الأساليب التعليمية بالرواية المتواترة والأساطير: أقوال وحكم مباركة بنت الخص الهلالية بمنطقة بريزينة نموذجاً

Récurrence des récits et des mythes : Les dires et la sagesse de Mubara bint Al-Khas Al-Hilalia, dans la région de la Berzina au service de la didactique

The recurrence of stories and myths: The sayings and wisdom of Mubara bint Al-Khas Al-Hilalia, in the Berzina region, at the service of didactics

مهداوي الدين Dine Mehdaoui

p. 359-374

مهداوي الدين Dine Mehdaoui, « الأساليب التعليمية بالرواية المتواترة والأساطير: أقوال وحكم مباركة بنت الخص الهلالية بمنطقة بريزينة نموذجاً  », Aleph, Vol 11 (1) | 2024, 359-374.

مهداوي الدين Dine Mehdaoui, « الأساليب التعليمية بالرواية المتواترة والأساطير: أقوال وحكم مباركة بنت الخص الهلالية بمنطقة بريزينة نموذجاً  », Aleph [], Vol 11 (1) | 2024, 25 June 2021, 25 February 2024. URL : https://aleph.edinum.org/11000

إن حكم وأقوال مباركة بنت الخص قيلت على الغالب من دون أصل وهي تتميز باستعمال اللغة العربية المتداولة بين الأوساط العامة التي تعتمد على حركة السكون في أخر الكلام. وبما أن لسان الفرد حال فكره وهو يعكس مستواه الثقافي والاجتماعي ومن خلال القراءة المتأنية لحكم وأقوال بنت الخص يمكن القول أنها لم تكن على قدر وافر من العلم بقدر مكانتها الاجتماعية والسياسية والدينية التي كانت تحضي بها بين أوساط قبيلتها حتى وان لم تصلنا من أثارها وحكمها إلا الرضاض والنتف المبعثرة. فهي عبارة عن توليفة متنوعة من الحكم والأمثال فقد تكلمت عن الرجل والمرأة والكرم والشجاعة والمروءة وغيرها من أمور الحياة واعتمدنا في تقديمها على الشكل الذي قيلت فيه للمحافظة على أمانة الرواية

La règle et les dictons de Mebarka Bent Al Khas seraient pour la plupart sans origine, et ils se distinguent par l’utilisation de la langue arabe qui circule parmi les cercles publics qui dépendent du mouvement du silence dans le dernier discours. Comme la langue de l’individu est sa pensée، elle reflète son niveau culturel et social, et grâce à une lecture attentive du jugement et des mots، je ne sais pas si je vais aller à l’école, mais je ne pense pas que je vais pouvoir aller à l’école Quant à ce que nous avons retenu de sa règle et de ses exemples، j’ai parlé des hommes, des femmes، de la générosité, du courage، de l’élitiste et d’autres choses de la vie, et nous nous sommes appuyés pour les présenter comme on disait de les garder le roman honnête

The rule and sayings of Mebarka Bint Al Khuas were said to be mostly without origin، and they are distinguished by the use of the Arabic language that is circulating among the public circles that depend on the movement of silence in the last speech. As the tongue of the individual is his thought, it reflects his cultural and social level، and through a careful reading of judgment and words I am not sure if I am going to go to school, but I don’t think I am going to be able to go to school. As for what we got from its rule and its examples، I talked about Men, women، generosity, courage، elitist and other matters of life, and we relied in presenting them as they were said to be. To keep the novel honest

فهرس الكلمات المفتاحية

إمرأة، الحكمة، بريزينة، شخصية

مقدمة 

جدير بالاهتمام أن يكون هناك تواصل بين الأجيال عبر تدوين وكتابة الموروث الشفهي والأجدر من ذلك أن تكون الكتابة موضوعية ومحققة وخالية من كل مجاملة وتبجيل، ويمكن القول أنه من الأمور التي أضحت مألوفة هو التسليم بصحة الرواية التي تتناول تاريخ معالم وسير ومناقب أعلام دون العودة إلى تحقيق وتمحيص هذه الرواية، غير أن ذلك لا يمنع من العمل على تدوين هذا التراث الشعبي الزاخر بكل ما يحمله من أساطير وملاحم وسير أعلام وتاريخ معالم وحكايات شعبية ومعتقدات وممارسات وطقوس دينية شرط أن تكون الكتابة بأمانة علمية صادقة لأن هذا الزخم الـثقافي هو في الحقيقة إرث مشترك للإنسانية جمعاء، ومن الواجب العناية به والمحافظة عليه حتى لا يندثر في خضم بحر المتاهـات الواسعة كما انه يعتبر كمادة خام ينهل منها كل من شدته الرغبة للتوسع والتحقيق، ومن المؤسف أن الكثير من سير الأعلام والأحداث التاريخية المهمة تتساقط إتباعا من الذاكرة الشعبية وذلك لعدم تدوينها بفعل الإهمال والنسيان واللامبالاة ولا زال هذا النزيف ينخر تراثنا دون أن يعير باحثونـا ومؤرخونا ادني اهتمام به، وكأن التراث أضحي من سقط المتاع، و تبقى المحاولات المتواضعة لسد هذه الثغـرات دون المستوى المنشود، وما هذا البحث الذي نقدمه في الحقيقة إلا محاولة متواضعة نحاول فيها بقدر الإمكان تدوين بعض الصفحات من الذاكرة الشعبية والعمل على إستخراج الكيفيات التي ساهمت في تربية وتلقين الخلف مناقب وحكم تواترت من خلال رويات عن مباركة بنت الخص الهلالية بمنطقة بريزينة بولاية البيض وصحراء واد صقر لنفض الغبار عن أعلام ومعالم طمسها الزمن بالرغم من غموض مباحثه وفقدان مراجعه، وفي غياب الدليل العلمي الدقيق تبقي الرواية الشعبية هي المصدر الوحيد لهذا البحث مع الاعتماد علي القليل مما دونه بعض المخبرين الفرنسيين في هذا الشأن، وتجدر الإشارة أن البحث في هذا الموضوع هو في غاية الصعوبة لتضارب الروايات ولعدم توفر المراجع التي تقدم المعلومة الصحيحة والموثقة للدارس إلا أننا نحاول تقديم وتدوين ما جادت به علينا الرواية الشعبية للمحافظة عليها وتدوينها من جهة ولربط الأجيال بماضيها وبتاريخها الزاخر من جهة أخرى.

ومن هذا المنطلق كانت الإشكالية التي نعالجها في هذا البحث متمثلة في التساؤل التالي:

  • هل حكم وأقوال مباركة بنت الخص حقيقية أم أسطورة شعبية؟

  • إلى أي مدى أثرت هذه الحكم في سلوكات وتربية سكان المنطقة ممن عاصروها أو جاؤوا من بعدها؟

1. تعريف بشخصية بنت الخص والفترة التي عاشت فيها

1.1. مباركة بنت الخص الهلالية

لقد استطاعت الرواية الشعبية وعلى مر قرون من الزمن أن تحتفظ بسيرة شخصيات عبرت التاريخ بعز وشموخ إلا أنها ظلت مفقودة الأثر وربما طمست بصماتها إلى الأبد بسبب عدم تدوين هذا اللون من الأدب الشعبي، وان كانت الذاكرة احتفظت في سيرة بني هلال بأسماء أبطال وفرسان ورؤساء وشعراء بني هلال فإنها عزفت عن ذكر المشاهير من النساء بني هلال باستثناء جازيه بنت سرحان زوجة الشكر بن الفتوح احد أشراف مكة المكرمة.

(ابن منظور، ص365)، وفي شمال إفريقيا وعلى وجه التحديد في منطقة الجنوب الغربي الجزائري إلى منطقة الزيبان فان الرواية الشعبية المتواترة لم تحتفظ هي أيضا إلا باسم بنت الخص وتتفق كل الروايات على إنها أميرة هلالية من قبيلة بني عامر وانطلاقا من هذه الفرضية يمكننا تحديد معالم البحث وفك بعض الطلاسم المضروبة على الموضوع في حدود اطلاعنا مع احتمال الخطأ.

تحتفظ الذاكرة الشعبية في هذا الموضوع أن بنت الخص وأسمها مباركة وهي أميرة هلالية من قبيلة بني عامر وقد كان أبوها أميرا شهما مطاعا وذو شان عظيم بين أوساط قبيلته ولقد كانت ابنته ملازمة له في حياته منذ نعومة أظافرها وتعلمت منه الكثير من أمور الحياة.

ولما بلغ من الكبر عتيه سلم مقاليد إمارته لابنته لإدارة شؤون قبيلته مع العلم أن من طبيعة القبائل العربية البدوية أن تكون الرئاسة وراثية بين الذكور وأن العرف القبلي يقوم على سيادة الرجل وتبعية المرأة في نظام القبيلة العربية وحالة الاستثناء هذه عند بنت الخص قد تعزى لما كانت تحضي به من احترام واهتمام كبير من قبل أفراد قبيلتها وذلك لفطانتها الخارقة وعلمها بأمور الحياة البدوية وتدينها فصالت وجالت وتركت تاريخا عظيما لا زال يتذاكره الأحفاد ويرويه الأجداد على مر الزمن

2.1. تحديد الفترة الزمنية التي عاشت فيها بنت الخص

اعتبارا من الفرضية السابقة أن بنت الخص هلالية الأصل فهي تكون حتما قد عاشت بعد نزوح قبائل بني هلال أي بعد القرن الحادي عشر الميلادي (11م) ومن جهة أخرى يقول دو كستري أن بنت الخص يعود أصلها لقبيلة بني عامر وقد عاشت في القرن الخامس عشر غير انه لا يذكر المراجع التي اعتمد عليها في تحديد تاريخها ونسبها (La Revaf 49: 26)

ومن جانب آخر تحتفظ الرواية الشعبية أن بنت الخص تم محاصرتها بحصنها الشهير الموجود بمنطقة بريزينة بمكان يسمى القور من قبل السلطان لكحل والمتفق عليه أن هذا الأخير هو السلطان أبو الحسن المريني (1331-1351) م كما ان شارل اندري جيلان، وفي رواية أخرى يقال أن بنت الخص كانت في صراع دائم مع عامل السلطان لكحل وهو حاكم منطقة اربوات، وهو الذي حاصرها بمنطقة القور وقد تم قتله من قبل احد ابناء سيدي معمر بالعليا الذي عاش خلال القرن الخامس عشر ومنها يمكن تحديد الفترة الزمنية التي عاشت فيها بنت الخص اي خلال القرن الخامس عشر (C À Jullien ; p 178)

3.1. حدود إمارة بنت الخص

لقد اعتمدنا في تحديد حدود إمارة بنت الخص على المناطق التي عمرتها ومكثت فيها حينا من الدهر أو تركت فيها بعض الآثار العمرانية وهو دليل على أن هذه المناطق كانت تحت سلطتها وذلك في ظل حدة الصراع والتزاحم بين القبائل على الأرض ومنابع المياه.

تمتد حدود إمارة بنت الخص من منطقة اربوات شمالا إلى مدينة المنيعة جنوبا وشرقا إلى منطقة جبل العمور وغربا إلى حدود الواد الغربي مع حدود إقليم توات وبطبيعة الحال هذه الحدود ليست ثابتة وقد تكون بنت الخص قد حطت في مكان لترحل عنه إلى غير رجعة وقد تكون عادت إلى نفس المكان مرات متعددة وذلك بحكم طبيعة حياة القبائل البدوية ونمط عيشها وهي دائما في حل وترحال بحثا عن الماء والكلاء والأمان

4.1. الآثار العمرانية لإمارة بنت الخص

يمكن الجزم وعلى الإطلاق أن إمارة بنت الخص لم تكن إمارة ذات نمط عمراني بمفهومه الحضاري أينما على الأرجح هي إمارة ذات نمط اجتماعي بدوي محض والبداوة ي نمط حياة لمجموعة بشرية لا تسمح لها ظروف بيئتها الطبيعية والاجتماعية بالاستقرار.

ولا اعتقد أن أمارة بنت الخص تخرج عن هذا النمط من الحياة والدليل على ذلك أننا لا نصادف أثار عمرانية مؤسسة بمفهومها الحضاري وكل ما هو منسوب لبنت الخص من عمران هو في الحقيقة عبارة عن حصون لها إستراتجية دفاعية محضة وتتمثل هذه الآثار العمرانية فيما يلي.

  • قصر بنت الخص في منطقة عين العمارة (قرية بالقرب من بلدية بريزينة ) وهو عبارة عن مجمع سكني له باب واحد ويوجد به عدة غرف ويحيط به خندق للدفاع وبه واحة صغيرة من النخيل ومنبع للماء

  • بقايا أثار لحصن أصبح أثرا بعد عين وهو ينسب لبنت الخص ويوجد في أعلى قمة بمنطقة جبال القور وهو عبارة عن حصن منيع ومن الصعوبة بما كان أن يغزوه غاز، ولا يمكن الوصول أليه إلا من معبر واحد يكون مضروب عليه في الغالب حراسة شديدة.

  • - ينسب لها أيضا قصر شامخ فوق أعلى تلة بمدينة المنيعة وهو عبارة عن حصن منيع

  • بعض الآثار بمنطقة جبل بونقطة (جبال شامخة بالقرب من بلدية البيض )و يسمى عند عامة الناس بجنان بنت الخص

  • بعض أثار ساقية والتي تنسب لبنت الخص وكانت تجلب الماء من منطقة عين العمارة إلى منطقة أم المي (قرب المجمع السكني عين لعمارة ببلدية بريزينة ) التي كان توجد بها أراضي فلاحيه وأشجار مثمرة وتقول الرواية الشعبية أن بنت الخص كانت ترسل الأكل يوميا لعمالها الدين كانوا يشتغلون بالفلاحة في صناديق خشبية تسير مع سريان الماء عبر الساقية من منطقة عين العمارة إلى منطقة أم ألمي، وذات يوم عاد العمال واخبروها بان أكلهم اليومي لم يصل كما هو معتاد فقالت لمجلسها لقد دخل البلاد غرباء فاستنفرت فرسانها وأمرتهم بتقفي اثر هؤلاء، وخلاصة مما سبق يمكن القول أن كل الآثار العمرانية المنسوبة لبنت الخص هي عبارة عن حصون يلجأ لها في وقت الشدة ولم تتميز هذه الآثار بفن معماري معين، أينما هي على الغالب عبارة عن صور من الحجارة والطين ومجموعة من الغرف خالية من كل جمال عمراني

5.1. حصار بنت الخص من قبل السلطان لكحل

يروى أن السلطان لكحل وصلته أخبار كثيرة عن بنت الخص من حيث جمالها وخصالها ومكانتها بين أوساط قبيلتها ففكر في الزواج منها وقال لمستشاريه إنني أريد أن يكون لي ولدا من هذه المرأة فشد رحاله قاصدا مضارب أهل وقبيلة بنت الخص

وعند وصوله إلى عين المكان نصب خيامه على مقربة من قلعة بنت الخص الموجودة في منطقة القور وفي يوم الغد سار موكب السلطان وفي مقدمته شعراء ومغنون وفرسان وخادمات ; تقدم الشعراء موكب السلطان ووقفوا أمام القلعة وهم ينشدون شعرا ويمدحون سلطانهم على مسمع ومرأى بنت الخص وكم هو مؤسف أن الرواية الشعبية لم تحتفظ لنا ولو بمقطع من هذه الأبيات الشعرية وأهملت بكاملها ولم نعثر إلا على بعض المقاطع دونها أحد الفرنسيين وارتأيت أن أقدمها للقارئ دون ترجمتها حفاظا للمعنى.

Que de fois، il a étendu sur la poussière le mari d’une femme très belle dont la vie coulait par une blessure semblable à une lèvre fendue!
Bent EL Khass interroge les cavaliers si tu ignores ses exploits!
Ils te diront qu’il est toujours monté sur un cheval rapide et couvert de cicatrices.
Son fer perce les burnous : le héros n’a point d’abri contre sa lance.
Il le laisse en pâture aux bêtes sauvages qui rongent ses belles mains et ses beaux bras
Lorsqu’il met un pied à terre pour achever un ennemi، les lèvres du mourant se relèvent sur les gencives; mais ce n’est pas pour sourire.
Sa lance s’allonge comme les cordes d’un puits pour s’enfoncer dans le poitrail des chevaux.
Sa jeunesse brille comme un bracelet sous les plis d’un haïk

فأجابتهم بنت الخص، ابلغوا سلطانكم أيها الفرسان ما أقوله لكم.

J’ai pour demeure daya ; une citadelle avec de l’eau، ou je puise quand je veux
Ma forteresse est élevée ; les aigles eux- même n’y peuvent atteindre
Si une injustice me vise، je n’en souffre pas. (Hugues le roux، p. 137)

وبعد هذه المناظرة الشعرية بعث السلطان لكحل مستشاره الخاص لينوب عنه في طلب يد بنت الخص ووقف أمام باب القلعة وقال:

أيتها الأميرة إن السلطان جاء يطلب يدك للزواج وهذا مهرك يتمثل عشر خادمات ولدن في يوم واحد يحملن ألف قطعة نقدية وقطع قماش من بلاد السودان وبعض الزرابي الجميلة ومجموعة من الأحذية المصنوعة في مدينة فاس ولوازم الكحل والعطور..... الخ.

رفضت بنت الخص هدايا السلطان وقالت لمبعوثيه ابلغوا سلطانكم ان الكحل في بلادي اشد سوادا ويكفيني لباسا ما تغزله خادماتي، وكان هذا الرد بمثابة رسالة تحدي ورفض لطلب السلطان عاد الوفد إلى مضرب خيام السلطان لكحل وكان قد أمر بتحضير وليمة كبيرة لألف شخص وجهز فرس بأزهى أنواع الأقمشة ووقف عبدين أسودين يمسكان بلجامه وهو معد خصيصا لتركب عليه الأميرة بنت الخص. وقف مبعوث السلطان عاجزا عن إبلاغه برد بنت الخص، ثم قال له لقد رفضت بنت الخص الزواج منك أيها السلطان، وعندما سمع ذلك الجواب جن جنونه واشتد غيضه وأمر قائد جيشه بسد المنبع المائي (العين) وضرب حصارا على بنت الخص في قلعتها وقال لحاشيته سوف يلين قلبها من العطش وحر الشمس المحرقة. وفي فجر يوم السابع ذهبت خادمات الأميرة بنت الخص لإحضار الماء من المنبع (العين) ففوجئن بردمها كاملتا، فعدن إلى القلعة وأخبرن بنت الخص بمفاعله جنود السلطان وهن يبكين خوفا وجزعا. -( Hugues le roux - P 137)

هرعت بنت الخص إلى مخزو ن الماء ثم انزوت قليلا وهي تفكر في ما تفعل وبعد فترة قصيرة عادت وقالت لحضورها إن الأمر الذي أخافه لم يحن بعد وبعد حصارا دام أسبوعا كاملا جأت خادمات بنت الخص وأخبرنا ها بأنه لم يبقى من الماء إلا ما يكفي ليوم واحد فقط فقالت لهن بنت الخص اغسلوا بما تبقى من الماء كل الملابس وانشروها على مرأى عيون السلطان، وفجيء الجميع بما أقبلت عليه بنت الخص وظنوا أنها فقدت عقلها ووعيها من طول الحصار المضروب عليهم. فتقدم منها الجميع وطلبوا منها إعادة النظر في قولها وحثها على التفكير في الأمر من جديد لكنها صممت على رأيها وقالت لهم افعلوا ما أمركم به فان نظري بعيد وتفكيري عميق، فقامت الخادمات على الفور ونفذن أمر بنت الخص وغسلن الملابس ونشرناها على مرأى عيون السلطان وفرسانه. إما كان من أمر السلطان لكحل فقد كان ينتظر بشغف كبير استسلام بنت الخص من حين لأخر وكان مستشاره الخاص يطمئنه ويؤكد له انه بعد هذا الحصار الطويل سوف لن تستطيع الصمود أكثر من يوم واحد. في اليوم الموالي ركب السلطان جوده في موكب رفقة مستشاره وبعض فرسانه وعند مرورهم إمام القلعة فوجئ الجميع وهم يرون بعض الملابس مغسولة ومنشورة، وما أن رأى السلطان ذلك المنظر حتى جن جنونه وطلب تفسيرا من مرافقيه قائلا

«أيعقل أن يكون لديها من الماء ما يكفيها حتى لغسل الملابس، والتفت إلى مستشاره وطلب منه تفسيرا للواقعة التي حيرت مرافقيه»
فقال له: «مستشاره لعلها غيوم تراكمت فوق القلعة أيها السلطان.»

فثار السلطان وغضب غضبا شديدا وراح به الاعتقاد أن الماء موجود عند بنت الخص بوفرة ومهما طال الحصار فلن تستسلم ابدآ كما أن الحصن منيع ولا يمكن الوصول إليها بالقوة. عاد السلطان إلى مضربه وانزوى في خيمته يفكر في ما يفعل وبقي الجميع في صمت وحيرةلم ينتظر السلطان طويلا واستدعى قائد جيشه المرافق له وأمره بإحضار مستشاره مكبلا ومقيدا وبعد فترة زمنية قصيرة احضر المستشار ووقف أمام السلطان، فقال له السلطان لقد أشرت علي بأمر تركت من اجله ملكي وقطعت من اجله البراري والصحاري وتكبدت فيه مشقة السفر وأخيرا أذل فيه من قبل امرأة تسكن في جبل لا يصله الغراب.

كان الجمع مشرئبا واقفا وكأن على رأسهم الطير وهم ينتظرون أمر السلطان.

نهض السلطان وأمر قائد فرسانه قائل له، اقطع رأس هذا الرجل جزأ له عن سوء تدبيره وجهز الركب للرحيل حالا. وهكذا رفع الحصار عن بنت الخص وقد غامرت بأخر ما عندها من الماء واستطاعت بفضل ذكائها ودهائها أن تفك الحصار المضروب على قلعتها بدون خسائر، ويقال أنه سبق وأن استعملت هذه الخدعة الحربية أو ما يشابهها قديما في أماكن متعددة وذلك عندما حصرت مدينة المنيعة من طرف قبائل الطوارق وكذلك حصار بني مرين لمدينة تلمسان وقد استعملت هذه الخدعة الحربية في أماكن كثيرة لا يسع المجال لذكرها. ويمكن الملاحظة أن بنت الخص كانت تتمتع بذكاء خارق وكانت صاحبة فراسة ثاقبة وقد وظف الذكاء البدوي في محيط بيئته فاكتسب البدوي بذلك حنكة وتجربة أهلته لتخطي الصعاب وتحدي المحن.

6.1. قصة زواج بنت الخص

يروى أن بنت الخص كانت تتجول مع أبيها في ارض مبللة بالمطر، فقالت له (الأرض باتت مع فحلها) ففهم أن ابنته بلغت سن الزواج.

و يروى أن بنت الخص كانت تطلب حل لغز كشرط لكل من جاء يطلب يدها للزواج واللغز هو أن يأتي الخطيب بشاة ويذبحها ويقطعها وظل هذا اللغز قائما إلى أن جاء يوما فارسا من فرسان قبيلتها وذبح الشاة وقطعها بحيث وضع قطع اللحم على النحو التالي.

وضع أرجل الشاة مع قلبها ووضع عيبيها مع كبدها ثم وضع قوائم الشاة مع بطنها.
وعندما رأت بنت الخص ذلك فهمت ما كان يعنيه وقالت لأبيها لقد قبلت بهذا الفارس زوجا.
فسألها أبوها عن حل هذا اللغز.
فقالت. وضع الأرجل مع القلب. ومعناه أن الأرجل تمشي حيث يحب القلب.
وضع الكبد مع العين. ومعناه أن العين تبكي على الأكباد
وضع القوائم مع البطن. ومعناه أن البطن تحركه القوائم.
و طلبت من أبيها أن يصطحب هذا الفارس في جولة خارج الديار وقالت له اخبرني بكل ما يقوله وما يفعله هذا الفارس ليطمئن قلبي أكثر.
خرج أبوها مع خطيب ابنته وسارا حتى وقفا على قبر قديم فقال الفارس أيها النائم في هذا القبر أحي أنت أم ميت، فتعجب الرجل من قول الفارس.
ثم مرا على مضرب خيام واستسقيا أهلها فسقوهما لبنا فتناول الفارس اللبن وشرب هو الأول ثم قدم اللبن إلى رفيقه بعد ذلك.
ثم مرا على مضارب خيام أخرى وطلبوا منهم شرابا فأعطوهما ماء فتناول الفارس الماء وأعطاه لرفيقه فشرب وتناول الفارس الوعاء من يد صاحبه وشرب من بعده.
تعجب الرجل من تصرفات الفارس وغموض كلامه عن صاحب القبر، وعند عودتهما جلست بنت الخص إلى أبيها وطلبت منه أن يخبرها بتفاصيل كل ما حدث له مع الفارس، فحكي لها ما جرى و قال لها لقد تعجبت من كلامه عن صاحب القبر اهو ميت أم حي، وتناوله اللبن فشرب وشربت من بعده، وأعطاني الماء فشربت وشرب من بعدي. فقالت له أيها الأب الكريم لقد رضيت بهذا الفارس زوجا وهذا الذي كنت انتظره.
قال لها أبوها فسري أولا كلام وتصرفات هذا الفارس.
فقالت له.
سأل عن صاحب القبر ميت هو أم حي ومعنى ذلك يكون الميت حيا بماترك من أبناء ذكور أو عمل مذكور ويكون ميتا إذا كان منسيا من العقول.
و شرب اللبن قبلك لأن أعلاه ماء وأسفله لبن وتكريما لك شرب الماء وأعطاك اللبن.
و شرب الماء بعدك لأن أعلاه ماء نقي وأسفله ماء به شوائب ويكون بذلك أعطاك الماء الصافي وشرب هو الماء الغير نقي إيثارا على نفسه واحتراما لك.
وكل ما فعله نابع عن حكمة وسداد رأي ودراية كاملة بالأصول وما أراه إلا زوجا مناسب.ا
و لم تحفظ الرواية الشعبية شيئا عن زوج بنت الخص ولا عن أصوله أو قبيلته ويقال أنها أنجبت منه أولاد كثيرون وفي رواية أخرى يقال أنها لم تنجب إلا ابن واحد كان عاقا لامه وفي يوم من الأيام اشتد غضبها عليه فرمته من اعلي قلعتها فمات على اثر سقوطه، لكنها ندمت على فعلتها وحزنت حزنا شديدا وقالت قولتها الشهيرة ( عاق ولا تناشة ) وكلمة تناشة في المفهوم اللغوي العامي هي المرأة الوحيدة التي لا يوجد لها أبناء.(Capitaine de Colomb، commandant du cercle de Guerville ; p 46 )

2. حكم وأقوال بنت الخص الماثورة 

1.2. حكم بنت الخص وأقوالها المأثورة

إن الأدب الشعبي هو مجموعة الحكم والأمثال والأساطير والقصص وهو يمثل رصيد كل أمة من تراثها الشعبي ويعد الأدب الشعبي مصدر من مصادر الكشف عن الشخصية الفردية والبعد السوسيولوجي للمجتمع الذي قيلت فيه، بحيث انه من خلال الحكم والأقوال المأثورة يمكن أن نستنبط سمات محددة تعكس المكانة الأدبية والأخلاقية والاجتماعية للفرد والمجتمع بشكل عام. وبالنسبة للحكم والأقوال المأثورة فلا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات البشرية وهي تعكس خلاصة وتجربة الحياة ويروى المثل مع أصله أو مجرد منه.

ونلاحظ أن حكم وأقوال بنت الخص قيلت على الغالب من دون أصل وهي تتميز باستعمال اللغة العربية المتداولة بين الأوساط العامة التي تعتمد على حركة السكون في أخر الكلام.

وبما أن لسان الفرد حال فكره وهو يعكس مستواه الثقافي والاجتماعي ومن خلال القراءة المتأنية لحكم وأقوال بنت الخص يمكن القول أنها لم تكن على قدر وافر من العلم بقدر مكانتها الاجتماعية والسياسية والدينية التي كانت تحضي بها بين أوساط قبيلتها حتى وان لم تصلنا من أثارها وحكمها إلا الرضاض والنتف المبعثرة. أما فيما يخص ما وصلنا من حكمها وأمثالها فقد تكلمت عن الرجل والمرأة والكرم والشجاعة والمروءة وغيرها من أمور الحياة واعتمدنا في تقديمها على الشكل الذي قيلت فيه للمحافظة على أمانة الرواية. (Bourricaud، Francois . Talcott Parsons. Op. cit، pp. 63-64)

2.2. قول بنت الخص في الكرم

يروي الناس قول مأثور عن بنت الخص جاء في نصه (الجود من الموجود) وأصل القول المأثور يحكى أن بنت الخص كانت مع أبيها وإذا بركب من الفرسان كثير العدد يمرون عليهم ويطلبون ضيافتهم فتقاعس أبوها عن ضيافتهم لكن ابنته أشارت عليه باستقبالهم، وقامت بتحضير الطعام فأكلوا وانصرفوا، وعندما عاد أبوها فجلست إليه قالت له أتتذكر يوما عندما تحدثت لي عن الجود.

قال: نعم.
قالت: وماذا قلت.
قال: قلت أن الجود عظم.
قالت: وماذا كان جوابي
قال: قلت أن الجود من الموجود.
قالت: وأيهما اصح
قال: صدقت الجود من الموجود.

و معنى الحكمة (الجود من الموجود) أن الكرم والجود يكون مما هو موجود دون تكليف أما أبوها عندما قال أن الجود عظم وهو يقصد بذلك أن الجود يكون أصل على أصل أي وكأنه صفة موروثة أبا عن جد، والكرم البدوي همة من همم العرب وهو قيمة نبيلة رفيعة من ارقي ما عرف النبل الإنساني من قيم وهو احد مكونات شخصية البدوي وظله الذي لا يفارقه، وقد كان البدوي يشعل النار ليلا حتى يراها عابر السبيل. وقد ظل ولا يزال المجتمع البدوي هذه العجينة الإنسانية البسيطة تنطوي على خامات وطبائع راقية مثل الكرم والشجاعة والفروسية ونظم الشعر واكتسب من التجربة مهارات حسية خارقة كالفراسة في معرفة الأنساب والقيافة والعلاج عن طريق الكي وبراعة حساب الشهور وفصول السنة ومعرفة طب الإبل والضان وجبر عظام الحيوان والإنسان

3.2. قول في الغلاء

قيل أن بنت الخص سالت أصحاب القوافل العائدون عن حال السوق فقالوا لها أن الغلاء أصبح متفشيا فقالت لهم ( كل موجود رخيص )

4.2. قول في الرجال والنساء وفي الجمال والجبال قول في النساء

1.4.2. قول في الرجال وفي الجمال والجبال قول في النساء

قالت يوما وهي تتحدث في مجلس قومها.
ألي يسكن يسكن الجبال ألي يعرف ماءهم وهوائهم.
وألي يكسب يكسب الجمال ألي ما يحير في عشاهم.
وألي يعرف يعرف الرجال ألي يخطر معاهم.
وهي تقصد بقولها انه من يريد أن يقيم في مكان يجب أن يعرف منابع الماء وطبيعة الجو باردا حارا.
وقولها في كسب الجمال أن هذا النوع من الكسب هو كسب مربح وغير مكلف.
وفيما يخص معرفة الرجال فهي تحبذ نمط الرجال الذين تسافر معهم لان السفر هو محك لمعرفة قدرات الرجل

2.4.2. قول في النساء

بنت الخيمة تعطى وتحكر

وبنت العشة تعطى وتكثر.

بنت الخيمة تمشي وتجرجر

وبنت العشة مشي وتغبر.

بنت الخيمة تعطى وتحكر

وبنت العشة تعطى وتكثر.

بنت الخيمة تمشي وتجرجر

وبنت العشة مشي وتغبر.

الخيمة هي البيت المصنوع من الشعر وتكون كبيرة والعشة هي الخيمة الصغيرة ويسكنها الأقل شانا وتقصد ببنت الخيمة أي بنت الأكابر صاحبة الأصول وهي تبذل وتعطي وفي عطائها تقدير وهي لا تسرف بينما بنت العشة وهي المراة المنحدرة من عائلة متولضعة المستوى. وقالت في الرجال أيضا.

الرجال خشبة عر عار قلاعيين كل عار.
الرجال ألي ما جاء منهم سدا إيجي لحمة.

والمقصود من قولها الرجال خشبة عر عار أي أن الرجل يكون صلبا قويا وأينما وجد الرجال ينعدم العار لان الرجل بطبيعته حام لحماه. والمقصود بالرجال- إلي ما جاء منهم سدا يجي لحمة - أي أن الرجل أينما تضعه تجده وكلمة سدا أي خيط النسيج المتين واللحمة هي خيط النسيج الأقل متانة.

5.2. حكم واقوال عامة

قالت بنت الخص ثلاثة يصفروا الوجه وثلاثة يحمروا الوجه
فقيل لها ما الثلاثة الأولى.
فقالت - مشية الحفى. - ورفود القفا. - والمرأة التالفة.
آما الثلاثة الثانية فهي.
ألي يعرف النسب - ألي يعرف بنات النسب - وألي يقنع بالنصيب ألي يكسب.
قالت لابنها يوما.
ألي ما يفطر الصباح الصيام خير له.
وألي ما يتغطى في الليل السري خير له.
وقالت له.
افطر مع الصباح، إذا عرضوك ما تسخف، وإذا طاردوك ما تقبض
و قالت له أيضا
بكر لحاجتك تقضيها وتصنت ما يقول الفال
وبنتك قبل الصيام أعطيها لا يخلق فيها قولة قيل وقال.
وقالت يوما تصف ابنها :
- ولدي عكاف - ما يتعشى ليلة الضياف - وما يرقد ليلة ألي يخاف.
و تعني كلمة عكاف أن ابنها شهم طويل القامة وان الليلة التي يكون عنده ضيوف لا يمكنه أن يتناول عشاءه لأنه يتفانى في خدمتهم، والليلة التي يكون فيها خائفا لا يمكنه أن ينام لأنه يبيت يترقب الخطر المحدق به
قالت لابنها : إذا بنت ما تدرق، وإذا درقت ما تبان
قالت لأحد عمالها الذين يشتغلون في الفلاحة، فصل الحرث يدوم ربعين يوم.
فقال لها لماذا.
فقالت. الشتاء فيه شهرين وثالث ربيع.
قالت بنت الخص.
حرثنا عام وحصدنا ستين.
وحرثنا عام وحصدنا ستة.
وعام ستين عشنا وعام ستة عشنا.
وقالت.
سلطاني في الكف خير من عشرة في التلف.
و السلطاني هو عبارة عن عملة نقدية وسميت بذلك لأنها تحمل صورة السلطان.
وقالت: يابايع القمح واش تشري.
قال لها نشري الخيل.
قالت له اشري ولا تكثر، ظهورها تجلي وبطونها تخلي.
ثم قالت له يابايع القمح واش تشري.
قال لها نشري الإبل.
فقالت له اشري وكثر، ظهورها قوية وحليبها كنز وترحل بك من بلاد الذل لبلاد العز.
أراد ابنها أن يشتري حصانا.فقالت له.
واش تشري من الخيل.
قال لها. نشري شيء في شيء ألي يكون كتفه تحت الطرحة محشي وذانه ما تسمع شيء وعينه ما تشوف شئ عمارة تعشيه وقرارة تغطيه.
فقالت له هذا محال ما يدخلوه للسوق عودة المزلاط ما تولده والغاني ما يبيعه.( لشيخ قدور بن علية، 2011 )

3. الجانب الأسطوري في رواية بنت الخص

إن الأساطير الشعبية هي القاسم الفلكلوري المشترك بين كل المجتمعات البدوية وترتكز هذه الأساطير أساسا على خوارق الأمور لكل مجتمع وهي نوع من الفنون الشعبية البدوية يحفظونها الرواة ويجيدون فن إلقائها وفق إيقاع خاص ومشوق ومتميز ليكون بذلك نوع من الترويح النفسي، وكثيرا ما تنشأ هذه الأساطير على أنقاض حقيقة تاريخية طمست معالمها بعامل الزمن وحرفت بفقدان أمانة الرواة في نقل السير مما افقدها مذاق الحقيقة التاريخية وأدخلت في نطاق الأسطورة، وسيرة بنت الخص لم تنجو من إعطائها الطابع الأسطوري وظلت على مر الزمن تعاني من تقلص في حقيقتها التاريخية وتمدد في طابعها الأسطوري.

1.3. الساقية الشهيرة لبنت الخص

ينسب لبنت الخص حفر ساقية عظيمة تمتد إلى مكة المكرمة من اجل سقاية الحجاج ويقال أن بعض بقايا هذه الساقية وجدت بمحاذاة واد جدي جنوب مدينة بسكرة وطبعا لا يمكن للعقل أن يصدق ذلك ويعزى للأسطورة والخيال الذي ينسج حول شخصية بنت الخص.

و في العهد الاستعماري أجريت بحوث ودراسات طبوغرافية وأكدت إن الساقية هي عبارة عن خندق حفره الرومان كوسيلة دفاع لرد هجمات سكان الجنوب. (Hugues le roux p. 139)

2.3. بنت الخص وحدة النظر

يقال أن بنت الخص كانت تتمتع ببصر حاد إذ كانت تبصر على مسافة ثلاثة أيام ويقال أن إحدى نوقها ضاعت يوما فصعدت فوق قلعتها (القارة) ووضعت يدها فوق جبينها وبدأت تنظر يمينا وشمالا ثم شدت بصرها إلى اتجاه معين وصاحت زم زم أي بمعنى توقف، ولما سمع الرجال صياحها سألوها عما رأت

فقالت رأيت ناقتي في المكان الفلاني وأمرتهم بالالتحاق بها ولم يصدق الفرسان قولها لان المسافة بعيدة جدا ولا يمكن للعين أن تبصر مداها ولكنهم توجهوا إلى المكان وساروا مسافة ثلاثة أيام حتى وصلوا المكان ووجدوا فعلا الناقة هناك. ويقال أنها كانت تعز هذه الناقة وقد أعطيت عشرة جمال مقابل ناقتها إلا أنها رفضت.

وعندما نعود إلى تاريخ الأدب الجاهلي فإننا نجد بعض أمهات الكتب تتحدث عن فتاة اسمها زرقاء اليمامة كانت تعيش في اليمن ويقال أنها كانت تبصر الراكب على مسافة ثلاثة أيام ويقال أنها رأت حشدا راكبا جمالا وخيلا قادمة نحو قبيلتها وأجزمت أن القادمون رجالا لا نسوة بينهم ولم يقبل الناس حقيقة

ما قالت وبعد ثلاثة أيام اكتسحت قبائل حمير البلاد وأباد وا قبيلتها وقتلوا زرقاء اليمامة وقلعوا عينيها فوجدوا فيهما عروق سوداء ولعل هذا التشابه بين بنت الخص الهلالية وزرقاء اليمامة في حدة النظر هو من قبيل توظيف قبائل بني هلال لتاريخ الأدب الذي تحمله ذاكرتهم وربما نعتوا بنت الخص بمواصفات زرقاء اليمامة وحتى اسمها قد تكون سميت ببنت الخص ذلك تشبيها وتيمنا ببنت الخص الأيادية وذلك لتشابه الشخصيتين من حيث قول الحكم والفطانة والعلم بأمور الحياة.

4.3. موت بنت الخص

يقول الرواة أن بنت الخص عمرت زهاء قرن من الزمن(01ع) وعندما ماتت سال دمعها مخضبا بالكحل ووصل إلى أسفل وجهها ويقال أنه رغم تجاعيد الدهر التي لعبت بتقاسيم وجهها بعامل السن إلا أنها كانت على قدر من الجمال. ومن الرواة من يقول أن بنت الخص ماتت في قصرها بعين لعمارة ومنهم من يقول أنها ذهبت إلى مدينة المنيعة ولم تعد إلى أن توفت هناك وبين هذا وذاك ماتت بنت الخص وتركت تاريخا حافلا وظل شامخا رغم عمر الزمن وآفة النسيان.

خاتمة

عكست دراسة شخصية مباركة بنت الخص في مجال المخيال الشعبي والرواية الشعبية بمنطقة بريزينة ومن خلال أقوالها وحكمها بأنها صورة السلطة عند المرأة كما هي في الواقع بأبعاده المعقولة واللامعقولة والتي تجلت من خلال محاولة الولوج في عالم اللامفكر فيه أو عالم اللاوعي والمسكوت عنه بكل متناقضاته مع إلحاح مستمر في استنطاق صورة السلطة والزعامة عند المرأة كما يراها المجتمع من جهة وكما ترسم ملامحها المرأة نفسها من خلال تفاعلاتها المتعددة مع الواقع المعاش

لقد حاولنا الاقتراب من بعض النماذج والممارسات النسائية التي صنفناها على أساس أنها نماذج نسائية فاعلة في المجتمع الجزائري، من خلال شخصية بنت الخص كنموذج للسلطة الكاريزمية التي أثرت في تناقل المعلومات كأسلوب من أساليب نقل المعرفة وتفعيلها بين الأجيال فالأسطورة أو القصة تعتبر وسيلة فعالة من وسائل التعليم والتربية خصوصاً إذ كانت البيئة أمية وفي غياب مناهج تعليم مقننة من خلال الربط بين مفاهيم عميقة في حقل السوسيولوجيا وهي المخيال الاجتماعي والعادات المتعارف عليها داخل نفس البيئة الأمر الذي من شأنه فك طلاسم الشخصية كما يتصوره أهل المنطقة كنموذج يتميز بطغيان الشعور الانفعالي والوجداني للجماهير التي تؤمن بها بينما تتسم في مجال المعاملات بالخطوات المحسوبة وتخضع لعملية مقننة في إطار إستراتيجية محددة وتمثل قمة التجريد بالنسبة للمرأة التي حصلت على حقها ومارسته، بإستقرار وثبات نسبيين ويمكن أن يشكل ثقافة فرعية للمرأة. في إطار مجتمع تقليدي يعتبر الأب مركز السلطة والمسؤولية والاحترام والإرث والانتساب، إلى جانب مجال التحرك وأسلوب التفكيره ونوعية تأثيره والخروج عن المألوف الأولى في المجال الديني والاجتماعي المصبوغ بالانبهار والعلاقات المافوق طبيعية

ابن منظور. لسان العرب ج7

الشيخ قدور بن علية، وقال نسوة في المدينة دار الغرب للنشر والتوزيع 2001

Au Sahara - Google Books. s. d. Consulté le 8 février 2024. https://colibris.link/BqsYA

Bourricaud, François. 1977. L’individualisme institutionnel: essai sur la sociologie de Talcott Parsons. Presses universitaires de France.

Chazel, François. 1978. « Bourricaud François, L’individualisme institutionnel. Essai sur la sociologie de Talcott Parsons. » Revue française de sociologie 19 (2): 277‑81.

« Exploration des Ksours et du Sahara de la province d’Oran ». s. d. CRLV / Astrolabe. https://colibris.link/r7Ang.

Hauser, Henri. 1932. Review of Review of Histoire de l’Afrique du Nord (Tunisie-Algérie-Maroc), par Ch.-André Julien et St. Gsell. Revue Historique 169 (3): 665‑69.

Palanque, Jean-Rémy. 1931. « Charles-André Julien. Histoire de l’Afrique du Nord : Tunisie, Algérie, Maroc ». Revue d’histoire de l’Église de France 17 (77): 488‑89.

مهداوي الدين Dine Mehdaoui

المركز الجامعي نور البشير – البيض

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article