اللسانيات الحاسوبية وحل المشكلات الصوتية لدى متعلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها

Linguistique informatique et solutions phonémiques pour les apprenants en arabe

Computational Linguistics and Phonemic Solutions for Arabic Learners

د.سي بشير راشيد Sibachir Rachid براهيمي بوداود Brahimi Boudaoud

p. 505-520

د.سي بشير راشيد Sibachir Rachid براهيمي بوداود Brahimi Boudaoud, « اللسانيات الحاسوبية وحل المشكلات الصوتية لدى متعلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها », Aleph, Vol 11 (3-1) | 2024, 505-520.

د.سي بشير راشيد Sibachir Rachid براهيمي بوداود Brahimi Boudaoud, « اللسانيات الحاسوبية وحل المشكلات الصوتية لدى متعلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها », Aleph [], Vol 11 (3-1) | 2024, 06 January 2022, 21 July 2024. URL : https://aleph.edinum.org/12288

يهدف هذا المقال إلى التعريف باللسانيات الحاسوبية ومجالاتها، والمعالجة الآلية للصوت اللغوي ومدى استثمارها في تعليمية اللغة العربية للناطقين بغيرها، وذلك بالتطرق إلى المفاهيم الخاصة باللسانيات الحاسوبية والمشكلات الصوتية للناطقين بغير العربية.

كل ذلك بغرض الوقوف على الصعوبات الصوتية وايجاد حلول لها باستعمال التقنية الحديثة وإعطاء نماذج تطبيقية في تعليمية اللغة العربية للناطقين بغيرها.

Cet article a pour objectif de définir la linguistique informatique et ses domaines, ainsi que le traitement automatique des phonèmes, et d'examiner l'application de ces concepts dans la didactique de la langue arabe pour les non-arabophones. Il aborde les concepts spécifiques de la linguistique informatique et les problèmes phonologiques rencontrés par les apprenants non-arabophones, afin d'identifier les difficultés phonétiques et de proposer des solutions grâce aux nouvelles technologies. L'article propose également des modèles pratiques pour l'enseignement de l'arabe aux non-arabophones.

This paper aims to define computational linguistics and its fields, including automatic phoneme processing, and to explore how these concepts can be applied to teaching Arabic to non-native speakers. It delves into the specific concepts of computational linguistics and the phonological problems faced by non-Arabic speakers, to identify phonemic difficulties and propose solutions using new technologies. Additionally, the paper presents practical models for teaching Arabic to non-native speakers.

مقدمة

إنّ اختلاف النّظام الصّوتي للّغة العربيّة عن النّظام الصّوتي للّغة الأم للمتعلم الأجنبي، تجعل منه يغيّر من عادته النّطقية الّتي شبّ عليها، فيواجه عددا من المشكلات المتداخلة؛ فمنها ما هو لغويّ، كالمشكلات الصّوتية، ومنها ما هو غير لغويّ، كالمتعلقة بالمعلّم والمتعلّم وطرائق التّدريس.

كما تعدّ اللّسانيّات الحاسوبيّة فرع من الدّراسات اللّغويّة فهي علم بيني حديث تُوَظّف فيه التّقنيّات الحديثة بهدف حلّ المشكلات اللّغويّة والصّوتيّة، والمعالجة الآليّة لمستويات اللّغة لاستثمارها في تعليميّة اللّغة سواء للنّاطقين بها أو بغيرها.

ومن هذا المنطلق نطرح تساؤلا مفاده: هل يمكن للّسانيات الحاسوبيّة -وخاصة ما تعلّق بالمعالجة الآليّة للصّوت اللّغوي- أن تحلّ هذه المشكلات في تعليميّة اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها؟

وعليه فإننا نهدف من خلال هذا إلى جعل المتعلّم الغير النّاطق بالعربية، أن ينطق الحروف العربية ويستخدمها بصبغة حقيقية، باستخدام برامج تطبيقية ذات صلة بتعليميّة العربية.

1. اللّسانيّات الحاسوبيّة

اللّسانيّات الحاسوبيّة (Linguistique Computationnelle) هي أحد الفروع التّطبيقيّة، تهتمّ بالإفادة من معطيات الحاسوب في دراسة قضايا اللّسانيّات المتعدّدة مثل: رصد الظّواهر اللّغويّة وفقا لمستوياتها الصوتيّة، الصّرفية، النّحويّة، البلاغيّة، والعروضيّة وإجراء العمليّات الإحصائيّة، وصناعة المعاجم والتّرجمة الآليّة، وتعليم اللّغات. (عبد القادر عبد الجليل 2002: 181)، فهي توظيف الحاسوب بما يحتويه من مزايا وقدرات عديدة والاستفادة منها في خدمة اللّغة وتعلّمها.

وتُعْرَفُ بأنّها

«محاكاة العقل البشري في فهم الظّاهرة اللّغويّة تنظيرًا وإنجازًا، ولذلك جمع هذا الحقل من المعرفة بين اللّسانيّات والذّكاء الاصطناعي والإعلامية1 والرّياضيّات والمنطق بهدف نقل الذّكاء البشري إلى الذّكاء الحاسوبيّ، ممّا يمكّنه من تحليل النّظام اللّغوي تحليلاً آليّا متعدّد المستويات وبأسرع وقت ممكن». (خليفة الميساوي 2013: 31)

فيتبيّن من خلال هذا التّوصيف أنّ محاكاة الحاسوب للغة الإنسان عملية تتداخل فيها علوم كثيرة، كل هذا لمعالجة المعطيات اللّغويّة بظواهرها المختلفة.

« كذلك تعمل الحواسيب على أساس مشابه للعمل الّذي يؤدّيه العقل الإنسانيّ، ولكن لا يستطيع أحد أنّ يقول إنّ العقلين الإنساني والاصطناعي متطابقان، غير أنّه من المؤكّد أنّ أوجه التّشابه كثيرة بينهما، لكنّ الحاسوب، قد تفوّق على كلّ الإنجازات العلميّة السّابقة، بل إنّ الإنجازات العلميّة والحضاريّة اللّاحقة كلّها، ما كانت لتنال حظّها من الوجود؛ لو لم يكن الحاسوب قد عمل على حلّ كثير من مشكلاتها المعقّدة، وتجاوز عقباتها ». (سمير شريف استيتية 2008: 528).

فالحاسوب آلة تحاكي في قدرتها وظائف الإنسان وقدراته الذهنيّة؛ بمعنى أنّه أصبح بإمكانه محاكاة نمط عمل العقل الإنساني.

ومن هنا حُلّت الكثير من المشكلات المعقّدة من خلال التّطبيقات والعتاد المتطوّر لعلم الحاسوب، وكلّ هذا بما وفّره علماء الحواسيب في دراساتهم الّتي تترجم ما يؤدّيه العقل الإنساني إلى خوارزميّات وبرامج تطبيقيّة لكلّ العلوم، وهذا ما استثمرته اللّسانيّات التطبيقيّة في حل المشكلات ودراسة الظّواهر اللّغويّة.

وبذلك أصبحت «الدّراسة العلميّة للنّظام اللّغوي في سائر مستوياته بمنظّار حاسوبي، يتجلّى هدفها في تطبيق النّماذج الحاسوبيّة على الملَكة اللّغويّة» (نهاد الموسى 2000: 53)، لذلك هدفت اللّسانيّات الحاسوبيّة إلى «تفسير كيفيّة اشتغال الذّهن البشري في تعامله مع اللّغة، معرفةً واكتسابًا واستعمالًا» (اليوبي بلقاسم 1999: 44)؛ وجعلت الحاسوب يتعامل مع الظّواهر اللّغويّة كما يتعامل معها العقل البشري.

وعلى صعيد أخر يرى «نبيل علي» من خلال كتابه اللّغة والحاسوب أنّه

«تلتقي اللّغة والحاسوب لسبب أساسي وبسيط، وهو كون اللّغة تجسيد لمـّا هو جوهري في الإنسان؛ أي نشاطه الذّهني بكلّ تجلّياته، وفي نفس الوقت الّذي يتّجه فيه الحاسوب نحو محاكاة بعض وظائف الإنسان وقدراته الذّهنية، متّخذا من الاعتبارات الإنسانيّة محورا رئيسيًّا لتصميم نظّمه ومجالات تطبيقاته ومطالب تشغيله.» (نبيل علي 1988: 114).

ومن ثم فإنّ المستخدم للبرامج التّطبيقيّة الحاسوبيّة ذات الصّلة المباشرة بالدّراسات اللّغويّة يدرك من خلالها أنّ هناك تجسيدا للنّشاط الذّهني؛ فهي برامج لمحاكاة الوظائف والقدرات الذّهنيّة للإنسان.

كما أنّ التّطوّرات الحاصلة في العلوم التقنيّة والرياضيّات والذّكاء الصّناعي، والعلوم الأخرى، وما يميّز الحاسوب من دقّة المعالجة وسرعة التّنفيذ، وسعة التخزين العالية، جعلت من اِلتقاء اللّغة والحاسوب حتمية علمية لابدّ منها لمواكبة ما توصّلت إليه التّكنولوجيا الحديثة الّتي دخلت في كلّ المجالات.

ولعل البحث عن طرق تدريس اللّغات ومناهجها، واستعمال المعدّات الحديثة في ذلك، كان سببا رئيسا لهذا الاتّصال اللّغوي الحاسوبي.

فلا شك أنّ اللّسانيّات الحاسوبيّة هي أرقى وجوه التقاء العلوم الإنسانيّة بالعلوم الأخرى، وقد أفضى هذا الالتقاء إلى إنجازات عظيمة هيّأت اللّغة للمعالجة الآليّة. ودخل الحاسوب مجالات التّعلیم، ممّا جعل الاستعانة به خاصة في میدان تعلّم اللّغة وتعلمیها.

وللوصول إلى برامج تطبيقية ذات صلة بالظّواهر اللّغوية لابدّ من توفّر قواعد ومعطيات نظرية محيطة بكلّ جوانب الظّاهرة اللّغوية المدروسة المتوفّرة لدى اللّغوي، تُحَوَّلُ إلى صياغة صورية تعتمد على الأبجدية العربية والرّموز الرّياضية مثل رمز الجمع والضّرب والقوسين ...إلخ في تحويل قواعد اللّغة إلى قواعد رياضية رمزية يمكن للحاسوب أن يفهمها بعد برمجتها، من ثمّ تترجم إلى خوارزميات من طرف الحاسوبي المبرمج وهي الجانب النّظري للبرنامج، بعدها تطبّق في الحاسوب باستعمال لغة من لغات البرمجة كلغة البايثون (Python) أو الدّالفي(Delphi) وغيرها، الّتي ينتج عنها في الأخير برنامجا تطبيقا يوجّه للمستخدم.

الشكل1 : مراحل إنجاز برنامج تطبيقي

الشكل1 : مراحل إنجاز برنامج تطبيقي

ومن الواضح تعدّد أغراض استخدامات الحاسوب وتفاوتها، إلاّ أنّه يمكن تصنيف مجالات اللّسانيّات الحاسوبيّة حسب ما ذهب إليه «نبيل علي» في كتابه اللّغة العربيّة والحاسوب فذكر: الإحصاء اللّغويّ، التّحليل والتّركيب اللّغويّان، الفهم الأوتوماتي2 للسّياق، تحليل النّصوص أو الإنتاج اللّغويّ، ميكنة3 المعجم، التّرجمة الآليّة، تعليم اللّغة باستخدام الحاسوب. (نبيل علي 1988: 131).

وبالإضافة إلي ذلك هناك مجالات أخرى متعدّدة، نذكر منها: التّحليل الصّرفي الآلي، التّرجمة الآليّة، الدّراسات المقارنة والتّقابلية، المعاجم الإلكترونيّة، التّدقيق الإملائي والنّحوي، تحويل النّص إلى كلام والكلام إلى نصّ.

وعموما؛ فإنّ اللّسانيّات الحاسوبيّة فرع تطبيقي اهتم بالتّقنيات المعلوماتية، تسعى إلى الدّراسة العلميّة للّغات الطّبيعية من صرف ونحو وغيرهما باعتماد أنظمة وبرامج متقدّمة، ومتطوّرة وتقوم على البرمجة والمعالجة الآليّة، وتجعل من المهتّم بها ينفتح على التّطوّرات التّكنولوجية والعلمية الحديثة.

2. المشكلات الصّوتية في تعليم اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها 

لا شك أنّ تعلّم اللّغة العربية وتعليمها للنّاطقين بغيرها يتخلله عددا من المشكلات المتداخلة؛ ويرجع ذلك لتميّز اللّغة العربية عن غيرها، فهي لغة غنية بالألفاظ والكلمات، فمن هذه المشكلات ما هو لغويّ، كالمشكلات الصّوتية والصّرفية والنّحوية والدّلالية، وما يتعلّق بالمهارات اللّغوية، كمشكلات الاستماع والكلام والقراءة والكتابة، ومنها ما هو غير لغوي، كالمشكلات المتعلقة بالمعلّم والمتعلّم وطرائق التّدريس.

ونظرا لوجود فروقات لغوية صوتية بين اللّغات، فإنّ أوّل مشكلة تعيق متعلّم اللّغة العربيّة النّاطق بلغة أخرى هي نقل الجوانب الصّوتية للغته الأمّ وتوظّفيها في تعلّمه للعربيّة، فينطق الألفاظ والكلمات العربية بأوزان لغته ويعود ذلك إلى:

« اختلاف اللّغتين في مخارج الأصوات.
اختلاف اللّغتين في التّجمعات الصّوتية.
اختلاف اللّغتين في مواضع النّبر والتّنغيم والإيقاع.
اختلاف اللّغتين في العادات النّطقية». (عبد العزيز بن إبراهيم العُصيلي 1996: 195).

فمعروف أنّ لكلّ لغة لها ميزاتها النّطقية، يكتسبها الإنسان الناطق بها ويوظّفها في تواصله مع الآخرين والتعبير عن حاجاته، فقد تلتقي بعض ميزات الصوتية للغة العربيّة مع لغات أخري وتختلف في أخرى.

فلهذا تكون أخطاء متعلّمي اللّغة العربية في الأصوات تتفاوت تبعاً للُغاتهم الأصلية؛ فإذا كان الصّوت العربي لهُ ما يُماثلُه أو يُشابهُه في لُغة المُتعلّم الأّمّ مخرجاً وصفةً وتوزيعاً، فلن يُواجه مشكلة في نطقه إذا ما ورد في كلمة عربية. (عبد العزيز بن إبراهيم العُصيلي 1996: 195).

وعليه؛ فإنّ وقُوع المُتعلّمين في الأخطاء الصوتيّة يختصّ فقط بالأصوات الّتي لا عهد لهم بها في لُغتهم الأّم، فيصعُب عليهم أداؤها، وهذا عائِد إلى الأسباب السّالفة الّذكر.

وفي الوقت نفسه يَقع متعلّمو اللّغة العربيّة في مُشكلات نطق الحركات الطّويلة أو حروف المدّ، الّتي هي : الألف والواو والياء، إذا ما وردت في كلمات مثل : مطار، عُومل، بريد، يجدون صعوبة في التّفريق بينها وبين الحركات القصيرة (الفتحة والضّمة والكسرة)، فقد ينطُقون كلمة مطار : مطَرَ، وكلمة عُومل : عُمِلَ، وكلمة بريد : برد. ومن بين المُشكلات أيضاً اختلاف البدائل الصّوتية العربية بين لغة وأخرى، فتتعّدد أشكاُل نُطق الصّوت العربي الواحد حسب اللّغة الأّم للمتعلّم، فالضّاد مثلاً يُبْدِلُهَا النّاطقون للّغة الإنجليزيّة دالاً، كما في : ضَربَ الّتي تتحوّل إلى : َدَرب، ويُبدُلها النّاطقون بالفارسيّة والأرديّة والبنغاليّة والتركيّة زايا، كما : في رمضان الّتي تتحوّل إلى : رمزان. والطّاء يُبدُلها النّاطقون بالفارسيّة والأرديّة والبنغاليّة والتّركيّة والسّواحليّة والإنجليزيّة تاء، كما في : طيّب الّتي تتحول إلى : تيّب، وقد تُنطق دالاً لدى النّاطقين باللّغة الصّومالية. (عبد العزيز بن إبراهيم العُصيلي 1996: 196-197).

وبذلك فإن المشكلات الصّوتية الّتي مثّلنا لها ماهي إلاّ عيّنة من المشكلات التي يقع فيها متعلّمو اللّغة العربية على اختلاف لغاتهم الأمّ، بالإضافة إلى تمايز صفات الحروف الّتي يصعب نطقها كالحروف الحلقية، ونلحق بهذه المشكلات ما يتعلّق بالظّواهر الصّوتية العربية، ومنها:

  1. ظاهرة التّنوين الّتي امتازت بها العربيّة عن بقيّة اللّغات، ولذلك فإن تفّرد العربية بهذه الظّاهرة يحتاج إلى وقت طويل؛ حتّى يتمكّن الطّالب من إتقانها، بالإضافة إلى تماثُلها الكتابي مع حرف النّون ونُطقها، ممّا يزيد من صعوبة تعلّمها لدى المُتعلّم الأجنبي.

  2. ظاهرة تعّدد تأدية الأصوات (تفخيمها، ترقيقها، تسهيلها، تخفيفها) فقد ينتج عنها خلط لدى المتعلّمين بين الصّوت المنطوق وشكله المكتُوب، سواءً أكان ذلك بسبب طريقة الأداء اللّغوي المُتأثّرة باللّهجة، أم أّنها متعلّقة بطبيعة تجاور الأصوات.

  3. ظاهرة إلصاق «أل التّعريف» بنوعيها: الشّمسيّة والقمريّة، والنّطق باللاّم وعدم النّطق بها؛ حيث تُعدّ من صُلب الإشكالات الصّوتيّة الّتي يُواجُهها متعلُّمو العربيّة.» (أبو عمشة خالد حسين 2017: 37-38)

ومجمل القول أن لاختلاف النّظام الصّوتي للّغة العربية عن النّظام الصّوتي للّغة الأمّ للمتعلّم الأجنبي، تجعل منه يغيّر من عادته النّطقية الّتي شبّ عليها.

3. تقنيات المعالجة الآلية للّغة والصّوت

1.3. المعالجة الآلية للّغة العربية

تعد اللّغة ظاهرة بشریة یمتاز بها الإنسان عن سائر الكائنات الحیّة؛ فهي بلا منازع أوضح خصائص الجنس البشري تمييزاً له، وهي نعمة الله تعالى أنعم بها على الإنسان للتّواصل، كما أنها «ليست مجرّد نظام لتوليد الأصوات، فهي مرآة العقل وأدّاة الفكر إضافة إلى أنّها نشاط اجتماعي يتفاعل وكلّ النّشاطات الاجتماعيّة.» (نبيل علي 1994: 327).

ولعل اللّغة العربية أغنى اللّغات السّاميّة صّوتاً وصّرفاً ومعجماً، وقد كانت على مرّ العصور حديث العلماء العرب والمستشرقين بعضهم يمجّدها وبعضهم يرميها بالعجز والقصور عن ملاحقة التّطوّر العلمي والمعرفي في عصر العولمة والمعلومات، ولذلك حثّت نتائج قمم جامعة الدّول العربية على تعزيز حضور اللّغة العربية في جميع الميادين بما في ذلك وسائل الاتّصال والإعلام والأنترنت. (الجيلالي بن يشو 2015: 47 )

ولازالت اللّغة العربيّة تتمتّع بخصائصها الصّوتية والصّرفيّة والمعجمية، بالرّغم من أنها أقدم اللّغات البشرية، وتعرّضها لهجمات شرسة من أعدائها أو حتّى من أبنائها؛ بظهور دعوات عديدة هدفها القضاء عليها، فهناك من يدعو إلى استبدالها باللّهجــات بحجّة تقريبها من المجتمع، وكتابتها بالحروف اللّاتينية لمواكبة العصر، وكذلك الغزو المعلوماتي؛ الّذي يقوم به الغرب بإغراق مواقع الأنترنت وشبكات الاتّصالات الأخرى بمواد وبرامج باللّغة العربيّة، تضرب ثقافتنا وقيمنا.

وفي ظلّ تلك الهجمات، كان هناك ردٌ آخر لعلماء اللّغة العربية لمواجهة ما تتعرّض له؛ بالقدرة على المعالجة الآليّة للّغة العربية والدّعوة لإنشاء مشاريع تخدم هذه اللّغة.

ومن خلال النّظر في مصطلح المعالجة الآلية للّغة يظهر أنّه مكوّن من شقّين رئيسيين هما :

  1. المعالجة: المعالجة من وجهة نظر اللّسانيات الحاسوبية وهي: «التّطبيق الآلي على مجموعة من نصوص اللّغة وذلك بتغییرها وتحویلها، وإبداع شيّء جدید اعتمادا عليها، ویتم كلّ ذلك باستعمال تقنیات وأدوات من علوم اللّسانیات والإعلام الآلي، والنّمذجة (Modélisation)، ویجب التّفرقة عند المعالجة بین وصف المعارف وهي وظیفة اللّسانيّات والتّعبیر عن هذه المعارف في نماذج باستخدام تقنیّات واستراتیجیات فعّالة مستمدّة من علوم الحاسوب وهي وظیفة علم اللّغة الحاسوبي. » (فارس شاشة 2008 : 13 ).

  2. الآليّة: «العمليّات الآلية هي الّتي تجري عن طريق الآلة والّتي تقابلها العمليّات الّتي تجري بواسطة الإنسان، والآلة الّتي تستعمل في المعالجة الآليّة للّغة هي الحاسوب الّذي اخترع لإجراء العمليّات الحسابية، لذا يجب تطويره لمعالجة المعلومات ذات الطّبيعة اللّسانية، حيث إنّ المعالجة الآلية هي تتابع حركات حسابية تقوم بها الآلة وفق تسلسل زمني أي أنّ برنامج المعالجة الآليّة (Programme automatique) يمكن أنّ يكون كلي (Total) أو جزئي (artiel)، حيث إنّ:

  • كلّي : يقوم الحاسوب بكلّ شّيء.

  • جزئي : يتدخّل الإنسان في بعض المراحل ومعالجة شّيء لساني من وجهة الآلة يواجه بقيود (Contraintes)كثيرة في وصف النّصوص اللّغوية نفسها، لذا يجب نمذجة مكوّنات النّصوص بطريقة واضحة ومتناسقة (cohérence) ». ( فارس شاشة 2008 : 13 )

وعطفا على ما سبق فإن المعالجة الآلية للّغة هي البرمجة الحاسوبية للظّواهر اللّغوية وبرمجة القواعد والمعطيات المتعلّقة باللّغة حسب مستوياتها، باستعمال لّغات البرمجة المزوّدة والمثبّتة في الحاسوب، فَتُنْتِجُ برامج حاسوبية تطبيقية دقيقة سهلة الاستخدام، أما حوسبة اللّغة فهي نتاج المعالجة الآليّة من برامج تطبيقية، وتستغلّ غالبا في تعليميّة اللّغة.

وتشتمل المعالجة الآليّة للّغة على شقّين أساسيين:

« أ-الشقّ الأوّل : يشمل نظم البرمجة المستخدمة في المعالجة الآلية، بواسطة الكمبيوتر للفروع اللّغويّة المختلفة، مثل : نظام الصّرف الآلي، نظام الإعراب الآلي، نظام التّحليل الدّلالي الآلي، قواعد البيانات المعجمية والقواميس الإلكترونيّة ومنهجيات هندسة اللّغة.
ب-الشقّ الثّاني: يتضمّن التّطبيقات الّتي تقوم على النّظم اللّغويّة الآلية السّابقة الذّكر، التي تشمل على سبيل المثال لا الحصر، التّرجمة الآلية، التّدقيق النّحوي، الفهرسة والاستخلاص الآلي، البحث العميق داخل مضمون النّصوص- فهم الكلام - ونطقه آليّا.» (نبيل علي2001: 290-291)

فهناك ارتباط بين الشّقين؛ إذ إنّ الأوّل يتعلّق مباشرة بمستويات اللّغة كالصّرف والنّحو، أما الشّق الثّاني فيعتمد على الأوّل من حيث استغلال تلك الأنظمة في إنجاز البرمجيات التّطبيقيّة الّتي تهتمّ بقضايا تتفرّع من القواعد الأساسية للظّواهر اللّغوية، كالتّدقيق النّحوي الذي يعتمد على القواعد النّحوية والصّرفية وغيرها.

ولهذا كانت ولاتزال مبادرات جادة عدّة لتطوير المعالجات الآليّة لفروع اللّغة العربيّة المختلفة. تمثّل تلك المعالجات اللّغوية الأساسية البنية التحتية الّتي يمكن أنّ تقام عليها نظم أعمق لمعالجة اللّغة العربيّة مثل : نظم الفهم الآلي العميق لمحتوى النّصوص، ونظم التّلخيص الآلي الّتي تعتمد على فهم هذا المحتوى، لا مجرّد الاعتماد على إحصائيات تواتر الألفاظ والجمل. (نبيل علي، 2001: 292).

من هنا يعتمد الباحثون في هذا الميدان على الصّياغة الصّورية المنطقية الرّياضية؛ لترجمة الأنظمة اللّغوية إلى خوارزميات متسلسلة ودقيقة للوصول إلى تطبيقات حاسوبية ذات نتائج عالية الدّقة وواضحة وسهلة الاستعمال.

كما يمكن القول إنّ اللّغة العربيّة لغة قابلة للمعالجة الآليّة؛ لأنّ النّظريات اللّغويّة الّتي وضعها علماؤها القدماء أكثر نجاعة للصّياغة الرّياضية، كما أنّ الطّابع الرّياضي لكلّ من اللّغة والحاسوب؛ يجعل مجال الإبداع فيهما متعدّدا، وواسعا، حيث وُضِعَ نماذج كثيرة لبرامج مصمّمة لتدريس اللّغة العربية.

2.3. المعالجة الآلية للصّوت اللّغوي

إنّ الصّوت عند إبراهيم أنيس « ظاهرة طبيعية ندرك أثرها قبل أن ندرك كنهها » ( إبراهيم أنيس 1975 : 6 )، ويعرف الصّوت اللّغوي أنّه « أثر سمعي يصدر طواعية واختيارا عن تلك الأعضاء المسمّاة (أعضاء النّطق)، والملاحظ أنّ هذا الأثر يظهر في صورة ذبذبات معدّلة، وموائمة لما يصاحبها من حركة الفمّ بأعضائه المختلفة، ويتطلّب الصّوت اللّغوي وضع أعضاء النّطق في أوضاع معيّنة محدّدة، أو تحريك هذه الأعضاء بطريقة معيّنة محدّدة أيضا، ومعنى ذلك أن المتكلِّم لا بدّ أن يبذل مجهودا ما كي يحصل على أصوات لغوية » (كمال بشر 2000 : 119 ).

تُنْتَجُ الأصوات اللّغوية بجهاز النّطق البشري؛ فيجعل حدوث الصّوت واختلافه وفق حركة الفم مع أعضائه، فكأنّما هي علاقات رياضية؛ فكلّ صوت مسموع إلاّ وله حركات أعضاء متلازمة مع بعضها.

وتتفرّع الصّوتيات «إلى ثلاثة فروع هي : علم الأصوات النّطقي، علم الأصوات الفيزيائي من الأكوستيكي وعلم الأصوات السّمعي، ولكلّ خصائصه ومجاله ». (كمال بشر 2000: 8).

ولكن كثيرًا من الدّارسين يضيفون فرعًا رابعًا لما سبق، هذا الفرع يخضع نتائج ما توصّلت إليه الفروع الثّلاثة الأولى للتّجريب والتّوثيق، بواسطة الآلات والأجهزة الصّوتية، ومن ثمّ سميّ هذا الفرع بعلم الأصوات المعملي أو التّجريبي أو العلمي». (كمال بشر 2000: 8).

ويُعرِّف «أحمد مختار عمر» هذا الفرع بأنه «الدّراسة الصّوتية الّتي تعتمد على استعمال الأجهزة والآلات» (أحمد مختار عمر 1997: 45) فهو يستغل الأجهزة والمعدّات الحديثة والمتطوّرة والدّقيقة للوصول إلى الوصف الدّقيق للأصوات.

وقد أخذ المعمل الصّوتي يتطوّر شيئًا فشيئًا بعد ما كان يعتمد على معدّات بسيطة في الدّراسة الفيزيولوجية أو الفيزيائية للأصوات، ها هو اليوم يحتوي على أجهزة إلكترونية دقيقة توفّر على الدّارس جهدًا كبيراً كان يعترضه خلال الدّراسات الصّوتية، حتى دخل الحاسوب هذا المجال بقوّة فأصبحت وسائل هذه الدّراسة –خاصّة الفيزيائية منها- تقتصر على برامج حديثة بكفاءة عالية لا تحتاج إلاّ للحاسوب في تشغيلها. (رضا زلاقي 2006: 27 )

وقد استفادت اللّسانيّات الحاسوبيّة في معالجة الأصوات اللّغويّة آليا من توجّهات علمية تطبيقية متنوّعة، حيث تستمد من اللّسانيّات العامة مادة اشتغالها في العديد من تطبيقاتها الهندسية إلى بعض منجزات الذكاء الاصطناعي، إذ توظّف بعضا من تطبيقاتها الهندسية في التّحليل الصّوتي الآلي (Speeck Analysis)، التّوليد الآلي للأصوات (Test to Speeck)، إمكانية التّعرّف على الكلام المنطوق (Speeck Recognition) وآلية البحث الصّوتي Audio Indexer وغيرها. (أحمد راغب أحمد، 2013: 72)

وأثناء هذه المعالجة لابدّ للدّارس أن يستعين بأجهزة التّسجيل والتّحليل اللاّزمة والمتمثّلة في: (راضية بن عريبة 2019: 60).

  • المسجّل : جهاز يسجّل الصّوت الوارد إليه عبر ميكروفون ثم يعيده إلينا بعد عملية التّسجيل.

  • السّماعات والميكروفون.

  • مكبّر الصّوت.

  • الحاسوب.

  • البرنامج : وهو الذي يقوم بالتّحليل وعرض النتائج بدقة متناهية سواء في التّمثيل البياني للموجة الصّوتية المراد معالجتها أو أثناء التّحليل الطّيفي لها وتوجد عدّة برامج لتحليل الصّوت مثل برنامج براث (Praat)، والذي يعني بالهولندية « الكلام » وبرنامج محلّل الصوت (Speeck Analyzer) ،وبرنامج أدوبي أوديشن (Adobe Audition).

4. استثمار المعالجة الآليّة للصّوت اللّغوي في تعليمية اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها

يؤدّي الحاسوب دورا بارزا في تعليم اللّغة العربية كلغة ثانية؛ حيث يسهم بشكل كبير في تطوير نظريات اكتساب اللّغة، ويسّهل على الكثيرين تعلم اللّغة العربية إلكترونيا وخاصّة النّاطقين بغيرها.

وإنّ تعليم لغة ما يتّخذ من الصّوت منطلقاً له، فتعليم النّظام الصّوتي للّغة يُعدّ البداية الأُولى لتعليمها، وكلّما كان نُطق الأصوات موافقاً لحقيقته، كانت جودة التّعليم أحسن، ومن ثمّ تتمّ العملية التّعليمية بالسّرعة المطلوبة ( أحمد الدياب 2012 : 17) ؛ فلذلك الأصوات هي الأساس الأول في البناء اللّغوي لدى المتعلّمين.

ويُعّد تدريس النّظام الصّوتي أساساً في تعليم العربيّة للنّاطقين بها وبغيرها على حّد سواء، فهي العِماد الذي تقوم عليه المهارات اللّغويّة الأربعة: الاستماع والقراءة والكتابة والكلام، وترتبط هذه المهارات بالنّظام الصّوتي ارتباطاً وثيقاً منذ اليوم الأوّل في تعلّم العربية إلى اليوم الّذي يبلُغ فيه متعلّمها درجة من الكفاءة العاليّة فيها، لذلك، فالأصوات هي وسيلة ُمهمّة في فهم المُتعلّم الأجنبي لطبيعة اللّغة العربية انطلاقاً من معرفة فونيماتها وألوفوناتها المُتغيّرة من مكان إلى آخر ومن شخص إلى ثان. (أبو عمشة خالد حسين 2017: 17) فأوّل ما يقدّمه المعلّم لمتعلّم اللّغة العربية هو الجانب الصّوتي، ويصاحبه في كل فترات تعلّمه.

وإنّ تعلّم أي لغة من اللّغات يتم عبر مراحل ومستويات مختلفة، يكتسبها الإنسان تدريجيا، خاصّة في تعليمية اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها بحسب البرنامج والمنهاج المعتمد، فتقسّم في الغالب إلى مستوى مبتدِئ، متوسّط ومتقدّم. فيتعلّم المتعلّم أساسيات اللّغة وذلك بالتّركيز على المهارات اللغوية الأربعة : الاستماع والقراءة والكلام والكتابة.

بعدما تطرّقنا إلى المعالجة الآليّة للّغة، علينا أن نعرّج على مدّى استغلالها في تعليمية اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها.

وعليه فإن الحاسوب وسيلة تعليمية حديثة ناجعة في تدريس اللّغة العربيّة كونه يساهم في إيجاد بيئة تربوية جدّية تساعد على جعل التّعليم أكثر متعة وشوقًا، ويُفعّل دور المتعلّمين أثناء العملية التّعليميّة التّعلّمية، ويراعي مبدأ الفروق الفردية، وهناك العديد من البرامج الّتي صمّمت للمتعلّمين لتعلّم اللّغة العربية بمختلف مستوياتها. (خالدة عبد الرحمن شتات 2010: 610 )

ومن هذا المنطلق فقد صُمّمت برامج حاسوبية تستخدم كوسيلة تعليمية، وذلك بهدف تطوير مهارات المتعلّمين، ويمكن للحاسوب أن يقدم بيئةً تعليمية متفاعلة.

1.4. التّعرّف على الأصوات

اللّغة بشكل عامّ مجموعة من الأصوات كما قال ابن جنّي : « حدّ اللّغة أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم » ( ابن جني أبو الفتح عثمان دت : 33) فهذا التّعريف دقيق للّغة يذكر كثيرًا من الجوانب المميزة للّغة، فقد بيّن الطّبيعة الصّوتية للّغة، كما ذكر وظيفتها الاجتماعية في التّعبير.

ومصدر الصّوت اللّغوي عند الإنسان هو جهاز يسمى الجهاز الصّوتي، «فأهمّية أصوات الكلام تأتي من أنّها تمثّل الجانب العملي للّغة، وتقدّم طريق الاتّصال بين الإنسان وأخيه الإنسان مهما قلّ حظه من التّعليم» ( أحمد مختار عمر 1997 : 33 ).

فمن هذا المنطلق استعملت برامج وتطبيقات حاسوبية في التّمييز بين أصوات الحروف ومخارجها بواسطة تحليل طيف الصّوت، وتوليد الكلام، وتخزين الأنماط الصّوتية للشّخص المتكلّم، وتحويلها آليا في جهاز الحاسوب إلى مقابلها الصّوتي، وينطق الصّوت بالحركات والسّكون، ويكرّره حتّى يستوعبها المتعلّم، ويتضمّن البرنامج تدريبات تساعد المتعلّم على تكوين كلمات من حروف مختلفة قراءة وكتابة، ويعتمد البرنامج على الطريقة التّحليليّة الّتي تبدأ من الجملة فالمفردة، فالمقطع الصّوتي فالصّوت داخل المفردة فيتعرّف المتعلّم بذلك على نطق الحرف وكتابته بأشكاله المختلفة. (عبد الخالق فضل رحمة الله علي 2014: 6).

ونذكر هنا في هذا المجال تطبيق «أبجد» لتعليم اللّغة العربية سواء للناطقين بها أو بغيرها، يتميّز بميزة عرض الحروف مع نطقها إضافة إلى أغنية تعليمية لكلّ حرف واختبار للتّوصيل بين الحرف والكلمة التي تبدأ به ولعبة لتركيب الكلمات وألعاب للبحث عن الحروف، وغيرها.

أما برنامج المفردات فهو يساعد في تعلّم المفردات عن طريق ربطها بالصّورة والصّوت وعرضها بطريقة تتيح ظهور الكلمة على الشّاشة ثم تختفي، أو اختيارها من ضمن قائمة موجودة على الشّاشة بطريقة السّحب والإفلات. كما يتيح البرنامج خيارا لبناء الكلمات وكذا ترتيب الكلمات أبجديا. (عبد الخالق فضل رحمة الله علي 2014: 7).

ومن خلال هذه البرامج والتطبيقات الحاسوبية يدرك متعلم العربية الناطق بغيرها الأصوات اللّغوية للّغة العربيّة، ويفرق بينها وبين أصوات لغته الأم.

2.4. الاستماع

يهدف هذا البرنامج إلى تنمية مهارة التّركيز السّمعي لدى المتعلّم، وتعويده على الاستماع للحديث الّذي يوجّه إليه، ثمّ يتمّ عرض نصّ استماع وعليه أسئلة مع وجود أيقونة المساعدة، وعند النّقر عليها يسمع جزءا من النّص يحتوي على الإجابة الصّحيحة. ويتيح البرنامج عدّة طرق يمكن من خلالها تطوير مهارة الاستماع. (عبد الخالق فضل رحمة الله علي 2014: 8).

وتوجد برامج عديدة وطرق مختلفة يمكن للحاسوب من خلالها تطوير مهارة الاستماع (التّعرّف على الأصوات، اللّفظ والتّنغيم، الاستيعاب السّمعي) لدى المتعلّمين ومنها: (اللجنة الوطنية للمناهج 2011: 12)

  1. التّعرّف على الأصوات: التّمييز بين أصوات ومخارج الحروف، حيث يجب على المتعلّم أن ينطق الحروف وفق مخارجها نطقا صحيحا، ويقرأ الكلمات الجديدة دون تردّد، وهناك برامج تتيح للتّلميذ الاستماع إلى مفردات ثمّ يطلب إليه تحديد الكلمة الّتي سمعها من خلال اختيارات متعدّدة، كما تتيح له إعادة الاستماع عدّة مرّات.

  2. اللّفظ والتّنغيم: إنّ تعويد المتعلّمين وتدريب آذانهم على تمييز نّغم وموسيقى الشّعر مطلب مهمّ، ولذلك تعتبر المحفوظات وسيلة لتربية أذواق التّلميذ وتعزيز رصيدهم اللّغوي والأدبي (اللجنة الوطنية للمناهج 2011: 16)، ولهذا الغرض صمّمت برامج حاسوبيّة تساعد المتعلّمين على التّعرّف على الأصوات ثمّ ممارسة اللّفظ والتّنغيم، وذلك عن طريق تمارين خاصّة بالإصغاء والتّكرار باستخدام تقنية الكلام الرّقمي؛ حيث إنّها تتميّز هذه البرامج بالقدرة على تحليل الأنماط الصّوتية المختلفة والتّمييز بينها.

  3. الاستيعاب السّمعي: في هذا النّشاط يقوم المتعلّم بالاستماع إلى نصّ يليه أسئلة اختيارية أو ملء الفراغ ويقوم المتعلّم بالإجابة عنها، ثم يتلقّى التّصحيح من البرنامج الحاسوبي.

3.4. المحادثة (الكلام)

صُمّمت برامج حاسوبية تستخدم كوسيلة تعليمية، وذلك بهدف تطوير مهارة التّحدث لدى المتعلّمين؛ حيث يقوم المتعلّم بالاستماع إلى حوارات تجري بين مجموعة من الأشخاص حول موضوعات متنوّعة، ويتعلّم التّلميذ من خلالها كيفية طرح الأسئلة على الآخرين في مواقف معيّنة، وكذلك كيف يردّ على الأسئلة إذا طُرِحَتْ عليه، وفي بعض البرامج يمكن للمتعلّم الدّخول في حوار مباشر مع البرنامج حيث يتلقّى المتعلّم السّؤال ثم يردّ عليه شفويا باستخدام الميكروفون، وبعدها بواسطة التّغذية الرّاجعة للحاسوب يتلقّى النّتيجة لأدائه. (اللجنة الوطنية للمناهج 2011: 16)

وتوجد برامج شاملة مصمّمة خصّيصا لتطوير مهارات المتعلّم من القراءة والكتابة والسّماع والمحادثة، تراعي هذه التّطوّرات، وذلك بتوفير تمرينات وتدريبات لكلّ مرحلة تعليمية، فبرنامج المعلّم المحترف في تدريس اللّغة العربية الموجه للناطقين يغيرها يتكوّن من اثنتي عشرة ورشة عمل تدريبية، مُوزّعة على خمس مساقات أساسية هي أساسيّات تدّريس اللّغة العربية، الاستماع، المحادثة، القراءة والكتابة.

الخاتمة

بعد أن عرضنا في هذا البحث مجموعة من المفاهيم الأساسيّة ونماذج للتّطبيقات الحاسوبيّة، يمكن أنّ نقول إنّ هذه الدّراسة توصّلت للنّتائج الآتية:

  1. لا تزال لغتنا العربيّة في بداية طريق حوسبتها، ورغم أنّه يبدو سبيلا شاقًّا وطويلًا إلّا أنّ التّحدّيات الرّاهنة تلزمنا بضرورة خوض غماره وتطويره.

  2. إنّ النّهوض بتعليمية اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها في حقل اللّسانيّات الحاسوبيّة وتفعيله يتطلّب تضافر الجهود وتكاتف المعاهد والمؤسّسات والمخابر، حتّى لا تتفرّق المعرفة ويضيع الوقت في التّكرار.

  3. تتّصل علوم الحاسب وعلوم اللّغة مع بعضها وتتشارك في موضوعات عديدة، خاصّة أنّ الدّرس اللّساني الحديث نشأ في الفترة الّتي برزت فيها أبحاث الذّكاء الاصطناعي تقريبا، ممّا جعل تعليميّة اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها ترتبط بالمعالجة الآلية لمستويات اللّغة وخاصّة المستوى الصّوتي.

  4. تخضع معالجة الصّوت اللّغوي آليا إلى ضوابط ومعطيات لابدّ من توّفرها لدى الباحث في هذا المجال، وقلّة إلمام العربي بالوسائل والبرمجيّات المخصّصة لذلك، يساهم يوما بعد يوم في تراجع أبحاث حوسبة اللّغة العربية.

  5. تعدّ معالجة الصّوت اللّغويّ آليا مرحلة مهمّة في حوسبة اللّغة باستحدام المعدّات التّكنولوجية في رصد كلّ ما يخصّ الصّوت اللّغوي من صفاته ومخارجه والتّغيّرات التي تطرأ عليه عند النّاطقين بغير اللّغة العربية.

  6. إنّ استغلال البرمجيات التّطبيقية الصّوتية جعلت من تعليم اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها أكثر تفاعلا واهتماما.

  7. إنّ التّحـدّي المطـروح اليـوم هـو أن نـنجح فـي الوصـول إلـى الاســــتثمار الأمثل للمعالجة الآلية للصّوت اللغوي، لاستيعاب المعـاني والأفكار، وتجسّـــد اســـتخدام اللّغة وتنـــاول المفـــردات اللّغويـــة بشـكل حيـوي ملمـوس للنّاطقين بغيرها، بهـدف تنميـة الحصـيلة اللّغويـة، والارتقـاء بنوعيـــّة التّعلـــيم، وتحســـين تعليميّــة اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها، وتحقيـــق تعمـــيم المعرفـة.

وفي الختام نرى أنّه من الضّروري إبداء جملة من المقترحات نحسب أنّها تسهم في توطين هذا التّوجّه في الدّراسات المعاصرة على هذا النّحو:

    • تضافر الجهود في مجال اللّسانيّات الحاسوبيّة العربيّة بين اللّسانيّين والحاسوبيّين.

    • ترجمة الأعمال المكتوبة باللّغات الأجنبية في مجال اللّسانيّات الحاسوبيّة إلى اللّغة العربيّة.

    • إنشاء أقسام خاصّة باللّسانيّات الحاسوبيّة وربطها بتعليمية اللّغة العربية للنّاطقين بغيرها في الكلّيات والجامعات.

1 الإعلامية: يقصد بها المعلوماتية (L’informatique).

2 يقصد به الأتوماتيكي أي الآلي (Automatique)

3 يقصد بها وضع البرنامج للآلة.

أنيس، إ. (1975). الأصوات اللغوية (ط5). مكتبة الأنجلو مصرية.

ابن جني، أ. الف. ع. (د.ت). الخصائص. (تح محمد على النجار). المكتبة العلمية.

عمر، أ. م. (1997). دراسة الصوت اللُّغَوِيّ. عالم الكتاب.

بن يشو، ج. (2015). دراسات في اللّسانيّات التطبيقية (ط1). دار الكتاب الحديث.

الميساوي، خ. (2013). المصطلح اللّساني وتأسيس المفهوم (ط). دار الأمان.

بن عريبة، ر. (2019). محاضرات في اللسانيات الحاسوبية. ألفا للوثائق للنشر والتوزيع.

استيتية، س. ش. (2008). اللّسانيّات المجال: والوظيفة والمنهج (ط2). عالم الكتب الحديث.

العُصيلي، ع. ب. إ. (1996). أساسيّات تعليم اللّغة العربيّة للنّاطقين بلغات أخرى. جامعة أم القرى.

عبد الجليل، ع. (2002). علم اللّسانيّات الحديثة (ط1). دار الصفاء.

بشر، ك. (2000). علم الأصوات. دار غريب.

علي، ن. (2001). الثقافة العربية وعصر المعلومات. المجلس الوطني للثقافة والفنون.

علي، ن. (1994). العرب وعصر المعلومات. عالم المعرفة.

علي، ن. (1988). اللغة العربية والحاسوب. مؤسسة تعريب.

ع. خ. ف. (2014). استخدام اللّسانيّات الحاسوبية في تعليم اللغة العربية. المؤتمر العربي الخامس للترجمة. الحاسوب والترجمة: نحو بنية تحتية متطورة للترجمة. الرباط.

الموسى، ن. (2000). اللغة العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية (ط1). المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

الدياب، أ. (2012). المشاكل التي تواجه الأتراك في تعليم اللغة العربية (رسالة ماجستير). قسم اللغة العربية، جامعة غازي.

زلاقي، ر. (2005-2006). الصوامة الشديدة في العربية الفصحى دراسة مخبرية (رسالة ماجستير). قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب واللغات، جامعة بن يوسف بن خدة الجزائر.

شاشة، ف. (2008). المعالجة الآلية للغة العربيّة: إنشاء نموذج لساني صرفي إعرابي للفعل العربي (رسالة ماجستير). قسم علم المكتبات والأرشيف، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة الجزائر.

أحمد، أ. ر. (2013). العلاقة التفاعلية بين الصوت والدلالة دراسة لغوية حاسوبية. مجلة مجتمع اللغة العربية الأردني، مجمع اللغة العربية، (83).

أبو عمشة، خ. ح. (2017). تدريس النّظام الّصوتي للّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها النظريّة والتطبيق. الّدليل التّدريبي في تدريس مهارات اللّغة العربيّة وعناصرها للنّاطقين بغيرها. مكتبة الملك فهد الوطنية.

اليوبي، ب. «اللسانيات الحاسوبية مفهومها وتطوراتها ومجالات تطبيقاتها». استشراف آفاق جديدة لخدمة اللغة العربية وثقافتها، مجلة مكناسة، (12).

1 الإعلامية: يقصد بها المعلوماتية (L’informatique).

2 يقصد به الأتوماتيكي أي الآلي (Automatique)

3 يقصد بها وضع البرنامج للآلة.

الشكل1 : مراحل إنجاز برنامج تطبيقي

الشكل1 : مراحل إنجاز برنامج تطبيقي

د.سي بشير راشيد Sibachir Rachid

مخبر الدراسات المتعددة التخصصات في تعليم وتعلم اللغات - جامعة أحمد زبانة غليزان

براهيمي بوداود Brahimi Boudaoud

جامعة أحمد زبانة غليزان

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article