جريدة الأهرام المصرية وتأطير التحوّلات السياسية في الجزائر (1962-1999): تحليل لمدوّنة أرشيفية من العناوين والمواد الصحفية


Al-Ahram et le cadrage des transformations politiques en Algérie (1962-1999) : analyse d’un corpus archivistique de titres et de matériaux journalistiques

Al-Ahram and the Framing of Political Transformations in Algeria (1962-1999): An Analysis of an Archival Corpus of Headlines and Journalistic Materials

فوغالي زين العابدين / Foughali Zine El Abidine

فوغالي زين العابدين / Foughali Zine El Abidine, « جريدة الأهرام المصرية وتأطير التحوّلات السياسية في الجزائر (1962-1999): تحليل لمدوّنة أرشيفية من العناوين والمواد الصحفية », Aleph [], 28 June 2026, 30 June 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17584

تدرس هذه المقالة تمثّل جريدة الأهرام المصرية للتحولات السياسية الجزائرية بعد الاستقلال، بين 1962 و1999، من خلال مدونة أرشيفية تتكون من 22 حدثًا سياسيًا و62 وحدة صحفية. ولا تقف الدراسة عند إثبات حضور الجزائر في الجريدة، بل تنتقل إلى تحليل الكيفية التي صاغت بها الأهرام معنى الحدث الجزائري ضمن سياقات عربية ومصرية متغيرة. لذلك يُعاد بناء الموضوع حول سؤال مركزي : كيف انتقلت التغطية من خطاب التضامن القومي والشرعية الثورية إلى خطاب الأزمة، الأمن، الاستقرار وإعادة بناء الشرعية؟

تعتمد الدراسة منهجًا أرشيفيًا يجمع بين تحليل المضمون وتحليل التأطير الإعلامي، من خلال تتبع موضع النشر، صيغ العناوين، مصادر الخبر، الفاعلين المذكورين، الحقول الدلالية، وأنماط التقويم السياسي الضمني. وتبين النتائج أن الأهرام لم تكن وسيطًا ناقلًا للأخبار فحسب، بل أدت وظيفة تأويلية ودبلوماسية؛ إذ جعلت من الجزائر موضوعًا عربيًا مشتركًا في الستينيات، ثم قرأتها في أواخر السبعينيات من خلال أثر التوترات الإقليمية، قبل أن تعيد تأطيرها في الثمانينيات والتسعينيات ضمن ثنائية التعددية والأمن.

تخلص الدراسة إلى أن الأرشيف الصحفي لا يحفظ الوقائع فقط، بل يشارك في إنتاج الذاكرة السياسية العابرة للحدود. كما تؤكد أن القيمة العلمية للمدونة لا تكمن في تراكم fac-similés، بل في تحويل النصوص الصحفية إلى مؤشرات قابلة للتحليل والتفسير.

Cet article analyse la représentation des transformations politiques algériennes dans le quotidien égyptien Al-Ahram entre 1962 et 1999. Le corpus comprend 22 événements politiques majeurs et 62 unités journalistiques. L’étude ne se limite pas à établir la présence médiatique de l’Algérie ; elle examine la manière dont le journal a construit la lisibilité politique de ces événements dans des conjonctures arabes et égyptiennes changeantes.
La démarche combine recherche archivistique, analyse de contenu et analyse du cadrage médiatique. Elle prend en compte la place de l’information, les titres, les sources, les acteurs mentionnés, les champs lexicaux et les formes d’évaluation implicite. Les résultats montrent qu’Al-Ahram a progressivement déplacé son traitement de l’Algérie : d’un cadrage de solidarité arabe et de légitimité révolutionnaire dans les années 1960 vers un cadrage de crise, de sécurité, de stabilité et de recomposition institutionnelle dans les années 1988-1999.
L’article soutient que l’archive journalistique ne conserve pas seulement les faits ; elle participe à la production d’une mémoire politique transnationale. La contribution de l’étude réside dans le passage d’un inventaire chronologique de presse à une analyse scientifique des cadrages médiatiques.

This article analyzes how the Egyptian newspaper Al-Ahram represented Algeria’s political transformations from 1962 to 1999. The corpus consists of 22 major political events and 62 journalistic units. Rather than merely documenting Algeria’s presence in the newspaper, the study examines how Al-Ahram produced political meaning around Algerian events within changing Arab and Egyptian contexts.
The study combines archival research, content analysis, and media framing analysis. It examines editorial visibility, headlines, sources, actors, semantic fields, and implicit evaluative patterns. The findings show a gradual shift in Al-Ahram’s coverage : from Arab solidarity and revolutionary legitimacy in the 1960s to crisis, security, stability, and institutional recomposition during the period from 1988 to 1999.
The article argues that journalistic archives do not merely preserve facts ; they actively participate in the production of transnational political memory. Its contribution lies in transforming a chronological press inventory into a scientific analysis of media framing and political representation.

مقدمة

إنّ دراسة تناول جريدة الأهرام للأحداث السياسية في الجزائر بعد الاستقلال لا ينبغي أن تُختزل في جمع عناوين متفرقة أو ترتيب وقائع متعاقبة حسب تسلسلها الزمني. فمثل هذا المسلك، وإن كان مفيدًا في مرحلة التوثيق الأولي، لا يكفي لبناء مقال علمي؛ لأنّ المقال العلمي لا يكتفي بإثبات حضور الخبر في الجريدة، بل يسائل شروط ظهوره، وطريقة تنظيمه داخل الفضاء الصحفي، واللغة التي صيغ بها، وعلاقته بالسياق السياسي والإعلامي الذي أنتجه.

من هذا المنطلق، تعيد هذه الدراسة بناء المادة الأرشيفية المتصلة بجريدة الأهرام وبالتحولات السياسية الجزائرية ضمن أفق تحليلي لا وصفي. فالجزائر التي تظهر في صفحات الأهرام بين سنتي 1962 و1999 ليست موضوعًا واحدًا ثابتًا؛ بل هي صورة سياسية متحولة، تنتقل من صورة الدولة الخارجة من حرب التحرير إلى صورة النظام الثوري، ثم إلى صورة الدولة الباحثة عن شرعية دستورية، قبل أن تغدو، في نهاية الثمانينيات والتسعينيات، مجالًا سياسيًا مأزومًا بفعل التعددية، والعنف، وإعادة ترتيب الشرعية. وهذا التحول في صورة الجزائر يوازي تحولات أوسع عرفتها الصحافة العربية، كما يوازي تحولات في علاقات مصر بمحيطها الإقليمي، وفي انتقال الخطاب السياسي العربي من أفق التحرر الوطني إلى أفق الدولة، والأمن، والاستقرار.

وتكمن أهمية جريدة الأهرام في كونها ليست صحيفة عابرة في تاريخ الإعلام العربي. فهي مؤسسة صحفية كبرى اشتغلت، في مراحل طويلة، بوصفها مرآة للسياسة المصرية وفضاءً لصياغة الرأي العربي حول قضايا التحرر الوطني، والصراعات الإقليمية، وتحولات الشرعية السياسية. لذلك، فإنّ تحليل خطابها حول الجزائر لا يكشف فقط كيف رأت الصحافة المصرية المسار السياسي الجزائري، بل يكشف أيضًا كيف جرى تأويل هذا المسار داخل المخيال السياسي العربي، وكيف تحوّل الحدث الجزائري، عبر العنوان والخبر والتقرير والتحليل، إلى موضوع عربي قابل للتداول والتقييم وإعادة التأطير.

1. الإطار الإشكالي والنظري للدراسة

1.1. الإشكالية والفرضيات

الإشكالية المركزية لهذه الدراسة هي : كيف قامت جريدة الأهرام المصرية بتأطير التحولات السياسية الجزائرية بعد الاستقلال، بين 1962 و1999، وما الذي تكشفه هذه التغطية عن انتقال الخطاب الصحفي العربي من التضامن القومي إلى خطاب الأزمة والشرعية والاستقرار؟

تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة ثلاثة. أولها : ما درجة مرئية الأحداث الجزائرية داخل الجريدة، ولا سيما في الصفحة الأولى؟ وثانيها : ما الأطر الدلالية والسياسية التي نظمت قراءة الأهرام لهذه الأحداث؟ وثالثها : كيف أثرت العلاقات الجزائرية-المصرية والتحولات الإقليمية في زاوية التغطية الصحفية؟

تفترض الدراسة، أولًا، أنّ حضور الجزائر في الأهرام لم يكن مجرد حضور إخباري، بل كان حضورًا رمزيًا مرتبطًا بصورة الجزائر داخل المجال العربي. وتفترض، ثانيًا، أنّ التغطية انتقلت من إطار الشرعية الثورية والتضامن العربي في الستينيات إلى إطار الخلافة السياسية بعد 1978، ثم إلى إطار الأزمة والأمن والتعددية منذ 1988. وتفترض، ثالثًا، أنّ الأهرام مارست نوعًا من الوساطة الدبلوماسية الصحفية، إذ نقلت الأحداث الجزائرية وهي تعيد ترتيبها ضمن أفق السياسة المصرية والعربية.

2.1. من ترتيب الأولويات إلى التأطير الإعلامي

تستند الدراسة إلى مفهومين أساسيين في دراسات الإعلام. الأول هو ترتيب الأولويات، ويقصد به قدرة الصحافة على تحديد الموضوعات التي تستحق أن تُعرض بوصفها قضايا عامة. فالصفحة الأولى ليست مجرد موضع طباعي، بل هي إعلان تحريرى بأن الحدث يملك قيمة تتجاوز حدوده المحلية. ومن ثم، فإن ظهور الخبر الجزائري في الصفحة الأولى للأهرام يمنحه مكانة سياسية داخل الأجندة العربية للقارئ المصري والعربي.

أما المفهوم الثاني فهو التأطير الإعلامي. والتأطير يعني أن الجريدة لا تنقل الحدث كما هو، بل تنتقي من عناصره ما تجعله أكثر بروزًا، وتربطه بسبب أو مسؤولية أو تهديد أو حل ممكن. يظهر التأطير في العنوان، في ترتيب المعلومات، في اختيار المصدر، في وصف الفاعلين، وفي الحقل المعجمي المهيمن. لذلك، فإن عبارة مثل « انقلاب »، أو « مظاهرات عنيفة »، أو « عودة الاستقرار »، ليست مجرد كلمات، بل مؤشرات على طريقة في تفسير الحدث.

وتفيد هذه المقاربة في تجاوز القراءة الوصفية. فبدل القول إن الأهرام كتبت عن حدث معين، يصبح السؤال : بأي لغة كتبته؟ وأي فاعلين أبرزت؟ وهل قدمته بوصفه لحظة تأسيس، أم أزمة، أم تهديدًا أمنيًا، أم انتقالًا دستوريًا، أم مناسبة دبلوماسية؟ وبذلك يتحول الأرشيف الصحفي من مادة خام إلى corpus قابل للتحليل.

2. المدونة والمنهجية

تقوم هذه الدراسة على بناء مدونة أرشيفية محددة، لا على استعراض عام لما نشرته جريدة الأهرام عن الجزائر. لذلك كان من الضروري ضبط corpus البحث، وتحديد وحدات التحليل، والتمييز بين المادة الصحفية بوصفها مصدرًا أوليًا للتحليل، وبين المراجع العلمية والتاريخية التي تُستعمل لتأطير القراءة وتفسير السياقات. ويهدف هذا الاختيار المنهجي إلى تحويل المادة الصحفية من أرشيف متفرق إلى مدونة قابلة للتحليل وفق مؤشرات واضحة تتعلق بالمرئية التحريرية، والعناوين، ومصادر الخبر، والفاعلين، والأطر الدلالية المهيمنة.

1.2. بناء المدونة الأرشيفية

بُنيت المدونة الأرشيفية لهذه الدراسة انطلاقًا من تتبع 22 حدثًا سياسيًا مفصليًا في تاريخ الجزائر المستقلة بين سنتي 1962 و1999. وقد اختيرت هذه الأحداث لأنها تمثل لحظات انتقالية كبرى في مسار الدولة الجزائرية: إعلان الدولة الوطنية، بناء الشرعية الثورية والدستورية، انتقال السلطة، الانفتاح التعددي، صعود الإسلام السياسي، إيقاف المسار الانتخابي، العنف السياسي، ثم إعادة ترتيب السلطة في نهاية التسعينيات.

وقد بلغ عدد الوحدات الصحفية المرصودة في أعداد الأهرام 62 وحدة، تشمل أخبارًا، تقارير، تحليلات، أعمدة رأي، ومتابعات داخلية. ولم تُعامل صور الصفحات أو fac-similés بوصفها غاية في ذاتها؛ لذلك لم تُدرج في متن المقال، بل حُوّلت إلى مادة نصية قابلة للاستشهاد والتحليل، من خلال ضبط العناوين، وأرقام الأعداد، وتواريخ النشر، والصفحات، وصيغ التغطية. وهذا الاختيار مقصود منه تخفيف الطابع الوثائقي الخام، وإبراز القيمة العلمية للمدونة عبر الاقتباس والتحليل.

وتعتمد المعالجة في هذا المستوى على مبدأ التمييز بين المصدر الأولي والمرجع الثانوي. فمواد جريدة الأهرام تُعامل بوصفها corpus تحليليًا، لا بوصفها مراجع نظرية؛ ولذلك تُفصل في ملحق خاص يتيح تتبع الأعداد والصفحات والعناوين المعتمدة. أما المراجع العلمية والتاريخية فتُدرج في قائمة مستقلة لأنها تؤطر المنهج والسياق ولا تشكل موضوع التحليل المباشر.

يوضح الجدول الآتي الأحداث السياسية المعتمدة في بناء المدونة. ولا يُقصد بهذا الجدول استبدال التحليل بالسرد التاريخي، بل تحديد المجال الزمني والسياسي الذي اشتغلت عليه الدراسة، حتى يكون corpus البحث واضحًا وقابلًا للتحقق.

جدول 1. الأحداث السياسية الجزائرية المعتمدة في بناء المدونة الأرشيفية

المتغير

المؤشرات التحليلية

المرئية التحريرية

الصفحة، حجم العنوان، استمرار المتابعة، موضع الخبر داخل العدد.

نوع المادة

خبر، تقرير، تحليل، عمود رأي، ملف متابعة، مادة منقولة عن وكالة.

مصادر الخبر

وكالة الأنباء الجزائرية، وكالات عالمية، مراسلون، مصادر دبلوماسية، صحف جزائرية أو أجنبية.

الأطر الدلالية

التضامن القومي، الشرعية الثورية، الدولة، الأزمة الدستورية، الأمن، الاستقرار، الإسلام السياسي.

الفاعلون المركزيون

الرئيس، الجيش، الحزب، المعارضة، الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مصر، فرنسا، الجامعة العربية.

التقويم الضمني

احتفاء، حذر، قلق، تفسير أمني، تأييد الاستقرار، دعوة إلى احترام السيادة.

2.2. شبكة الترميز ووحدات التحليل

بعد تحديد الأحداث المؤسسة للمدونة، كان من الضروري الانتقال من مستوى الاختيار التاريخي إلى مستوى المعالجة التحليلية. لذلك اعتمدت الدراسة شبكة ترميز تسمح بتحويل المواد الصحفية إلى مؤشرات قابلة للمقارنة. وتتمثل وحدة التحليل الأساسية في «المادة الصحفية»، أي الخبر أو التقرير أو التحليل أو العمود المنشور في الجريدة. أما وحدة الاستدلال الدقيقة فهي العنوان أو الصيغة الخبرية المركزية التي تختصر زاوية المعالجة وتكشف الإطار الدلالي والسياسي الذي اختارته الجريدة.

ولا تُقرأ الصفحة في هذه الدراسة بوصفها معطى طباعيًا فحسب، بل بوصفها مؤشرًا على المرئية التحريرية. فالصفحة الأولى تدل عادة على إدراج الحدث ضمن أولويات الجريدة، بينما تتيح الصفحات الداخلية فهم الامتدادات التفسيرية والتحليلية للخبر. كما تسمح مصادر الخبر والفاعلون المذكورون والحقول الدلالية المتكررة بتحديد ما إذا كان الحدث مؤطرًا بوصفه لحظة تضامن قومي، أو أزمة سلطة، أو انتقالًا دستوريًا، أو تهديدًا أمنيًا، أو مسارًا لإعادة بناء الشرعية.

يبين الجدول الآتي المتغيرات التي استُخدمت في تحليل المواد الصحفية. وتكمن وظيفته في ضبط العلاقة بين corpus الأهرام والأسئلة البحثية، بحيث لا تبقى القراءة انطباعية، بل تستند إلى مؤشرات متكررة وقابلة للتفسير.

جدول 2. شبكة الترميز ووحدات التحليل

التاريخ

الحدث السياسي

25 سبتمبر 1962

الإعلان عن الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

16 أفريل 1964

المصادقة على ميثاق الجزائر

19 جوان 1965

التصحيح الثوري واستحداث مجلس الثورة

19 نوفمبر 1976

الاستفتاء على الدستور الجزائري الثاني

27 ديسمبر 1978

وفاة الرئيس هواري بومدين

7 فيفري 1979

انتخاب الشاذلي بن جديد رئيسًا للجمهورية

5 أكتوبر 1988

مظاهرات أكتوبر في المدن الجزائرية

3 نوفمبر 1988

استفتاء المراجعة الدستورية

22 ديسمبر 1988

إعادة انتخاب الشاذلي بن جديد

23 فيفري 1989

اعتماد دستور التعددية

12 جوان 1990

الانتخابات المحلية وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ

26 ديسمبر 1991

الانتخابات التشريعية وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول

12 جانفي 1992

إيقاف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جديد

14 جانفي 1992

استحداث المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف

29 جوان 1992

اغتيال محمد بوضياف

2 جويلية 1992

علي كافي رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة

30 جانفي 1994

تعيين اليمين زروال رئيسًا للدولة

16 نوفمبر 1995

انتخاب اليمين زروال رئيسًا للجمهورية

5 جوان 1997

الانتخابات التشريعية التعددية

23 أكتوبر 1997

الانتخابات المحلية التعددية

11 سبتمبر 1998

إعلان زروال تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة

15 أفريل 1999

انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للجمهورية

3.2. الاقتباسات النصية المركزية بوصفها مؤشرات تأطيرية

لا يكفي، في تحليل الصحافة، إثبات أن الجريدة تابعت حدثًا ما؛ إذ ينبغي تحديد الصيغة التي اختارتها لتقديم هذا الحدث إلى القارئ. ولهذا السبب تعتمد الدراسة على العناوين والصيغ الخبرية المركزية بوصفها مؤشرات تأطيرية مكثفة. فالعنوان الصحفي لا يؤدي وظيفة إعلامية محايدة فقط، بل يختار زاوية للحدث، ويبرز فاعلًا دون آخر، ويقترح إطارًا أوليًا للفهم.

يعوض الجدول الآتي إدراج الصور داخل متن المقال؛ إذ يحوّل المادة البصرية إلى نصوص شاهدة قابلة للتحليل. وقد اختيرت العناوين لأنها تمثل أعلى درجات التكثيف التحريري للحدث، ولأنها تسمح بمتابعة انتقال خطاب الأهرام من التضامن القومي والشرعية الثورية إلى أطر الأزمة، والأمن، والتعددية، والاستقرار. كما قُسم الجدول إلى مراحل زمنية حتى لا يتحول إلى قائمة طويلة، بل يبقى مرتبطًا بالتحولات الكبرى في تمثيل الجزائر داخل الجريدة.

جدول 3. الاقتباسات النصية المركزية المعتمدة في تحليل تأطير الأحداث الجزائرية في جريدة الأهرام

الجزء الأول : من إعلان الدولة إلى دستور التعددية (1962-1989).

الحدث

العدد/ص

العنوان

الإطار

إعلان الجمهورية

5 سبتمبر 1962، ص. 1

بن بيلا وصل فجأة إلى عاصمة الجزائر

اعتراف/سيادة

ميثاق الجزائر

17 أفريل 1964، ص. 1

الجزائر شهدت أمس أكبر وأهم مؤتمر في تاريخها منذ حصولها على الاستقلال

شرعية ثورية/اشتراكية

التصحيح الثوري

20 جوان 1965، ص. 1

انقلاب على بن بلة يقوده بومدين

أزمة سلطة/انتقال قسري

الدستور الثاني

22 نوفمبر 1976، ص. 4

مفاهيم جديدة يطرحها الدستور الجزائري الجديد

دسترة/تنظيم النظام

وفاة بومدين

28 ديسمبر 1978، ص. 1

وفاة بومدين وتشييع جنازته غدًا.. بيطاط يتولى مهام الرئيس بصورة مؤقتة

زعامة/خلافة

انتخاب الشاذلي

6 فيفري 1979، ص. 1

استفتاء الجزائر على الرئيس الجديد غدًا

انتقال مضبوط

أحداث أكتوبر

6 أكتوبر 1988، ص. 4

مظاهرات عنيفة في قلب العاصمة الجزائر

أزمة اجتماعية/أمن

أحداث أكتوبر

8 أكتوبر 1988، ص. 1

أنباء عن سقوط 50 قتيلًا وجريحًا في مظاهرات الجزائر

درامية الحدث/عنف

استفتاء المراجعة

4 نوفمبر 1988، ص. 1

استفتاء في الجزائر على تعديل الدستور.. للحد من سلطات الحزب الحاكم

إصلاح/تقييد الحزب

الدستور الثالث

24 فيفري 1989، ص. 4

بدء الاستفتاء في الجزائر على الدستور الجديد

تعددية سياسية

الجزء الثاني : من بداية التعددية إلى إعادة ترتيب السلطة (1990-1994).

الحدث

العدد/ص

العنوان

الإطار

الانتخابات المحلية

12 جوان 1990، ص. 8

أول انتخابات في ظل التعددية بالجزائر اليوم

اختبار التعددية

فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ

14 جوان 1990، ص. 8

فوز مفاجئ لجبهة الإنقاذ الإسلامية يليها الحزب الحاكم

إسلام سياسي/مفاجأة

الانتخابات التشريعية

24 ديسمبر 1991، ص. 6

49 حزبًا تتنافس في أول انتخابات تشريعية بالجزائر

تعددية/تنافس حزبي

الجولة الأولى

27 ديسمبر 1991، ص. 1

صناديق الاقتراع الزجاجية هل تحدد مصير الجزائر

مصير سياسي/دراما انتخابية

إيقاف المسار

13 جانفي 1992، ص. 1

إلغاء الانتخابات البرلمانية وتجميد الدستور في الجزائر بعد استقالة بن جديد

أزمة دستورية/جيش

المجلس الأعلى للدولة

16 جانفي 1992، ص. 1

القيادة الخماسية تكمل فترة رئاسة بن جديد وتتولى مهام رئيس الدولة

إعادة تركيب السلطة

اغتيال بوضياف

30 جوان 1992، ص. 1

اغتيال بوضياف في هجوم إرهابي بشرق الجزائر

عنف سياسي/صدمة

علي كافي

4 جويلية 1992، ص. 1

رئيس الجزائر الجديد يتعهد بمواصلة مواجهة المتطرفين

أمن/استمرارية الدولة

زروال رئيسًا للدولة

31 جانفي 1994، ص. 1

تعيين الجنرال زروال رئيسًا للجزائر

سلطة انتقالية/مؤسسة عسكرية

الجزء الثالث : من رئاسيات 1995 إلى انتخاب بوتفليقة (1995-1999).

الحدث

العدد/ص

العنوان

الإطار

انتخاب زروال

19 نوفمبر 1995، ص. 1

مصر تأمل في عودة الاستقرار إلى الجزائر بعد فوز زروال في الانتخابات

دبلوماسية/استقرار

التشريعيات

7 جوان 1997، ص. 1

نتائج الانتخابات الجزائرية.. فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد البرلمان

إعادة مؤسسات/شرعية انتخابية

المحليات

25 أكتوبر 1997، ص. 9

فوز التجمع الوطني الديمقراطي بأغلبية المقاعد ونسبة مشاركة كبيرة

مأسسة/مشاركة

انتخابات مسبقة

13 سبتمبر 1998، ص. 1

صدمة في الجزائر بعد إعلان زروال الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة لن يرشح نفسه لها

أزمة خلافة/حيرة

انتخاب بوتفليقة

17 أفريل 1999، ص. 1

بوتفليقة رئيسًا للجزائر بنسبة 73 بالمئة

رئيس جديد/إطفاء الفتنة

3. تحولات التأطير في الأهرام: من الشرعية الثورية إلى أزمة الدولة

1.3. من الشرعية الثورية إلى شرعية الدولة: تغطية مرحلة التأسيس

تغطي المرحلة الأولى، من 1962 إلى 1976، لحظات بناء الدولة الجزائرية وتثبيت مشروعيتها السياسية. في هذه المرحلة، لا تظهر الجزائر في الأهرام بوصفها بلدًا جديدًا فحسب، بل بوصفها ثمرة رمزية لثورة تحريرية عربية كبرى. ولذلك فإنّ الإعلان عن الجمهورية، ومؤتمر جبهة التحرير، وميثاق الجزائر، والتصحيح الثوري، والدستور الثاني، كلها أحداث عولجت داخل أفق يتجاوز الخبر الوطني إلى معنى التحرر والسيادة.

في تغطية إعلان الجمهورية، يبرز التركيز على وصول بن بلة إلى العاصمة الجزائرية باعتباره علامة على اكتمال الانتقال من الثورة إلى الدولة. أما في مؤتمر 1964، فقد منحت الأهرام الحدث دلالة أكبر من كونه مؤتمرًا حزبيًا؛ إذ قرأته ضمن سياق الاختيار الاشتراكي، ومقاومة الاستعمار، وتقارب التجربة الجزائرية مع التجربة الناصرية.

« الجزائر شهدت أمس أكبر وأهم مؤتمر في تاريخها منذ حصولها على الاستقلال »— الأهرام، العدد 28252، 17 أفريل 1964، ص. 1.

تكشف هذه الصيغة عن إطار احتفائي واضح. فاستعمال « أكبر وأهم » لا يصف الحجم فقط، بل يرفع المؤتمر إلى مرتبة لحظة مؤسسة في تاريخ الجزائر المستقلة. كما أن الربط بين المؤتمر والاستقلال يجعل شرعية الحزب الحاكم استمرارًا لشرعية التحرير.

لكن تغطية 19 جوان 1965 تُظهر توترًا بين لغة الحدث ولغة الدبلوماسية. فقد استخدمت الأهرام كلمة « انقلاب »، وهي تسمية سياسية ثقيلة، لكنها واصلت المتابعة بحذر، وركزت على مواقف القاهرة وسلامة بن بلة وترتيبات الحكم الجديد. بهذا المعنى، لم تكن الجريدة مجرد ناقل للوقائع؛ بل كانت تفاوض لغويًا مع حدث حساس في دولة عربية حليفة.

« انقلاب على بن بلة يقوده بومدين » — الأهرام، العدد 28681، 20 جوان 1965، ص. 1.

أما دستور 1976، فقد مثّل لحظة انتقال من الشرعية الثورية إلى الصياغة الدستورية للمشروع السياسي. ويظهر ذلك في اهتمام الأهرام بمفاهيم الدستور : الاشتراكية، الرئاسة، الحزب، القطاع الخاص، والطابع القومي للدولة. فالحدث لا يُقرأ هنا بوصفه خبر استفتاء فحسب، بل بوصفه محاولة لإعادة الحياة الدستورية إلى النظام السياسي الجزائري.

2.3. الزعامة والخلافة السياسية : من بومدين إلى بوتفليقة

تبيّن تغطية الأهرام للحظات انتقال السلطة أن الجريدة كانت تقرأ النظام السياسي الجزائري من خلال علاقة قوية بين الدولة والقيادة. فوفاة بومدين لم تظهر فقط كوفاة رئيس، بل كاختبار لمصير الدولة بعد شخصية سياسية مركزية. لذلك انتقلت التغطية بسرعة من نعي الرئيس إلى سؤال الخلافة، وصراع التيارات، وهوية الشخصية القادرة على حفظ التوازن.

هذا التركيز على الخلافة يعكس تصورًا صحفيًا للنظام الجزائري بوصفه نظامًا تُختبر فيه المؤسسات عبر الأشخاص. ومما يعزز هذا المعنى أن تغطية 1978 و1979 تزامنت مع مناخ عربي شديد التوتر بعد كامب ديفيد، مما جعل القراءة المصرية لما يجري في الجزائر أقل احتفائية وأكثر حذرًا.

« وفاة بومدين وتشييع جنازته غدًا.. بيطاط يتولى مهام الرئيس بصورة مؤقتة » — الأهرام، العدد 33620، 28 ديسمبر 1978، ص. 1.

وفي المقابل، حظي انتخاب الشاذلي بن جديد بتغطية أقل اتساعًا. ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع أهمية الحدث الجزائري، بل يدل على أن ترتيب الأولويات الصحفية خاضع لسياق العلاقات المصرية-العربية، ولمكانة الحدث داخل جدول الاهتمام المصري في تلك اللحظة.

تتكرر مركزية سؤال القيادة في التسعينيات. فاغتيال محمد بوضياف أعاد إلى الواجهة صورة الزعيم الثوري العائد لإنقاذ الدولة، ثم صورة الضحية التي تختصر عنف المرحلة. أما زروال وبوتفليقة، فقد قدما في خطاب الأهرام من خلال سؤال الاستقرار : هل تستطيع القيادة الجديدة إعادة بناء الشرعية ووقف العنف؟ وبذلك انتقل إطار الزعامة من المجد الثوري إلى وظيفة الإنقاذ السياسي والأمني.

« بوتفليقة رئيسًا للجزائر بنسبة 73 بالمئة » — الأهرام، العدد 41039، 17 أفريل 1999، ص. 1.

3.3. أكتوبر 1988 ودستور 1989 : ميلاد إطار الأزمة والإصلاح

تمثل أحداث أكتوبر 1988 نقطة تحول في التغطية. فقبلها، كانت الجزائر تظهر غالبًا في أطر الدولة والقيادة والشرعية التاريخية؛ وبعدها، أصبحت تُقرأ من خلال أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية. يبدأ الخبر في الصفحة الرابعة تحت عنوان « مظاهرات عنيفة »، ثم ينتقل إلى الصفحة الأولى عندما تتسع الأزمة وتزداد دراميتها. هذا الانتقال التحريري يعكس صعود الحدث في سلم الأولويات.

اللافت أن الأهرام جمعت بين تفسير اجتماعي للأزمة، يربطها بغلاء المعيشة والاحتجاجات، وتفسير أمني، يركز على حالة الطوارئ والدبابات والقتلى والجرحى. وبذلك تشكّل إطار مزدوج : الأزمة بوصفها نتيجة اجتماعية، والأمن بوصفه ضرورة سياسية.

« مظاهرات عنيفة في قلب العاصمة الجزائر » — الأهرام، العدد 37192، 6 أكتوبر 1988، ص. 4.
« أنباء عن سقوط 50 قتيلًا وجريحًا في مظاهرات الجزائر » — الأهرام، العدد 37194، 8 أكتوبر 1988، ص. 1.

جاء الاستفتاء الدستوري في نوفمبر 1988 ثم دستور 1989 ليحوّلا الأزمة إلى مسار إصلاحي. وقد اهتمت الأهرام بهذا الانتقال من خلال إبراز الحد من سلطات الحزب الحاكم وفتح المجال للتعددية. غير أنّ حضور مفردات الإصلاح لا يلغي الحذر؛ فالتعددية الجزائرية كانت تُقرأ عربيًا من خلال سؤال قابلية الانتقال، ومخاطر انفلات المجال السياسي، وإمكان صعود قوى غير تقليدية.

« استفتاء في الجزائر على تعديل الدستور.. للحد من سلطات الحزب الحاكم »— الأهرام، العدد 37221، 4 نوفمبر 1988، ص. 1.

4. التعددية والعنف وخطاب الاستقرار

1.4. التعددية والإسلام السياسي : من المفاجأة الانتخابية إلى الأزمة الدستورية

تظهر انتخابات 1990 و1991 حدود التوقعات الصحفية التقليدية. فقد تعاملت الأهرام مع التعددية الجزائرية في بدايتها بوصفها تجربة انتخابية جديدة، لكنها لم تتوقع بدقة حجم التحول الاجتماعي والسياسي الذي سيقود إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ. واستعمال الجريدة لعبارة « فوز مفاجئ » ليس تفصيلًا لغويًا؛ إنه يكشف أن الحدث تجاوز نموذج القراءة الذي اعتمدته الصحيفة.

إنّ التعددية هنا لا تُقدَّم بوصفها انتقالًا ديمقراطيًا خطيًا، بل بوصفها مجالًا غير مستقر تتنافس فيه قوى متعددة، من بينها قوة إسلامية صاعدة. ومع الانتخابات التشريعية لسنة 1991، يرتفع الخطاب الدرامي في العنوان : « هل تحدد مصير الجزائر؟ ». فصندوق الاقتراع لم يعد مجرد آلية انتخابية، بل صار رمزًا لمصير الدولة والنظام السياسي.

« فوز مفاجئ لجبهة الإنقاذ الإسلامية يليها الحزب الحاكم » — الأهرام، العدد 37809، 14 جوان 1990، ص. 8.
« صناديق الاقتراع الزجاجية هل تحدد مصير الجزائر » — الأهرام، العدد 38370، 27 ديسمبر 1991، ص. 1.

بلغ هذا التأطير ذروته مع إيقاف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جديد. في هذه اللحظة، جمعت التغطية بين الأزمة الدستورية، دور الجيش، موقف جبهة الإنقاذ، وردود الفعل الدولية. ولم تعد الجزائر موضوع متابعة سياسية فقط، بل صارت سؤالًا عربيًا حول حدود الديمقراطية، ومكانة الإسلام السياسي، ودور المؤسسة العسكرية في حماية الدولة أو إعادة ترتيب السلطة.

« إلغاء الانتخابات البرلمانية وتجميد الدستور في الجزائر بعد استقالة بن جديد » — الأهرام، العدد 38389، 13 جانفي 1992، ص. 1.

2.4. العنف السياسي وخطاب الاستقرار : من بوضياف إلى انتخابات 1999

بعد جانفي 1992، يهيمن إطار العنف السياسي على التغطية. اغتيال محمد بوضياف يمثل في الأهرام لحظة صدمة مضاعفة : صدمة الاغتيال في حد ذاته، وصدمة إصابة رمز من رموز الثورة الجزائرية. لذلك لا يقتصر الخبر على وصف العملية، بل يستدعي سيرة الرجل ومساره من الكفاح ضد الاستعمار إلى رئاسة الدولة.

وفي تغطية علي كافي وزروال، يظهر خطاب الاستمرارية ومواجهة التطرف. فالعنوان الذي يتحدث عن تعهد رئيس الجزائر الجديد بمواصلة مواجهة المتطرفين يكشف تحولًا في مركز الثقل : لم تعد المشكلة هي بناء الحزب أو الدستور، بل حفظ الدولة أمام عنف داخلي ممتد.

« اغتيال بوضياف في هجوم إرهابي بشرق الجزائر » — الأهرام، العدد 38556، 30 جوان 1992، ص. 1.
« رئيس الجزائر الجديد يتعهد بمواصلة مواجهة المتطرفين » — الأهرام، العدد 38560، 4 جويلية 1992، ص. 1.

في انتخابات 1995 و1997 و1999، يعود الخطاب الانتخابي، لكنه لا يعود بالمعنى نفسه الذي كان له سنة 1991. فالأهرام تربط الانتخابات هذه المرة بالاستقرار، وبالقدرة على تجاوز العنف. لذلك يتكرر حضور مصر بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا يأمل في استقرار الجزائر، مما يدل على أن الجريدة تجعل من المسار الجزائري قضية إقليمية لا شأنًا وطنيًا صرفًا.

« مصر تأمل في عودة الاستقرار إلى الجزائر بعد فوز زروال في الانتخابات » — الأهرام، العدد 39794، 19 نوفمبر 1995، ص. 1.

5. الدلالات التركيبية للتغطية

1.5. العلاقات الجزائرية-المصرية : السياق الخفي للتأطير

لا يمكن فصل تغطية الأهرام عن العلاقات الجزائرية-المصرية. ففي الستينيات، حين كان المشترك القومي والثوري حاضرًا بقوة، اتسمت التغطية بقدر واضح من التعاطف والاحتفاء. وقد ارتبطت الجزائر في تلك المرحلة بثورة التحرير، وبالاختيار الاشتراكي، وبالموقف العربي المناهض للاستعمار والصهيونية.

لكن بعد كامب ديفيد، تغيّر السياق العربي، وانعكس ذلك على زاوية التغطية. لم تختفِ الجزائر من الأهرام، لكنها لم تعد تُقرأ بالدرجة نفسها من الحميمية السياسية. تظهر في تغطية وفاة بومدين مثلًا مفردات الصراع، التيارات، التشدد والتغيير، وهي مفردات لا تنفصل عن توتر العلاقات العربية في تلك اللحظة.

ومع أزمات التسعينيات، عاد منطق آخر : منطق الاستقرار الإقليمي. فالأهرام، وهي تنقل تصريحات مصرية حول الجزائر، تجعل من الأزمة الجزائرية شأنًا عربيًا يستدعي الحذر وعدم التدخل واحترام السيادة. وهكذا تكشف الصحيفة صورة مزدوجة : الجزائر كما تُغطّى صحفيًا، ومصر كما تحدد موقعها من هذا الحدث.

2.5. المرئية التحريرية : ماذا تعني الصفحة الأولى؟

تبيّن المعطيات أن 34 وحدة من أصل 62 ظهرت في الصفحة الأولى، أي بنسبة 54.83 %. وهذه النسبة مهمة لأنها تدل على أن الجزائر حظيت بموقع مرتفع في أجندة الأهرام. غير أن الدلالة العلمية لا تكمن في الرقم وحده، بل في تفسيره : فالصفحة الأولى هي موضع صناعة الأولوية، وبها يتحول الحدث الوطني الجزائري إلى قضية عربية مرئية.

كما أن اختلاف موضع النشر يكشف اختلاف درجة الطابع الدرامي أو الدبلوماسي للحدث. فالأحداث المؤسسة أو العنيفة أو المفصلية تظهر غالبًا في الصفحة الأولى، بينما تظهر الاستفتاءات الدستورية أو الانتخابات المحلية في صفحات داخلية عندما تكون أقل صدامية أو عندما تزامنت مع أحداث مصرية أو دولية طاغية.

جدول 4. المرئية التحريرية للأحداث السياسية الجزائرية في جريدة الأهرام: توزيع الوحدات الصحفية حسب الصفحات

الصفحة

التكرار

النسبة

الصفحة الرئيسية الأولى

34

54.83 %

الصفحة الثالثة

1

1.61 %

الصفحة الرابعة

9

14.51 %

الصفحة الخامسة

3

4.83 %

الصفحة السادسة

6

9.67 %

الصفحة الثامنة

2

3.22 %

الصفحة التاسعة

6

9.67 %

الصفحة الثانية عشرة

1

1.61 %

المجموع

62

100 %

3.5. نتائج تركيبية

أولًا، تؤكد الدراسة أن الأهرام لم تتعامل مع الجزائر بوصفها خبرًا خارجيًا عاديًا، بل بوصفها مجالًا سياسيًا عربيًا ذا دلالة رمزية. فالاستقلال والثورة والقيادة والتعددية والعنف كلها قرئت ضمن أسئلة عربية أوسع عن الشرعية والدولة والاستقرار.

ثانيًا، يتغير التأطير وفق المراحل. ففي الستينيات والسبعينيات يغلب إطار الشرعية الثورية وبناء الدولة؛ وفي أواخر السبعينيات يظهر أثر التوتر الدبلوماسي؛ وفي أواخر الثمانينيات والتسعينيات يهيمن إطار الأزمة والأمن والتعددية والإسلام السياسي.

ثالثًا، يبيّن تحليل العناوين أن اللغة الصحفية تمارس وظيفة تفسيرية. فالعنوان لا يلخص فقط؛ إنه يوجّه القراءة، ويحدد مركز الحدث، ويقترح أفقًا لفهمه. لذلك كان تحويل الصور إلى اقتباسات نصية دقيقة أكثر فائدة علمية من إدراج fac-similés داخل المتن.

رابعًا، تعمل الأهرام بوصفها أرشيفًا وسيطًا. فهي تحفظ أثر الحدث الجزائري، لكنها تعيد تشكيله داخل أفق مصري وعربي، مما يجعل المدونة وثيقة عن الجزائر ووثيقة عن نظرة الصحافة المصرية إلى الجزائر في الوقت نفسه.

6. المناقشة : من الأرشيف إلى المقال العلمي

تدل الدراسة على أن القيمة العلمية للأرشيف لا تتحقق بمجرد عرضه. فترتيب الأخبار واحدًا بعد الآخر ينتج مادة توثيقية، لكنه لا ينتج بالضرورة معرفة علمية. أما المقال العلمي فيتطلب بناء corpus، واختيار وحدات تحليل، وتفسير العلاقات بين النص والسياق، وتحويل العنوان والخبر والصفحة إلى مؤشرات ذات دلالة.

من هنا كان حذف الصور من متن المقال اختيارًا منهجيًا. فالصور، إذا تكاثرت، تدفع النص نحو هيئة ملف وثائقي أو معرض أرشيفي. أما الاقتباسات النصية والجداول التحليلية، فتجعل corpus أكثر قابلية للفحص العلمي، وتتيح تحليل الأطر، المفردات، وتراتبية الأخبار. يمكن أن تحفظ الصور في ملف مرفق أو أرشيف تكميلي، لكنها لا ينبغي أن تحمل عبء البرهنة في المتن.

كما تكشف الدراسة أن الصحافة العربية شاركت في إنتاج ذاكرة سياسية للجزائر. فهي لم تكتف بتسجيل الوقائع، بل ساهمت في تحديد ما الذي يستحق الظهور، وبأي لغة، ومن أي زاوية. وبذلك يصبح الأرشيف الصحفي مجالًا لدراسة تاريخ التمثلات، لا فقط تاريخ الأحداث.

وتظل قابلية تعميم النتائج مشروطة بطبيعة المدونة وبحدود الأعداد التي أمكن توثيقها. لذلك لا تدّعي الدراسة تمثيل مجمل الصحافة المصرية أو العربية، بل تقرأ حالة مؤسسية دالة هي الأهرام، بوصفها وسيطًا صحفيًا ذا وزن تاريخي في المجال العربي. كما أن تحليل العناوين لا يغني عن تحليل كامل للمتون الصحفية، لكنه يوفّر مدخلًا منهجيًا صالحًا لفهم آليات التكثيف والتوجيه والتحويل الرمزي للأحداث السياسية.

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن تناول الأهرام للأحداث السياسية الجزائرية بعد الاستقلال يكشف مسارًا تأطيريًا متحولًا : من التضامن القومي والشرعية الثورية إلى خطاب الدولة، ثم إلى خطاب الأزمة والتعددية والأمن والاستقرار. وهذا التحول يوازي تحولات كبرى عرفها المجال العربي بين الستينيات والتسعينيات.

وقد بينت الدراسة أن الجزائر شغلت موقعًا بارزًا في الأهرام، كما يدل حضور الصفحة الأولى بنسبة 54.83 % من الوحدات المرصودة. لكن الأهمية الحقيقية لا تكمن في هذا المؤشر الكمي وحده، بل في الطريقة التي جرى بها بناء معنى الحدث الجزائري من خلال العنوان، المصدر، موضع النشر، واللغة السياسية المستعملة.

تفتح هذه الدراسة إمكانات بحث لاحقة، منها مقارنة الأهرام بصحف عربية أخرى، أو توسيع المدونة إلى ما بعد 1999، أو إجراء تحليل معجمي آلي للعناوين، أو دراسة الصور بوصفها خطابًا بصريًا مستقلًا في ملحق خاص. غير أن مساهمتها الأساسية تتمثل في تحويل مادة أرشيفية متفرقة إلى قراءة علمية لتاريخ التمثلات الإعلامية للسياسة الجزائرية في الصحافة العربية.

أحمد درويش. (2018). مناهج البحث في العلوم الإنسانية. القاهرة: مؤسسة الأمة العربية للنشر والتوزيع.

أمنة قجالي. (2015). الإعلام والعنف السياسي. عمان: مركز الكتاب الأكاديمي.

بوفروك، فاتح. (2020). أصداء مجازر 8 ماي 1945 بالجزائر في الصحف المصرية. مجلة عصور الجديدة، 1، 410-429.

بوالشعير، سعيد. (1993). النظام السياسي الجزائري (ط. 2). الجزائر: دار الهدى.

بوجلال، عمر طيب. (2017). إدماج المقاربة التشاركية في الإصلاحات السياسية. عمان: مركز الكتاب الأكاديمي.

بوحوش، عمار، والذنيبات، محمد. (2007). مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

جرادي، عيسى. (2007). الأحزاب السياسية في الجزائر. الجزائر: دار قرطبة.

لعروسي، رابح كمال. (2007). المشاركة السياسية وتجربة التعددية الحزبية في الجزائر. الجزائر: دار قرطبة.

ماضي، مسعودة. (2020). موقف الصحافة المصرية المكتوبة من اندلاع الثورة الجزائرية 1954. مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، 2، 169-177.

ميلود، ولد الصديق. (2015). الاغتراب السياسي في الوسط الطلابي. عمان: مركز الكتاب الأكاديمي.

زمام، نور الدين. (2002). السلطة الحاكمة والخيارات التنموية بالمجتمع الجزائري 1962-1998. القاهرة: دار الكتاب العربي.

Charaudeau, P. (2011). Les médias et l’information : L’impossible transparence du discours. De Boeck.

Entman, R. M. (1993). Framing: Toward clarification of a fractured paradigm. Journal of Communication, 43(4), 51-58.

Gamson, W. A., & Modigliani, A. (1989). Media discourse and public opinion on nuclear power. American Journal of Sociology, 95(1), 1-37.

Gitlin, T. (1980). The whole world is watching: Mass media in the making and unmaking of the New Left. University of California Press.

McCombs, M. E., & Shaw, D. L. (1972). The agenda-setting function of mass media. Public Opinion Quarterly, 36(2), 176-187.

Shoemaker, P. J., & Reese, S. D. (2014). Mediating the message in the 21st century: A media sociology perspective. Routledge.

ملحق 1. المدونة الصحفية الأولية: أعداد ومقالات جريدة الأهرام المصرية المعتمدة (1962-1999)

تُفصل المصادر الآتية عن قائمة المراجع العلمية لأنها تمثل corpus الدراسة نفسه، أي المادة الصحفية الأولية التي خضعت للرصد والتحليل. والغرض من هذا الملحق هو جعل المدونة قابلة للتتبع والتحقق، لا استعمال هذه المواد بوصفها مراجع نظرية.

رمز

تاريخ

عدد

ص

العنوان/الوحدة الصحفية

1964أ

17 أفريل 1964

28252

1

الجزائر شهدت أمس أكبر وأهم مؤتمر في تاريخها منذ حصولها على الاستقلال.

1964ب

18 أفريل 1964

28253

1

مناقشة صريحة وبناءة في مؤتمر جبهة التحرير الجزائرية.

1964ج

22 أفريل 1964

28257

1 و12

مؤتمر حزب جبهة التحرير اختتم أمس أهم اجتماع في تاريخ الجزائر.

1965أ

20 جوان 1965

28681

1 و3

انقلاب على بن بلة يقوده بومدين.

1965ب

21 جوان 1965

28682

1

نحن نثق في ثورة المليون ونصف مليون شهيد.

1965ج

22 جوان 1965

28683

1

عامر يعود بتقرير كامل عن الموقف في الجزائر.

1976

22 نوفمبر 1976

32854

4

مفاهيم جديدة يطرحها الدستور الجزائري الجديد.

1978أ

28 ديسمبر 1978

33620

1 و4

وفاة بومدين وتشييع جنازته غدًا؛ بيطاط يتولى مهام الرئيس بصورة مؤقتة.

1978ب

29 ديسمبر 1978

33621

1

تشييع جنازة بومدين اليوم؛ اشتداد الصراع بين بوتفليقة وصالح يحياوي.

1979

6 فيفري 1979

33660

1

استفتاء الجزائر على الرئيس الجديد غدًا.

1988أ

6 أكتوبر 1988

37192

4

مظاهرات عنيفة في قلب العاصمة الجزائر.

1988ب

7 أكتوبر 1988

37193

4

الرئيس بن جديد يعلن حالة الطوارئ في الجزائر.

1988ج

8 أكتوبر 1988

37194

1

أنباء عن سقوط 50 قتيلًا وجريحًا في مظاهرات الجزائر.

1988د

14 أكتوبر 1988

37200

1

أحداث الجزائر والدرس الحقيقي.

1988هـ

4 نوفمبر 1988

37221

1

استفتاء في الجزائر على تعديل الدستور للحد من سلطات الحزب الحاكم.

1988و

5 نوفمبر 1988

37222

1

استفتاء الجزائر: 92 بالمئة يوافقون على إصلاحات بن جديد.

1988ي

24 ديسمبر 1988

37271

1

إعادة انتخاب بن جديد لرئاسة الجزائر فترة ثالثة.

1989أ

24 فيفري 1989

37333

4

بدء الاستفتاء في الجزائر على الدستور الجديد.

1989ب

25 فيفري 1989

37334

4

73 بالمئة من الجزائريين وافقوا على الدستور الجديد.

1990أ

12 جوان 1990

37807

8

أول انتخابات في ظل التعددية بالجزائر اليوم.

1990ب

13 جوان 1990

37808

9

توقع فوز جبهة التحرير بـ40 بالمئة من الأصوات.

1990ج

14 جوان 1990

37809

8

فوز مفاجئ لجبهة الإنقاذ الإسلامية يليها الحزب الحاكم.

1991أ

24 ديسمبر 1991

38367

6

49 حزبًا تتنافس في أول انتخابات تشريعية بالجزائر.

1991ب

25 ديسمبر 1991

38368

6

توقع عدم فوز أي حزب في انتخابات الجزائر بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده.

1991ج

26 ديسمبر 1991

38369

6

اليوم تبدأ أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب.

1991د

27 ديسمبر 1991

38370

1

صناديق الاقتراع الزجاجية هل تحدد مصير الجزائر؟

1991هـ

28 ديسمبر 1991

38371

1

تقدم ساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات الجزائر.

1991و

29 ديسمبر 1991

38372

6

كيف فازت الجبهة الإسلامية في الجولة الأولى لانتخابات الجزائر؟

1992أ

13 جانفي 1992

38389

1 و4

إلغاء الانتخابات البرلمانية وتجميد الدستور في الجزائر بعد استقالة بن جديد.

1992ب

14 جانفي 1992

38388

1 و4

غزالي يحكم سيطرته على الوضع في الجزائر بمعاونة وزيري الدفاع والداخلية.

1992ج

15 جانفي 1992

38389

1 و5

مبارك يطلب من كافة الدول احترام سيادة الجزائر وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

1992د

16 جانفي 1992

38390

1 و5

القيادة الخماسية تكمل فترة رئاسة بن جديد وتتولى مهام رئاسة الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة.

1992هـ

30 جوان 1992

38556

1 و5

اغتيال بوضياف في هجوم إرهابي بشرق الجزائر.

1992و

1 جويلية 1992

38557

1 و4

جنازة بوضياف اليوم وسط إجراءات أمن مشددة.

1992ي

4 جويلية 1992

38560

1

رئيس الجزائر الجديد يتعهد بمواصلة مواجهة المتطرفين.

1994

31 جانفي 1994

39137

1 و6

تعيين الجنرال زروال رئيسًا للجزائر.

1995

19 نوفمبر 1995

39794

1 و9

مصر تأمل في عودة الاستقرار إلى الجزائر بعد فوز زروال في الانتخابات.

1997أ

7 جوان 1997

40360

1 و9

نتائج الانتخابات الجزائرية: فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد البرلمان.

1997ب

25 أكتوبر 1997

40500

9

فوز التجمع الوطني الديمقراطي بأغلبية المقاعد ونسبة مشاركة كبيرة من الناخبين.

1998

13 سبتمبر 1998

40825

1 و9

صدمة في الجزائر بعد إعلان زروال الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة لن يرشح نفسه لها.

1999

17 أفريل 1999

41039

1 و9

بوتفليقة رئيسًا للجزائر بنسبة 73 بالمئة.

فوغالي زين العابدين / Foughali Zine El Abidine

مخبر التغير الاجتماعي والعلاقات العامة في الجزائر، جامعة محمد خيضر – بسكرة، الجزائر Université de Biskra
zineelabidine.foughali@univ-biskra.dz
https://orcid.org/0009-0005-9182-1211

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.