة، عندما أدى اكتشاف المنظور الهندسي إلى تغيير جذري في تمثيل العمارة. فإسهام Brunelleschi في بلورة قواعد المنظور لم يكن مجرد تقدم فني، بل أسهم في جعل التمثيل أداة للقياس والتنظيم البصري، وهو ما مهّد لظهور تقليد جديد يربط الرسم المعماري بالملاحظة الدقيقة وبفرضيات البناء (Escoyes, 2016). وفي السياق نفسه، غذّت العودة إلى Vitruve وإلى العمارة الكلاسيكية لدى Andrea Palladio نزعة أكثر انتظاماً في قراءة المباني القديمة.

كما أسهمت العودة إلى Vitruve وأعمال Andrea Palladio في نقل التمثيل من المحاكاة الحرة إلى المقارنة المعمارية المدعومة بالمصادر القديمة، وهو ما مهّد تدريجياً لتحويل الرسم إلى أداة فحص وقراءة لا إلى أداة تجميل فحسب (Escoyes, 2016).

وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، مثّلت الحملة الفرنسية على مصر لحظة فارقة، لأن إنتاج الرفوعات والمخططات والوصف المصوَّر في Description de l’Égypte رسّخ نموذجاً وثائقياً جديداً يقوم على الجمع المنظم بين الوصف والرسم والقياس. ومع أن هذه الأعمال لم تكن خالية من الخلفيات الإيديولوجية المرتبطة بالسياق الاستعماري، فإنها ساعدت، من الناحية المنهجية، على إرساء فكرة أن استحضار المعلم الغائب يمر عبر تجميع منظم للشواهد لا عبر الخيال الحر فقط.

وتبرز هنا أهمية Description de l’Égypte، لا باعتبارها أثراً وثائقياً ضخماً فحسب، بل لأنها جسّدت أيضاً انتقالاً من النظرة الانطباعية إلى منطق الوصف المقاس، بمشاركة عشرات العلماء والرسامين والمهندسين الذين جمعوا بين الرفع، والرسم، والملاحظة الميدانية، وإعادة التمثيل. ومن هذه الزاوية، تبدو الحملة على مصر لحظةً أساسية في تاريخ بناء النظرة الوثائقية إلى الأثر، رغم ما يحيط بها من سياق سياسي وإيديولوجي معروف (De Bideran, 2012 ; Escoyes, 2016).

أما القرن التاسع عشر، فقد شكّل المرحلة الحاسمة في تشكل المفهوم الحديث للتدخل على المباني الأثرية. فقد دافع Viollet-le-Duc عن ترميم قادر على إعادة المبنى إلى حالة « كاملة »، حتى لو لم يكن قد وُجد تاريخياً على تلك الصورة النهائية ذاتها (Costa Guix, 1988). وفي المقابل، عارض John Ruskin هذا التوجه بشدة، معتبراً أن أي استعادة مفرطة تنتهي إلى محو أثر الزمن وتزييف الحقيقة التاريخية (Niglio, 2013). وقد ولّد هذا التعارض نقاشاً لم ينتهِ إلى اليوم حول الحدود بين الصون، وإعادة البناء، وإعادة التصور.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تكاثرت الرحلات العلمية والبعثات المعمارية التي أنتجت رسومات مائية ومسوحاً دقيقة للأطلال القديمة في المتوسط والشرق. وكانت هذه الأعمال غنية من حيث رصيدها الوثائقي، لكنها لم تكن دائماً مدعومة بمنهج صريح يميز بين ما هو مقاس، وما هو مستنتج، وما هو متخيل. ومن هنا سيظهر لاحقاً مطلب الشفافية المنهجية في كل تمثيل للماضي المعماري.

وقد بلور هذا التوتر بين النزعة الإعادية لدى Viollet-le-Duc والنزعة المحافظة لدى Ruskin أحد الأسئلة المؤسسة لإعادة التصور الحديثة : هل المطلوب استكمال الأثر حتى يصبح مقروءاً، أم صونه في حالة نقصه التاريخي؟ وسيظل هذا السؤال حاضراً حتى في البيئة الرقمية، لأن تغيير الوسيط لا يلغي مشكلة حدود التخمين، بل يعيد صياغتها في صور جديدة أكثر إقناعاً بصرياً (Costa Guix, 1988 ; Niglio, 2013).

ومع نهاية القرن العشرين، جاء المنعطف الرقمي ليغير المشهد بأكمله. فقد سمحت الحوسبة الرسومية والنمذجة ثلاثية الأبعاد بنقل إعادة التصور من الرسم الثابت إلى الفضاء الافتراضي القابل للدوران، والتكبير، والمقارنة، والتعديل. ويُعد مشروع Karnak في أواخر الثمانينيات من التجارب المبكرة التي أظهرت كيف يمكن للتمثيل الحاسوبي أن يصبح أداةً بحثية تساعد الأثريين على اختبار فرضياتهم، لا مجرد وسيلة للعرض (Semlal, 2012).

ومن ثم فإن القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لم يسلّما نظرية مكتملة لإعادة التصور، بل سلّما رصيداً وثائقياً كبيراً ومشكلةً نظريةً مستمرة : كيف نميز بين ما هو مقاس، وما هو مستنتج، وما هو مرسوم لضرورات الإفهام أو الإقناع؟ وهذا السؤال نفسه هو ما سيجد في النمذجة الرقمية المعاصرة امتداداً أكثر تعقيداً.

ثم جاء الاعتراف المؤسسي بالتراث الرقمي مع ميثاق اليونسكو لسنة 2003، الذي أقر بأن الموارد الرقمية أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية والبحثية للإنسانية، سواء وُلدت رقمية أم حُولت إلى الصيغة الرقمية (UNESCO, 2003). ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد إعادة التصور مجرد تقنية مساعدة، بل صارت جزءاً من الإطار العام للتوثيق والحفظ والإتاحة العلمية.

3. الدوافع العلمية والمنهجية لاستعمال إعادة التصور

تتعدد دوافع اللجوء إلى إعادة التصور في دراسة المباني الأثرية، لكنها تلتقي جميعاً حول رغبة مركزية هي إعادة وصل الأثر الناقص بتاريخ بنائه ووظيفته وشكله الأصلي. وقد لخص Golvin بعض هذه الدوافع في البحث عن « الصورة الموافقة » لأصل الموقع، وفي الفضول العلمي الذي تثيره الأطلال، وفي الإمكانات الجديدة التي تتيحها أدوات المعلوميات في تركيب الفرضيات ومقارنتها (Golvin, s. d.).

غير أن هذه الدوافع لا تستنفد وظائف إعادة التصور. فهي، أولاً، أداة للفهم العلمي؛ إذ تتيح للباحث الانتقال من قراءة العناصر المفردة إلى بناء فرضية كلية عن نظام المبنى. فالجدار المنهار، أو قاعدة العمود، أو أثر الربط الإنشائي، قد لا يبوح وحده إلا بمعلومة محدودة، لكن إدراجه داخل نموذج تركيبي يضيء علاقاته المكانية والوظيفية يكشف منطقاً معمارياً أوسع.

وثانياً، تؤدي إعادة التصور وظيفة اختبارية مهمّة. فالنموذج الرقمي لا يكتفي بعرض نتيجة نهائية، بل يسمح أحياناً بفحص إمكانات متعددة : هل كان هذا العنصر يحمل وظيفة إنشائية أم زخرفية؟ هل كان السقف مقبباً أم مسطحاً؟ هل تتوافق مقاييس الواجهة المقترحة مع بقايا القواعد والأعتاب؟ هنا تتحول الصورة من مظهر نهائي إلى أداة من أدوات الاستدلال.

وثالثاً، تكتسب هذه التقنية قيمة توثيقية وأرشيفية. فالمسوح الرقمية عالية الدقة تنتج سحباً نقطية وصوراً وملفات وصفية قابلة للحفظ والمشاركة، بما يتيح تكوين أرشيف مرجعي للحالة الراهنة للمبنى وللفرضيات التي اقترحت بشأنه. ويصبح هذا الأرشيف ذا أهمية خاصة حين يكون الأثر مهدداً بالتلف أو حين تتعذر العودة إليه ميدانياً باستمرار.

ورابعاً، لإعادة التصور وظيفة بيداغوجية وثقافية لا يمكن إغفالها. فهي تساعد على تقريب التراث من الجمهور، وتمكين غير المتخصصين من تصور المعالم المندثرة أو المجزأة، وتدعم وسائط العرض المتحفي والتعليم الجامعي والسياحة الثقافية. لكن هذه الوظيفة التواصلية لا يجب أن تطغى على الضبط العلمي؛ لأن النموذج المقنع بصرياً قد يُحدث أثراً معرفياً مضللاً إذا لم يكشف حدود افتراضاته.

وبناءً على ذلك، فإن مشروعية إعادة التصور تستند إلى التوازن بين أربعة أبعاد متكاملة : بعد معرفي يفسر الأثر؛ وبعد توثيقي يحفظ معطياته؛ وبعد اختباري يسمح بمراجعة الفرضيات؛ وبعد تواصلي ينقل المعرفة إلى الدوائر الأوسع. وكل خلل في هذا التوازن قد يحوّل التقنية من أداة بحث إلى مجرد صناعة صورة.

4. المنهجية الإجرائية لإعادة التصور الرقمي

إذا كانت إعادة التصور تمثل، من حيث المبدأ، انتقالاً من المعطى الأثري المتبقي إلى نموذج افتراضي مفسِّر، فإن هذه العملية لا تكون علمية إلا إذا خضعت لمسار إجرائي واضح. ويقترح هذا البحث التعامل معها بوصفها سلسلة من المراحل المتتابعة، لا بوصفها قفزة مباشرة من الأطلال إلى الصورة المنجزة. فكل مرحلة تُنتج نوعاً مخصوصاً من البيانات والقرارات، ويجب أن تبقى قابلة للتتبع والتوثيق.

تبدأ المرحلة الأولى بجمع المعطيات من مصادر متعددة. وتشمل هذه المعطيات الوثائق الأرشيفية والنصوص الوصفية القديمة، والصور التاريخية، والرفوعات السابقة، والمقارنات النمطية، فضلاً عن المسوح الميدانية التي تشتمل على القياسات المباشرة، والتغطية الفوتوغرافية، والوصف المورفولوجي والإنشائي، وتوثيق المواد وآثار التغيّر اللاحق. وكلما تعددت هذه الشواهد ارتفعت إمكانات التحقق المتبادل بينها.

تبدأ المرحلة الأولى بجمع المعطيات من مصادر متعددة. وتشمل هذه المعطيات الوثائق الأرشيفية والنصوص الوصفية القديمة، والصور التاريخية، والرفوعات السابقة، والمقارنات النمطية، فضلاً عن المسوح الميدانية التي تشتمل على القياسات المباشرة، والتغطية الفوتوغرافية، والوصف المورفولوجي والبعدي والنمطي والإنشائي، وتوثيق المواد والأسطح وآثار التغيّر اللاحق. وتبعاً للإمكانات المتاحة، قد يتم الاكتساب عبر الرفع اليدوي، أو الطوبوغرافي، أو الفوتوغرامتري، أو المسح الليزري، أو عبر الجمع بين أكثر من مسار داخل المشروع الواحد (Escoyes, 2016 ; Oussadit, 2020).

وتأتي بعد ذلك مرحلة النمذجة، حيث تُترجم الفرضيات المختبرة إلى شكل رقمي. غير أن النمذجة ليست نهاية العملية، بل هي لحظة تركيب مؤقتة ينبغي أن تُظهر بنية القرار العلمي : أي العناصر مبنية على قياس مباشر؟ وأيها مستنتج بالقياس على أمثلة مماثلة؟ وأيها افتراضي؟ وتوصي الأدبيات الحديثة بأن تنعكس هذه الدرجات حتى على مستوى تمثيل النموذج نفسه، إما بالألوان أو الطبقات أو الملف الوصفي المصاحب.

أما المرحلة الرابعة فتتصل بما يسمى اليوم metadata وparadata، أي الوثائق المرافقة التي تشرح مصادر النموذج، والخطوات التي أُنجز بها، وقرارات الاختيار والاستبعاد، وأسباب تبني فرضية دون أخرى. وبدون هذا التوثيق، يبقى النموذج النهائي معروضاً لخطر الغموض المنهجي، حتى لو بدا متماسكاً من الخارج (The London Charter, 2009).

وعليه، فالمسألة المنهجية في إعادة التصور لا تختزل في الكفاءة التقنية مهما بلغت. فالمشكل الحقيقي لا يكمن في القدرة على النمذجة، بل في القدرة على تبرير النمذجة. وهذا ما يجعل من إعادة التصور بحثاً مركباً ينتمي، بقدر ما ينتمي إلى التقنية، إلى إبستمولوجيا الدليل وإلى أخلاقيات التدخل على التراث.

مخطط 1. السلسلة الإجرائية العامة لإعادة التصور الرقمي

  1. جمع البيانات : أرشيف، مسح ميداني، صور، مقارنات

  1. المعالجة النقدية : فرز الأدلة، ترتيب اليقين، كشف الفجوات

  1. النمذجة : تحويل الأدلة والفرضيات إلى تمثيل رقمي

  1. التوثيق والتحقق : metadata / paradata، بيان القرارات التأويلية، وإعادة اختبار الفرضيات

الشكل رقم 01 : منهجية إعادة التصور

الشكل رقم 01 : منهجية إعادة التصور

نقلا عن :2016 Martin Escoyes بتصرف

جدول 2. درجات اليقين في النموذج الرقمي

آثاره على التمثيل الرقمي

الوصف

فئة العنصر

يُمثَّل بوصفه معطى موثقاً لا بوصفه افتراضاً

مدعوم ببقايا مادية أو وثائق مباشرة أو قياسات محققة

مؤكَّد

يُمثَّل مع بيان أساس الترجيح

مدعوم بقرائن متضافرة ومقارنات ذات صلة

مرجَّح بقوة

يُدرج مع التصريح بطبيعته الاستدلالية

مبني على القياس على أمثلة مماثلة أو على انتظام نظام بنائي معروف

استنتاج مقارن

يجب تمييزه بصرياً أو توثيقياً وعدم عرضه كحقيقة مكتملة

ضعيف السند أو قائم على احتمال مفتوح

افتراضي

5. التقنيات الرقمية المعاصرة في إعادة التصور

تستند إعادة التصور الرقمية المعاصرة، في جانبها الإجرائي، إلى طيف واسع من الأدوات، لكن الممارسة الميدانية أظهرت هيمنة تقنيتين رئيسيتين هما المسح التصويري (الفوتوغرامتري) والمسح الليزري ثلاثي الأبعاد. وتُستعمل هاتان التقنيتان منفصلتين أو مجتمعتين بحسب طبيعة المعلم المدروس، وحجم الفضاء، والدقة المطلوبة، والإمكانات التقنية المتاحة.

ومن الضروري التمييز هنا بين حالتين بحثيتين : الأولى تتعلق بالمعالم المندثرة أو المنهارة جزئياً، حيث يتقدم دور المقارنة والوثيقة التاريخية والتحليل المعماري؛ والثانية تتعلق بالمعالم القائمة، حيث تتصدر عمليات الاكتساب الرقمي المباشر. وفي الممارسة الفعلية، كثيراً ما يتداخل المساران، لأن الأثر القائم نفسه قد يتضمن أجزاءً باقية وأجزاءً غائبة تحتاج إلى استدلال.

1.5. المسح التصويري (الفوتوغرامتري)

يُعرَّف المسح التصويري، في الأدبيات التقنية، بأنه العلم أو التقنية التي تسمح بالحصول على معلومات موثوقة عن الأجسام والفضاءات اعتماداً على تسجيل الصور الفوتوغرافية وقياسها وتفسيرها (IGN Magazine, 2019). ومن الناحية العملية، يقوم هذا المسار على استخراج الإحداثيات المكانية من صور متداخلة ملتقطة من زوايا مختلفة، بما يسمح بإعادة بناء شكل ثلاثي الأبعاد للجسم أو للمشهد المدروس.

وتاريخياً، اقترن هذا العلم بتطور التصوير في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويُنسب إلى Albrecht Meydenbauer استعمال مصطلح Photogrammétrie في ستينيات القرن التاسع عشر، كما تُذكر أعمال Aymé Laussedat باعتبارها من اللبنات الأساسية لصياغة العلاقة الرياضية بين النقطة الواقعية وصورتها المسقطة. ومع التحول الرقمي، ازداد هذا الحقل قوة بفضل تطور الكاميرات والبرمجيات والخوارزميات القادرة على التعرف التلقائي على النقاط المتشابهة بين الصور (De Luca, 2006 ; Kanyanta Mubanga, 2022).

وتُظهر التطبيقات المعاصرة أن بناء النموذج قد يتم انطلاقاً من صورة واحدة في الحالات المحدودة، أو من زوج صور يتيح الرؤية المجسمة، أو من كتلة متعددة الصور Multi-image block، وهو النمط الأكثر قوة في التوثيق المعماري لأنه يضاعف إمكانات المطابقة والحساب والتحقق (De Luca, 2006).

اللوحة رقم 01 : من اليمين إلى اليسار : تمثيل من صورة واحدة، زوج من الصور وكتلة متعددة الصور

اللوحة رقم 01 : من اليمين إلى اليسار : تمثيل من صورة واحدة، زوج من الصور وكتلة متعددة الصور

نقلا عن (Livio De Luca, 2006 : 16.)

ومن المفيد تذكّر أن الجذر المنظوري لهذه التقنية أقدم من الوسائط الرقمية ذاتها. فالشرح الذي قدمه Albrecht Dürer لكيفية تحويل الجسم المرئي إلى بنية هندسية قابلة للرسم يُبرز أن الفوتوغرامتري الحديث يوسّع، حسابياً، مبدأً قديماً يقوم على الربط بين موضع العين، ومستوى الصورة، ونقاط الجسم المراد تمثيله (Makhloufi, 2022).

الصورة رقم 01 : توضح استخدام المنظور الهندسي في المسح التصويري للحصول على بيانات ثلاثية الأبعاد من خلال صور ثنائية الأبعاد.

الصورة رقم 01 : توضح استخدام المنظور الهندسي في المسح التصويري للحصول على بيانات ثلاثية الأبعاد من خلال صور ثنائية الأبعاد.

نقلا عن :2022 Kanyanta Mubanga

ويعتمد الفوتوغرامتري، في جوهره، على مبدأ الرؤية المجسمة. فكما ينتج الإدراك البشري للعمق من اختلاف المنظور بين العينين، يُعاد بناء العمق رقمياً عبر مقارنة صور متراكبة والتعرّف إلى النقاط المشتركة بينها. ومن خلال معرفة مواضع الكاميرا واتجاهاتها، يمكن حساب تقاطع الأشعة الوهمية واستنتاج الإحداثيات الثلاثية للنقاط. وهذه العملية، المعروفة بالتثليث، هي الأساس الرياضي الذي تنتج عنه السحابة النقطية الأولية.

الشكل رقم 02 : رسم يوضح طريقة تحديد التثليث للنقاط المشتركة في الصور المتداخلة وتحديد مواقعها في الفضاء ثلاثي الأبعاد حسب مواضع الكاميرا المعروفة

الشكل رقم 02 : رسم يوضح طريقة تحديد التثليث للنقاط المشتركة في الصور المتداخلة وتحديد مواقعها في الفضاء ثلاثي الأبعاد حسب مواضع الكاميرا المعروفة

نقلا عن :2022 Kanyanta Mubanga

وتكمن قوة الفوتوغرامتري في قدرته على الجمع بين البعد المتري والبُعد اللوني/النسيجي. فهو لا ينتج شبكة ثلاثية الأبعاد فحسب، بل يسمح أيضاً بإكسائها بالصور الأصلية، بما يجعل النموذج قريباً من المظهر البصري للأثر. ولهذا السبب يعد خياراً مناسباً لتوثيق الواجهات، والعناصر الزخرفية، والسطوح ذات التنوع اللوني، كما أنه أقل كلفة نسبياً وأكثر مرونة من بعض تقنيات المسح الأخرى.

غير أن جودة نتائجه تبقى رهينة ببروتوكول الالتقاط. فلابد من ضمان تداخل كافٍ بين الصور، وتعدد في الزوايا والارتفاعات، وثبات نسبي في الإضاءة، وتجنب الظلال القاسية والسطوح اللامعة كلما أمكن. وفي الممارسة الميدانية، يُستحسن تنظيم الالتقاط في سلاسل متدرجة : مستوى منخفض قريب من القاعدة، ومستوى أوسط مائل في حدود 45°–50°، ومستوى علوي يغطي المناطق العليا أو العناصر البارزة. كما يجب الحفاظ على نقاط مشتركة بين كل صورة وأخرى، والتحرك ببطء وبشكل موازٍ للواجهات كلما كان ذلك ممكناً، وتقسيم المباني الكبيرة إلى وحدات أو قطاعات قابلة للمعالجة حتى لا تتحول كثرة الصور إلى مصدر اضطراب في الحساب (Makhloufi, 2022 ; Oussadit, 2020).

الشكل رقم 03 : رسم يوضح منهجية أخد صور لجسم.

Image 1000020100000280000001F6CF3E18BE8CD7BD07.png

الشكل رقم 04 : رسم يوضح منهجية أخد صور لفضاء داخلي

الشكل رقم 04 : رسم يوضح منهجية أخد صور لفضاء داخلي

الشكل رقم 05 : رسم يوضح منهجية أخد صور للواجهات الخارجية

الشكل رقم 05 : رسم يوضح منهجية أخد صور للواجهات الخارجية

ومن حدوده المعروفة أنه قد يتأثر بضعف النسيج البصري على بعض السطوح، أو بتكرار الأنماط بطريقة تربك اكتشاف النقاط المشتركة، أو بتغيرات الإضاءة القوية، أو بضخامة الملفات حين يتعلق الأمر بفضاءات معقدة. لذلك توصي الأدبيات المعاصرة بمرافقة هذا المسار بمعايرة جيدة للكاميرا، وبالتحقق المستمر من الجودة أثناء العمل الميداني، وبدمجه عند الحاجة مع معطيات ليزرية تعوض بعض نقائصه.

2.5. المسح الليزري ثلاثي الأبعاد (اللازرغرامتري)

يقوم المسح الليزري على إرسال شعاع ليزر نحو سطح الجسم المراد توثيقه، ثم قياس المسافة الفاصلة اعتماداً على خصائص الإشارة المنعكسة. والنتيجة هي سحابة نقطية كثيفة جداً تعبّر عن الإحداثيات المكانية للنقاط المقاسة (Grussenmeyer & Landes, 2011). ويُعرف هذا المسار أيضاً ضمن عائلة LIDAR، وقد تطورت استعمالاته من ميادين الاستشعار والفضاء إلى مجالات الهندسة، والمسح، وحفظ التراث. وتمتاز هذه التقنية بسرعة التقاط عالية ومن دون تماس مباشر مع الجسم، وهو ما يرفع من قيمتها في الحالات التي تكون فيها العناصر هشة أو صعبة الوصول.

الشكل رقم 06 : قياس الإحداثيات (x،y،z) لنقاط الجسم الممسوح بالماسح الضوئي الليزري

الشكل رقم 06 : قياس الإحداثيات (x،y،z) لنقاط الجسم الممسوح بالماسح الضوئي الليزري

نقلا عن : Pierre Grussenmeyer, Tania Lande 2011 : 13

ومن حيث التاريخ التقني، كثيراً ما يُشار إلى أن بدايات استعمال LIDAR الحديثة تعود إلى سبعينيات القرن العشرين، وأن بعض تطبيقاته الأولى ارتبطت بمهمات فضائية مثل Apollo 15. ثم اتسع استعماله تدريجياً مع تحسن أجهزة الاستشعار والحوسبة، إلى أن أصبح أداة معيارية في توثيق البنى المعقدة والفراغات الكبيرة.

وتوجد ثلاثة مبادئ رئيسية لقياس المسافة في الماسحات الليزرية. أولها مبدأ زمن الطيران، حيث تُحسب المسافة وفق العلاقة : المسافة = (سرعة الضوء × زمن الرحلة) ÷ 2. ويتيح هذا النظام العمل على مسافات بعيدة قد تتجاوز، في بعض الأجهزة، 500 متر، إلا أن دقته الشائعة تبقى في حدود 5 إلى 10 ملم تقريباً، وهو ما يجعله مفيداً في الرفوع الواسعة أكثر من التفاصيل الدقيقة جداً (Belouaar, 2018 ; Golubeva, 2022).

الشكل رقم 07 : كيفية عمل مبدأ قياس وقت الطيران

الشكل رقم 07 : كيفية عمل مبدأ قياس وقت الطيران

نقلا عن : Svetlana Golubeva

أما المبدأ الثاني فهو فرق الطور، وفيه تُقاس المسافة من خلال الفرق بين الإشارة المرسلة والإشارة المرتدة. وتمتاز هذه التقنية بسرعة جيدة ودقة مرتفعة في النطاقات القريبة والمتوسطة، وتعمل غالباً في مسافات تقترب من 80 إلى 120 متراً، مع نطاق استعمال نموذجي يتراوح تقريباً بين 1 و50 متراً. ولذلك فهي مناسبة للرفع الدقيق في الفضاءات المعمارية التي لا تتطلب مدى بعيداً جداً (Golubeva, 2022).

الشكل رقم 08 : كيفية عمل مبدأ قياس فرق الطور

الشكل رقم 08 : كيفية عمل مبدأ قياس فرق الطور

نقلا عن : (Svetlana Golubeva)

أما المبدأ الثالث فهو التثليث، حيث تُسقَط نقاط أو خطوط ليزرية مرئية على الجسم وتلتقطها كاميرا داخلية، ثم تُحسب الإحداثيات انطلاقاً من الوضعية النسبية لعناصر النظام البصري. ويمنح هذا المبدأ دقة قد تبلغ أعشار المليمتر، لكنه يعمل عادة في نطاقات قصيرة تقل غالباً عن خمسة أمتار، لذلك يُفضَّل في القطع الصغيرة أو التفاصيل المعمارية والسطحية الدقيقة (Golubeva, 2022 ; Oussadit, 2020).

الشكل رقم 09 : كيفية عمل مبدأ القياس بالتثليث

Image 100002010000028000000139163F319EB2480149.png

نقلا عن : (Svetlana Golubeva)

وتُعد قدرة المسح الليزري على إنتاج كثافات نقطية عالية جداً من أبرز مميزاته. فهو فعال في توثيق الهندسات المعقدة، والفراغات الداخلية، والأسطح التي قد لا تكون غنية نسيجياً بما يكفي للفوتوغرامتري. كما أنه أقل تأثراً ببعض شروط الإضاءة. ولهذا السبب يُستعمل على نطاق واسع في الرفع المعماري، وفي متابعة التشققات والتشوهات، وفي إنتاج نماذج مرجعية عالية الدقة.

ومع ذلك، فإن المسح الليزري ليس حلاً كاملاً بذاته. فالمعطيات الناتجة عنه قد تكون فقيرة نسبياً من حيث المعلومات اللونية إن لم تُدمج بصور فوتوغرافية، كما أن كلفته التجهيزية أعلى، وتحتاج معالجته إلى خبرة في تسجيل المحطات ودمج السحب النقطية. ولذلك فإن اختيار هذه التقنية ينبغي أن يرتبط بأسئلة البحث، لا بمجرد الافتتان بالدقة العددية.

ومن الناحية التشغيلية، يمكن أن يتم المسح وفق ثلاث ترتيبات رئيسة : جسم ثابت تحيط به عدة أجهزة استشعار، أو جسم ثابت يدور حوله مستشعر واحد، أو جسم متحرك أمام مستشعر ثابت. ويحدد حجم الجسم، ومسافة العمل، وطبيعة الفراغ، ودقة المشروع الخيار الأنسب من بين هذه الترتيبات (Oussadit, 2020).

اللوحة رقم 02 : كيفية عمل مبدأ المسح ثلاثي الأبعاد لجسم ما

اللوحة رقم 02 : كيفية عمل مبدأ المسح ثلاثي الأبعاد لجسم ما

نقلا عن :2020 Oussadit Hasna Imene

3.5. التكامل بين التقنيتين

لهذا السبب، تميل الممارسات الراهنة إلى التكامل بين الفوتوغرامتري والمسح الليزري بدل المفاضلة المطلقة بينهما. فالفوتوغرامتري يوفر غنىً بصرياً ومرونة تشغيلية وكلفة أقل، بينما يمنح المسح الليزري صلابة هندسية أعلى في كثير من الحالات. وعند دمج المعطيات الناتجة عنهما داخل سير عمل واحد، يصبح من الممكن الحصول على نموذج يجمع بين الدقة الشكلية والثراء البصري.

غير أن التقنية، مهما بلغت من الإحكام، لا تنتج وحدها معنى أثرياً أو تاريخياً. فهي تقدّم معطيات ممتازة عن السطوح والأبعاد والعلاقات المكانية، لكنها لا تكفي وحدها لحل مسائل التأريخ الوظيفي، أو تعيين المراحل البنائية، أو ترجيح أشكال العناصر المفقودة التي لا أثر مادياً لها. ومن ثم فإن التكامل الحقيقي لا يكون بين جهازين فقط، بل بين المعطى الرقمي والتحليل الأثري والنقد التاريخي.

جدول 3. مقارنة موجزة بين الفوتوغرامتري والمسح الليزري

المسح الليزري

الفوتوغرامتري

المعيار

قياس المسافات بأشعة الليزر

استخراج الإحداثيات من صور متداخلة

مبدأ العمل

أعلى نسبياً

أقل نسبياً

الكلفة

متوسط ما لم يُدمج بإكساء بصري

مرتفع

الثراء اللوني/النسيجي

عالية جداً في كثير من الحالات

جيدة إلى عالية بحسب البروتوكول

الدقة الهندسية

فراغات كبيرة، أشكال معقدة، رفع مرجعي دقيق

واجهات، عناصر زخرفية، توثيق مرن

أفضلية الاستعمال

يتطلب تجهيزات وخبرة أعلى في المعالجة

يتأثر بالإضاءة وبضعف النسيج البصري

القيود

الدمج مع الصور الفوتوغرافية لإغناء النموذج

الدمج مع تقنيات أخرى عند الحاجة

الوضع الأمثل

الخاتمة

يُظهر هذا العرض أن إعادة التصور الرقمي لم تعد ممارسة جانبية في دراسات التراث الأثري المعماري، بل غدت إحدى أدواته المركزية، لما تمنحه من قدرة على تجميع الشواهد، وتنظيمها، وترجمتها إلى نماذج قابلة للفحص والمراجعة. غير أن هذه الأهمية لا ينبغي أن تحجب حقيقة أساسية مفادها أن التقنية لا تعفي الباحث من المسؤولية الإبستمولوجية؛ فكل نموذج، مهما بدا مكتمل الصورة، هو نتيجة لسلسلة من الاختيارات النقدية والاستدلالية.

وقد بيّن المسار التاريخي للمفهوم أن تمثيل الماضي المعماري انتقل من اللوحة المتخيلة إلى الرفع المقاس، ومن الترميم ذي النزعة الإنشائية إلى النمذجة الحاسوبية القابلة للتحديث. وهذا الانتقال لم يكن مجرد تطور في الأدوات، بل كان أيضاً تحولاً في فهم العلاقة بين الأثر، والصورة، والفرضية. فالصورة العلمية لم تعد تدعي الحلول محل الأثر، بل صارت وسيطاً لتفسيره والتساؤل عنه.

كما اتضح أن نجاح إعادة التصور رهين بجملة من الشروط المنهجية : تنويع مصادر المعطيات، وممارستها نقدياً، والتصريح بدرجات اليقين، وتوثيق القرارات التي بُني عليها النموذج، وربط الإخراج البصري بالحجاج العلمي. وكل إخلال بهذه الشروط يعرّض النموذج لخطر أن يتحول إلى تخمين بصري مغرٍ لكنه هش من الناحية المعرفية.

وبالنسبة إلى الدراسات العربية، تبدو الحاجة قائمة إلى مزيد من التأصيل النظري والتدريب المتخصص، وإلى تطوير بروتوكولات توثيق ومراجعة تجعل النماذج الرقمية قابلة للتقييم والتراكم العلمي. كما تبدو الحاجة واضحة إلى إتاحة البيانات الوصفية والباراداتا المصاحبة للمشاريع، حتى لا تبقى النتائج النهائية مفصولة عن منطق بنائها.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن مستقبل إعادة التصور الرقمي في التراث المعماري يتجه نحو مزيد من التكامل بين الفوتوغرامتري، والمسح الليزري، ونظم المعلومات الجغرافية، وربما تقنيات الذكاء الاصطناعي التي قد تساعد في اكتشاف الأنماط وتوليد الفرضيات. غير أن هذا الأفق الواعد لن يكون ذا قيمة إلا إذا ظل محكوماً بأخلاقيات الصون، وبالتمييز الصريح بين ما تثبته الأدلة وما تقترحه المقارنات وما يظل في مرتبة الاحتمال.

Belouaar, A. (2018). La restitution numérique de la forteresse byzantine de Thamugadi [Mémoire de magister, Université de Biskra].

Costa Guix, F. X. (1988). Viollet Le Duc’s Restoration of the Cité of Carcassonne : A Nineteenth-Century Architectural Monument [Master’s thesis, Pennsylvania University].

De Bideran, J. (2012, 11 décembre). Premier aperçu de l’histoire des images de synthèse patrimoniales : retour sur quelques expériences de restitution infographique. Journée d’étude « La visualisation architecturale et patrimoniale », École nationale supérieure des Arts Décoratifs, Paris.

De Luca, L. (2006). Relevé et multi-représentations du patrimoine architectural : définition d’une approche hybride de reconstruction 3D d’édifices [Thèse de doctorat, École nationale supérieure d’arts et métiers, Centre d’Aix-en-Provence].

Dictionnaire de l’Académie française. (s. d.). Restitution.

Dubois, S., et al. (2017). Le relevé géométrique à haute définition : la numérisation 3D à l’heure du BIM. Innovation Paper.

Escoyes, M. (2016). La restitution du patrimoine architectural par la représentation virtuelle tridimensionnelle [Mémoire de fin d’étude d’architecture, Université catholique de Louvain].

Golubeva, S. (2022, 24 janvier). Qu’est-ce que le scan 3D laser ? Artec 3D Learning Center.

Golvin, J.-C. (s. d.). L’image de restitution et la restitution de l’image (Vol. 1). Université de Bordeaux III.

Grussenmeyer, P., & Landes, T. (2011). Images et modèles 3D en milieux naturels : lasergrammétrie terrestre. Collection EDYTEM, Cahiers de géographie, 12.

ICOMOS. (1964). Charte internationale sur la conservation et la restauration des monuments et des sites (Charte de Venise).

IGN Magazine. (2019). La photogrammétrie, le Val de Marne et l’IGN : la géographie au service du progrès (No. 94).

Kanyanta Mubanga. (2022, 5 mai). Qu’est-ce que la photogrammétrie ? Artec 3D Learning Center.

Makhloufi, F. Z. (2022). Intervention sur le patrimoine ksourien : entre planification et autoconservation, l’exemple des ksour de la Saoura [Thèse de doctorat, Université de Béchar].

Niglio, O. (2013, May). John Ruskin, The conservation of the cultural heritage. Graduate School of Human and Environmental Studies, Kyoto University.

Oussadit, H. I. (2020). Mise en valeur et compréhension du patrimoine architectural à Tlemcen par une interprétation contemporaine : cas de la restitution 3D du bain d’Agadir [Thèse de doctorat, Université de Tlemcen].

Pérouse de Montclos, J.-M. (2009). Architecture : méthode et vocabulaire. Éditions du Patrimoine.

Semlal, A. (2012). Moyens informatiques de restitution en archéologie monumentale : cas du temple de Karnak [Thèse de doctorat, Université de Montréal].

The London Charter. (2009). The London Charter for the Computer-Based Visualisation of Cultural Heritage (Version 2.1).

The Seville Principles. (2011). International Principles of Virtual Archaeology.

UNESCO. (2003). Charter on the Preservation of the Digital Heritage.

الشكل رقم 01 : منهجية إعادة التصور

الشكل رقم 01 : منهجية إعادة التصور

نقلا عن :2016 Martin Escoyes بتصرف

اللوحة رقم 01 : من اليمين إلى اليسار : تمثيل من صورة واحدة، زوج من الصور وكتلة متعددة الصور

اللوحة رقم 01 : من اليمين إلى اليسار : تمثيل من صورة واحدة، زوج من الصور وكتلة متعددة الصور

نقلا عن (Livio De Luca, 2006 : 16.)

الصورة رقم 01 : توضح استخدام المنظور الهندسي في المسح التصويري للحصول على بيانات ثلاثية الأبعاد من خلال صور ثنائية الأبعاد.

الصورة رقم 01 : توضح استخدام المنظور الهندسي في المسح التصويري للحصول على بيانات ثلاثية الأبعاد من خلال صور ثنائية الأبعاد.

نقلا عن :2022 Kanyanta Mubanga

الشكل رقم 02 : رسم يوضح طريقة تحديد التثليث للنقاط المشتركة في الصور المتداخلة وتحديد مواقعها في الفضاء ثلاثي الأبعاد حسب مواضع الكاميرا المعروفة

الشكل رقم 02 : رسم يوضح طريقة تحديد التثليث للنقاط المشتركة في الصور المتداخلة وتحديد مواقعها في الفضاء ثلاثي الأبعاد حسب مواضع الكاميرا المعروفة

نقلا عن :2022 Kanyanta Mubanga

الشكل رقم 04 : رسم يوضح منهجية أخد صور لفضاء داخلي

الشكل رقم 04 : رسم يوضح منهجية أخد صور لفضاء داخلي

الشكل رقم 05 : رسم يوضح منهجية أخد صور للواجهات الخارجية

الشكل رقم 05 : رسم يوضح منهجية أخد صور للواجهات الخارجية

الشكل رقم 06 : قياس الإحداثيات (x،y،z) لنقاط الجسم الممسوح بالماسح الضوئي الليزري

الشكل رقم 06 : قياس الإحداثيات (x،y،z) لنقاط الجسم الممسوح بالماسح الضوئي الليزري

الشكل رقم 07 : كيفية عمل مبدأ قياس وقت الطيران

الشكل رقم 07 : كيفية عمل مبدأ قياس وقت الطيران

نقلا عن : Svetlana Golubeva

الشكل رقم 08 : كيفية عمل مبدأ قياس فرق الطور

الشكل رقم 08 : كيفية عمل مبدأ قياس فرق الطور

نقلا عن : (Svetlana Golubeva)

نقلا عن : (Svetlana Golubeva)

اللوحة رقم 02 : كيفية عمل مبدأ المسح ثلاثي الأبعاد لجسم ما

اللوحة رقم 02 : كيفية عمل مبدأ المسح ثلاثي الأبعاد لجسم ما

نقلا عن :2020 Oussadit Hasna Imene

قادة لبتر Qadda Labtar

مخبر التراث الأثري وتثمينه، جامعة تلمسان (الجزائر)Université de Tlemcen
qadda.labtar@univ-tlemcen.dz — ORCID : 0009-0004-7370-3222

يبدري عثمان Othman Yebdri

مخبر التراث الأثري وتثمينه، جامعة تلمسان (الجزائر)Université de Tlemcen
othman.yebdri@univ-tlemcen.dz — ORCID : 0009-0000-7600-8314

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article