االقدس في السينما الفلسطينية: مدينة محجوبة بين الذاكرة وجماليات المقاومة البصرية

Jérusalem dans le cinéma palestinien : une ville occultée entre mémoire et esthétiques de la résistance visuelle

Jerusalem in Palestinian Cinema: An Obscured City between Memory and the Aesthetics of Visual Resistance

عطية نسرين Nesrine Attia كنتاوي محمد Mohamed Kantaoui

p. 277-294

عطية نسرين Nesrine Attia كنتاوي محمد Mohamed Kantaoui, « االقدس في السينما الفلسطينية: مدينة محجوبة بين الذاكرة وجماليات المقاومة البصرية », Aleph, Vol 13 (3) | 2026, 277-294.

عطية نسرين Nesrine Attia كنتاوي محمد Mohamed Kantaoui, « االقدس في السينما الفلسطينية: مدينة محجوبة بين الذاكرة وجماليات المقاومة البصرية », Aleph [], Vol 13 (3) | 2026, 19 May 2026, 07 July 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17701

تتناول هذه الدراسة تمثيلات القدس في السينما الفلسطينية بوصفها « مدينةً محجوبة » لا بالمعنى الجغرافي وحده، بل بوصفها موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة الجمعية، والحق في السرد، وسياسات الرؤية والمنع، وأخلاقيات الحركة داخل فضاء استعماري-استيطاني يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان ومدينته. تنطلق المقالة من سؤال مركزي : كيف تُنتج السينما الفلسطينية صورة القدس حين يكون الوصول إليها مقيّدًا، وحين تتحول المدينة إلى فضاء مرئي من بعيد، قريب في الذاكرة، وممنوع في التجربة اليومية؟ تعتمد الدراسة مقاربة نوعية تجمع بين التحليل الفيلمي القريب، وسيميائيات الفضاء، ودراسات الذاكرة، ونظرية السينما الفلسطينية في سياقات الاستعمار الاستيطاني والشتات. ويتأسس المتن على قراءة مركزية لفيلم « 200 متر » لأمين نايفة، مع إحالات مقارنة إلى سينما إيليا سليمان، ولا سيما « يد إلهية »، و« الزمن الباقي »، و« إن شئت كما في السماء »، فضلًا عن استحضار مرجعي للوثائقيات الفلسطينية التي تعيد بناء القدس عبر الأرشيف والشهادة والصوت. وتبيّن الدراسة أن القدس لا تظهر في هذه الأفلام بوصفها خلفية مكانية محايدة، بل بوصفها جهازًا دلاليًا ينظم العلاقة بين الجسد والحدود، وبين الذاكرة والمشهد، وبين الفقدان وإمكان المقاومة. كما تكشف أن الصورة السينمائية الفلسطينية لا تكتفي بتوثيق المنع، بل تحوّله إلى نظام جمالي مضاد، تصبح فيه اللقطة البعيدة، والصمت، والجدار، والأرشيف، واللون، والصوت أدوات لإعادة امتلاك المدينة رمزيًا. وتخلص الدراسة إلى أن القدس في السينما الفلسطينية ليست موضوعًا فقط، بل بنية سردية وبصرية لإنتاج هوية مقاومة وحفظ ذاكرة مهددة بالمحو.

Jérusalem occupe, dans le cinéma palestinien, une place qui excède le statut de décor, de motif religieux ou de simple référent géographique. Elle devient une ville à la fois présente et soustraite, proche et inaccessible, inscrite dans la mémoire collective tout en étant matériellement entravée par les dispositifs de contrôle, de séparation et de restriction de la mobilité. Cette étude analyse les modalités par lesquelles le cinéma palestinien construit Jérusalem comme « ville occultée », c’est-à-dire comme un espace disputé où se nouent mémoire, visibilité, absence et résistance. La démarche associe analyse filmique, sémiotique de l’espace, études de la mémoire et réflexion sur le cinéma palestinien en contexte colonial, diasporique et frontalier. Le corpus privilégie 200 mètres d’Ameen Nayfeh, mis en regard avec l’esthétique du silence, de l’ironie et de l’absurde chez Elia Suleiman, notamment dans Intervention divine, Le Temps qu’il reste et It Must Be Heaven. L’article montre que l’image de Jérusalem ne relève pas seulement du témoignage politique ; elle constitue une forme visuelle de contre-archive, capable de rendre perceptible ce qui est interdit, éloigné ou effacé. La ville devient ainsi une matrice narrative, affective et esthétique où la perte se transforme en acte de mémoire et en puissance de résistance.

This article examines the representations of Jerusalem in Palestinian cinema as an “obscured city” : not merely a geographical place, but a contested visual and mnemonic site where absence, memory, restricted mobility and resistance intersect. The study asks how Palestinian films construct the image of Jerusalem when access to the city is constrained and when the city becomes visible from afar, intimate in memory, yet often unreachable in everyday experience. It adopts a qualitative approach combining close film analysis, spatial semiotics, memory studies, and theories of Palestinian and diasporic cinema. The corpus focuses on Ameen Nayfeh’s 200 Meters, read in dialogue with Elia Suleiman’s cinematic language of silence, dark humour and absurdity in Divine Intervention, The Time That Remains and It Must Be Heaven. The analysis shows that Jerusalem is not treated as a passive background but as a structuring visual and narrative force. Distance, checkpoints, the wall, archival images, soundscapes and silence are transformed into resistant aesthetic devices. The study argues that Palestinian cinema produces a counter-archive of Jerusalem, making visible what is materially restricted or politically erased, and converting loss into a practice of memory, identity and visual resistance.

مقدمة 

ليست القدس في المخيال الفلسطيني مجرد مدينة قابلة للإحالة الطبوغرافية، ولا موضوعًا سياسيًا يضاف إلى موضوعات الصراع. إنها بنية رمزية ومكانية تؤسس العلاقة بين الذاكرة والهوية، وبين الحق في السرد والحق في الحركة، وبين المكان بوصفه إقامة والمكان بوصفه فقدانًا مؤسسًا. ومن ثم، فإن حضورها في السينما الفلسطينية يتخذ طابعًا مركبًا : فهي مدينة تُرى ولا تُطال، تُستعاد ولا تُستملك، تُسمع في النداء والجرس والذاكرة والصوت، لكنها تُمنع، في كثير من الأحيان، من أن تكون تجربة جسدية مباشرة.

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن تمثيل القدس في السينما الفلسطينية لا يمكن فهمه من داخل ثنائية الحضور/الغياب وحدها. فالمدينة غائبة ماديًا لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بسبب الجدار والحواجز ونظام التصاريح، لكنها حاضرة بعمق في الذاكرة، وفي اللغة، وفي الإيقاع الصوتي، وفي الصور الأرشيفية، وفي إشارات الجسد حين يصطدم بحدود غير مرئية. لذلك يبدو مفهوم « المدينة المفقودة » غير كافٍ إذا أُخذ بمعناه الرثائي الخالص؛ والأدق أن تُقرأ القدس بوصفها « مدينة محجوبة »، أي مدينةً تُحجب بفعل بنى السيطرة، لكنها تُستعاد سينمائيًا عبر تقنيات مضادة : اللقطة البعيدة، الأرشيف، الصمت، السخرية، حركة الطريق، ومونتاج الماضي والحاضر.

تأتي أهمية هذا الموضوع من أن السينما الفلسطينية، منذ تشكلها الحديث، لم تكن مجرد جهاز تمثيلي للواقع، بل فضاء لإنتاج الوعي وصيانة الذاكرة ومقاومة السرديات التي تُقصي الفلسطيني من صورة المكان. وقد بيّنت دراسات السينما الفلسطينية أن الصورة لا تؤدي وظيفة جمالية محضة، بل تسهم في بناء أرشيف بديل يواجه انقطاع الأرشيف الرسمي وتشتت الجماعة السياسية والجغرافية (Dabashi, 2006 ; Gertz & Khleifi, 2008 ; Alawadhi, 2015). وتزداد هذه الوظيفة تعقيدًا عندما يكون موضوع الصورة هو القدس، أي المدينة التي تتكثف فيها الدلالة الدينية والوطنية والقانونية والحضرية في آن واحد.

تتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي : كيف تُبنى صورة القدس في السينما الفلسطينية عندما تكون المدينة قريبة في المخيال وبعيدة في الخبرة الحسية، وكيف تتحول قيود الوصول إلى لغة بصرية مقاومة؟ وتتفرع عن هذا السؤال أسئلة جزئية : ما الوظائف السردية والجمالية التي تنهض بها القدس في الأفلام الفلسطينية؟ كيف تُستدعى المدينة عبر الذاكرة والأرشيف والصوت حين تكون صورتها المباشرة متعذرة أو مضبوطة؟ وكيف ينتقل تمثيل القدس من خطاب الشكوى السياسية إلى بناء جمالي يقرأ العنف من خلال تفاصيل الحياة اليومية والجسد والحركة؟

لا تسعى الدراسة إلى تقديم جرد شامل لكل الأفلام الفلسطينية التي تناولت القدس، بل إلى بناء قراءة تحليلية مركزة تُظهر أن المدينة تعمل في السينما كعلامة مركزية تشدّ السرد، وتنظم حركة الشخصيات، وتكشف العلاقة بين الاستعمار الاستيطاني وإدارة المرئي. ومن هنا جاءت العناية بفيلم « 200 متر » لأمين نايفة بوصفه نموذجًا شديد الكثافة لعلاقة القرب الجغرافي بالبعد السياسي، وبأعمال إيليا سليمان بوصفها نموذجًا لتمثيل الغياب عبر السخرية والصمت والاقتصاد في الكلام.

1. الإطار النظري والمنهجي للدراسة

1.1. تصميم الدراسة وحدود المتن الفيلمي

تعتمد هذه الدراسة منهجًا نوعيًا يقوم على التحليل الفيلمي القريب، أي قراءة بنية اللقطات، وحركة الكاميرا، وتنظيم الفضاء، والإيقاع، والصوت، والعلاقة بين المرئي والمروي. ولا يُفهم التحليل الفيلمي هنا بوصفه وصفًا للحبكة، بل بوصفه تفكيكًا للعلاقات التي تجعل الصورة تنتج معرفة سياسية وجمالية في آن واحد. لذلك تُستدعى مفاهيم الفضاء السينمائي، والذاكرة الجمعية، وما بعد الذاكرة، وسينما الشتات، وبصريات المقاومة باعتبارها أدوات قراءة لا عناوين تزيينية.

يتكون متن التحليل من مستويين متكاملين : مستوى رئيسي يتمثل في فيلم « 200 متر » لأمين نايفة (2020)، لأنه يجعل من المسافة بين الجسد والمدينة موضوعًا دراميًا وبصريًا؛ ومستوى مقارن يستحضر سينما إيليا سليمان، خصوصًا « يد إلهية » (2002)، و« الزمن الباقي » (2009)، و« إن شئت كما في السماء » (2019)، حيث يتحول الغياب إلى نظام بصري قائم على السخرية، والصمت، وتكرار الإيماءة، وانزياح الواقع نحو العبث. ويضاف إلى ذلك استحضار مرجعي للسينما الوثائقية الفلسطينية التي توظف الشهادة والأرشيف في إعادة بناء ذاكرة القدس.

اختيار هذا المتن لا يدّعي تمثيل كل السينما الفلسطينية، بل يسمح ببناء عينة تحليلية دالة تتقاطع فيها ثلاثة محاور : المدينة المحجوبة، الجسد المعاق عن الحركة، والذاكرة بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة. وتكمن حدود الدراسة في أنها لا تشتغل على قياسات كمية للتلقي، ولا على مقابلات مع المخرجين، بل على تحليل الخطاب البصري كما يتجسد في الأفلام. ومن ثم فإن نتائجها تُفهم بوصفها قراءة تأويلية مؤسسة، قابلة للتوسيع عبر متن أكبر يضم أفلامًا وثائقية وروائية أخرى عن القدس والضفة وغزة والشتات.

جدول 1. المتن الفيلمي ووظيفة كل فيلم في التحليل

الفيلم

المخرج والسنة

وظيفته في التحليل

محور القراءة

200 متر

أمين نايفة، 2020

العينة المركزية

القرب/البعد، الجدار، أخلاقيات الحركة

يد إلهية

إيليا سليمان، 2002

عينة مقارنة

الحاجز، الصمت، السخرية، عبثية السلطة

الزمن الباقي

إيليا سليمان، 2009

عينة مقارنة

التاريخ العائلي، الغياب، الذاكرة الوطنية

إن شئت كما في السماء

إيليا سليمان، 2019

عينة مقارنة

تعميم التجربة الفلسطينية بوصفها عدسة عالمية للرقابة والحدود

2.1. الفضاء السينمائي وإنتاج المدينة

لا يمكن تحليل القدس سينمائيًا من دون النظر إلى الفضاء باعتباره إنتاجًا اجتماعيًا وسياسيًا، لا مجرد وعاء للأحداث. فالمدينة لا تظهر في الفيلم كخلفية محايدة، بل كشبكة علاقات تحدد من يستطيع العبور، ومن يُمنع، ومن يملك حق التسمية، ومن يُجبر على رؤية مدينته من بعيد. في هذا المعنى، يتيح تصور هنري لوفيفر للفضاء بوصفه إنتاجًا اجتماعيًا فهم القدس كفضاء تُعاد صياغته عبر المؤسسات والقوانين والخرائط والحواجز والتمثيلات (Lefebvre, 1991). وتضيف السينما إلى ذلك مستوى خاصًا، لأنها لا تُظهر الفضاء فقط، بل تعيد تركيبه بصريًا، فتحدد زاوية النظر، ومسافة المشاهد، ودرجة القرب أو الإقصاء.

يتحول الفضاء السينمائي، في هذه الحالة، إلى بنية معرفة. فاللقطة لا تلتقط القدس كما هي فحسب، بل تحدد شروط ظهورها : هل تظهر المدينة من بعيد أم من داخلها؟ هل ترافق الكاميرا جسدًا قادرًا على العبور أم جسدًا موقوفًا عند حاجز؟ هل تكون القبة أو البوابة أو الطريق مركز الصورة أم هامشها؟ هذه الأسئلة تجعل الفضاء عنصرًا تحليليًا مستقلًا، لأنها تكشف أن صورة المدينة ليست بريئة من علاقات السلطة التي تنتج إمكان النظر ذاته.

وتزداد أهمية هذا التصور لأن القدس في السينما الفلسطينية تُرى غالبًا داخل نظام من التقطيع المكاني : جدار، حاجز، بوابة، تصريح، مسار التفافي، نقطة مراقبة. ولهذا لا يعود المكان « إطارًا » للحكاية، بل يصبح مولدًا للحكاية نفسها. فالحدث الدرامي لا ينشأ أحيانًا إلا من تعطل الحركة، ومن تحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة، ومن عجز الجسد عن بلوغ مكان يفترض أنه قريب. ومن ثم فإن المدينة لا تكون مجرد موضوع للتمثيل، بل جهازًا سرديًا ينظم الزمن والإيقاع والتوتر.

3.1. الذاكرة الجمعية، الأرشيف، وما بعد الذاكرة

يتصل الفضاء بالذاكرة اتصالًا وثيقًا. فالذاكرة الجمعية، كما صاغها هالبفاكس، لا تُحفظ في الذهن الفردي وحده، بل داخل أطر اجتماعية ومكانية تسمح للجماعة بأن تتعرف إلى نفسها عبر ما تتذكره وتعيد روايته (Halbwachs, 1992). وحين تُمنع الجماعة من المكان، تصبح السينما أحد الأطر البديلة لحفظ الذاكرة. ليست الذاكرة هنا حنينًا عاطفيًا بسيطًا، بل عملية ثقافية لإعادة بناء ما يُدفع نحو المحو.

تساعد فكرة « ما بعد الذاكرة » عند ماريان هيرش على فهم علاقة الأجيال الفلسطينية اللاحقة بالقدس. فثمة أجيال لم تختبر المدينة بصورة مباشرة، أو لم تختبرها إلا من خلال المنع والقيود، لكنها ترث صورًا وحكايات وشهادات تجعل المدينة جزءًا من هويتها العميقة (Hirsch, 2012). وهنا تتخذ السينما وظيفة مزدوجة : فهي تحفظ ذاكرة من عاشوا المدينة، وتنتج في الوقت نفسه ذاكرة بصرية لمن لم تتح لهم تجربتها.

من هذه الزاوية، لا يكون الأرشيف مجرد مادة خام تُستخدم لتزيين الفيلم أو إضفاء طابع وثائقي عليه، بل يصبح فاعلًا في بناء المعنى. إن اللقطة الأرشيفية في فيلم عن القدس لا تقول « هذا ما كان » فقط، بل تقول أيضًا : « هذا ما يُراد له ألا يُرى ». ولذلك تكتسب الصورة القديمة، والشهادة الشفوية، والصورة العائلية، وخريطة الحي، ووثيقة الملكية، قيمة معرفية وجمالية في آن واحد. إنها تخلق ضد-أرشيف فلسطينيًا يواجه أرشيفات رسمية قد تُهمّش الوجود الفلسطيني أو تعيد تأويله من خارج تجربته.

4.1. بصريات المقاومة وسينما الحدود والشتات

يشير مفهوم بصريات المقاومة إلى الكيفية التي تحول بها السينما علاقات السيطرة على المرئي إلى مجال للمواجهة الرمزية. فالاحتلال لا يسيطر على الأرض فقط، بل يسيطر على إمكان النظر والحركة والتوثيق : يمنع التصوير أحيانًا، يقطع الطريق، يفرض التصاريح، يغير أسماء الأمكنة، ويعيد تشكيل المشهد العمراني. في مواجهة ذلك، لا تكتفي السينما الفلسطينية بتمثيل العنف؛ إنها تعيد توزيع المرئي، فتجعل من الجدار علامة قابلة للقراءة، ومن نقطة التفتيش مسرحًا لفضح السلطة، ومن الصمت لغة تقول ما لا يقال مباشرة.

تتداخل هذه المقاربة مع سينما الشتات والحدود كما درسها حميد نفيسي في مفهوم « السينما ذات اللكنة »؛ إذ تصبح التجربة السينمائية مشدودة إلى المنفى، والعبور، وفقدان البيت، والبحث عن لغة جمالية تترجم الانكسار المكاني (Naficy, 2001). ومع السينما الفلسطينية، تتخذ هذه اللكنة شكلًا خاصًا : ليست اللكنة لغوية فحسب، بل بصرية وحركية؛ إنها تظهر في اللقطة التي لا تستطيع الاقتراب، وفي الطريق الذي يطول بلا ضرورة طبيعية، وفي الجسد الذي لا يملك سيادة على مسافته.

من ثم، لا ينبغي النظر إلى التقنيات السينمائية بوصفها مجرد اختيارات فنية منفصلة عن السياسة. فاللقطة الثابتة، والمشهد الصامت، واللقطة البعيدة، والإيقاع البطيء، والاعتماد على الصوت بدل الصورة، كلها تتحول في سياق القدس إلى استراتيجيات تمثيل تتعامل مع مدينة محجوبة. إنها لا تقول للمشاهد إن المدينة ممنوعة فقط، بل تجعله يختبر بصريًا وسمعيًا معنى هذا المنع.

2. القدس في السينما الفلسطينية : من الرمز إلى البنية الدلالية

1.2. القدس بوصفها فضاءً متنازعًا عليه

تظهر القدس في السينما الفلسطينية بوصفها عقدة دلالية تجمع المقدس والسياسي واليومي. فهي مدينة ذات كثافة دينية كبرى، لكنها في التجربة الفلسطينية المعاصرة ليست رمزًا روحانيًا منفصلًا عن شروط العيش، بل فضاء تُدار فيه حياة السكان عبر قيود الحركة، وتراخيص البناء، وهدم البيوت، وسياسات الإقامة، والتجزئة العمرانية. لذلك لا يجوز اختزال صورة القدس في بعد ديني أو وجداني؛ فالصورة السينمائية تكشف أن القداسة نفسها تصبح موضوعًا للصراع حين تُمنع الجماعة من الوصول إلى أمكنة عبادتها، أو تُفصل المدينة عن محيطها الاجتماعي والسياسي.

في النسخ الضعيفة من الخطاب عن القدس، تتحول المدينة إلى شعار. أما السينما الجيدة فتقاوم الشعارية عبر التفاصيل : باب مغلق، شارع مراقب، طفل يلوح من جهة الجدار، امرأة تحافظ على مفتاح أو صورة قديمة، أب يحاول الوصول إلى مستشفى، أو صمت يسبق الانفجار. هذه التفاصيل لا تُقلل من قيمة الرمز، بل تمنحه جسمًا اجتماعيًا. فالرمزية الوطنية لا تتأسس في الخطاب الكبير وحده، بل في احتكاك الجسد بالمكان، وفي قدرة الفرد على ممارسة الحياة العادية داخل مدينة تُدفع باستمرار إلى أن تكون استثناءً.

من هذا المنظور، تصبح القدس في السينما الفلسطينية أكثر من مركز للصراع؛ إنها معيار لقياس العنف الذي يطال العلاقة بين الإنسان ومكانه. فكل عائق يوضع أمام الوصول إليها ينتج أثرًا يتجاوز منع الحركة : إنه يقطع السلالة العاطفية بين الأجيال، ويحول المدينة إلى صورة بعيدة، ويجعل الذاكرة تقوم مقام الحضور. ومن هنا تنبع أهمية الصورة السينمائية : فهي لا تعيد المدينة كما كانت، ولا تلغي شروط المنع، لكنها تخلق مجالًا تتشكل فيه المدينة مرة أخرى بوصفها حقًا بصريًا وأخلاقيًا.

ينبغي في هذا السياق التعامل بحذر أكاديمي مع مصطلحات مثل « التهويد »، أو « المحو »، أو « إعادة الترميز العمراني ». فهذه المصطلحات، إذا استُعملت علميًا، لا ينبغي أن تكون شعارات، بل أدوات وصف لعمليات محددة : تغيير أسماء، استيطان، إعادة توزيع ديموغرافي، إدارة للتصاريح، هدم للمساكن، وإنتاج رواية تاريخية بديلة. وحين تحلل السينما هذه العمليات، فإنها لا تعيد إنتاج خطاب تعبوي فحسب، بل تكشف كيف تعمل السلطة في مستوى الصورة والخرائط والذاكرة العامة.

2.2. المقدسات والحق المديني

تحتاج دراسة القدس في السينما الفلسطينية إلى تفكيك العلاقة بين البعد الديني والبعد المديني. فالمسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وكنيسة القيامة، والأحياء القديمة ليست علامات دينية منعزلة، بل عناصر في شبكة عيش تاريخية يتداخل فيها المقدس مع السوق، والعبادة مع الطريق، والطقس مع الذاكرة العائلية. ولذلك فإن تصوير المقدسات في الأفلام الفلسطينية لا يقتصر على إظهار انتهاك حرية العبادة، بل يذهب إلى معنى أعمق : كيف يتحول الحق في الصلاة، والحق في المرور، والحق في التسمية، إلى مؤشرات على الحق في المدينة؟

يظهر المقدس في السينما الفلسطينية غالبًا بوصفه فضاءً مرئيًا وممنوعًا في الوقت نفسه. الشخصيات قد تتحدث عن المسجد أو الكنيسة، تسمع النداء أو الجرس، ترى القبة من بعيد، لكنها تصطدم بمنظومة تجعل الوصول مشروطًا. هذا الشرط يحول المكان الديني إلى علامة على عنف مدني؛ فالمنع لا يمس ممارسة طقسية فقط، بل يمس علاقة الفرد بجسده وزمنه وذاكرته. ومن ثم فإن اللقطة التي تظهر بابًا مغلقًا أو حشودًا منتظرة لا تحيل إلى الدين وحده، بل إلى إدارة سياسية للحركة والرؤية.

وتبرز أهمية التعدد الديني في القدس بوصفه مكونًا من مكونات الصورة الفلسطينية للمدينة. فالخطاب السينمائي الجيد لا يعزل الهوية الفلسطينية في بعد واحد، بل يقدم المدينة بوصفها نسيجًا حضريًا متعدد الطبقات، تعايشت فيه أصوات وطقوس وسرديات مختلفة. غير أن هذا التعدد لا يُقدّم بوصفه ماضيًا مثاليًا، بل بوصفه ذاكرة حضرية مهددة بالتبسيط والتجزئة. وهنا يكون استحضار الأذان وأجراس الكنائس، أو صور الأسواق والبوابات والأزقة، طريقة لإظهار القدس كمدينة حياة لا كرمز جامد.

لذلك ينبغي أن تتحول دراسة المقدسات في السينما من الوصف إلى التحليل : ما زاوية تصوير القبة أو البوابة؟ هل تظهر الشخصية داخل المكان أم خارجه؟ هل تُبنى اللقطة على القرب أم على المنع؟ هل يكون الصوت حاضرًا حين تغيب الصورة؟ هذه الأسئلة تكشف أن المقدس في السينما الفلسطينية لا يعمل بوصفه موضوعًا عقائديًا فقط، بل بوصفه شكلًا من أشكال الحق المديني والذاكرة المشتركة.

3.2. الذاكرة والأرشيف : السينما بوصفها ضد-أرشيف

تؤدي السينما الفلسطينية وظيفة أرشيفية مركبة. فهي من جهة تحفظ وجوهًا وأمكنة وممارسات يومية مهددة بالاختفاء؛ ومن جهة ثانية تنتج أرشيفًا مضادًا للأرشيف الرسمي الذي كثيرًا ما يُقصي الرواية الفلسطينية أو يضعها في موقع الهامش. لذلك لا تكون اللقطات القديمة، والصور العائلية، والشهادات الشفوية مجرد مواد مساعدة، بل مكونات دلالية تعيد للمدينة تاريخيتها. إن اللقطة الأرشيفية في فيلم عن القدس لا تقول « هذا ما كان » فقط، بل تقول أيضًا : « هذا ما يُراد له ألا يُرى ».

تنبع قوة الأرشيف في السينما الفلسطينية من أنه لا يقدم الماضي بوصفه زمنًا مغلقًا، بل بوصفه زمنًا حيًا يعود داخل الحاضر. عندما تُقابل صورة قديمة للقدس بصورة معاصرة للجدار أو الحاجز، لا ينشأ التأثير من المقارنة البصرية وحدها، بل من الصدمة الزمنية التي تكشف أن المكان نفسه صار مسرحًا لسياسات متعاقبة من التملك وإعادة التشكيل. في هذه الحالة، يعمل المونتاج بوصفه أداة معرفة : إنه لا يربط بين لقطتين تقنيًا، بل يربط بين زمنين سياسيين.

وتكتسب الشهادة الشفوية أهمية خاصة لأنها تعيد إلى المدينة أصوات سكانها. فالرواية عن البيت والحي والسوق والمدرسة والطريق إلى المسجد أو الكنيسة لا تنتج وصفًا نوستالجيًا بريئًا، بل تعيد رسم خرائط بديلة لا تعترف بها الخرائط الرسمية. هنا تصبح الذاكرة الشفوية مقاومة للخرائط التي تنزع الأسماء عن أصحابها. كما تصبح الصورة السينمائية وسيطًا بين أجيال لم تعش القدس مباشرة لكنها تتلقاها بوصفها ذاكرة موروثة، أي بوصفها جزءًا من الذات الجمعية.

غير أن توظيف الأرشيف يقتضي احترازًا منهجيًا. فليس كل استحضار للماضي تحليلًا، وليس كل حنين ذا قيمة علمية. لذلك يتعين على الدراسات العلمية التي تتناول القدس في السينما أن تُظهر كيف تعمل المادة الأرشيفية داخل بنية الفيلم : هل تأتي لتأكيد دعوى تاريخية؟ هل تُستخدم لتوليد مفارقة زمنية؟ هل تنتج أثر فقدان؟ هل تُستخدم بوصفها وثيقة أم بوصفها مادة شاعرية؟ هذه الأسئلة تجعل دراسة الأرشيف أكثر دقة، وتمنع انزلاقها إلى الوصف العام.

3. جماليات الحجب والمنع : الجدار، الصوت، الصورة

1.3. الجدار والحواجز : عندما تصبح المسافة بنية سردية

يشكل الجدار في السينما الفلسطينية أكثر من عنصر معماري. إنه جهاز بصري يغير إدراك المسافة، ويحول القرب إلى استحالة. ففي العالم الطبيعي، تُقاس المسافة بالأمتار والزمن؛ أما في الفضاء السياسي الذي تصوره هذه الأفلام، فتُقاس المسافة بالتصريح، وبالحاجز، وبمزاج الجندي، وبخرائط الطرق الالتفافية. لذلك تبدو القدس، في كثير من المشاهد، قريبة حد الإيلام : يمكن رؤيتها، سماعها، الإشارة إليها، لكنها تبقى خارج متناول الجسد.

تتولد جمالية خاصة من هذا القرب المستحيل. فاللقطة البعيدة لا تعني ضعف الاتصال بالمدينة، بل تؤكد العكس : كلما ابتعدت الكاميرا عن القدس ازداد حضورها بوصفها موضوع رغبة ومنع. وحين تعجز الشخصية عن العبور، تتحول الحركة إلى سرد. الطريق الطويل، الالتفاف، الانتظار، التفتيش، العودة إلى نقطة البداية، كلها عناصر تنتج معنى سياسيًا من داخل بنية الفيلم نفسها. وبذلك لا يكون الجدار مجرد موضوع للحوار، بل قوة تنظم الزمن الدرامي وتعيد ترتيب العلاقات العائلية والاجتماعية.

تسهم نقاط التفتيش في تحويل الحياة اليومية إلى مسرح عبثي. فالفعل البسيط، مثل زيارة قريب أو الوصول إلى مستشفى، يُعاد بناؤه كرحلة محفوفة بالقلق. وهذا ما يجعل السينما الفلسطينية قادرة على إظهار العنف غير الاستثنائي، أي العنف الذي يتكرر حتى يبدو عاديًا : الانتظار، الإذلال، الخوف من التأخر، فقدان السيطرة على الزمن، وانكسار الألفة العائلية. بهذا المعنى، تعيد السينما تعريف المقاومة؛ فالمقاومة ليست دائمًا مواجهة مباشرة، بل قد تكون إصرارًا على عبور الطريق، أو حفظ الموعد، أو إبقاء العلاقة العائلية قائمة رغم أجهزة الفصل.

يجب التنبيه إلى أن قوة هذه الأفلام لا تأتي من خطابيتها، بل من قدرتها على جعل البنية السياسية محسوسة في تفاصيل الجسد. فالمشاهد لا يحتاج إلى شرح مطول كي يفهم معنى الجدار عندما يرى الأب عاجزًا عن الوصول إلى ابنه. هنا تتحول المسافة من معطى مكاني إلى معطى أخلاقي : من يملك حق اختصار الطريق؟ ومن تُفرض عليه رحلة لا سبب لها إلا السيطرة؟ هذه الأسئلة هي التي تمنح التمثيل السينمائي للقدس عمقه الإنساني والسياسي.

2.3. الصوت واللون والمونتاج : استعادة المدينة بوسائط غير مباشرة

حين تتعذر الصورة المباشرة للمدينة أو تُضبط، تصبح الوسائط غير المباشرة مركزية : الصوت، اللون، الإضاءة، الأرشيف، والمونتاج. فالقدس قد تُستحضر عبر الأذان وأجراس الكنائس، عبر إيقاع السوق، عبر الصمت الذي يلي الحاجز، أو عبر موسيقى تفتح باب الذاكرة. لا تقوم هذه العناصر بوظيفة تزينية؛ إنها تجعل المدينة حاضرة حين لا يكون حضورها البصري كاملًا.

الصوت، خصوصًا، يملك قدرة على تجاوز الجدار. فالصورة قد تُمنع من الاقتراب، لكن الصوت يعبر في الذاكرة. لذلك تُستخدم الأصوات الدينية والمدنية في بعض الأفلام لإنتاج مدينة حسية متعددة الطبقات : مدينة تُسمع قبل أن تُرى، وتُحس قبل أن تُزار. وفي المقابل، قد يكون الصمت أقوى من الصوت : صمت الحاجز، صمت الانتظار، صمت الشخصية التي تعرف أن الكلام لا يغير شيئًا في لحظة التفتيش. هذا الصمت ليس عجزًا بل تكثيف للمعنى.

أما اللون والإضاءة فيسهمان في بناء الفرق بين القدس المتخيلة والقدس المراقبة. الألوان الترابية والحجرية تُستدعى غالبًا للإحالة إلى القدم والأصالة والتاريخ، بينما تُستخدم برودة الضوء أو رمادية الجدار لإنتاج إحساس بالمنع والتجريد. وليس المقصود أن هناك قاموسًا لونيًا ثابتًا، بل أن التباينات البصرية تساعد على تحويل المدينة إلى تجربة شعورية : دفء الذاكرة في مقابل برودة السيطرة.

ويظل المونتاج أداة مركزية لأنه يسمح بإقامة علاقة بين أزمنة متباعدة. عندما تجاور لقطة أرشيفية للمدينة لقطة معاصرة للحاجز أو الاستيطان أو الشارع المراقب، يتولد معنى من الصدمة بين الصورتين. لا يقول المونتاج إن الماضي كان مثاليًا، بل يبيّن أن المكان خضع لتحولات عنيفة ينبغي قراءتها. بهذا المعنى، يصبح المونتاج ممارسة تاريخية : إنه يربط ما فُصل، ويضع أمام المشاهد مسؤولية رؤية الاستمرارية والانقطاع معًا.

3.3. المرأة والبيت والحياة اليومية : مقاومة من مستوى التفاصيل

لا تكتمل قراءة القدس في السينما الفلسطينية إذا بقيت محصورة في الرموز الكبرى. فالمدينة تُصان أيضًا في مستوى البيت، والطعام، والحكاية، والعناية، والمدرسة، والزيارة، وترميم الذاكرة العائلية. هنا تظهر المرأة المقدسية والفلسطينية عمومًا لا بوصفها صورة ثانوية، بل بوصفها وسيطًا مهمًا لاستمرار الذاكرة. إنها تحفظ التفاصيل التي يهملها التاريخ الرسمي : أسماء الأزقة، طقوس البيت، صور العائلة، الحكايات التي تُروى للأطفال، والأشكال الصغيرة للمقاومة اليومية.

إن التركيز على الحياة اليومية لا يضعف البعد السياسي، بل يوسعه. فالسياسات الاستعمارية لا تعمل فقط في مستوى القرار العسكري، بل في مستوى الرخصة، والضريبة، والهدم، والإقامة، ومنع لم الشمل. ولذلك فإن السينما التي تصور أمًا تحافظ على بيت، أو عائلة تصر على البقاء، أو امرأة تروي تاريخ حيّها، تقدم معرفة سياسية دقيقة عن أثر السلطة في بنية العيش. في هذا المستوى، يصبح البيت أرشيفًا، وتصبح الذاكرة العائلية شكلًا من أشكال مقاومة المحو.

كما أن حضور المرأة يسمح بتفكيك صورة البطولة الذكورية الضيقة. البطولة في هذه الأفلام ليست حمل السلاح وحده، بل القدرة على حماية استمرار الحياة. ومن هنا يكتسب مفهوم الصمود معناه العملي : الصمود ليس كلمة بل ممارسة زمنية، تتكرر كل يوم في ترتيب البيت، وتعليم الأطفال، وحماية اللغة، وزيارة المقابر، أو حمل مفاتيح الذاكرة. السينما، حين تلتقط هذه التفاصيل، تعيد تعريف المقاومة بوصفها فعلًا اجتماعيًا ممتدًا لا حدثًا استثنائيًا فقط.

4.3. المقاومة المدنية والثقافية : عندما يحفظ الفن إمكان الحياة

من أخطر مظاهر الاختزال في مقاربة السينما الفلسطينية أن تُحصر المقاومة في صورتها العسكرية أو المواجهة المباشرة. غير أن الأفلام التي تتناول القدس تكشف غالبًا عن مقاومة أبطأ وأكثر تكرارًا : مقاومة البيت، والمدرسة، والمسرح، والأغنية، والمهرجان، والصورة العائلية، والطريق اليومي. هذه الأفعال لا تبدو مثيرة للوهلة الأولى، لكنها تؤسس استمرارية اجتماعية في فضاء يعمل على قطع الاستمرارية.

تظهر المقاومة المدنية في الإصرار على البقاء داخل البيت المهدد، وفي ترميم الحجر، وفي زراعة شجرة في حديقة صغيرة، وفي تعليم الأطفال أسماء الأماكن. وهي أفعال سينمائية بامتياز، لأنها قابلة للتجسد في الصورة من خلال الإيماءة والملمس والضوء. فالصورة التي تلتقط يدًا ترمم نافذة، أو امرأة تحفظ وثيقة قديمة، أو عائلة تتبادل الطعام في بيت مهدد، لا تبتعد عن السياسة، بل تكشف السياسة في أعمق مستوياتها : مستوى الحياة التي ترفض أن تتحول إلى استثناء دائم.

وتؤدي الثقافة دورًا مركزيًا في هذا الصمود. فالمعرض الفني، والمسرح المحلي، والغناء التراثي، والحكاية الشفوية، والسينما نفسها، ليست ممارسات ترفيهية في سياق كهذا، بل أدوات لإبقاء المدينة قابلة للتسمية والتمثيل. عندما تلتقط الكاميرا نشاطًا ثقافيًا في القدس أو حولها، فهي لا تؤرشف حدثًا فحسب، بل تُظهر أن المدينة ليست موضوع نزاع سياسي فقط، بل فضاء إنتاج للمعنى والجمال والعلاقات الاجتماعية.

ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن المقاومة الثقافية لا تنجح حين تتحول إلى إعلان مباشر. قوتها في السينما تنبع من قدرتها على تجسيد المعنى دون إفراط في الشرح. فمشهد طفل يتعلم أغنية عن القدس قد يكون أبلغ من خطبة طويلة إذا استطاع الفيلم أن يربط الصوت بالذاكرة وبحركة الجسد داخل المكان. ومشهد امرأة تروي قصة بيتها قد يكون أكثر قوة من تقرير سياسي إذا جعله الفيلم جزءًا من بنية سردية تظهر كيف يتحول البيت إلى أرشيف.

بهذا المعنى، تتسع « بصريات المقاومة » لتشمل ليس فقط فضح الحاجز والجدار، بل إظهار ما يحاول الحاجز والجدار قطعه : العلاقات، والعادات، وأشكال الحضور، والقدرة على تخيل المستقبل. فالمدينة لا تقاوم فقط حين تُرفع شعاراتها، بل حين تستمر تفاصيلها في العمل داخل الصورة : الحجر، والصوت، والطريق، والرائحة المتخيلة، والذاكرة المنزلية، وطقوس الحياة العادية.

4. قراءات فيلمية تطبيقية : من الرحلة المحاصرة إلى السخرية الصامتة

1.4. «200 متر » المدينة القريبة البعيدة وأخلاقية الحركة

يُعد فيلم «200 متر » لأمين نايفة نموذجًا دالًا على قدرة السينما الفلسطينية المعاصرة على تحويل تفصيل مكاني محدود إلى بنية رمزية واسعة. تنفصل عائلة مصطفى بفعل الجدار : المسافة بينه وبين أسرته تبدو قصيرة فيزيائيًا، لكنها تصبح شاسعة سياسيًا. ومع دخول الابن إلى المستشفى، ينقلب الموقف العائلي إلى اختبار للحق في الحركة والحق في الأبوة والحق في الوصول إلى القدس. لا يشتغل الفيلم على القدس بوصفها مقصدًا سياحيًا أو رمزًا خارجيًا، بل بوصفها مكانًا ترتبط به إمكانات الحياة اليومية نفسها : العلاج، العائلة، النجدة، اللقاء.

تقوم قوة الفيلم على مفارقة العنوان : « 200 متر » ليست مسافة، بل فضيحة سياسية للمسافة. إنها تكشف كيف يمكن للسلطة أن تجعل القريب بعيدًا، وأن تحول المكان البديهي إلى متاهة. لذلك يشتغل الفيلم على الجغرافيا بوصفها دراما أخلاقية؛ لا تُطرح القضية من خلال خطاب مباشر، بل عبر سؤال بسيط ومزلزل : كيف يصل أب إلى ابنه؟ ومن هنا تتجاوز الحكاية خصوصيتها لتصبح نموذجًا لحياة كاملة تحت نظام الفصل والمنع.

من الناحية البصرية، يوظف الفيلم حركة الطريق لتفكيك وهم المسافة الطبيعية. فالسيارة، والطريق الجانبي، ونقاط الانتظار، والوجوه المتوترة، كلها عناصر تجعل المشاهد يشعر بأن الزمن لم يعد ملكًا للشخصيات. الكاميرا لا تجعل الجدار خلفية بل تحديًا دائمًا للصورة. وما يُحسب للفيلم أنه لا يحول الشخصيات إلى رموز جامدة؛ إذ يحافظ على هشاشتها، وغضبها، وترددها، وحتى تناقضاتها. وهذا ما يمنحه طاقة إنسانية تتجاوز الخطاب السياسي المباشر.

يكشف الفيلم أيضًا عن أن الجدار لا يفصل المدن فقط، بل يفصل الأدوار الاجتماعية : أبًا عن أبنائه، وزوجًا عن زوجته، ومريضًا عن من يريد إنقاذه. ومن ثم فإن القدس في « 200 متر » ليست مدينة بعيدة في الخريطة، بل إمكان مهدد للحياة المشتركة. إنها المكان الذي يضع الأسرة أمام اختبار قاس، ويُظهر أن السياسة لا تقع خارج البيت، بل تدخل إلى الغرفة، والهاتف، والجسد، والمستشفى. بهذا المعنى، يقدم الفيلم تحليلًا بصريًا للعنف اليومي لا يقل قوة عن التحليل النظري.

ويُظهر الفيلم أن المقاومة قد تتخذ شكلًا غير بطولي بالمعنى التقليدي : الإصرار على الوصول، وعلى عدم قبول المنع كقدر، وعلى تحويل الرحلة المفروضة إلى فعل كرامة. هنا تتقاطع جمالية الطريق مع أخلاقية الأبوة؛ فمصطفى لا يريد أن يكون بطلًا سياسيًا، بل أبًا حاضرًا. غير أن شروط الاحتلال تجعل الحضور الأبوي نفسه عملًا سياسيًا. وهذا التحول من الخاص إلى العام هو أحد أهم عناصر قوة الفيلم.

2.4. إيليا سليمان : الصمت، السخرية، والقدس كحضور غير مباشر

تقدم سينما إيليا سليمان شكلًا آخر من تمثيل القدس وفلسطين. فهي لا تعتمد غالبًا على الخطاب المباشر، ولا على الانفعال اللفظي، بل على اقتصاد شديد في الكلام، وعلى لقطات ثابتة، وسخرية باردة تكشف عبثية الواقع. في « يد إلهية »، تتشكل العلاقة بين الناصرة والقدس ورام الله عبر الحواجز والانتظار والحب المستحيل. المدينة لا تُشرح؛ إنها تُلمح في بنية الفصل، وفي الجسد الصامت، وفي العلاقة التي لا تكتمل بسبب التنظيم السياسي للمكان.

إن الصمت في سينما سليمان ليس فراغًا، بل لغة. فالشخصية التي لا تتكلم كثيرًا تجعل المشاهد يقرأ العالم عبر التفاصيل : حركة جندي، نظرة عابرة، موقف عبثي، تكرار آلي لفعل سلطوي. هذه التفاصيل تنتج نقدًا قويًا لأنها لا تطلب من المشاهد تصديق خطاب جاهز، بل تدفعه إلى اختبار اللامعقول بنفسه. وبذلك تصبح السخرية أداة مقاومة فكرية، لا لأنها تخفف الألم، بل لأنها تكشف هشاشة السلطة حين تُرى في صورتها اليومية المتكررة.

في « الزمن الباقي »، تُقرأ فلسطين من خلال ذاكرة عائلية وتاريخية تتقاطع فيها السيرة الشخصية مع الزمن الوطني. هنا لا تكون القدس دائمًا مركز المشهد، لكنها حاضرة ضمن منظومة فقدان أوسع : فقدان البيت، وفقدان السيادة، وفقدان القدرة على سرد التاريخ من موقع المنتصر. أما في « إن شئت كما في السماء »، فيتوسع المنظور نحو المقارنة العالمية؛ يحمل سليمان فلسطين معه إلى مدن أخرى، كأن تجربة الرقابة والحواجز والقلق لم تعد حكرًا على مكان واحد، بل صارت عدسة يرى عبرها العالم. وهكذا تتحول القدس/فلسطين إلى مقياس بصري عالمي لفهم السلطة.

ما يميز سليمان أنه لا يحول المأساة إلى خطاب بكائي. إنه يشتغل على المفارقة : الجندي يبدو آليًا، والسلطة تبدو مضحكة، والحياة اليومية تصبح مسرحًا لعبث منظم. غير أن الضحك لا يلغي المأساة؛ بل يعمقها لأنه يكشف أن اللامعقول صار نظامًا. في هذا المستوى، تتجلى القدس بوصفها حضورًا غير مباشر : ليست دائمًا في قلب الصورة، لكنها موجودة في كل علاقة مقطوعة، وكل حركة مراقبة، وكل صمت يرفض أن يتحول إلى استسلام.

3.4. حصيلة مقارنة : ما الذي تضيفه القراءة الفيلمية؟

تكمن مساهمة هذه الدراسة في نقل الحديث عن القدس في السينما الفلسطينية من مستوى العموميات السياسية إلى مستوى التحليل البصري الدقيق. فالقول إن القدس رمز للهوية الفلسطينية صحيح، لكنه غير كاف علميًا. السؤال الأهم هو : كيف ينتج الفيلم هذه الرمزية؟ بأي لقطات؟ بأي إيقاع؟ بأي علاقة بين الجسد والفضاء؟ بأي وظيفة للأرشيف والصوت واللون؟ وحين نطرح هذه الأسئلة، لا تعود السينما مجرد مرآة للصراع، بل تتحول إلى جهاز تفكير في الصراع.

تُظهر القراءة أن القدس تعمل في الأفلام المدروسة على ثلاثة مستويات متداخلة. أولًا، هي مكان سياسي تُمارس عليه سياسات السيطرة والفصل والمنع. ثانيًا، هي مكان ذاكراتي يُعاد بناؤه بالشهادة والأرشيف والصوت. ثالثًا، هي مكان جمالي يُنتج أشكالًا سينمائية خاصة : اللقطة البعيدة، الطريق الطويل، الصمت، السخرية، والمونتاج الزمني. هذه المستويات تجعل القدس بنية مولدة للمعنى، لا موضوعًا خارجيًا للتمثيل.

كما تُظهر الدراسة أن السينما الفلسطينية لا تقع في أسر الفقدان رغم مركزية الفقدان في موضوعها. فهي تحول الخسارة إلى ممارسة رؤية، والمنع إلى سؤال جمالي، والذاكرة إلى أداة تحليلية. بهذا المعنى، فإن صورة القدس في السينما الفلسطينية لا تقول فقط إن المدينة محجوبة، بل تقول إن الحجب نفسه يمكن أن يُقاوم عبر الصورة، وأن المدينة التي تُمنع في الواقع يمكن أن تُعاد كتابتها في الوعي الجمعي من خلال الفن.

خاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن القدس في السينما الفلسطينية ليست خلفية للأحداث ولا شعارًا سياسيًا مجردًا، بل فضاء مركب يتشكل عند تقاطع الذاكرة والحدود والرؤية. إنها مدينة مفقودة بمعنى أنها محجوبة عن الجسد، لكنها غير مفقودة في الوعي؛ مدينة تُمنع ماديًا وتُستعاد سينمائيًا؛ مدينة يتحول غيابها إلى طاقة دلالية تنظم الصورة والصوت والسرد.

لقد بيّن تحليل « 200 متر » أن المسافة، حين يُعاد تشكيلها بفعل الجدار والحواجز، تصبح بنية سردية تكشف العنف اليومي في أبسط العلاقات الإنسانية. وبيّنت قراءة إيليا سليمان أن الصمت والسخرية والعبث يمكن أن تكون أدوات عميقة لتفكيك السلطة، وأن غياب القدس المباشر لا يعني غيابها الدلالي. كما أظهر تحليل الأرشيف والصوت واللون أن السينما الفلسطينية تنتج ضد-أرشيف بصريًا يحفظ المدينة من المحو، ويمنح الأجيال اللاحقة وسيلة لتلقي ذاكرة لم تُعش دائمًا بصورة مباشرة.

إن قيمة السينما الفلسطينية في تمثيل القدس لا تكمن في قدرتها على إعادة المدينة كما كانت، بل في قدرتها على إبقاء العلاقة بها مفتوحة، متوترة، وحية. فهي تجعل المدينة مرئية حين تُحجب، ومسموعة حين تُمنع، وقابلة للتذكر حين تُدفع إلى النسيان. ومن هنا يمكن القول إن القدس، في السينما الفلسطينية، ليست مكانًا ينتظر التحرير فقط، بل شكلًا من أشكال الوعي الذي يقاوم الاختزال، ويعيد للفلسطيني حقه في الصورة والذاكرة والمدينة.

وتفتح الدراسة، في صيغتها الراهنة، أفقًا لبحوث لاحقة يمكن أن توسع المتن نحو أفلام وثائقية وروائية أخرى، أو تقارن بين تمثيلات القدس في السينما الفلسطينية والسينما الإسرائيلية والعالمية، أو تدرس تلقي هذه الصور لدى الجمهور العربي والدولي. غير أن ما تثبته القراءة الحالية هو أن القدس، حين تدخل الصورة الفلسطينية، لا تُختزل في موقع جغرافي؛ إنها تتحول إلى اختبار لجماليات الرؤية، وأخلاقيات الذاكرة، وسياسات الحق في المدينة.

قائمة المراجع

أبو علي، مصطفى. (1975). عن السينما الفلسطينية. مؤسسة السينما الفلسطينية.

إبراهيم، بشار. (2005). فلسطين في السينما العربية. منشورات وزارة الثقافة.

بيدس، أشرف. (2024). السينما ذاكرة فلسطين. دار طفرة للنشر والتوزيع.

دباشي، حميد. (2017). حلم وطن : عن السينما الفلسطينية (عماد الأحمد، مترجم). منشورات المتوسط.

رياض، عبد الفتاح. (2007). التصوير السينمائي. الهيئة المصرية العامة للكتاب.

الزبيدي، قيس. (2006). فلسطين في السينما. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

سعيد، إدوارد. (1980). القضية الفلسطينية والمجتمع الأمريكي. مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

Alawadhi, H. (2015). On what was, and what remains : Palestinian cinema and the film archive. IAFOR Journal of Media, Communication & Film, 1(1), 29–40.

Ben Labidi, I. (2021). Representation and emancipation : Cinema of the oppressed. International Journal of Cultural Studies, 24(2), 250–265. https://doi.org/10.1177/1367877920959338

Dabashi, H. (Ed.). (2006). Dreams of a nation : On Palestinian cinema. Verso.

Gertz, N., & Khleifi, G. (2008). Palestinian cinema : Landscape, trauma and memory. Edinburgh University Press.

Halbwachs, M. (1992). On collective memory. University of Chicago Press.

Hirsch, M. (2012). The generation of postmemory : Writing and visual culture after the Holocaust. Columbia University Press.

Lefebvre, H. (1991). The production of space (D. Nicholson-Smith, Trans.). Blackwell. (Original work published 1974)

Marks, L. U. (2000). The skin of the film : Intercultural cinema, embodiment, and the senses. Duke University Press.

Naficy, H. (2001). An accented cinema : Exilic and diasporic filmmaking. Princeton University Press.

Nora, P. (1989). Between memory and history : Les lieux de mémoire. Representations, 26, 7–24.

Shohat, E., & Stam, R. (2014). Unthinking Eurocentrism : Multiculturalism and the media (2nd ed.). Routledge.

فيلموغرافيا

نايفة، أمين (المخرج). (2020). 200 متر [فيلم روائي]. فلسطين/الأردن/قطر/السويد/إيطاليا.

سليمان، إيليا (المخرج). (2002). يد إلهية : سجل حب وألم [فيلم روائي].

سليمان، إيليا (المخرج). (2009). الزمن الباقي : سجل غائب حاضر [فيلم روائي].

سليمان، إيليا (المخرج). (2019). إن شئت كما في السماء [فيلم روائي].

نصر الله، يسري (المخرج). (2004). باب الشمس : الرحيل والعودة [فيلمان روائيان مقتبسان عن رواية إلياس خوري].

عطية نسرين Nesrine Attia

جامعة أمين العقال حاج موسى أق أخاموك، تامنغست Université de Tamanraset
https://orcid.org/0000-0002-2664-0028

كنتاوي محمد Mohamed Kantaoui

جامعة أحمد دراية، أدرارUniversité d'Adrar
https://orcid.org/0000-0002-7218-1512

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.