يتناول هذا العدد الخاصّ البين-تخصّصي، المعنون «خطابات العنف واللاعنف في اللغات والثقافات والإعلام في حوض المتوسّط والشرق»، موضوع العنف واللاعنف كما يتبدّى عبر مجالات اجتماعية متعدّدة في المتوسّط والشرق. وتسعى الدراسات المنشورة ضمن هذا العدد إلى تفكيك أشكال حضور هاتين الظاهرتين عبر مقاربات تحليلية خطابية وأدبية وسياسية، اعتمادًا على تمثّلات تقليدية ورقمية ونصّية وشفهية. ومن خلال منظور متعدد الاختصاصات، يضيء هذا الملف طرائق تشكّل «الواقع الاجتماعي» بمستوييه الفردي والجماعي.
كما يستقصي هذا العدد التوترات بين خطاباتٍ مُشيَّدة اجتماعيًّا تسعى إلى تمثيل الظاهرة؛ إمّا عبر تطبيعها وإضفاء الاعتياد عليها، أو عبر مساءلة حضورها المركزي والنافذ داخل المجتمع. وتفتتح مساهمة خالد آيت هادي ومحمد بندحّان ملفّ العدد ببحث دور الأخبار الزائفة في تأجيج الصور النمطية داخل الفضاء الرقمي. وانطلاقًا من تحليل خطابي لحراك «حراك الريف» (Hirak Arrif) في شمال المغرب، يبيّن الباحثان أنّ الأخبار المضلِّلة تُضخّم أحكامًا مسبقةً وصورًا نمطية متجذّرة في المجتمع المغربي، بما يزيد من حدّة التوترات الاجتماعية ويُنتج استقطابًا يهدّد التماسك المجتمعي. كما أنّ تَداوُل الادعاءات الكاذبة وترسيخها قد يُصلّب المواقف إزاء القضايا الاجتماعية ويُصعّب إمكان بناء جسورٍ بين المواقع المتعارضة. ومن خلال استثمار التحيّزات المسبقة، يتحوّل الفضاء الرقمي إلى حيّزٍ لتعميم خطابات راديكالية وإلى منصةٍ للتحريض على العنف.
ومن منظور الفضاء السيبراني، تُبرز دراسة فادوة حشيمي العلوي دور الذكاء الاصطناعي (AI) في «الترهيب» و«الإذلال» الإلكترونيَّين، ولا سيّما عبر استعمال تقنيات التزييف العميق (deepfakes) وروبوتات الدردشة (chatbots). وتتناول الدراسة العنف السيبراني بأدوات سوسيولسانية ونفس-لسانية. وتُظهر الباحثة أنّ التشكّل الخطابي لهوياتٍ افتراضية عبر الذكاء الاصطناعي يعرّض السلامة الشخصية للضحايا للخطر، ويؤثر سلبًا في صحتهم النفسية وفي هوياتهم الاجتماعية. وإذا كان التخويف والتنمر يُلاحَظان سابقًا على مستويات كبرى (بين-شخصية واجتماعية)، فإن الانتشار المتسارع لتكنولوجيات المعلومات أفضى اليوم إلى آثارٍ وخيمة، لأن الفاعلين القائمين على إنتاج هذه الهويات الافتراضية يستطيعون الحفاظ على匿名يتهم في الفضاء الرقمي، مع استهداف جماعات بعينها عبر خطاب الكراهية وإعادة إنتاج الصور النمطية.
وبتوظيف نظرية التأطير الإعلامي وسيمانتيا المدونة (Corpus Semantics)، يقدّم ياسين بولاغمن تحليلًا خطابيًّا لمصطلح «Pipelinestan» بوصفه نحتًا لغويًّا (Neologism). وتكشف تشكّلاته الخطابية عن «حروب سائلة» وعن علاقات تشابكٍ وتداخل بين إنتاج الطاقة والتوترات العالمية والصراع. كما يرسم الباحث مسارات استعمال «Pipelinestan» باعتباره مصطلحًا مُهيكلًا خطابيًّا لوصف حروب جيو-طاقية، ويبيّن كيف جرى توظيفه في السجال السياسي الفرنسي. وباعتباره كلمة مُركّبة/نحتًا (Portmanteau)، يمكن لـ «Pipelinestan» أن يُستعمل بسلطةٍ خطابية من قبل فاعلين سياسيين — مثل جان-لوك ميلانشون — للإيحاء بأن خصمًا من اليمين المتطرف، إريك زمور، له مصلحة في صراعات جيوسياسية وعنفٍ محرّكه الطاقة. كما يناقش المقال إمكان إدراج هذا النحت في المعجم الفرنسي.
وتسهم نادية الشاعفي في هذا العدد بدراسة العلاقة المركبة بين العنف والحكمة في الأمثال المغربية، من منظور متعدد الاختصاصات. واستنادًا إلى تحليلات أنثروبولوجية وسوسيولوجية، تقارب الباحثة هذه العلاقة لا بوصفها تقابلًا بين مفهومين متنافيين، بل باعتبارها بناءً لغويًّا واجتماعيًّا. وتوفّر هذه البنى توجيهًا براغماتيًّا للتمييز بين استعمال العنف واستعمال الحكمة، عبر التناوب — من جهة — بين الحزم والانضباط، و— من جهة أخرى — الحوار والذكاء الاجتماعي بوصفهما سبيلاً إلى تحقيق النظام والتماسك. كما يبرز المقال أهمية تداول الأمثال باعتبارها تقليدًا شفهيًّا يختزل حكمةً مجرّبة عبر الزمن، ويضيء قضايا معاصرة تتصل بالحكامة وتدبير الصراعات.
ومن خلال التوغّل في الأبعاد الأدبية لمأساة الشرط الإنساني في الأدب الفرنسي، تقترح عالية صدّاغيان منظورًا مغايرًا لإعادة قراءة الحضور المتكرر لموضوعة العنف واللاعنف في أعمال جان-ماري غوستاف لو كليزيو. فكتابة لو كليزيو تشتغل على تجليات العنف في المجتمعات الحديثة، وتوجّه عدستها نحو الفئات الأشد هشاشة وتهميشًا في المدن الغربية، ولا سيما الفقراء والمهاجرون والنساء المعنَّفات. وتُبيّن صدّاغيان كيف تنخرط هذه الكتابة في مساءلة العنف النسقي، جسديًّا ونفسيًّا، وتربطه بتاريخ الاستعمار وبالأنظمة الرأسمالية التي أفضت إلى تهميش اقتصادي واجتماعي عايشه الأفراد في المراكز الحضرية.
وفي مقاربةٍ سينمائية، يدرس شاكوئي حسيني المجتمع الإيراني المعاصر عبر أعمال أصغر فرهادي. وتكشف أفلام فرهادي عن عنفٍ جسدي ورمزي واقتصادي يُمارس ضد النساء داخل نظام اجتماعي أبوي يسهم في تهميشهن. ويحلّل حسيني كيف تُبرز أفلام فرهادي الأعراف الثقافية والاجتماعية التي تغذّي إعادة إنتاج العنف الدائري. كما تُركّز هذه الأفلام على لحظات اتخاذ القرار لدى النساء، لتُظهر كيف يفاوضن معايير اجتماعية متعارضة داخل قيودٍ خطابية تُنتجها علاقات الهيمنة.
قد يتداخل العنف واللاعنف على نحوٍ وثيق داخل الخطاب الشعبي. وفي هذا السياق، يقدّم يونس زلزالي قراءةً لأعمال سلام الراسي التي تنتقد الآثار الديستوبية للعنف الطائفي على بناء الدولة/الأمة في لبنان. وتعكس كتابات الراسي ازدواجية القيم والمعايير في الثقافة الشعبية: فهي قد تُغذّي التعصّب والعنف، وفي الآن ذاته تُروّج لللاعنف والتسامح والوحدة. وتُظهر قراءة زلزالي كيف تُستثمر الآداب الشعبية لصوغ حكاياتٍ للوعي الجمعي تدفع نحو التعايش والتسامح بعيدًا عن التفكك الإقليمي والجماعاتي والطائفي. كما يبرز المقال وظيفة الأدب الشعبي بوصفه أداةً لبناء مقاومة أخلاقية ضد الانقسام، عبر إبراز العلاقة بين الإرث الجمعي والأرض/المكان والإحساس المشترك بهوية إنسانية جامعة.
وبالعودة إلى حضور العنف في الخطاب الشعبي، يوظّف محمد الشيخ باين وبلعيد غليح مقاربات تحليل الخطاب للكشف عن الكيفية التي يمكن أن تؤسّس بها الأمثال الشعبية للتمييز الجندري. ويحلّل الباحثان 272 مثلًا مغربيًّا يتعلق بالنساء: فبعضها يصوّر النساء أقل قدرة أو أقل استحقاقًا للاحترام، بينما يرفع بعضها الآخر — على نحوٍ مفارق — مكانتهن بوصفهن أمهاتٍ مُبجَّلات. ومع أنّ الأمثال شكّلت تاريخيًّا مستودعًا لحكمة الأسلاف، يؤكد المقال ضرورة تقويم أثرها في إعادة إنتاج قوالب نمطية قد تُسهم في ترسيخ ثقافة تبرّر السلوكيات المهينة والعدوانية والعنيفة.
وأخيرًا، يحلّل مقال محمد الغريني الدورَ المؤثر للتغطية الإعلامية في أفعال العنف، فرديةً كانت أم جماعية. وقد اتّسعت هذه الأفعال مع وسائل التواصل الاجتماعي التي تُيسّر انتشار أيديولوجيات قائمة على العنف. كما يضطلع الإعلام بدورٍ محوري في إظهار العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المؤدية إلى العنف. ويرى الباحث أنّ مواجهة العنف المتطرف — بالنظر إلى الدور الحاسم للإعلام في تشكيل الرأي العام — تقتضي تنسيقًا وتعاونًا عابرين للأقاليم بين المؤسسات الإعلامية في العالم العربي. ولكي ينهض الإعلام بدورٍ بنّاء ويعزّز التماسك الاجتماعي، ينبغي أن يروّج رسائل التسامح والتضامن وقبول الآخر.
