المقدمة
إنّنا أمام الرّواية المعاصرة وتداعيّات التّجنيس على مستوى الظّاهرة الإبداعيّة لا يُمكننا مكاشفتها بمعزل عن التّفاعل التّعاضدي ما بين الأنماط الفنّية فهاته النّظريّة – والتي أقصد بها نظرية الأجناس الأدبيّة- منذ استكمال تقعيدها النّظريّ الذي فرض علينا حدودًا صارمة إزاء أي صنف أدبيّ قد جعلت كلّ جنس أدبي يتغلّف ويتزيا بخواص ومقوّمات يستحيل هتكها أو الإعراض عنها.
بيد أنّ المجاوزات الحداثية التي مسّت الخطاب النّقدي وإشكاليّة تلقّي القول الفنّي، قد تسلّلت منها حزمة من المُستجدّات قد غيّرت بموجبها الكثير من الثّوابت النّظرية التي خضعت للتّمجيد منذ عهود سالفة. وأُعيد النّظر في العديد من المسائل والنّظريّات وكان من نتائج ذلك؛ وهن وسقوط ما يسمىّ باستقلاليّة الأجناس الأدبيّة، فبغضّ النّظر عن خواصها إلّا أنّها عبّدت طريقًا ضيّقًا ومسدودًا أمام الطّاقة التّعبيريّة لدى الأديب، وبالتّالي ما يمتّن رصانته وقدراته الجماليّة هو تعالقه المكين مع الجنس الآخر ومدى تفاعله معه في إنتاج المعنى وتوجيه الدّلالة.
فسنّ نظرية تقارب الأجناس الأدبيّة في تمثّلها وتماهيها في متن طبقات الخطاب هو ترخيصٌ نقديّ بما نسمه بالتّضافر الأجناسي الذي يهب الجنس الأدبي القدرة على التّغذي والاستلهام من جنس آخر. إلّا أنّ هذا التّواشج يقتضي بالضّرورة – وفي جلّ المواضع- الحنكة الفنّية والذّوق الدّقيق أو بالأحرى يشترط أعلى درجات الكسب الفنّي والوعيّ النّقدي في الآن ذاته.
واحتذاءً بهذا الطّرح نستسيغ الإشكاليّة التّالية : ما دلائل الاستحضار التّاريخي والتّضافر الأجناسيّ في الخطاب السّرديّ؟
وإنّنا في هذا السّياق – ومن جُملة أدب السيرة- انتقينا نصًا سرديًا لأحلام مستغانمي وَسَمَتْهُ ب(أصبحتُ أنتَ)؛ نصٌ حافلٌ بالأحداث التاريخيّة والتّوصيف الواقعي والاستعلاء الذّاتي مُتجاوزًا إكراهات السّرد الكلاسيكيّة، مُستعينًا بآليات مستجدّة استعانت بها واستنجدت بأدواتٍ أجناسيّة مُغايرة لتجسّد فنّ السيرة بما يحمله من أحداث وقيم ومراوغات... وامتثالًا لهاته الإشكاليّة آثرنا تقديم طرح نظري حول المفاهيم الأساسيّة، أمّا في الجانب التطبيقيّ فركّزنا على الاستدعاء التّاريخي للأحداث بيدَ أنّنا في الجزء الثاني حاولنا اقتناص الأبعاد الدلاليّة لهاته الظّاهرة ومدى تحقيق التّوازن ما بين المضمون الواقعيّ والصيغة الفنّية، وفي الأخير وثّقنا النتائج المتوصّل إليها. أما عن المنهج المُتبع : فقد تمّ الاعتماد على المنهج الوصفي التاريخي معتضدين بآلية التحليل باعتبارهما الأنسب للدّراسة.
1. تجليات التضافر الأجناسي في المتن الروائي
لا شكَّ أنَّ تيمة التّداخل الأجناسي (Hybridité générique) من المفاهيم الحديثة في النقد الأدبي التي أثارت جدلاً واسعًا وذلك لدواعٍ عدّة منها؛ ما شهده نمط الكتابة في الآونة الأخيرة من انفتاح غير معهود، حيث ظهرت أشكالًا إبداعية مواضيعها وأجناسها مُتوالفة ومُتواشجة يتعسّر تقويضها وتفكيك ارتباطها، ومن هذا المعطى انبثقت عدّة أعمال يتضافر فيها السرد مع الشّعر، كما تجاوز بعض المبدعين التّداخل الأجناسي وكسر طابوهاته بتداخل فنون التأليف وتسييجها في عمل إبداعي واحد وهذا إن دلّ على شيء فهو امتداد مسألة التضافر الأجناسي وتوسع أطره.
وباعتبار أنَّ الرواية المعاصرة قد رمقت تحولات وتحوّرات عدّة تتمثل في استيعابها واستقطابها لسائر الأجناس الأدبية والمعارف والفنون مع اعترافها باختراق كلّ معالمها الأجناسيّة وذلك بُغية إثراء كُنهها وتكثيف خطابًاتها، ومبدأ الاحتواء الذي أصدرته الرواية يوحي باتساع رقعتها ورحابة فضائها، وبإجماع النقاد والمُتخصصين فإنَّ الرواية
« هي الجنس الأكثر تحرّرا لأنّه جنس غير مُكتمل لا حدود له ولا ضفاف، أمواجه مُمتدة دون شواطئ، فهو جنس ما ينفكّ يجهز على الأجناس التقليدية القديمة ليجعلها في خدمته » (الرّياحي، 2004، صفحة 07)
ومنه نستشف أن الرواية جنسًا أدبيا منفتحًا غير مُكبّل يتجاوز كلّ القوالب فلا وزن يقيّدها أو قواعد صارمة تضيّق أفقها، وهذا ما يجعلها في تطور دائمٍ فكلّ رواية بإمكانها أن تتيح للمُتقبل تعريفًا لها ولهذا فهي لا تكتفي بذاتها ما يجعلها تستقطب أجناسًا أخرى تعيد بناءها داخل أسوارها، وعطفًا على هذا يُمكن القول بأنَّ الرّواية المُعاصرة أضحت نصًا مُركَّبًا أو ما يصطلح عليه النُقاد بالنَّص الكوني (Texte-monde) ذلك لأنها تنفتح على جلّ أشكال الخطاب. ويمكننا الإدلاء في هذا السياق بتصريح حافظ إبراهيم الذّي يرى أنَّ الرواية
« الجنس الأدبي الوحيد الذّي ما زال مستمرًا في تطوره، وبالتالي لم تكتمل كل ملامحه حتى الآن فالقوى التي تسهم في صياغة ملامحه باعتباره جنسًا أدبيًا لا تزال فاعلة ومُتحولة أمام أعيننا...وليس باستطاعتنا التنبؤ بكل احتمالاته التشكيلية » (صبري، 1993، صفحة 41).
وتأسيًّا بمبدأ احتواء الرّواية للانغماس الأجناسي وإبرازها لرحابة فضائها لمسألة الانفتاح من مبتغى تمتين المتن السردي من خلال استيعابها لجُملة من الأجناس أهمها؛ الشّعر، الرسالة، الأسطورة، المقامة، وغيرها...التي تتواشج وتتماهى فيما بينها لتنتج نصًا إبداعيًا، تتشابك فيه كلّ هذه الأجناس وتتوالف دون أن تُحدث إخلالاً ببنية الرّواية.
2. تمثلات الميثاق التاريخي في البنية السردية للرواية
1.2. الميثاق التاريخي بين التوثيق وإعادة الكتابة السردية
أبدى المُهتمون بدراسة الرواية جهودًا حثيثة تتمثل في التّحري عن خصائصها والتنقيب عن امتدادها وفي هذا السياق أسفروا عن مسألة تضافر الرواية مع الميثاق التاريخي الذي يتيح للرواية سرد وقائع أحداث حدثت في الماضي، مُتوخيةً في ذلك من التاريخ مجالاً لها مُسخّرة في ذلك جُملة من مكانيزمات الخطاب التّخييلي، ومن منظور أنَّ أيّ رواية
« جنس حواري آكل للأجناس-على حدّ تعبير باختين- أو أنها جنس لا قانون له » (القاضي، 2008، صفحة 85).
وجديرٌ بالذكر في هذا المقام الحديث عن حضور الميثاق التاريخي في السيرة الروائية أصبحتُ أنت في قول الروائية :
« سنة 1982 بعد نصف قرن على احتلال فرنسا للجزائر، أصدرت الإدارة الاستعمارية قانون الألقاب، لاستبدال الألقاب الثلاثية للجزائريين، وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنّسب، ولا تبدأ ب »آل التعريف« ليسهل كتابتها بالأحرف اللاتينية، وتردف قائلة : » كان جدي آنذاك كثير التردّد على مُستغانم، لزيارة من استقرّوا هناك من أسلافه، وغادروا قسنطينة مع أحمد باي بن عبد الله المملوك، أحد بايات قسنطينة، الذي استقرّ في مستغانم مع المُقرّبين من رجاله قبل دخول فرنسا ببضع سنوات« (مستغانمي، 2023، صفحة 168)
نلحظ في هذا القول حضور الذاكرة الجماعية والميثاق التاريخي كذريعة سردية مركزية، يعكس وعيًا حادًا بالانتماء والهوية، حيث كشفت الروائية بيانًا ينصّ على صدور قانون فرنسي هدفه تقويض الألقاب التقليدية الجزائرية؛ التي تتضمن في طياتها رمزية النسب والاعتزاز بالهوية والانتماء سواء كان ذلك بالقياس على الصعيد القبلي أو الجانب الديني، وفرض ألقاب هجينة تتيسر كتابتها بلغة المستعمر، وهذا ما يجسّد سياسة الفرنسي التي سعى لفرضها والعمل بها، قصد جعل الجزائريين مُكبّلين اجتماعيًا وثقافيًا بالفرنسيين، ومن هذا المعطى اجتهدت أحلام لتجسّد قصة جدها الذي ينتقل إلى مُستغانم التي تعدُّ رمزًا سياسيًا وثقافيًا، حيث استقرّ عددٌ من أجداده الذين غادروا مدينة قسنطينة رفقة أحمد باي؛ الذي يُمثل آخر رموز السيادة الجزائرية قبل سُقوطها...وهنا يمكن القول بأن أحمد باي من أبرز رموز المُقاومة والانتماء الوطني، كونه من القامات التاريخية التي تصدت وجابهت الاحتلال الفرنسي، وعليه فإنَّ مثوله في الرواية يوحي بإعادة إحياء الميثاق التاريخي للتّصدي والنّضال ضدّ المحتل. ومن الواضح أن مستغانمي تكتب من داخل التاريخ،كونها لا تكتفي بالتوثيق، بل تجعل من النص الروائي ساحة لاستعادة الكرامة والهوية والحق في السرد. فهي تعيد تشكيل »الميثاق التاريخي« الذي تحدث عنه بول ريكور(Paul Ricoeur) كمجموعة من الرموز والمراجع التي تؤسس لذاكرة الأمة.
2.2. الميثاق التاريخي كأساس إبستمولوجي لربط الذاكرة الجماعية بالمرجع التاريخي
تُبدي أحلام مستغانمي سؤالًا مفاده :
»ثم ماذا عن ثلث سكان الجزائر الذين أُبيدوا منذ سنة 1830، في حرب مُعلنة لإفراغ البلاد من سُكانها، فما عرفته الجزائر ما كان استعمارًا، بل استيطان، أي محاولة استبدال لغة بأخرى وتاريخٍ بآخر وشعبٍ بآخر عن طريق الإبادة الجماعية قصفًا وحرقًا وتجويعًا وتفقيرًا وتهجيرًا نحو جزر نائية، أين حق هؤلاء وهل من إمكانية مهما عدلنا لإنصافهم؟ « (مستغانمي، 2023، صفحة 174)
من الواضح أنّ مستغانمي تسعى لإبراز الحضور القوي للميثاق التاريخي باعتباره أحد المفاهيم التي تعمل على توطيد العلاقة بين الذاكرة الجماعية والتاريخ الرسمي، ووصل الماضي المُعاش بالمُستقبل المرجو، وبين حقوق الضحايا والواجبات التي يلزم على الدولة الانقياد لها والامتثال بما تتضمنه قصد حفظ الحقوق، ولعلَّ النَّص الذي سردته الروائية يُوحي بذلك، حيث استهلته باستحضار واحدة من أكثر الفصُول دموية في تاريخ الجزائر، ألا وهي الحقبة الاستعمارية التي كانت بداية من سنة 1830، أين عرفت الجزائر إبادة جماعية من طرف المحتل تعرض لها ثلث سكان الجزائر، ممّا يجعل هذا التاريخ لا يقتصر على أنه مُجرد ذكرى بل يتعدّى ذلك إلى أن يغدو شهادة تُؤسس لميثاق تاريخي ينبغي عدم تجاوزها بمُسمى العدالة، ثم تُردف الكاتبة بقولها (ما عرفته الجزائر لم يكن استعمارًا بل استيطانًا) إنّ هذا التصريح الذي تدلي به يهدف إلى الإسفار عن التمسك بإعادة سرد الوقائع التاريخية من وجهة نظر الضحية لا من منظور القوة الاستعمارية، وهذا ما يُمثل كُنه الميثاق التاريخي، الذي يدحض المصالحة الزائفة القائمة على تحسين صورة المُحتل وإنكار الألم الذي كابده الشعب الجزائري وإعادة تأطيره بلغة ناعمة تُخفي الحقائق المدونة التي لا تزال خالدة في ذهن الجزائريين.
ومن هذا المعطى تطرح مستغانمي تساؤلًا مفاده استنطاق العدالة التاريخية والأخلاقية التي يفرضها الميثاق التاريخي، ذلك أنه يرى أنَّ الإنصاف يتحقق بالاعتراف بالجرائم المرتكبة، وحفظ ذاكرة الشُهداء، وضمان حضورهم وتخليدهم في السرد الوطني.
وبذلك فقد كان الغرض من النّص الذي وظّفته الروائية هو وصف محاولة المستعمر الذي لم يقتصر على القهر العسكري بل تجاوزته لإرساء وتشييد مشروع يهدف لاستئصال الجانب الثقافي واللّغوي والهوياتي وكان ذلك بفرض لغة أخرى (سياسة الفرنسة La francisation) واستبدال التاريخ بآخر...وهذا ما يؤكد بأن الميثاق التاريخي ليس مُجرد استعادة للوقائع، وإنّما هو مقاومة للمحو والمحافظة على الهوية الجماعية للأمة. ولعلَّ عبارة (هل من إمكانية مهما عدلنا لإنصافهم؟) التي تضمر تلميحًا إلى حدود الأنظمة السياسية أو التشريعية في مُعالجة الجروح العميقة، كما تُؤكد على أن الميثاق التاريخي يتعدّى القوانين ليُطالب بمُساءلة وجودية ووجدانية وأخلاقية، تقرّ بضحايا الإبادة وتعترف بهم كأنهم جزء لا يتجزأ من كينونة الأمة.
3. تداخل الأجناس وجماليات التراسل النصّي في رواية « أصبحتُ أنتَ »
1.3. الشعر وتجلياته في البنية السردية للرواية
مع تصاعُد التّيارات ما بعد الحدَاثية، أصبح التّداخل بين الشّعر والرواية أمرًا مقبولاً ومحبَّبَاً أو بالأحرى بل إضفاء جمالي ومكسبٌ فنّي، حيث يُحتفى فيه بالتجريب وتفكيك الحدود بين الأجناس الأدبية. ومن هذا المعطى وظّفت أحلام مستغانمي أبياتًا شعرية وذلك لدواع منها : أنَّها شاعرة أصدرت العديد من الدواوين الشّعرية أبرزها (ديوان عليك اللّهفة) والسبب الثاني الترسانة الثقافية التي تمتلكها الروائية الجزائرية، ومن هذا المنظور فإنّ استحضارها للشّعر في نصوصها الروائية يمنحها القدرة على التعبير عن الحدث وتجسيده بلغة الشّعر، ومن ثمة، فقد رصُفت الكاتبة أحلام مستغانمي من رائدات اللّغة الشعرية في الرواية الحديثة، حتى وإن حجب النقد هذه التيمة واهتمامه بتواتر السرد في ثنايا الشعر بدافع
»ندرة الدراسات التي عُنيت بالبحث في مظاهر حضور الشّعري في جسد المحكي والروائي« (كمون، 2007، صفحة 33)
ولا شك أنَّ توظيف أحلام للشعر داخل روايتها الموسُومة ب (أصبحتُ أنتَ) قد خلق شعريةً جماليةً على المستوى الأسلوبي للمتن السردي، وباعتبار أنَّ الرواية حافلة ومشحونة بالعديد من الأبيات التي كانت مُصاحبة لشخوصها وأحداثها أين ساهمت في اصطباغ متن رواية أصبحتُ أنتَ بحلة شعرية أضفت جمالاً على عناصرها الجمالية كما ساهمت في إعادة تشكيل العناصر المألوفة بصورة غير معهودة، وبحكم أننا نؤوب لمكاشفة حضور الشّعر في متن رواية مستغانمي فإنّنا نلتمس العديد من النماذج نذكر منها؛ استدعائها لعدد من النصوص الشّعرية العربية الحديثة، وفي مُقدمتها شعر نزار القباني الذي يُعد رمزًا للحب في الذاكرة الثقافية العربية، ومن أبرز الشواهد التي توردها الروائية بيت نزار الذي يقول فيه (مستغانمي، 2023) :
(الحبُّ في الأرض بعض من تخيُّلنا........لو لم تجده عليها لاخترعناه) (مستغانمي، 2023)
حين يستقرئ المتلقّي هذا البيت الشعري في متن الرواية يُدرك أن أحلام مستغانمي لم تُدرجه بوصفه اقتباسًا عابرًا، بل يستحضر بوظيفة دلالية وجمالية تؤكّد شغفها للحب في الرواية.
كما تسفر الرواية، من خلال هذا الاستشهاد، عن فلسفة ضمنية ترى أن الحب ليس بالضرورة مُعطى واقعيًا، بل هو حاجة نفسية تُصاغ من الداخل، وقد يضطر الإنسان لاختراعه حتى يحافظ على اتزانه العاطفي. من هنا، يغدو القول الشعري أداة لتكثيف اللّحظة الشّعورية، ولإيقاد الحالة النفسية للشخصيات. علاوة على ذلك يُضفي هذا التوالف بين السرد والشعر على النص بُعدًا فنيًا خاصًا، تُصبح فيه الرواية فضاءً لتداخل بين الأجناس الأدبية.
وفي سياق آخر استعانت أحلام مستغانمي بالأقاويل الشّعرية القديمة لعلَّ أهمها قول عنتر بن شداد الذي يقول فيه (مستغانمي، 2023، صفحة 184) :
ولقد ذكرتك والرّماح نواهلٌ مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددتُ تقبيل السّيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتيم
استحضرت الروائية هذين البيتين لعنتر ليس فقط كاستشهاد تراثي وإنما وسيلة لربط الوجود العاطفي بالحالة البطولية، زيادة إلى هذا قصد تعميق الإحساس بالتضحية والعشق الذي ينأى عن الظروف كافة. وانقيادًا للمدلول الذي يرومه الشّاعر والمُتمثل في استحضار الحبيبة في وسط المعركة يُوحي إلى طبيعة الحب الذي يجابه الخوف والموت، علاوة على هذا يُصور عنتر السيوف التي تحاصره قصد قتله كأنها تشبه ابتسامة الحبيبة، فيرتد الموت إلى عاشق مُتيم، ولا ريب في القول أنَّ هذا التوظيف ليس مُجرد اقتباس بل له دلالة تكمن في تفعيل رمزية الشّعر القديم في سياق مُعاصر، حيث يغوص المُتلقي في التّحري عن المعنى المُضمر وإعادة تشكيله بما يتماشى مع الرؤية المُعاصرة للحب وهذا ما تمكنت الروائية من تحقيقه.
ولا يخفى علينا أنَّ أحلام مستغانمي تلجأ إلى استحضار الأقاويل الفنية القديمة في متن نصها الروائي بدافع المخزون الجمالي الخالد، الذي يُحدثُ طربًا كما يحرك وجدان مُتقبله العربي، ومن هذا المعطى يُمكن القول بأنَّ الروائية تعزز من خلال هذا التداخل الأجناسي أفق قارئها، ولهذا تستحضر ذاكرة جمعية تشترك فيها مع مُتلقيها. بالإضافة إلى هذا فإنّ ربط أحلام حاضر العاطفة العربية بالماضي وكأنها تصبو إلى جعل الحب العربي لا يتجرد من تاريخه الشعري السامق، فلا تقتصر وظيفة الشّعر في الإيماء إلى التراث بل تتعدّى ذلك إلى ربط الهُوية والوجدان العربي بذاكرة لغوية وثقافية مُمتدة على نطاق واسع.
ولعلَّ مثول الشعر في رواية أصبحت أنت يُؤدي وظيفة وجدانية؛ يتجول فيها المُتلقي من السرد إلى منطقة أكثر تأججا وانفعالاً، فحين تبلغ العاطفة ذروتها، بحيث تغدو لغة السرد غير كافية للبوح مما يحفزها على استقطاب الشعر واستعارته ليؤدي مهمة الإفصاح عمّا تعجز الجمل النثرية عن تصويره.
2.3. جماليات التراسل في رواية « أصبحتُ أنتَ »
لا مناص في أنَّ التراسل من أبرز المفاهيم الجمالية التي نشأت في فضاء الفكر الرمزي الغربي، وقد اقترن ظهوره باسم الشاعر الفرنسي شارل بودلير (Charles Baudelaire) في قصيدته الشهيرة المقابلات (Correspondances) حيث أدلى برؤية جمالية تقوم على الانفتاح الحسي وتداخل الحواس، بما يجعل الموجودات أشبه بـ »غابة من الرموز« تتشابك فيها الرؤى وتتوالف الإيحاءات عبر إشراك السمع والبصر والشم في تجربة موحَّدة (بودلير، 2008، صفحة 121). ولا شك أن هذا المفهوم قد تطور لاحقًا ليُمثل أحد المرتكزات الأساسية في نظرية الرمزية ويمتد تأثيره إلى الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة التي وسّعت مدلوله إلى مجالات مثل التناص (intertextualité)، والتداخل الأجناسي، والتفاعل النصي والثقافي (Kristeva, La Révolution Du Langage poétique, 1974, p. 59).
أمّا التراسل في النقد العربي، فقد تمّ توظيفه في بعده البلاغي والجمالي بوصفه آليّة تعبيريّة وإيحائيّة، حيث يخول للنّص الانفتاح على شبكة من العلامات والإشارات المتواشجة، ويمنحه بعدًا جماليًا يتعدّى حدود المباشرة إلى مُستويات أعمق من الرمز والإيحاء (مرتاض، 2003، صفحة 211). ومن هنا، باتت دراسة جماليات التراسل في النصوص السردية المعاصرة قائمة على الإسفار عن دينامية الكتابة وتفاعلها مع المرجعيات الثقافية والفنية والشعرية، كما تفتح آفاقًا واسعة للتأويل.
وبناءً على هذا المنطلق المعرفي؛ فقد شكلَّ التراسل في رواية أصبحتَ أنتَ لأحلام مستغانمي تقنية سردية محورية، ذلك أنه تجاوز جلّ حدود المكاتبة ليغدو مساحة تجمع بين الاعتراف وبوح، كما تفصح عن طبيعة توتر الذات وعلاقتها بالآخر. وعلى إثر هذا يتجسد البعد الشعري في ثنايا الرواية عبر لغة حميمة تستعيد الذاكرة وتعيد بناء الهوية.
ومن هنا نجد مستغانمي تستعين بعدّة رسائل في روايتها
»أصبحت أنت« أبرزها : رسالة الشاعر التركي ناظم حكمت التي وجهها من داخل السجن إلى زوجته يقول فيها (مستغانمي، 2023، صفحة 256) :
(ستعيشين بعدي يا امرأتي
وذكراي كدخان أسود
ستتبدّد في الريح
ستعيشين يا أخت قلبي
ذات الشّعر الأشقر
فالموتى لا يشغلون أكثر من سنة) (مستغانمي، 2023، صفحة 256)
تضمرُ هذه الرسالة بُعدا إنسانيًّا ووجدانيًّا عميقًا، حيث أنها تُفصح عن رؤية حكمت ناظم الوجُودية للغياب، ذلك أنه يستشعر فكرة موته ويقابلها بالصبر والتسليم لأمره، ومن ثمة فهو يرى اضمحلال ذكراه كالدخان الأسودِ الذي سُرعان ما يتلاشى في الأفق، رغم عمق الحب بين ناظم وزوجته. ومن هذا المُعطى يصبح حب الشاعر غير مُقتصر على حضور الجسد، بل يمتد ليجابه الغياب والموت، زيادة إلى هذا يغدو بأن الذكرى تتلاشى مع مرور الوقت ولهذا انتقى في رسالته لفظة الحبيبة وأخت قلبي فاستخدام التعبير الثاني يوحي إلى عُمق العلاقة العاطفية التي تتجاوز البُعد الجسدي إلى رابطة روحية.
ولا مندوحة في القول بأن مستغانمي تدرج هذا النوع من الرسائل داخل راويتها قصد تضمين السرد أبعادًا شعريةً وإنسانيةً، وتعملُ على تفعيلها في إطار عدَّة وظائف أبرزها : ترسيخ فكرة الفقد والغياب التي تجعل الرواية تكتب في مناخ تطغى عليه الانكسارات العاطفية والخسائر السياسية، فتأتي رسالة ناظم كمرآة عاكسة لهذا الإحساس العام بالفقد، وكأن البطلة هنا تستشعر أن ذكراها عن الآخر ستتلاشى كما يتلاشى الدخان –حسب تعبير الشاعر-زيادة على هذا يمكن القول بأن أحلام استدعت هذه الرسالة قصد الحديث بلسان بطلتها، التي تشعر أن المحبوب (الوطن أو الحلم) راحل عنها وأنها مُعرضة للبقاء وحدها تصارع ألم الغياب، من منطلق أنَّ الرسالة ليست فقط توثيقا لعاطفة تاريخية، بل تتحور عن صيغتها لتثير خطابًا داخليا تعيد البطلة إسقاط حيثياته على تجربتها، فتجعل من القول الفني صوتًا داخليًا يُسفر عن هشاشتها.
واستدلالا لما أحرزناه يتبدّى أن هذه الرسالة قد دوّنت من خلف أسوار السجن مُحملة بدلائل سياسية ووجودية، تصور الانكسارات الكُبرى وتعكسها على الشخصيات الروائية التي عايشت تجارب إنسانية مُماثلة.
3.3. حضور التناص في متن الرواية
لا شكّ أنَّ حضور التّناص في الرّواية من أبرز ملامح الكتابة السردية الحديثة، كونه يُمثل آلية لخلق الحوار بين النُصوص، زيادةً إلى هذا يفتح مجالاً واسعًا لتعدُد الأصوات والرؤى والتأويلات، ذلك أنّ
»كل نص هو نسيج من الاقتباسات والتداخلات النصية السابقة، وأنه لا يُنتج في فراغ بل في شبكة من العلاقات مع نصوص أخرى« (Kristeva, Séméiotikè- Recherches pour une Sémanalyse, 1969)
ومن ثم يصبح »النص الأدبي فضاءً للحوار بين النصوص، حيث تتجاور وتتصارع وتتفاعل لتوليد دلالات جديدة، بعيداً عن فكرة « الأصل » و« الابتكار المطلق » (فضل، 1985، صفحة 232).ومن هذا المُعطى حاولنا التقصي عن مثول التناص في الرواية ذلك أن الأقوال الشهيرة التي أوردتها أحلام في نصها الروائي، تبدو الأكثر تأثيرًا على حياة الشخصية، فهي لم تدرج لمجرد الزخرفة أو الإبهار، بل جاءت في انسجام وتوافق تام مع موضوع النص، ومع السياق الذي سبقها، وهذا ما يجعل إدراجها جزءًا طبيعيا من النسيج السردي، لا يُشوش على وحدة النص أو يقوض تسلسله الفكري، بل على العكس، يُعزّز من قوته ويُعمق من تأثيره، مُضفيا على الكتابة بُعدا دلاليًا وفنيًا أكثر كثافة، ومن بين أبرز هذه الأقوال نذكر (مستغانمي، 2023) :
« الذكاء مُشكلة، والتفكير مرض، وشدّة الإدراك لعنة حقيقية، كلّ وعي هو مرض » دوستوفسكي
« القدر كان طيبًا معي...لم أكن مجنونًا ولا أعمى، سوى أنني ما أزال أتوق إلى رؤية الرغيف أقل ثمنا لحياة البشر أغلى. » رسول حمزاتوف
نستشف من خلال التناص الوارد الذي استحضرته الروائية من دوستوفسكي ورسول حمزاتوف الذي يضمر دلالة شعورية عميقة تتجلى في :
-
التناص الأول : يشي بفاعلية الوعي ولعنة الإدراك التي يُجابهها بطل الرواية، ذلك أنَّ ضمير (أنت) يومئ إلى شخصية مجهولة الهوية تخاطبها الرواية، تكابد العديد من الآلام، مُحاطة بعذاب المعرفة، تعاني العجز رغم الوعي الذي تكتنزه. وقُدام هذه المآلات يمكن القول بأن هذا النوع من التناص يُؤسس لا محالة إلى حالة- وجودية سوداوية-تُعمق تجربة الحب والفقد معًا، فالحب على حدّ تعبير أحلام مستغانمي ليس غريزيًا بسيطا، بل مرض وعي... وإذا حاولنا التقصي عن الوظيفة السردية التي تتغيّا الروائية لبلوغها هي ابتداع جسر مع الفكر الروسي الذي تعرف به مستغانمي خاصة في أعمالها السردية الأخيرة.
-
في حين أن التناص الثاني؛ يحمل عمقا إنسانيًا وفلسفيًّا يتجاوز الاقتباس الظاهر إلى تكوين رؤية أحلام عن الإنسان والعالم، ويظهر هذا في شخصياتها المأزومة بالحب والفقد والانكسارات الوجُودية، وإذا شرعنا في التنقيب عن البعد الإنساني نُلفي تجربة وجدانية ذاتية، فحين تعرب البطلة بقولها « ما أزال أتوق إلى... » فهي تُعبّر عن أمنية مكسورة، عن خيبة أمل، عن حب ضائع، وفي الوقت نفسه عن حلم بعالم أعدل. وهنا يتوالف الحب ويتعاضد مع الكرامة الإنسانية، فالحب من منظورها لا يتلاشى عند الجوع، أو الفقر، أو الحزن....أمّا إذا حاولنا تتبع البعد التأملي نلحظ أن العبارة تضمر تناقضا هادئا : فالرجل ليس مجنونا ولا أعمى بيد أنه يتألم وذلك لأنه يرى، ومن هذا المعطى يكون الإدراك في هذا السياق عبء وهذا ما يعكس فلسفة النص الروائي حيث يكون الوعي عبئًا مُؤلما لا ميزة، ومن هنا تتقاطع هذه الرؤية مع الرؤية الوجودية، حيث يرتد الإنسان المُدرك إلى كائن موجوع بمشاعره ومعرفته،
وبإجماع المُهتمين والدارسين تقرر أن الرواية الحديثة تُعيد إنتاج النُصوص السابقة لا لتكرارها، بل لتقويضها وإعادة قراءتها ضمن إطار جديد، ومن هنا يمكن القول بأن التناص ليس مُجرد زينة لغوية، بل هو فعل معرفي وجمالي يُساهم في بناء النَّص.
الخاتمة
وممّا تقدم نستخلص جملة من النتائج مُلخصها :
-
تُعدّ رواية أصبحتَ أنت لأحلام مستغانمي تجسيدًا حيًّا لتوالف الأجناس الأدبية وتفاعلها ضمن إطار سردي يستبطن التاريخ ويُعيد تشكيله جماليًّا. فمن خلال الميثاق التاريخي، استطاعت الكاتبة أن تستحضر الذاكرة الجماعية وتُسائل الوجدان الوطني، في حين وفّرت بنية التضافر الأجناسي مساحة رحبة لانصهار السرد بالشعر، والتوثيق بالتّخييل، والسيرة الذاتية بالحوار الفلسفي، في نسيج لغوي باذخ ينماز بالتّكثيف الرمزي والانزياح الجمالي.
-
وقد أسفرت الدراسة أن مستغانمي لا تستسلم لسلطة التاريخ كمُعطى جاهز، بل تعمل على إعادة تشكيله كخبرة إنسانية مُعاشة، حيث تُزاوج بين حميمية الفرد وجراح الأمة، وبين الأنا والآخر، مستثمرةً كل ما يتيحه التداخل الأجناسي من آليات فنية لبناء عالم سردي متعدد الأبعاد. وهكذا تُقدِّم الرواية خطابًا أدبيًّا يُقيم في منطقة التماس بين الواقعي والمتخيل، وبين الوثيقة والإبداع، ليُسهم في تعميق فهم المُتلقي العربي لتجربته الوجودية والتاريخية في آنٍ واحد.
-
إن رواية أصبحتَ أنت ليست فقط نصًا سرديًّا، بل هي مشروع جمالي وفكري يُحاكي حدود الأجناس الأدبية، ويقترح رؤية جديدة للتاريخ من موقع الكتابة، حيث تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، ويتحول الأدب إلى مساحة لتكثيف الحياة.
