الميتانصية ووعي الكتابة الرقمية في رواية «شات» لمحمد سناجلة

Métatextualité et conscience de l’écriture numérique dans le roman Chat de Muhammad Sanajleh

Metatextuality and the Awareness of Digital Writing in Muhammad Sanajleh’s Novel Chat

حنان مرازقة Hanane Merazga

حنان مرازقة Hanane Merazga, « الميتانصية ووعي الكتابة الرقمية في رواية «شات» لمحمد سناجلة », Aleph [], Vol 13 (1) | 2026, 24 May 2026, 24 May 2026. URL : https://aleph.edinum.org/17079

يتناول هذا البحث تمثلات الوعي بالكتابة الرقمية في رواية « شات » لمحمد سناجلة، بوصفها نصاً عربياً مبكراً يختبر انتقال السرد من نظام الصفحة الورقية إلى نظام الشاشة، ومن خطية القراءة إلى تعددية المسارات، ومن الحضور اللغوي الخالص إلى تآزر العلامات اللفظية والبصرية والسمعية والبرمجية. ولا يكتفي البحث بوصف الرواية بوصفها عملاً منشوراً في وسيط رقمي، بل يسعى إلى تحليل الكيفية التي تجعل بها الرواية وسيطها موضوعاً للتفكير داخل بنائها نفسه؛ أي إن النص لا يستعمل الحاسوب والروابط والصورة والصوت استعمالاً تزويقياً، بل يحولها إلى عناصر دالة تكشف وعياً ذاتياً بشروط إنتاجه وتلقيه. ومن ثم ينطلق البحث من تمييز مفهومي بين الأدب الرقمي، والأدب التفاعلي، والنص المترابط، والوسيط المترابط، ثم ينتقل إلى ضبط مفهوم الميتاسرد أو الميتانصية السردية بوصفه خطاباً تفكيرياً يتيح للنص أن يقرأ آلياته ويعلن عن شروط تشكله. وبالاعتماد على تحليل عتبات الرواية، وأيقوناتها، وصورها، وأصواتها، وتشعباتها، وفضائها الافتراضي، يبين البحث أن « شات » لا تعرض حكاية علاقات افتراضية فحسب، بل تبني جماليتها على وعي سردي بالتحول الرقمي وبما ينتجه من تبدل في صورة المؤلف، ووظيفة القارئ، وبنية الفضاء، وإيقاع الزمن، وحدود التخييل. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الأساسية للرواية تكمن في كونها مختبراً سردياً لبلاغة رقمية عربية تتشكل في نقطة التقاء الأدب، والتقنية، والوسائط المتعددة، والتلقي التفاعلي.

Cet article analyse les formes de conscience de l’écriture numérique dans le roman Chat de Muhammad Sanajleh. Il ne s’agit pas seulement d’étudier un texte diffusé sur support électronique, mais de montrer comment le roman transforme son propre médium en objet de réflexion esthétique et narratologique. L’étude distingue d’abord la littérature numérique, la littérature interactive, l’hypertexte et l’hypermédia, avant de mobiliser la notion de métarécit et de métatextualité narrative pour interroger la manière dont le texte explicite ses conditions de production et de réception. L’analyse porte sur les seuils numériques, l’arrière-plan visuel, le titre, les fragments autoréflexifs, l’espace virtuel, les effets sonores et visuels, les SMS, les fenêtres de conversation et les liens hypertextuels. Elle montre que Chat ne raconte pas uniquement une relation virtuelle, mais met en scène la mutation de la narration à l’âge de l’écran, de la programmation et de la lecture non linéaire. Le roman apparaît ainsi comme un laboratoire arabe de poétique numérique, où la langue littéraire se reconfigure au contact de l’image, du son, de l’interface et de l’activité du lecteur.

This article examines the forms of awareness of digital writing in Muhammad Sanajleh’s novel Chat. Rather than treating the work merely as a literary text published through an electronic medium, the study shows how the novel turns its own medium into an object of aesthetic and narratological reflection. It first distinguishes digital literature, interactive literature, hypertext and hypermedia, then mobilizes the concepts of metafiction, metanarrative and narrative metatextuality to analyze how the text exposes its own conditions of production and reception. The analysis focuses on digital thresholds, the visual background, the title, self-reflexive fragments, virtual space, sound and image effects, SMS messages, chat windows and hyperlinks. The article argues that Chat does not simply narrate a virtual relationship ; it stages the transformation of narrative in the age of screens, programming and non-linear reading. The novel therefore appears as an Arabic laboratory of digital poetics, in which literary language is reconfigured through image, sound, interface and the reader’s interactive activity.

مقدمة

أسهمت التحولات التقنية التي عرفها العالم المعاصر في إعادة تشكيل علاقة الأدب بوسائط إنتاجه وتلقيه. فالرواية، التي اقترنت طويلاً بالكتاب الورقي وبالقراءة الخطية المتتابعة، وجدت نفسها أمام أفق جديد فرضته الشاشة، والبرمجة، والروابط التشعبية، والوسائط المتعددة. ولم يعد سؤال الكتابة الروائية، في هذا السياق، سؤال الحكاية والبناء السردي وحدهما، بل صار سؤال الوسيط جزءاً من سؤال الأدبية ذاتها : كيف يكتب النص حين يغادر الصفحة إلى الشاشة؟ وكيف يقرأ المتلقي حين لا يتقدم في النص وفق ترتيب ثابت، بل يشارك في اختيار المسارات وفتح الروابط واستدعاء الصور والأصوات؟ وهل يظل القارئ متلقياً فقط، أم يتحول إلى شريك في إنتاج النسخة التي تتحقق أمامه؟

ضمن هذا الأفق تندرج رواية « شات » لمحمد سناجلة، إذ تقدم نموذجاً عربياً مبكراً للكتابة الرقمية التي لا تكتفي باستعارة الحاسوب بوصفه قناة نشر، بل تجعل من الوسيط الرقمي بنية دلالية وجمالية. فالرواية تقوم على تداخل اللغة مع الصورة، والصوت، والحركة، والروابط، وتستثمر فضاء المحادثة الإلكترونية، ورسائل الهاتف، وأيقونات الشاشة، لتجعل من العالم الافتراضي مجالاً سردياً لا يقل أهمية عن العالم الواقعي. ومن هنا فإن دراسة هذه الرواية لا تستقيم إذا عوملت كما يعامل النص الورقي المحول إلى ملف إلكتروني؛ ذلك أن رقميتها ليست أمراً خارجياً، بل هي جزء من تكوينها ومن نظام معناها.

غير أن أهمية « شات » لا تكمن في كونها عملاً رقمياً فحسب، بل في كونها نصاً واعياً برقميته. فالرواية تشير إلى شروط كتابتها، وتفكر في الملل من الأشكال السردية المألوفة، وتعلن رغبتها في كتابة رواية لا تشبه الروايات، كما تجعل الفضاء نفسه « لا مكاناً » والزمان « لا زماناً »، وتدفع القارئ إلى الانخراط في لعبة القراءة عبر الروابط، والألوان، والتنبيهات الصوتية، وتوقعات الفضول. وبهذا المعنى فإنها تحقق ضرباً من الميتاسرد أو الميتانصية السردية، أي حضور خطاب داخل النص يفكر في النص، وفي الكتابة، وفي التلقي، وفي العلاقة بين الواقع والتخييل.

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها : كيف يتجسد الوعي بالكتابة الرقمية في رواية « شات »؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية تتعلق بمفهوم الأدب الرقمي وحدوده، وبالفروق بين الرقمي والتفاعلي، وبطبيعة الرواية التفاعلية، وبمفهوم الميتاسرد والميتانصية، ثم بالطرائق التي تستثمر بها الرواية العتبات، والفضاء، والصوت، والصورة، والروابط، والمحادثة الإلكترونية، لتجعل من الوسيط الرقمي موضوعاً فنياً ومعرفياً في آن واحد.

وتفترض الدراسة أن رواية « شات » لا تمثل مجرد انتقال تقني من الورق إلى الشاشة، بل تمثل انتقالاً في بنية الوعي السردي؛ فهي تجعل القارئ أمام نص لا يكتمل إلا بالاستعمال، ولا يتحدد إلا بالمسار، ولا ينتج دلالته إلا من خلال تفاعل العلامات اللفظية وغير اللفظية. كما تفترض أن تمظهرات الميتاسرد في الرواية لا تقتصر على التصريح بفعل الكتابة، بل تشمل عتبات النص، وتشكل الفضاء الافتراضي، ونظام الألوان، وبلاغة الصوت، واستراتيجية الروابط، وصورة القارئ المبرمجة داخل النص.

أما منهجياً، فتستند الدراسة إلى مقاربة وصفية تحليلية ذات سند سيميائي وسردي، تجمع بين تحليل المفاهيم المؤسسة للأدب الرقمي، وقراءة مكونات الرواية في ضوء وظائفها العلامية والجمالية. ولذلك لا تتعامل الدراسة مع الصور والأصوات والروابط بوصفها عناصر مضافة إلى النص، بل بوصفها وحدات دالة تشارك في إنتاج المعنى، وفي تشكيل علاقة القارئ بالنص. كما تستند القراءة إلى مفاهيم النص المترابط، والوسيط المترابط، والتلقي التفاعلي، والميتاسرد، من أجل بناء تصور متكامل لبلاغة الكتابة الرقمية في الرواية موضوع البحث.

1. الإطار المفاهيمي والمنهجي للدراسة

1.1. الأدب الرقمي والنص المترابط : من الوسيط إلى البنية

تعددت المصطلحات التي حاولت الإحاطة بالتحول الذي أصاب النص الأدبي في البيئة التقنية الحديثة؛ فاستعمل النقاد مفاهيم الأدب الرقمي، والأدب الإلكتروني، والأدب التفاعلي، والأدب الشبكي، والنص المترابط، والنص المتشعب، والوسيط المترابط. غير أن هذا التعدد الاصطلاحي لا ينبغي أن يحجب الفكرة المركزية التي يقوم عليها الأدب الرقمي، وهي أن الحاسوب أو الوسيط الإلكتروني لا يمثل مجرد أداة عرض، بل يدخل في صميم إنتاج النص، وتنظيمه، وتلقيه. فالنص الرقمي ليس نصاً ورقياً نُقل إلى شاشة، بل هو نص يتأسس على إمكانات الشاشة، وعلى البرمجة، وعلى قابلية الحركة، والربط، والاستجابة، والتعدد المساري.

والتمييز هنا ضروري بين مفهومين كثيراً ما يختلطان : الأول هو مفهوم « النص المترابط » بالمعنى الذي يتيح الانتقال من وحدة نصية إلى أخرى عبر روابط داخلية أو خارجية؛ والثاني هو مفهوم « النص اللاحق » أو « النص الفوقي » في نظرية جيرار جنيت، حيث يدل hypertexte عنده على علاقة اشتقاقية بين نص لاحق ونص سابق، كما في التحويل والمحاكاة. ولذلك ينبغي ألا يُفهم استعمال جنيت لمصطلح hypertexte على أنه يطابق مباشرة مفهوم hypertext الرقمي في الدراسات الإعلامية؛ فالأول مفهوم تناصي ضمن شعرية النصوص، أما الثاني فمفهوم تقني وسيميائي يتعلق ببنية القراءة غير الخطية. هذا التمييز لا يلغي إمكان الإفادة من جنيت، ولكنه يمنع الخلط بين حقلين نظريين متجاورين لا متطابقين.

« كل نص مشتق من نص سابق عن طريق تحويل بسيط أو تحويل غير مباشر نسميه محاكاة. » (Genette, 1982, p. 16)

وفي الدراسات العربية، يربط سعيد يقطين النص المترابط بالشاشة وبإمكانات الحاسوب، إذ يرى أن هذا النص يختلف في مواصفاته عن النص الشفاهي أو المكتوب لأنه يسمح بالانتقال الداخلي وفق ما تستدعيه القراءة لا وفق ما تفرضه الصفحة. وتكمن أهمية هذا التصور في أنه ينقل مركز الثقل من النص بوصفه متوالية ثابتة إلى النص بوصفه فضاءً قابلاً للحركة. فالقارئ لا يقرأ من البداية إلى النهاية فحسب، بل يتجول داخل شبكة من الوصلات التي تحيل إلى وحدات نصية أو بصرية أو سمعية، ومن ثم تتحول القراءة إلى فعل اختيار وتكوين.

« النص المترابط هو ما يتحقق من خلال شاشة الحاسوب، وله مواصفات تختلف عن النص الشفاهي أو المكتوب، وتوظيف الحاسوب في الحياة العملية أوجد إمكانات استعمال النص بمواصفات تخضع للإطار الذي يسمح به نظام الحاسوب وتقنياته الخاصة. » (يقطين، 2005، ص. 102)

وتضيف زهور كرام بعداً أكثر دقة حين تنبه إلى أن النص المترابط لا يساوي الأدب الرقمي كله، بل يمثل أحد مكوناته الأساسية. فالأدب الرقمي أوسع من مجرد وجود روابط؛ إنه يشتمل على الوسائط المتعددة، وعلى تنظيم جديد للعلامات، وعلى علاقة مختلفة بين المؤلف والنص والقارئ والجهاز. وبهذا المعنى فإن النص المترابط يمثل أفق تحقق من آفاق الرقمية، لكنه لا يستنفدها. فالرواية الرقمية قد تشمل نصاً، وصورة، وصوتاً، وحركة، وأيقونات، وواجهات، وبرمجيات، وهي عناصر تشكل مجتمعة بنية العمل لا زينته الخارجية.

أما عمر زرفاوي فيؤكد أن الأدب الرقمي جنس أدبي جديد متخلق من رحم التقنية، قوامه التفاعل والترابط، يستثمر إمكانات التكنولوجيا الحديثة، ويشتغل على تقنية النص المترابط، ويوظف مختلف أشكال الوسائط المتعددة، جامعاً بين الأدبية والإلكترونية. ويبدو هذا التعريف أكثر ملاءمة لقراءة « شات »، لأن الرواية لا تقوم على اللغة وحدها، بل تستثمر الصورة الثابتة والمتحركة، والصوت، والتنبيه، والأيقونة، واللون، والارتباط التشعبي. ولذلك فإن رقميتها لا تُختزل في وجودها على موقع إلكتروني، بل تتجلى في كون النص لا يتحقق إلا بعمل الوسيط وباستجابة القارئ لهذا الوسيط.

ومن ثم يمكن القول إن الأدب الرقمي هو الأدب الذي يصبح فيه الوسيط جزءاً من شعرية النص. فإذا أزيلت الشاشة أو الروابط أو المؤثرات السمعية والبصرية اختل بناء العمل، لا لأن الحكاية تفقد قناة عرضها فحسب، بل لأنها تفقد بعض عناصر دلالتها. وهذا ما يميز النص الرقمي عن النص الورقي المنشور إلكترونياً : فالأول ينتج معناه من خلال التقنية، أما الثاني فيستعمل التقنية بوصفها وسيلة نقل لا أكثر.

2.1. ماهية الرواية التفاعلية : من القراءة الخطية إلى الإنتاج المشترك

تعد الرواية التفاعلية أحد أبرز أشكال الأدب الرقمي، لأنها تجعل القارئ في مواجهة نص مفتوح المسارات، لا يفرض عليه ترتيباً وحيداً ولا زمن قراءة موحداً. وقد عرّفت فاطمة البريكي الرواية التفاعلية بأنها نمط من الفن الروائي يوظف خصائص النص المتفرع، بما يسمح بالربط بين النصوص والصور الثابتة والمتحركة والأصوات والخرائط والأشكال الجرافيكية والجداول وغير ذلك من الوصلات التي تضيء النص وتضيف إلى فهمه. ويكشف هذا التعريف أن التفاعلية لا تلغي السرد، بل تعيد تنظيمه؛ فالرواية تظل بناء حكائياً، لكنها لا تتقدم في خط مستقيم، بل تتيح للمتلقي أن يشارك في ترتيب الخبرة السردية.

« نمط من الفن الروائي يقوم فيه المؤلف بتوظيف الخصائص التي تتيحها تقنية النص المتفرع، والتي تسمح بالربط بين النصوص، سواء أكانت نصاً كتابياً أم صورة ثابتة أم متحركة، أم أصواتاً حية أو موسيقية، أم أشكالاً جرافيكية متحركة، أم خرائط، أم رسومات توضيحية. » (البريكي، 2006، ص. 112)

والرواية التفاعلية بهذا المعنى لا تنسخ الرواية الورقية، ولا تقطع معها قطعاً مطلقاً. إنها امتداد لها من جهة، وتحويل لها من جهة أخرى. فهي تحتفظ بالبنية السردية، وبالشخصيات، وبالحبكة، وبالتوتر الدلالي، لكنها تضيف إليها قابلية الاستعمال والتشغيل. وإذا كان القارئ في الرواية الورقية يملأ البياضات ويتخيل الأماكن والأصوات، فإن القارئ في الرواية التفاعلية يواجه جزءاً من هذه العناصر وقد صار مادياً أمامه : صورة تتحرك، وصوت يشتغل، ورابط يفتح، ورسالة تظهر، وأيقونة تدعوه إلى الضغط. وهنا يصبح التخييل موزعاً بين ذهن القارئ وبين الجهاز الذي يقدم له محفزات حسية موجهة.

غير أن هذا لا يعني أن الرواية الرقمية تمنح القارئ حرية مطلقة. فالمؤلف أو المصمم يبرمج مسارات الحرية نفسها، ويحدد أماكن الروابط، وألوانها، وإيقاع ظهورها، وما تفتحه وما تخفيه. ومن ثم فإن التفاعل ليس خروجاً كاملاً من سلطة المؤلف، بل هو إعادة توزيع لهذه السلطة بين الكاتب، والبرنامج، والقارئ. وبهذا المعنى يمكن القول إن الرواية التفاعلية تجعل القارئ منتجاً جزئياً للنص، لكنه ينتج داخل حدود وضعها النص سلفاً. وتكمن بلاغة « شات » في أنها تعي هذا التوتر : فهي تغري القارئ بالحرية، لكنها تقوده عبر إشارات بصرية وصوتية محددة، وتستثمر فضوله لكي يدفع السرد إلى الأمام.

كما أن الرواية التفاعلية تغير مفهوم الزمان والمكان في القراءة. فالزمن لم يعد زمن الصفحات المتوالية، بل زمن النقر والانتقال والانتظار والتنبيه. والمكان لم يعد مكان الحدث وحده، بل صار واجهة رقمية : شاشة، نافذة، مربع حوار، هاتف، رابط، فضاء محادثة. ولذلك تصبح القراءة تجربة مكانية بقدر ما هي تجربة لغوية؛ إذ يتعلم القارئ أن يتجول في واجهة النص كما يتجول في فضاء حكائي.

3.1. الفرق بين الأدب الرقمي والأدب التفاعلي

من المسائل المفهومية التي تحتاج إلى ضبط في هذا السياق التمييز بين الأدب الرقمي والأدب التفاعلي. فكل أدب رقمي يتضمن درجة من التفاعل، لأن القارئ لا يستطيع الوصول إلى وحداته إلا عبر وسيط تقني يقتضي فعلاً من أفعال التشغيل أو الاختيار أو الانتقال. لكن ليس كل أدب تفاعلي أدباً رقمياً؛ فقد عرف الأدب الورقي أشكالاً من التفاعل قبل الحاسوب، من خلال النصوص المفتوحة، والكتابة المتقطعة، والرواية متعددة النهايات، والحواشي، والهوامش، والتجارب التي تدفع القارئ إلى إعادة تركيب النص. ومن ثم فإن التفاعلية مفهوم أوسع من الرقمية، في حين أن الرقمية تشير إلى نمط مخصوص من إنتاج النص وتلقيه عبر وسيط إلكتروني قابل للبرمجة.

تؤكد فاطمة البريكي أن التفاعلية لا ينبغي أن تُحصر في الدلالة التقنية أو الإنترنتية، بل يمكن النظر إليها بوصفها نمطاً عاماً من المشاركة والاستجابة. غير أن التفاعلية في الأدب الرقمي تكتسب وضعاً خاصاً لأنها ليست مجرد موقف تأويلي من القارئ، بل هي أيضاً فعل مادي : ضغط، فتح، انتقال، تشغيل، إيقاف، اختيار. وهذا الفرق مهم لأن « شات » لا تطلب من القارئ أن يتأول فحسب، بل تطلب منه أن يتدخل في ترتيب القراءة، وأن يستجيب للأيقونات، وأن يفتح الرسائل، وأن يتبع المسارات.

وعليه، يمكن صياغة الفرق على النحو الآتي : الأدب التفاعلي هو كل أدب يوسّع دور القارئ في إنتاج المعنى، سواء أكان ورقياً أم رقمياً؛ أما الأدب الرقمي فهو الأدب الذي يدخل فيه الوسيط الإلكتروني في بنية النص وفي إمكانات تحقق القراءة. وإذا اجتمعت الرقمية والتفاعلية، كما في « شات »، فإن النص يصبح مجالاً مركباً تتداخل فيه الأدبية مع التصميم والبرمجة والواجهة، ويصبح القارئ فاعلاً داخل هندسة دلالية لا تكتمل إلا باستعمالها.

4.1. الميتانصية والميتاسرد : الوعي الذاتي بالكتابة

تميزت رواية ما بعد الحداثة بكثرة الآليات التي تجعل النص يفكر في ذاته، ويكشف عن صناعته، ويخلخل وهم الشفافية السردية. وقد تعددت المصطلحات التي تدور حول هذه الظاهرة : الميتاسرد، الميتاقص، الميتاتخييل، الرواية المرآة، السرد النرجسي، الخطاب الميتاسردي، القصة داخل القصة، التضمين، المحكي المؤطر، والميتاخطاب. ولا يهم هنا أن نستغرق في المفاضلة بين هذه المصطلحات، بقدر ما يهم أن نحدد الوظيفة المشتركة بينها، وهي أن النص لا يكتفي بأن يروي، بل يعلّق على فعل الرواية، ويكشف شروط الحكي، ويستحضر القارئ، ويناقش العلاقة بين الواقع والتخييل، وبين اللغة والعالم، وبين المؤلف والشخصيات.

الميتاسرد، بهذا المعنى، ليس تقنية شكلية معزولة، بل هو وعي سردي يظهر حين تصبح الكتابة موضوعاً داخل الكتابة. وقد يتجلى هذا الوعي في حديث الراوي عن صعوبة البداية، أو في إعلانه عن اختياراته الفنية، أو في كسر الإيهام بواقعية الأحداث، أو في مخاطبة القارئ، أو في إدخال نصوص نقدية داخل العمل، أو في جعل الرواية تسائل جنسها الأدبي وآلياتها. وفي الأدب الرقمي، يكتسب الميتاسرد بعداً إضافياً، لأن النص لا يفكر في الحكاية وحدها، بل في الوسيط الذي يحمل الحكاية : الشاشة، الرابط، الصوت، الصورة، زمن التحميل، فعل النقر، والتنقل بين النوافذ.

« إن الرواية هنا تقرأ نفسها بنفسها، وتفكر في ذاتها بذاتها، وتسائل عناصرها البنائية والسردية من خلال السؤال حول البداية والقارئ الضمني وكيفية تلقيه، ومن خلال استحضار الناقد وجهازه المفهومي الجاهز في قراءته للنص، وعلاقة الواقعي بالمتخيل. » (بوبكر النية ومشري بن خليفة، 2019، ص. 383)

وتكمن أهمية هذا المفهوم في قراءة « شات » في أن الرواية لا تتعامل مع الرقمية بوصفها إطاراً خارجياً؛ بل تعرض أسباب دخول التجربة، وتعلن الملل من السرد المألوف، وتؤسس فضاءً افتراضياً، وتستثمر لغة « الشات » ورسائل الهاتف لتكشف تحول الكتابة في العصر الرقمي. فالميتانصية هنا ليست مجرد خطاب عن الكتابة، بل هي وعي بالكتابة الرقمية تحديداً، أي بالكتابة حين تتوزع بين اللغة والبرنامج والوسيط والحواس والقارئ.

2. رواية « شات » بوصفها مختبراً للكتابة الرقمية

1.2. ميتاسرد العتبات : الشاشة بديلاً للغلاف

تبدأ الميتانصية في « شات » من العتبات. ففي الرواية الورقية تؤدي عتبات الغلاف والعنوان واسم المؤلف وبيانات النشر وظيفة توجيهية تسبق الدخول إلى النص. أما في الرواية الرقمية فإن العتبة تتحول إلى شاشة افتتاحية، وإلى خلفية مرئية، وإلى واجهة استعمال، وإلى مجموعة من العلامات التي لا تُقرأ فقط، بل تُرى وتُشغَّل. ولذلك لم يعد الغلاف سطحاً ثابتاً، بل صار فضاءً رقمياً متحرك الدلالة، يعلن منذ البداية أن القارئ داخل نظام مختلف عن نظام الكتاب الورقي

الشكل 1 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — واجهة الرواية وخلفيتها الرقمية (سناجلة، د.ت.).

الشكل 1 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — واجهة الرواية وخلفيتها الرقمية (سناجلة، د.ت.).

تأتي خلفية الرواية، كما تظهر في الشكل الأول، قائمة على سواد عميق تتناثر فيه الأرقام الثنائية، ولا سيما الرقمان صفر وواحد، بلون أخضر مضيء. إن هذه الخلفية لا تمثل اختياراً بصرياً محايداً؛ فهي تستدعي لغة الحاسوب ذاتها، حيث يقوم النظام الرقمي على الثنائية البرمجية التي تتحول داخل الجهاز إلى كلمات وصور وأصوات وحركة. ومن ثم فإن الرواية تعلن، منذ عتبتها الأولى، أن الحكاية التي سيدخلها القارئ لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل تمر عبر طبقة برمجية خفية، هي شرط ظهورها على الشاشة.

يحمل اللون الأسود، في هذا السياق، دلالات مركبة. فهو لون الفراغ والليل والغموض، ولكنه أيضاً لون الشاشة قبل أن تضيئها العلامة. إنه خلفية الصمت التقني التي تنبثق منها الكتابة الرقمية. ويمكن أن يقرأ السواد بوصفه علامة على العتمة الوجودية التي تحيط بالشخصيات، وعلى العزلة التي تدفعها إلى البحث عن اتصال افتراضي، كما يمكن أن يقرأ بوصفه بداية جديدة، لأن الضوء الرقمي لا يظهر إلا على خلفية مظلمة. أما اللون الأخضر فيحيل إلى الحيوية والتجدد والنمو، وفي الوقت نفسه يستعيد بصرياً واجهات الحاسوب الأولى ولغة الشفرات. وبذلك يتداخل المعنى الجمالي مع المعنى التقني : التجدد الأدبي لا ينفصل عن منطق البرمجة.

وتؤدي الخلفية هنا وظيفة ميتاسردية لأنها لا تهيئ القارئ للحكاية فحسب، بل تنبهه إلى شرطها الوسائطي. فالقارئ لا يدخل رواية عن علاقات افتراضية فقط، بل يدخل رواية تعرف أنها رقمية، وتعرض رقميتها بصرياً قبل أن تبدأ الحكاية. ومن ثم يتحول الغلاف/الشاشة إلى تعليق ضمني على طبيعة الكتابة نفسها : الكتابة صارت ضوءاً، ورمزاً، وبرمجة، وحركة داخل فضاء إلكتروني.

2.2. العنونة : من دلالة التسمية إلى دلالة الوسيط

يأتي عنوان الرواية « شات » بوصفه علامة مكثفة على التحول الرقمي في التواصل والسرد معاً. فاللفظة مأخوذة من الاستعمال الشائع لكلمة Chat في سياق المحادثة الإلكترونية، وهي تشير إلى نمط من التفاعل اللحظي عبر الشبكة، حيث تتشكل العلاقات من خلال الشاشة، وتتعاقب الرسائل، ويتوارى الجسد خلف الاسم المستعار أو الكنية أو الصورة الافتراضية. لذلك لا يعمل العنوان بوصفه تسمية لحكاية فحسب، بل بوصفه مفتاحاً لنظام سردي كامل : الحكاية ستتشكل في فضاء المحادثة، والهوية ستتوزع بين الاسم والكنية، والوجود سيغدو قابلاً للتمثيل في نافذة إلكترونية.

إن عنوان « شات » يختلف عن العناوين التقليدية التي تحيل إلى شخصية أو مكان أو حدث؛ فهو يحيل إلى وسيط وإلى ممارسة تواصلية. وبذلك يختصر الرواية كلها : فموضوعها ليس الحب أو الصداقة أو الصدفة وحدها، بل هو التحول الذي يصيب هذه المعاني حين تمر عبر الدردشة الإلكترونية. ويكشف العنوان أن الرواية تنقل العلاقات الإنسانية إلى مجال جديد : مجال تختلط فيه الرغبة بالوهم، والحضور بالغياب، والصوت بالصمت، والحميمية بالمسافة.

الشكل 2 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — عتبة فرعية موسومة بنغمات الرسائل (سناجلة، د.ت.).

الشكل 2 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — عتبة فرعية موسومة بنغمات الرسائل (سناجلة، د.ت.).

وتظهر في بعض العتبات الفرعية عبارات من قبيل « نغمات SMS »، وهي عبارات تجعل الهاتف والرسالة والتنبيه جزءاً من بناء الرواية. فالرسالة ليست مجرد حدث حكائي، بل هي وحدة وسائطية لها صوتها وزمنها وإيقاعها. إن نغمة الرسالة في الرواية ليست إشارة تقنية فقط، بل لحظة انتظار ورغبة وقلق، لأنها تعلن وصول أثر من الآخر الغائب. وهنا تتداخل الميتانصية مع السيميائيات : النص يعي أن الرسالة الرقمية لا تقرأ بعين القارئ فقط، بل تستدعي الأذن والذاكرة السلوكية أيضاً؛ فالمتلقي المعاصر يعرف أن نغمة الرسالة تفتح في الجسد توقعاً قبل أن يفتح النص معنى.

وبذلك تصبح العنونة، الرئيسة والفرعية، جزءاً من ميتاسرد الكتابة الرقمية. فهي لا تدل على موضوع الرواية فحسب، بل تكشف أدواتها : الدردشة، الرسالة، التنبيه، الواجهة، اللون، والاتصال المتقطع. إن الرواية، عبر عنوانها، تقول للقارئ إن السرد هنا لن يتم وفق منطق الحكاية الورقية، بل وفق منطق الشاشة التي تستقبل وتبث وتؤجل وتخفي.

2.3. الوعي بالكتابة : الملل والصدفة ورغبة التجريب

من أبرز مظاهر الميتاسرد في « شات » تصريح النص بدوافع التجربة. فالكاتب يعلن أن « الملل والصدفة » قاداه إلى هذا الشكل من الكتابة، وهي عبارة لا ينبغي أن تقرأ بوصفها اعترافاً عابراً، بل بوصفها مفتاحاً نظرياً للرواية كلها. فالملل هنا ليس حالة نفسية فردية فقط، بل هو ملل من النماذج السردية المتكررة، ومن خطية الورق، ومن محدودية الصفحة، ومن الشخصيات التي تتحرك في فضاءات مألوفة. أما الصدفة فهي اسم آخر للقاء غير المتوقع بين الأدب والتقنية، بين الرغبة في التجديد والوسيط الذي يتيح هذا التجديد.

الشكل 3 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — المقطع الافتتاحي المتصل بدوافع التجربة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 3 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — المقطع الافتتاحي المتصل بدوافع التجربة (سناجلة، د.ت.)

يفتح هذا التصريح سؤالاً جوهرياً : هل جاءت الكتابة الرقمية نتيجة قرار جمالي واع، أم نتيجة مصادفة تقنية؟ تبدو الرواية كأنها تجمع بين الأمرين. فالصدفة قد تفتح الطريق، لكنها لا تكفي لصنع نص رقمي؛ إذ لا بد من وعي بالوسيط، وبما يتيحه من صوت وصورة وروابط وحركة. ولذلك لا يظهر الملل في الرواية بوصفه عجزاً، بل بوصفه قوة دافعة إلى البحث عن شكل آخر. إن الكاتب لا يكتفي بأن يحكي الملل، بل يحوله إلى سبب جمالي للخروج من الرواية الورقية نحو رواية لا تشبه الروايات.

وهذا الوعي لا يخص المؤلف وحده، بل يمتد إلى الشخصيات. فالشخصيات نفسها تدخل الفضاء الافتراضي بدافع الملل، والوحدة، والرغبة في الاتصال، والهروب من محدودية المكان. ومن ثم تتوازى تجربة الكاتب في البحث عن كتابة أخرى مع تجربة الشخصيات في البحث عن وجود آخر. فالكتابة الرقمية والهوية الرقمية تنبعان من منطقة واحدة : ضيق الواقع، وإغراء الشاشة، والرغبة في أن يكون الإنسان غير ما هو عليه، أو أن يتكلم من وراء قناع.

الشكل 4 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مشهد صحراوي يحيل إلى العزلة والامتداد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 4 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مشهد صحراوي يحيل إلى العزلة والامتداد (سناجلة، د.ت.)

ومن هنا تتضح علاقة العتبة بالفضاء. فالصحراء، بما تحمله من فراغ وامتداد وصمت، تقابل الشاشة بوصفها فضاءً للاتصال. والشخصية التي تعيش في مكان قاحل تجد في الشبكة إمكاناً للعبور إلى عوالم أخرى. لكن هذا العبور ليس بريئاً؛ فهو ينشئ ذاتاً ثانية، ويضاعف الهوية، ويجعل الإنسان ممزقاً بين حضوره الواقعي وتمثيله الافتراضي. بهذا المعنى لا تمثل التقنية خلاصاً بسيطاً، بل تفتح فضاءً جديداً للالتباس والقلق والرغبة.

تصرح الرواية أيضاً بحلم كتابة « رواية لا ككل الروايات »، وهي عبارة ميتاسردية بامتياز لأنها تجعل المشروع الجمالي موضوعاً داخل النص. فالكاتب لا يخفي رغبته في التجريب، بل يعرضها للقارئ ويجعله شريكاً في اختبارها. وهذا الإعلان لا يقتصر على اللغة، بل تؤكده الألوان والحركة والروابط والصور. فالرواية لا تقول إنها مختلفة، بل تسعى إلى جعل الاختلاف تجربة حسية يعيشها القارئ أثناء التصفح.

الشكل 5 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مقطع يعلن الحلم بكتابة رواية مختلفة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 5 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مقطع يعلن الحلم بكتابة رواية مختلفة (سناجلة، د.ت.)

إن الوعي بالكتابة في « شات » يتجسد إذن في مستويات متعددة : مستوى التصريح بدوافع التجريب، مستوى اختيار الوسيط، مستوى إدخال القارئ في عملية الاختبار، ومستوى بناء حكاية تجعل من العلاقات الافتراضية موضوعاً لها. وبذلك تتداخل الحكاية مع نظرية ضمنية في الكتابة الرقمية : فالرواية تعرض ما تفعله وهي تفعله، وتشرح تحولها وهي تمارسه.

3. ميتاسرد الفضاء والزمن : من المكان الجغرافي إلى « اللا مكان »

من أهم التحولات التي تفرضها الكتابة الرقمية على الرواية تحول مفهوم الفضاء. ففي الرواية الورقية، يكون المكان غالباً مجالاً جغرافياً أو اجتماعياً أو نفسياً، بينما تضيف الرواية الرقمية مكاناً آخر هو الواجهة : شاشة الحاسوب، نافذة المحادثة، الرابط، المقهى الإلكتروني، الموقع، الهاتف. ويستثمر محمد سناجلة هذا التحول بوضوح حين يصف الفضاء الافتراضي بوصفه « لا مكاناً »، والزمان بوصفه « لا زماناً ». هذا التعبير ليس مجازاً عابراً، بل هو إعلان عن تغير أنطولوجي في موقع السرد : الشخصيات لا تلتقي في مكان تقليدي، بل في فضاء وسيط يلغي المسافة الجغرافية ويخلق في الوقت نفسه مسافة وجودية جديدة.

« هنا في هذا اللامكان عشت كل الأمكنة، ومن هذا اللازمان عشت كل الأزمنة؛ أنا الوحيد الضائع المشتت في سراب الملكوت، عشت في برهة من الثابت لتعبرني كل التحولات، فكنت أنا وكنت هو، وما بين الأنا والهو ضعت ووجدت ثم تحولت من كائن إلى كائن ومن اسم إلى كنية. » (سناجلة، د.ت.)

الشكل 6 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — إشارة نصية إلى اللامكان واللازمان (سناجلة، د.ت.)

الشكل 6 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — إشارة نصية إلى اللامكان واللازمان (سناجلة، د.ت.)

تكثف هذه العبارة جوهر التجربة الرقمية : الذات لا تعبر من مكان إلى آخر فحسب، بل تعبر من هوية إلى أخرى. فالانتقال من « اسم » إلى « كنية » يحيل إلى بنية الهوية الافتراضية، حيث لا يظهر الإنسان بصفته الاجتماعية الكاملة، بل بعلامة مختارة أو مخترعة. والكنية هنا ليست تسمية بريئة؛ إنها قناع، وإمكان، ومسافة بين الذات وصورتها. ولذلك يصبح الفضاء الرقمي مجالاً للحرية والالتباس معاً : يسمح للذات أن تتكلم من موضع جديد، لكنه يهددها بالتشظي بين الأنا والهو.

ويتضح ميتاسرد الفضاء أيضاً في اختيار مقهى الإنترنت بوصفه جسراً بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي. فالمقهى ليس مكاناً عادياً، بل هو عتبة انتقالية : فيه يجلس الجسد الواقعي، ومنه تعبر الشخصية إلى فضاء الدردشة. إنه مكان يضاعف المكان، لأن الشخصية تكون في الصحراء وفي الشبكة في الآن نفسه. وهذا التداخل يغير مفهوم الحضور؛ فالحضور لم يعد مشروطاً بالجسد، بل صار ممكناً عبر الكتابة، والرمز، والصورة، والنافذة.

الشكل 7 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — صورة/واجهة تبرز انتقال السرد بين الواقعي والافتراضي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 7 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — صورة/واجهة تبرز انتقال السرد بين الواقعي والافتراضي (سناجلة، د.ت.)

وتستثمر الرواية الصورة المتحركة لتجسيد الزمن المتسارع. فالمشهد الذي يعرض الكثبان الرملية ويختصر مرور الليل إلى شروق الشمس في ثوان قليلة يحول الزمن الطبيعي إلى زمن مونتاجي. وهذه التقنية، المستعارة من السينما، تجعل الرواية الرقمية نصاً عابراً للأجناس والوسائط : فهي تروي بالكلمة، لكنها تلخص الزمن بالصورة، وتمنح القارئ إحساساً بصرياً بالتعاقب الزمني. ومن ثم يصبح الزمن ليس ما تقوله الجملة فقط، بل ما تفعله اللقطة.

الشكل 8 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — لقطة صحراوية ذات وظيفة زمنية وبصرية (سناجلة، د.ت.)

الشكل 8 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — لقطة صحراوية ذات وظيفة زمنية وبصرية (سناجلة، د.ت.)

كما أن للصوت دوراً أساسياً في بناء الفضاء. فصوت الرياح، وصوت الصرصور، والهدوء الليلي، كلها لا تعمل بوصفها خلفية طبيعية فحسب، بل بوصفها علامات على الوحدة والانتظار والهشاشة. إن الرواية لا تصف الصحراء لغوياً فقط، بل تجعل القارئ يسمعها. وهنا ينتقل الوصف من البلاغة اللسانية إلى البلاغة السمعية. فالصوت يحقق جزءاً من الواقعية، لكنه يفتح أيضاً مستوى رمزياً : الريح علامة القلق والعبور، والصرصور علامة الليل والسمر والتحذير، والصحراء علامة الامتداد والفراغ.

وتظهر صور العمران الصحراوي بوصفها مقابلاً بصرياً للفضاء الافتراضي. فالقرية أو التجمع العمراني الصغير المحاط بالكثبان يشير إلى محدودية المكان الواقعي، في حين يفتح الإنترنت امتداداً لا مرئياً لا تحكمه الحدود نفسها. غير أن الرواية لا تضع الواقعي والافتراضي في تعارض بسيط؛ فالافتراضي ينشأ من حاجة واقعية، والواقعي يعاد تشكيله من خلال التجربة الافتراضية. فالشخصية لا تغادر الصحراء فعلياً، لكنها تتجاوزها رمزياً عبر شاشة المحادثة.

الشكل 9 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — الفضاء الصحراوي بوصفه مقابلاً للمكان الرقمي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 9 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — الفضاء الصحراوي بوصفه مقابلاً للمكان الرقمي (سناجلة، د.ت.)

من هنا يصبح الفضاء في « شات » ميتاسردياً لأنه يكشف شروط الكتابة الرقمية. فالنص يبين أن المكان لم يعد موقعاً جغرافياً فقط، بل صار علاقة بين جهاز وجسد وشبكة ورغبة. والرواية لا تعرض هذا التحول من الخارج، بل تجعله جزءاً من بنيتها : القراءة نفسها تتم داخل فضاء مشابه لفضاء الشخصيات، إذ يجلس القارئ أمام شاشة ويفتح الروابط كما تفعل الشخصيات داخل الحكاية.

4. ميتاسرد القراءة والتلقي : القارئ بين التوجيه والاختيار

إذا كانت الرواية الورقية تبني قارئها الضمني عبر اللغة وترتيب الفصول، فإن الرواية الرقمية تبنيه أيضاً عبر الواجهة والأيقونات والإشارات البصرية والصوتية. ففي « شات » لا يكتفي النص بأن يخاطب القارئ أو يترك له فراغات تأويلية، بل يضع أمامه علامات قابلة للتشغيل. وبذلك يصبح التلقي فعلاً مزدوجاً : قراءة وتأويل من جهة، وتصفح وتشغيل من جهة ثانية. وهذا هو الموضع الذي تتجلى فيه بوضوح بلاغة التفاعل؛ فالقارئ يظن أنه يختار بحرية، لكنه يتحرك داخل شبكة من المحفزات التي صممها النص.

الميتاسرد هنا يقوم على كسر الوهم السردي وإشعار القارئ بأنه حاضر داخل لعبة النص. فالنص يطرح أسئلة وجودية، ويستدعي القارئ كي يبحث عن جواب، ثم يربط هذه الأسئلة بتجربة الكتابة الرقمية نفسها : كيف وجدت الحياة؟ أي صدفة أوجدتنا؟ لماذا وكيف؟ هذه الأسئلة لا تخص الشخصيات وحدها، بل تخص القارئ أيضاً، لأنها تجعله يعي أنه مشارك في بناء المعنى داخل عالم لا يقدم يقيناً نهائياً.

« في الميتارواية يطلب الكاتب من القارئ أن يكون واعياً بدوره كمشارك في تحديد معنى النص، لا بوصفه مكتشفاً لمعنى جاهز فحسب، بل بوصفه فاعلاً في تقرير المعنى. » (انظر : مارشال، 2010، ص. 196)

الشكل 10 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — أسئلة وجودية توجه التلقي وتكسر شفافية السرد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 10 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — أسئلة وجودية توجه التلقي وتكسر شفافية السرد (سناجلة، د.ت.)

تؤدي الأسئلة الوجودية في الرواية وظيفة مزدوجة. فمن جهة، تعمق البعد الفلسفي للتجربة، لأن الشخصيات لا تبحث عن تواصل عاطفي فقط، بل عن معنى لوجودها في عالم متشظٍ. ومن جهة أخرى، تؤدي وظيفة ميتاسردية لأنها تضع القارئ أمام فعل السؤال نفسه، وتجعله يتجاوز التلقي السلبي. فالرواية لا تقدم عالماً مغلقاً، بل تفتح احتمالات، وتجعل القارئ في حالة انتظار وترقب، كما لو أن القراءة نفسها شكل من أشكال الدردشة مع النص.

1.4. الصوت والصورة : من الوصف اللغوي إلى التجربة الحسية

تستخدم « شات » الصوت والصورة لا بوصفهما إضافتين تزيينيتين، بل بوصفهما مكونين من مكونات السرد. فالموسيقى الافتتاحية، وأصوات الريح، ونغمات الهاتف، وأصوات الرسائل، كلها تشارك في تشكيل الإيهام وفي توجيه الانفعال. وتكمن أهمية هذه العناصر في أنها تنقل الرواية من مجال التخيل اللغوي الخالص إلى مجال التجربة الحسية المتعددة. فالقارئ لا يكتفي بأن يتخيل المكان، بل يتلقى مؤشرات صوتية وبصرية تحدد جزءاً من هذا التخيل وتوجهه.

وهنا يبرز سؤال نقدي مهم : هل تزيد الوسائط المتعددة من تفاعلية القارئ أم تحد منها؟ فمن جهة، تمنح الصورة والصوت القارئ إحساساً أقوى بالحضور، وتجعله يعيش التجربة السردية بسمعه وبصره. ومن جهة أخرى، يمكن لهذه العناصر أن تقلل من حرية التخيل، لأنها تقدم المكان والصوت جاهزين بدلاً من تركهما للذهن. غير أن قيمة « شات » تكمن في هذا التوتر نفسه؛ فهي لا تلغي التخيل، بل تعيد توزيعه بين النص والجهاز والقارئ. فالقارئ يتلقى صورة أو صوتاً، لكنه لا يزال مطالباً بتأويلهما وربطهما بالحكاية وبالفضاء النفسي للشخصيات.

إن الصوت في الرواية الرقمية ليس مجرد خلفية، بل علامة زمنية. فنغمة الهاتف مثلاً تعلن وصول رسالة، لكنها تعلن أيضاً تحولاً في مسار الحكاية. إنها نقطة انعطاف صغيرة تستدعي فعل القارئ : عليه أن ينتبه، وأن يفتح، وأن يقرأ. وبذلك يصبح الصوت جزءاً من بنية الرابط، لا مجرد أثر جمالي. وهذا ما يجعل الرواية الرقمية أقرب إلى تجربة مسرحية أو سينمائية تفاعلية، حيث تتشارك العلامات في إنتاج الإيقاع.

2.4. إشراك المتلقي في العملية التخييلية

تعمل الرواية على إشراك المتلقي من خلال آليات متعددة : الخطاب المباشر، الأسئلة، الروابط، التنبيهات، الألوان، وحركة الأيقونات. لكن هذا الإشراك ليس مجرد دعوة نظرية إلى المشاركة؛ إنه فعل مادي داخل النص. فالقارئ لا يستطيع متابعة بعض الوحدات إلا إذا ضغط على رابط أو استجاب لأيقونة. وبهذا يتجسد مفهوم القارئ المنتج الذي لا يكتفي بتلقي المعنى، بل يساهم في ترتيب ظهوره.

ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن القارئ لا ينتج النص من العدم. إن المؤلف يحدد الإمكانات، والقارئ يختار بينها. وهذا ما يجعل التفاعل في « شات » تفاعلاً موجهاً. فاللون الأزرق مثلاً، أو الحركة، أو الصوت، كلها إشارات تدفع القارئ إلى موضع معين. والفضول الذي يتحرك داخل الحكاية يتحرك أيضاً عند القارئ : كما تدفع رسالة غريبة الشخصية إلى معرفة صاحبها، تدفع أيقونة الرسالة القارئ إلى فتحها. وهنا يتطابق سلوك الشخصية وسلوك المتلقي، فتغدو القراءة تمثيلاً مصغراً للحكاية نفسها.

وتبرز براعة الرواية في أنها تجعل التفاعل موضوعاً وممارسة. فالحكاية تتحدث عن تواصل إلكتروني، والقارئ يتواصل مع النص إلكترونياً؛ الشخصيات تفتح رسائل، والقارئ يفتح روابط؛ الشخصيات تنتحل أسماء وكنى، والقارئ يكتشف طبقات الهوية عبر النقر. وبذلك لا يظل موضوع الرقمية خارج الشكل، بل يصبح الشكل نفسه محاكاة نقدية لموضوعه.

3.4. التشعبات الشعرية : انفتاح الرواية على الأجناس

من مميزات الرواية الرقمية في « شات » توظيف التشعبات التي تفتح نصوصاً فرعية، منها نصوص ذات طابع شعري أو خواطري. وهذا الانفتاح لا يمكن اختزاله في التنويع الأسلوبي؛ فهو يحقق مبدأ أساسياً من مبادئ الكتابة الرقمية، أي قابلية النص لأن يتكون من طبقات متعددة لا تظهر كلها في السطح الأول. فالرابط يخفي خلفه نصاً آخر، والقراءة لا تكشفه إلا بفعل من القارئ. وبهذا يصبح التشعب وسيلة لإنتاج العمق لا مجرد انتقال أفقي.

الشكل 11 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — نص متشعب يحيل إلى مقطع شعري (سناجلة، د.ت.).

Image 1000020100000280000001C3CC4DA8633B1E1B6B.png

تظهر كلمة « هارب » بلون مختلف، فتؤدي وظيفة أيقونية. إنها لا تقول للقارئ إن وراءها نصاً فقط، بل تستثير عينه وفضوله. واللون الأزرق هنا، بما يحمله من صفاء وهدوء واتساع، يتناسب مع الانتقال إلى اللغة الشعرية التي تبدو كأنها منطقة داخلية في النص. فالرواية لا تتخلى عن أدبيتها بسبب التقنية، بل تستعمل التقنية لتوسيع الأدبية. وهذا أمر مهم في الدفاع عن الأدب الرقمي ضد التصور الذي يرى أن الصورة والصوت والبرمجة قد تضعف اللغة؛ فـ« شات » تبين أن التقنية يمكن أن تكون طريقاً إلى انفتاح اللغة لا بديلاً عنها.

وتؤدي التشعبات الشعرية وظيفة ميتاسردية أيضاً لأنها تكشف أن الرواية واعية بانفتاحها الجنسي. فهي ليست سرداً نثرياً خالصاً، بل نص يجاور الشعر، والصورة، والصوت، والمحادثة، والرسالة. وهذا الانفتاح ينسجم مع روح الرواية الحديثة وما بعد الحديثة التي كسرت الحدود الصارمة بين الأجناس، لكنه في النص الرقمي يكتسب بنية تقنية : لا يتجاور الشعر مع السرد في الصفحة فقط، بل يظهر عبر رابط، أي عبر فعل تشغيلي.

4.4. رسالة SMS : بلاغة التنبيه والفضول

تشكل رسائل الهاتف النقال إحدى الركائز الدلالية في الرواية. فالرسالة الرقمية، بخلاف الرسالة الورقية، لا تحتاج إلى زمن طويل للوصول؛ إنها تصل فجأة، مصحوبة بنغمة، وتظهر على شاشة صغيرة، وتفرض على المتلقي فعل الاستجابة. وهذا ما تستثمره الرواية بذكاء، إذ تجعل رسالة غريبة تصل إلى الشخصية، فتوقظ فضولها، وتفتح مساراً حكائياً جديداً. وفي المستوى نفسه، تجعل القارئ يسمع النغمة أو يرى الهاتف، فيتحرك فضوله كما تحرك فضول الشخصية.

الشكل 12 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — تشعب رسالة SMS بوصفه محفزاً سردياً (سناجلة، د.ت.)

الشكل 12 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — تشعب رسالة SMS بوصفه محفزاً سردياً (سناجلة، د.ت.)

تعتذر الفتاة في الرسالة من حبيبها وتطلب منه الرد على اتصالها، لكن الرسالة تصل إلى شخص آخر أو تفتح باباً للالتباس. هنا تشتغل الرواية على خاصية مركزية في الاتصال الرقمي : سهولة الوصول لا تلغي إمكان الخطأ، وسرعة التواصل لا تضمن وضوح الهوية. فالرسالة الرقمية قد تصل، لكنها لا تضمن أن تصل إلى المعنى الصحيح. ومن هذه الفجوة بين الوصول والفهم تنشأ الحكاية. إن النص لا يصف تقنية SMS فقط، بل يستخرج منها إمكاناً سردياً : الخطأ، الفضول، الانتحال، التوقع، والانتظار.

كما أن رسالة SMS تمثل مرحلة وسيطة بين الاتصال الهاتفي والمحادثة عبر الشات. فهي تنقل العلاقة من صوت مباشر غائب إلى كتابة قصيرة، ثم تفتح الطريق إلى فضاء المحادثة الواسع. وبهذا ترسم الرواية تدرجاً في وسائط التواصل : الهاتف، الرسالة، الإنترنت، الماسنجر، وكل وسيط يضيف درجة جديدة من الحضور والغياب. فكلما زادت إمكانات الاتصال، زادت أيضاً إمكانات الالتباس.

5.4. الشات ورسائل الماسنجر : الفضاء المركزي للحكاية

يمثل فضاء الشات مركز الثقل في الرواية، لأنه المكان الذي تتقاطع فيه الحكاية مع عنوانها ومع وسيطها. فالشات ليس موضوعاً خارجياً، بل هو بنية سردية : الحوارات تظهر في نوافذ، والأسماء تعرض في واجهات، والألوان تميز المتكلمين، والرسائل تتعاقب وفق إيقاع الكتابة اللحظية. وبهذا يصبح السرد نفسه قريباً من المحادثة، لا من الوصف التقليدي. إن الرواية لا تحكي عن الشات فقط، بل تجعل القارئ يرى الشات بوصفه شكلاً سردياً.

الشكل 13 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — نافذة المحادثة بوصفها فضاءً سردياً (سناجلة، د.ت.)

الشكل 13 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — نافذة المحادثة بوصفها فضاءً سردياً (سناجلة، د.ت.)

للألوان في نافذة المحادثة وظيفة دلالية واضحة. فكلام نزار يظهر بلون، وكلام منال بلون آخر، وبذلك تصبح الهوية اللونية جزءاً من بناء الشخصية. اللون لا يزين الحوار، بل ينظم التلفظ ويميز الأصوات. ويمكن قراءة اللون الوردي المرتبط بمنال بوصفه إحالة إلى الأنوثة والرقة والانفعال، في حين يحيل اللون الأسود في كلام نزار إلى الغموض والاتزان وربما الحجب، خصوصاً أن شخصية نزار نفسها قد تتعرض للانتحال أو الالتباس. وهكذا تتحول الواجهة إلى نظام علامات : الاسم، اللون، النافذة، ترتيب الرسائل، كلها تشارك في بناء المعنى.

ويكشف الشات عن أزمة الهوية في العالم الرقمي. فالاسم لا يضمن صاحبه، والصورة لا تثبت الجسد، والكلام يمكن أن يصدر عن ذات مغايرة للذات المعلنة. لذلك تتحول الرواية إلى تأمل في هشاشة التواصل الافتراضي : فهو يقرب المسافات، لكنه يضاعف الأقنعة؛ يمنح فرصة للبوح، لكنه يفتح إمكان الخداع؛ يخلق حميمية سريعة، لكنه يضعها على أساس هش. ومن هذه المفارقة تنشأ جمالية الرواية : التكنولوجيا ليست مجرد أداة تواصل، بل فضاء لإعادة بناء الذات والآخر.

ومن الناحية الميتاسردية، يقدم الشات صورة مصغرة للقراءة الرقمية نفسها. فكما تتبادل الشخصيات الرسائل داخل نافذة، يتبادل القارئ والنص إشارات داخل واجهة. وكما تنتظر الشخصية الرد، ينتظر القارئ ظهور الوحدة التالية. وكما يختار المتكلم ما يقوله وما يخفيه، يختار النص ما يظهر على السطح وما يتركه خلف الرابط. ولذلك يمكن اعتبار نافذة الشات استعارة كبرى للكتابة الرقمية : كتابة قائمة على التبادل، والتقطع، والانتظار، والظهور الجزئي.

5. نتائج التحليل ومناقشة القيمة العلمية للرواية

يظهر من التحليل السابق أن رواية « شات » تقوم على وعي مركب بالكتابة الرقمية. فهذا الوعي لا يظهر فقط في استعمال الوسيط الإلكتروني، بل في تحويل الوسيط إلى موضوع وإلى بنية. فالخلفية الرقمية، والعنوان، والروابط، والأصوات، والصور، ورسائل الهاتف، ونوافذ المحادثة، كلها عناصر تشتغل داخل منظومة دلالية واحدة. ومن ثم فإن الرواية لا تُقرأ باعتبارها حكاية انتقلت إلى الإنترنت، بل باعتبارها نصاً تشكل من خلال الإنترنت، ووعى شروط هذا التشكل.

أول نتيجة أساسية هي أن الأدب الرقمي في « شات » لا يساوي النص الإلكتروني البسيط. فالرواية لا يمكن أن تستعاد كاملة على الورق من غير أن تفقد جزءاً من معناها؛ لأن بعض دلالاتها قائم على النقر، واللون، والحركة، والصوت، والظهور المرحلي. وهذا يعني أن الوسيط ليس حاملاً خارجياً، بل مكون داخلي من مكونات الشعرية. إن حذف الوسيط يغير النص، لا طريقة عرضه فقط.

النتيجة الثانية أن الرواية تعيد تعريف القارئ. فهو ليس قارئاً سلبياً، ولا قارئاً حراً حرية مطلقة، بل قارئ موجه داخل شبكة من الاختيارات. إن النص يمنحه إمكانات متعددة، لكنه يبرمج مواضع الفضول والاستجابة. وهكذا تنشأ قراءة تفاوضية بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة البرنامج. وهذه العلاقة الثلاثية هي إحدى أهم خصائص السرد الرقمي، لأنها تجعل المعنى نتاجاً لعمل مشترك بين تصميم النص واستعمال المتلقي.

النتيجة الثالثة أن الفضاء في الرواية يتحول من مكان جغرافي إلى فضاء شبكي. فالصحراء والمقهى والقرية ليست أماكن منفصلة عن الشاشة، بل تتحول من خلالها. وتكشف الرواية أن الاتصال الرقمي لا يلغي المكان، بل يعيد ترتيبه : الجسد يبقى في موضعه، لكن الرغبة واللغة والهوية تعبر إلى فضاءات أخرى. ومن هنا تتولد مفارقة « اللا مكان » : إنه ليس غياب المكان، بل تعدد الأمكنة داخل وسيط واحد.

النتيجة الرابعة أن « شات » تقدم تصوراً نقدياً للهوية الرقمية. فالهوية لا تظهر بوصفها معطى ثابتاً، بل بوصفها بناء قابلاً للتبديل والانتحال والتشظي. الانتقال من الاسم إلى الكنية، ومن الجسد إلى النافذة، ومن الصوت إلى الكتابة، يجعل الذات عرضة للتعدد. وهذا البعد يمنح الرواية قيمة تتجاوز وصف التقنية، لأنها تربط التقنية بسؤال الإنسان المعاصر : كيف يحضر حين يغيب؟ وكيف يصدق حين يتكلم من وراء شاشة؟ وكيف يحب أو يتخيل أو يخدع حين تصبح العلاقة قائمة على رسائل وأيقونات؟

النتيجة الخامسة أن الميتاسرد في الرواية ليس مجرد تقنية ما بعد حداثية منقولة إلى وسيط جديد، بل هو ميتاسرد رقمي. فالوعي بالكتابة هنا لا يعني التفكير في الرواية بوصفها جنساً أدبياً فقط، بل يعني التفكير في الرواية حين تصبح برنامجاً وواجهة وصوتاً وصورة. ومن ثم فإن « شات » توسع مفهوم الميتاسرد العربي، لأنها تضيف إليه بعداً وسائطياً يتجاوز حديث الراوي عن الكتابة إلى كشف شروط الشاشة والقراءة التفاعلية.

ومع ذلك، ينبغي أن تسجل الدراسة حدود التجربة. فبعض التوظيفات البصرية قد تبدو مباشرة أو تفسيرية، وبعض الرموز اللونية تحتاج إلى حذر في التأويل حتى لا تنزلق القراءة إلى إسقاطات عامة. كما أن البنية الرقمية نفسها، بحكم قدم التجربة ومحدودية تقنيات المرحلة التي أنجزت فيها، قد لا توازي ما بلغته الكتابات الرقمية اللاحقة من تعقيد برمجي. غير أن هذه الحدود لا تنقص من القيمة الريادية للرواية، بل تساعد على فهمها في سياقها التاريخي بوصفها محاولة تأسيسية في الأدب الرقمي العربي.

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن رواية « شات » لمحمد سناجلة تمثل نصاً مركزياً في دراسة الوعي بالكتابة الرقمية في السرد العربي، لأنها تجعل التقنية جزءاً من الحكاية ومن طريقة عرضها ومن شروط تلقيها. فالأدب الرقمي، كما تكشفه الرواية، ليس مجرد أدب منشور على شاشة، بل هو أدب تتشكل نصيته عبر الوسيط الرقمي، وتتحقق قراءته من خلال تفاعل القارئ مع الروابط والأصوات والصور والأيقونات. ومن هنا يتضح الفرق بين الأدب الرقمي والأدب التفاعلي : الأول مشروط بالوسيط الإلكتروني، والثاني مرتبط بدرجة مشاركة القارئ في إنتاج المعنى، وقد تجتمع الصفتان كما في « شات ».

كما بينت الدراسة أن الميتانصية أو الميتاسرد في الرواية يتجسد في عتباتها الرقمية، وفي عنوانها، وفي إعلانها عن دوافع التجريب، وفي تمثيلها للفضاء الافتراضي بوصفه لا مكاناً ولا زماناً، وفي استثمارها للصوت والصورة والتشعبات لإشراك القارئ في بناء التجربة. فالرواية لا تقدم وعياً نظرياً مباشراً بالكتابة الرقمية فحسب، بل تمارس هذا الوعي داخل بنيتها، وتجعل القارئ يختبره أثناء القراءة. وهذا ما يمنحها قيمتها العلمية والجمالية : إنها نص يفكر في نفسه بوصفه نصاً رقمياً.

وقد أظهر التحليل أن الوسائط المتعددة لا تلغي الأدبية، بل تعيد تنظيمها حين توظف توظيفاً دالاً. فاللون، والصورة، والصوت، والرسالة، ونافذة الشات، كلها عناصر تشارك في بناء المعنى، وتفتح المجال أمام بلاغة جديدة يمكن تسميتها ببلاغة الواجهة أو بلاغة التفاعل. وفي هذه البلاغة لا تكون اللغة وحدها مركز النص، وإن ظلت أساسه، بل تتكامل مع علامات أخرى تجعل القراءة حدثاً حسياً وتأويلياً في الوقت نفسه.

إن أهمية « شات » لا تقف عند ريادتها التقنية، بل تمتد إلى قدرتها على طرح أسئلة إنسانية وجمالية حول الهوية، والاتصال، والغياب، والتمثيل، والقراءة. فهي تكشف أن العالم الرقمي لا يختصر المسافات فقط، بل يعيد تشكيل الذات والآخر والزمن والمكان. ومن ثم فإن قراءة الرواية في ضوء الميتاسرد الرقمي تتيح فهماً أعمق للتحول الذي عرفته الرواية العربية حين واجهت الشاشة لا بوصفها وسيلة نشر، بل بوصفها أفقاً جديداً للتخييل.

وعليه، يمكن القول إن « شات » نص قابل لأن يشكل مرجعاً في دراسة الأدب الرقمي العربي، شريطة أن يقرأ ضمن سياقه التاريخي والجمالي، وأن تدرس عناصره البصرية والسمعية والبرمجية بوصفها مكونات دلالية لا ملحقات شكلية. كما تفتح الرواية إمكانات بحثية لاحقة تتعلق بمقارنة تجارب محمد سناجلة الرقمية، وتحليل تلقيها، ودراسة علاقتها بتطور واجهات القراءة، وبالتحولات الجديدة في السرد الشبكي والذكاء الاصطناعي والكتابة التشاركية.

المصادر والمراجع

البريكي، فاطمة. (2006). مدخل إلى الأدب التفاعلي. الدار البيضاء : المركز الثقافي العربي.

بوبكر النية، ومشري بن خليفة. (2019). الميتاقص في الرواية الجزائرية المعاصرة : رواية الحلم لسمير قسيمي نموذجاً. مجلة الخطاب، 14.

حمداوي، جميل. (2018). الميتاسرد في القصة القصيرة بالمغرب. الألوكة. www.alukah.net

حمد، محمد. (2011). الميتاقص في الرواية العربية : مرايا السرد النرجسي. حيفا : مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها.

حمريط، ريمة. (2020). سيميائية اللغة والصورة في النص التفاعلي العربي : روايات محمد سناجلة أنموذجاً [أطروحة دكتوراه]. جامعة باتنة.

زرفاوي، عمر. (2013). الكتابة الزرقاء : مدخل إلى الأدب الرقمي. مجلة الرافد، دائرة الثقافة والإعلام.

سناجلة، محمد. (د.ت.). شات. موقع ظلال محمد سناجلة. https://sanajleh-shades.com

قريرة، حمزة. (2020). الرواية التفاعلية الرقمية العربية : الآليات والبناء وحدود التلقي، قراءة في رواية شات لمحمد سناجلة. مجلة العلامة، 5.

كرام، زهور. (2009). الأدب الرقمي : أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية. القاهرة : رؤية للنشر والتوزيع.

مارشال، برندا. (2010). تعليم ما بعد الحداثة : المتخيل، النظرية (ترجمة السيد إمام). القاهرة : المركز القومي للترجمة.

يقطين، سعيد. (2005). من النص إلى النص المترابط. الدار البيضاء : المركز الثقافي العربي.

Genette, G. (1982). Palimpsestes : La littérature au second degré. Paris : Éditions du Seuil.

الشكل 1 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — واجهة الرواية وخلفيتها الرقمية (سناجلة، د.ت.).

الشكل 1 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — واجهة الرواية وخلفيتها الرقمية (سناجلة، د.ت.).

الشكل 2 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — عتبة فرعية موسومة بنغمات الرسائل (سناجلة، د.ت.).

الشكل 2 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — عتبة فرعية موسومة بنغمات الرسائل (سناجلة، د.ت.).

الشكل 3 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — المقطع الافتتاحي المتصل بدوافع التجربة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 3 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — المقطع الافتتاحي المتصل بدوافع التجربة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 4 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مشهد صحراوي يحيل إلى العزلة والامتداد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 4 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مشهد صحراوي يحيل إلى العزلة والامتداد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 5 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مقطع يعلن الحلم بكتابة رواية مختلفة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 5 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — مقطع يعلن الحلم بكتابة رواية مختلفة (سناجلة، د.ت.)

الشكل 6 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — إشارة نصية إلى اللامكان واللازمان (سناجلة، د.ت.)

الشكل 6 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — إشارة نصية إلى اللامكان واللازمان (سناجلة، د.ت.)

الشكل 7 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — صورة/واجهة تبرز انتقال السرد بين الواقعي والافتراضي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 7 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — صورة/واجهة تبرز انتقال السرد بين الواقعي والافتراضي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 8 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — لقطة صحراوية ذات وظيفة زمنية وبصرية (سناجلة، د.ت.)

الشكل 8 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — لقطة صحراوية ذات وظيفة زمنية وبصرية (سناجلة، د.ت.)

الشكل 9 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — الفضاء الصحراوي بوصفه مقابلاً للمكان الرقمي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 9 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — الفضاء الصحراوي بوصفه مقابلاً للمكان الرقمي (سناجلة، د.ت.)

الشكل 10 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — أسئلة وجودية توجه التلقي وتكسر شفافية السرد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 10 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — أسئلة وجودية توجه التلقي وتكسر شفافية السرد (سناجلة، د.ت.)

الشكل 12 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — تشعب رسالة SMS بوصفه محفزاً سردياً (سناجلة، د.ت.)

الشكل 12 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — تشعب رسالة SMS بوصفه محفزاً سردياً (سناجلة، د.ت.)

الشكل 13 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — نافذة المحادثة بوصفها فضاءً سردياً (سناجلة، د.ت.)

الشكل 13 : لقطة من رواية « شات » لمحمد سناجلة — نافذة المحادثة بوصفها فضاءً سردياً (سناجلة، د.ت.)

حنان مرازقة Hanane Merazga

جامعة الحاج لخضرباتنة 1Université Hadj Lakhdar - Batna
 ممرات 19 ماي. طريق بسكرة 0500
Route de Biskra 0500, Algérie
hanane.merazga@univ-batna.dz
https://orcid.org/0009-0004-4714-7242

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.