المقدمة
قبل الشروع في تحليل مظاهر العنف الاجتماعي ضدّ المرأة في الأفلام السينمائية، وبخاصة في أعمال المخرج الإيراني أصغر فرهادي، يجدر التأكيد على أنّ مسألة الأنوثة تشكّل إشكاليةً محوريةً في النسيج الاجتماعي الإيراني. فالسينما، بوصفها وسيطاً تمثيلياً ذا أثرٍ جماهيري، تتيح تفكيك هذه الإشكالية وإظهار تعقيداتها داخل مجتمعٍ يفترض أن يضمن للمرأة الحق في العيش الآمن بعيداً عن التهديدات التي تُقيّد حريتها أو تُضعف مكانتها.
وفي السنوات الأخيرة، أعادت حركة « زن، زندگی، آزادی » (المرأة، الحياة، الحرية) تسليط الضوء على واقع المرأة الإيرانية الاجتماعي، وفتحت المجال أمام نقاشٍ أعمق حول العنف الممنهج الذي تواجهه النساء في إيران، سواء عبر القمع السياسي أو عبر الهياكل الذكورية المهيمنة. ومن ثمّ، لا ينحصر مفهوم « العنف » هنا في أشكاله الجسدية المباشرة، بل يمتد ليشمل العنف الرمزي والقانوني والاقتصادي الذي يعيد إنتاج تهميش المرأة في الفضاءين العام والخاص.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أنّ السينما الإيرانية — ولا سيما سينما فرهادي — تكشف أشكالاً مركّبة من العنف الاجتماعي ضدّ المرأة، لا تُختزل في العنف الأسري، بل تتداخل فيها البنى القانونية والعرفية والرمزية مع الضغوط الاقتصادية والدينية، بما يجعل « الجندر » أفقاً تفسيرياً ضرورياً لفهم ديناميات السلطة داخل السرد. وعليه تسعى الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية : (1) كيف تُبنى تمثّلات العنف ضدّ المرأة سردياً وبصرياً في أفلام فرهادي؟ (2) ما موقع القانون والعرف والخطاب الديني في إنتاج هذا العنف أو تبريره؟ (3) كيف يُشرك الفيلم المتفرّج في عملية الحكم الأخلاقي، وما أثر ذلك في مساءلة الهيمنة الأبوية؟
1. الإطار النظري : النظرة الذكورية وتمثيل الجسد
1.1. الجسد الأنثوي و« النظرة الذكورية » في السينما : تشيُّؤٌ عابر للثقافات
منذ ظهور أول فيلم إيراني ناطق « دختر لُر » (فتاة اللُر، 1933) لعبدالحسين سبنتا، حيث قُدِّمت المرأة بوصفها شخصيةً مهمَّشة تكافح للبقاء عبر الرقص في مقاهي الأحياء الشعبية، ظلّ جسد المرأة في السينما الإيرانية — كما في تقاليد سينمائية أخرى — أداةً سردية تتحوّل إلى موضوع لاستيهامات الذكورة وهيمنتها. فقد جرى تعزيز هوية الأنثى عبر تحويلها إلى « كائنٍ مرئي » يخدم رغبات المتلقّي الذكوري، بينما اختُزلت أدوارها الأخرى (الأم/الزوجة/الابنة) في إعادة إنتاج أنماطٍ معيارية ضمن إطار الهيمنة الأبوية، بما يحصر وجودها في الفضاء الخاص بوصفه امتداداً للتراتبية الجندرية.
ولا يفوتنا التنبيه إلى أنّ « النظرة الذكورية » ليست ظاهرةً محصورة بالسينما الإيرانية، بل هي بنية أبوية عابرة للثقافات تَجذّرت في تاريخ السينما منذ نشأتها، وبخاصة في النموذج الهوليوودي الذي ترك أثراً معيارياً واسعاً. وتُفهم هذه النظرة باعتبارها آلية ثقافية تُشيّئ جسد المرأة وتحوّله إلى موضوع للإشباع البصري، حتى في إنتاجاتٍ تدّعي التقدّمية أو الدفاع عن المساواة الجندرية.
في هذا السياق، فسّرت لورا مولفي « النظرة الذكورية » بوصفها بنيةً تسرد العالم من منظورٍ ذكوري تُمارسه كاميرا غير مرئية، فتختزل المرأة في « سلعة بصرية » ضمن السينما الكلاسيكية (Mulvey, 1975). وأضافت بيل هوكس بُعداً تقاطعياً يُبرز أثر العِرق والطبقة في تشييء النساء، مؤكدةً أنّ تمثيل المرأة السوداء يتضاعف فيه القمع بفعل العنصرية والطبقية (Hooks, 2000). كما ربطت جوديث بتلر هذه الآليات بـ« الأداء الجندري » الذي يعيد إنتاج الهويات التقليدية عبر فرض ثنائياتٍ معيارية من قبيل « الذكر الفاعل » و« الأنثى السلبية »، حتى داخل سردياتٍ تزعم التحرر (Butler, 1990).
وعليه، لا تقتصر « النظرة الذكورية » على اختزال المرأة إلى موضوع بصري، بل تتجاوز ذلك لتعيد إنتاج الهيمنة الأبوية وتتكيف مع السياقات المختلفة سرداً وصورةً، بما يجعل تحليلها مدخلاً ضرورياً لفهم تمثيلات العنف الاجتماعي ضدّ المرأة.
2.1. الخصوصية الإيرانية بعد 1979 : بين الضبط والاحتواء والمقاومة
تبدو الحالة الإيرانية أكثر تعقيداً بعد ثورة 1979؛ إذ لم تكتف السلطة الذكورية بتحويل الجسد الأنثوي إلى « سلعة بصرية »، بل سعت إلى تحويله إلى « ملكية عامة » عبر منظومة ضبطٍ قانونية وأخلاقية، فرضت الحجاب حتى في الفضاءات الخاصة المصوَّرة، ومنعت تماسّ الجسدَين في التمثيل حتى عندما يقتضي السياق السردي أن يكون الطرفان زوجين، وقيّدت تعبيرات الجسد الأنثوي في المشاهد ذات البعد الثقافي أو السياسي.
ومع ذلك، تحولت السينما الإيرانية إلى ساحة مقاومة رمزية : إذ أسهمت مخرجات مثل رخشان بني اعتماد وپوران درخشنده في تأسيس سينما نسوية تقاطعية لا تنحصر في « قضايا المرأة » بمعزلٍ عن المجتمع، بل تقرأ أزمات الفقر والعنف السياسي والتهميش بوصفها شبكةً متداخلة. غير أنّ هذه المساعي تظل محكومة بتناقضٍ بنيوي : فالسينما تمنح المرأة صوتاً لنقد الهيمنة، لكنها تُجبر هذا الصوت على المرور عبر جسدٍ مُقنّع ومُقيَّد، بما يجعل « التمكين » هنا ذا حدّين.
2. منهجية الدراسة والمتن
تعتمد الدراسة مقاربةً نوعية تجمع بين التحليل الثقافي والنقد النسوي للسينما، مع الاستناد إلى مفاهيم العنف الرمزي (بورديو، 2009) وآليات السلطة/الانضباط (فوكو، 1990) ومنظورات « النظرة الذكورية » والأداء الجندري. ويتم الاشتغال على المتن عبر محورين متكاملين : (أ) تحليل سردي-خطابي يتتبع بناء الحبكة، وتوزيع الأدوار، واستراتيجيات الإخفاء والكشف، و(ب) تحليل تمثيلي يركز على موقع المرأة داخل فضاءات الأسرة والقانون والعمل، وعلى أشكال التقييد (الصمت، العار، الإدانة، الابتزاز) بوصفها علاماتٍ لعنفٍ اجتماعي غير جسدي في الغالب.
أما المتن فيستند إلى أفلامٍ مفصلية في مسار أصغر فرهادي، من بينها : « الرقص في الغبار » (2003)، « مدينة جميلة » (2004)، « ألعاب الأربعاء النارية » (2006)، « عن إيلي » (2009)، « انفصال نادر عن سيمين » (2011)، و« البائع/فروشنده » (2016). ويُبرَّر هذا الاختيار بكون هذه الأعمال تُكثّف الصراع بين القانون والعرف، وتُظهر تمفصل العنف البنيوي والرمزي في تشكيل مصائر النساء داخل شبكةٍ من الخطابات المتنافسة.
3. أصغر فرهادي : المسار الفني والاختيارات الجمالية
يُعد أصغر فرهادي من أبرز المخرجين الإيرانيين المعاصرين، وقد رسّخ حضوره في الساحة العالمية عبر أعمال حصدت جوائز دولية مرموقة من بينها الأوسكار وجوائز مهرجانات برلين وكان وفينيسيا. بدأت مسيرته من كتابة السيناريو قبل أن ينتقل إلى الإخراج، ليطوّر سينما واقعية تتعقب التوترات الاجتماعية والإنسانية وتُخضعها لاختباراتٍ أخلاقية مركّبة.
يمتلك فرهادي قدرةً على تصوير الصراع بين الأفراد والعلاقات العائلية والضغوط الاجتماعية في المجتمع الإيراني، ويعمد إلى بناء حبكاتٍ تتشابك فيها « الحقائق » وتتنازعها وجهات النظر، فتتولد مأساة لا تُحسم إلا بخسائر جماعية. ومن ثمّ، يغدو الكذب والإخفاء لا بوصفهما صفاتاً فردية، بل آليةً نظامية تُجبر الأفراد على تبني أدوات الهيمنة نفسها من أجل النجاة.
نظرة عامة على أعمال أصغر فرهادي1.3.
1.1.3. المرحلة الأولى : تكوين الهوية السينمائية
يشكّل « الرقص في الغبار » (2003) باكورة أعمال فرهادي الإخراجية؛ وفيه تُستكشف حياة الطبقات المهمشة عبر قصة زوجين يصطدمان بقسوة النظرة المجتمعية تجاه ماضي والدة الزوجة التي اشتغلت بالدعارة قبل الزواج. ويظهر والد الزوج ممثلاً للعُرف الذكوري حين يرفض قبول الزوجة بحجة تهديد « شرف العائلة ». ورغم بساطة الإنتاج، تتبدّى بذور السمات اللاحقة في سينما فرهادي، وخاصةً تركيزه على الصراع الأخلاقي وتوترات العلاقة بين الفرد والخطاب الاجتماعي.
تلا ذلك « مدينة جميلة » (2004)، الذي مثّل نقلةً نوعية؛ إذ يدور حول شاب يُحاكم بتهمة القتل ويسعى لإثبات براءته، ويكشف الفيلم كيف يمكن للقانون — في سياق اجتماعي مشحون — أن يتحول إلى أداة قمع، وكيف تُعاد إنتاج التراتبية الطبقية بوصفها قدراً اجتماعياً.
2.1.3. المرحلة الثانية : صراعات الطبقة الوسطى والصعود إلى العالمية
مع « عن إيلي » (2009) دخل فرهادي مرحلةً اتسمت بتعميق التحليل النفسي وتعقيد الحبكة، وحصد الفيلم جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين. وفي هذه المرحلة ينتقل السرد من قصص الفقر الصريح إلى تشريح تناقضات الطبقة الوسطى الإيرانية التي تشكلت في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية بعد الحرب العراقية-الإيرانية، حيث تُنتج ازدواجية السلوك مناطق رمادية تُربك إمكان الحكم الأخلاقي.
ويبلغ هذا المنطق ذروته في « انفصال نادر عن سيمين » (2011)؛ حيث يصير الصدق والكذب وجهين لعملة واحدة : تكذب الشخصيات باسم حماية « حقيقتها » أو حماية « شرفها »، فتتولد مأساة تتكشف عبر تفاصيل صغيرة تتحول إلى عقدٍ سردية تفضح هشاشة المعايير.
3.1.3. المرحلة الثالثة : من المحلي إلى العالمي ثم العودة إلى المحلي
ابتداءً من « الماضي » (2013) وسّع فرهادي آفاقه خارج الإطار الإيراني من دون التخلي عن أسلوبه في بناء الشخصيات والحبكات المتشابكة، ثم قدّم « الكلّ يعرفون » (2018) قبل أن يعود إلى الإطار الإيراني في « البطل » (2021) الذي عُرض في مهرجان كان وفاز بالجائزة الكبرى. ومع اختلاف التقييم النقدي لأعماله المتأخرة، تظل علاقته بالبنى الاجتماعية وباختبار المعايير الأخلاقية علامةً فارقة في مساره.
2.3. المرأة في أفلام فرهادي : بين التبعية والاستقلال
تُظهر السينما الإيرانية، كما في سياقات شرقية أخرى، ميلاً إلى تضخيم كاريزما الشخصيات الذكورية ومنحها أدواراً مركزية، بينما تُصوَّر الشخصيات النسائية غالباً بوصفها خاضعة أو سلبية أو هامشية. غير أنّ فرهادي يجعل العلاقة بين المرأة والرجل محوراً بنيوياً لبناء قصصه، لا بوصفها صراعاً فردياً فحسب، بل بوصفها نتاجاً لبنى اجتماعية تحول الحميمية إلى مجال لفرض الهيمنة البطريركية.
في « انفصال نادر عن سيمين » تتجسد « سيمين » بوصفها ذاتاً راغبة في تقرير مصيرها عبر الهجرة من أجل مستقبل ابنتها، غير أنّ رغبتها تصطدم بمقاومة الزوج وبمنظومة قانونية تمنح الأب امتيازاتٍ حاسمة في السفر والحضانة. هنا يُظهر فرهادي أن العنف ضد المرأة ليس حدثاً استثنائياً، بل هو سيرورة مؤسسية تُقنن الاختيارات وتُضيقها؛ كما يكشف أن الذكورة نفسها قد تتحول إلى عبءٍ معياري يفرض على الرجل أدواراً صارمة، بينما تُقاس معاناة المرأة عبر عنفٍ ممنهج يحدّ من خياراتها.
وبالمثل، تكشف شخصية « سبيده » في « عن إيلي » (2009) قدرةً على المبادرة والمواجهة، لكنها تظل محكومةً بمنطق « سمعة الجماعة » وبشبكة توقعاتٍ ذكورية تُنتج الصمت والإخفاء بوصفهما استراتيجية بقاء. ومن ثمّ تغدو أفلام فرهادي مرآةً لصراع الطرفين داخل مجتمع يفرض أدواراً محددة، مع تفاوتٍ واضح في كلفة الخروج عن المعيار.
3.3. السلطة بوصفها منتِجة للواقع : قراءة فوكوية في بعض الأفلام
إذا قُرئت أفلام فرهادي في ضوء تصور فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقاتٍ منتِجة للواقع وليست قيداً خارجياً فحسب، أمكن القول إن علاقة الفرد بمصادر القوة الاجتماعية والثقافية والسياسية حاضرةٌ في معظم أعماله. في « الرقص في الغبار » تتخفى السلطة في الممارسات اليومية للعُرف : الزواج بوصفه مؤسسة اقتصادية وأخلاقية يُحوّل الحب إلى مجال قسر. أما « مدينة جميلة » فيُظهر تقاطع الخطاب القانوني مع الخطاب الأخلاقي، حيث لا يعمل القانون بوصفه محايداً، بل بوصفه آليةً تعيد إنتاج التراتبية القائمة، خصوصاً عندما تُستدعى « حماية الشرف » لتبرير إخضاع النساء.
3.3. تصنيف أنواع العنف في أفلام فرهادي
يتخذ العنف في سينما فرهادي طابعاً غير جسدي في الغالب، ويتجلى عبر أنظمة اجتماعية ونفسية وثقافية. ويمكن — لأغراض التحليل — تصنيفه إلى الأنماط الآتية :
-
العنف البنيوي (Structural Violence) : ويشير إلى أنظمةٍ قانونية أو اقتصادية أو ثقافية تضع النساء في مواقع هامشية وتحدّ من خياراتهن. مثال : في « انفصال نادر عن سيمين » (2011) تُظهر منازعة الحضانة والسفر كيف يُمارَس ضغطٌ ممنهج على « سيمين » عبر امتيازات الأب وتحيزات المؤسسات، بما يحوّل الحق القانوني إلى أداة تضييق.
-
العنف الرمزي (Symbolic Violence) : وهو إعادة إنتاج الهيمنة عبر العادات واللغة والأعراف وما تخلقه من « بديهيات » تُطبع على الجسد والهوية. مثال : في « البائع/فروشنده » (2016) تُوَسَم « رعنا » بالعار بعد تعرضها للاعتداء داخل منزلها، فتتحول الضحية إلى موضوع مساءلة أخلاقية، بما يعكس تابوهات النوع الاجتماعي التي تُحمّل المرأة مسؤولية العنف بدل الجاني.
-
: العنف الصامت (Silence as Violence)ويتمثل في إسكات أصوات النساء أو تجاهل معاناتهن بدعوى حماية « السمعة » أو « الاستقرار ». مثال : في « عن إيلي » (2009) يُفرض الصمت على النساء حول اختفاء « إيلي » حفاظاً على سمعة الجماعة، فيتعاظم الشعور بالعزلة ويتحول الصمت إلى مشاركةٍ في إنتاج الضرر.
-
:العنف النفسي (Psychological Violence)ويشمل الإهانة والتلاعب العاطفي وفرض الشعور بالذنب من أجل الإخضاع. مثال : في « ألعاب الأربعاء النارية » (2006) تعاني « مُژده » من علاقة مُهينة مع زوجها « مرتضى »، إذ تُحمَّل مسؤولية الفشل ويُنتقص من قيمتها داخل الفضاء الخاص بوصفه امتداداً لسلطةٍ ذكورية.
4.3. الصراع بين القانون والعرف والمشاعر الإنسانية
لا يكتفي فرهادي بتصوير العُرف الاجتماعي بوصفه إطاراً مُقيِّداً، بل يُخضع « القانون » نفسه للنقد بوصفه مؤسسة جامدة قد تعجز أمام تعقيدات الواقع. ومن خلال مواقف أخلاقية « رمادية »، يطرح سؤالاً جوهرياً : هل يمكن إصدار أحكامٍ مطلقة مُجرّدة من سياقات الانفعال والضغط والضرورة؟ يتجلى ذلك في « انفصال نادر عن سيمين » حين يظل علم « نادر » بحمل « راضية » عند دفعها ملتبساً عمداً؛ فالغموض هنا ليس تقنية تشويق فحسب، بل آلية لكشف كيف تضيع « الحقيقة » بين قصور الإدراك وتشابك المصالح والخوف من الفضيحة.
وتتعمق الإشكالية حين يُستخدم الخطاب الديني لتقنين القمع تحت شعار « الحفاظ على القيم ». تقدّم « راضية » نموذجاً دقيقاً : فهي تُكثر من الاستفتاءات بحثاً عن طمأنينة شرعية، لكنها تُضطر إلى الكذب على زوجها بشأن عملها لأنها تعلم أنه سيمنعها فوراً بوصفه صاحب « القِوامة » في منظومة قانونية/عرفية. ينتج عن ذلك انفصامٌ وجودي : التزامٌ ظاهري بالمعيار الديني، وخضوعٌ واقعي لسلطة الذكر، وشعورٌ مزمن بالذنب والخوف.
ولا يضعف هذا الوضع مكانة « راضية » فحسب، بل يجعلها أكثر عرضة للابتزاز المعنوي والجسدي. كما تكشف شخصية « سيمين » بدورها عن هشاشة الحقوق حين يصطدم قرارها بالسفر برفض الزوج المستند إلى امتيازاتٍ قانونية. بهذا المعنى، تُفضح الطبيعة الذكورية للقانون حين يحوّل العلاقات الإنسانية إلى ساحة صراع على السلطة بدل أن يكون وسيطاً للعدل.
وفي « البائع » تتجسد أزمة الحماية القانونية عبر « رعنا » التي تتعرض لاعتداء داخل المنزل، فيُضطر الزوج إلى اللجوء إلى « عدالة بديلة » خارج إطار المؤسسات، بما يعكس فشل النظام القضائي في توفير حماية ناجزة للمرأة. أما في « عن إيلي » فتُختزل قيمة المرأة في دور « عروس محتملة »، وتتبدّى قوة وصمة العار بوصفها قانوناً عرفياً يعاقب المرأة على أي خروج عن النمط.
وفي هذا السياق، يشير فرهادي إلى مفارقات قانونية تُكرّس التبعية : مثل المادة 1133 التي تُجيز الطلاق الأحادي للرجل، والمادة 1117 التي تقيّد عمل المرأة بشرط موافقة الزوج، بما يُبقيها رهينة العلاقة الزوجية حتى عندما تكون ضحية عنف. وتستدعي هذه الإحالات تدقيقاً مرجعياً إلى نصوص القانون المدني الإيراني عند إعداد النسخة النهائية للنشر.
ويؤكد كاوه رضوانيفرد في دراسته حول سينما فرهادي أن « النظام القانوني الإيراني في أعمال فرهادي يظهر بصورة أبوية متسلطة، عابسة، سلبية، متكئاً على ادعاءاتٍ فارغة؛ متطفلاً لكنه عاجز؛ يُشوّه الحريات والخيارات وخصوصية الأفراد، لكنه يفشل في تحقيق العدالة أو ضمان عيش المواطنين بسلام ». ويرى أن هذا النظام، بدل أن يسهل الحياة الجماعية، يسهم في تشكيل كتلة متشابكة من الأزمات، وأن إمكان تجاوز الشرخ الاجتماعي يمر عبر تعزيز المجتمع المدني، ووضع قوانين محايدة، وتقليل تدخل الدولة في الحياة الشخصية، وترجيح المصالحة والعدالة الإصلاحية على منطق العنف. (رضوانيفرد، 2022).
الخاتمة
يمكن القول إن العالم الذي يصوّره فرهادي هو عالمٌ تتداخل فيه مستويات السلطة بحسب علاقة الفاعلين بالمؤسسات والخطابات المهيمنة. وتغدو « النساء » في قلب هذا العالم، لا بوصفهن ضحايا سلبيات فحسب، بل بوصفهن ذواتاً تُدفع إلى اتخاذ قراراتٍ حاسمة عند عتباتٍ سردية تصنعها الحبكة. غير أنّ هذه القرارات كثيراً ما تُفرَغ من فاعليتها تحت ضغط العرف والخطاب الذكوري وآليات الضبط القانوني، فتتحول الاستقلالية إلى إمكانيةٍ معطلة.
وعبر اختبارات أخلاقية دقيقة، يتجنب فرهادي الأحكام النهائية، ويترك مسارات الحكم مفتوحة، ليحوّل المشاهدة إلى ممارسة نقدية تعرّي خطاب الهيمنة الذي يغذي دوائر العنف في المجتمع. وبذلك لا تقف أفلامه عند حدود تمثيل العنف، بل تكشف بنياته المنتجة وتضع المتلقي أمام سؤال العدالة في مجتمعٍ تتنازع فيه القيم، وتتداخل فيه الشرعيات، وتُقنّن فيه اللامساواة.
