استراتيجيات صناعة المحتوى الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي: تحوّل المعايير وسلطة الخوارزميات

Media Content Strategies in the Age of Artificial Intelligence: Shifting Standards and Algorithmic Power

Stratégies de production du contenu médiatique à l’ère de l’intelligence artificielle : recomposition des normes et pouvoir algorithmique

عريبي حنانHannane Oaribi

عريبي حنانHannane Oaribi, « استراتيجيات صناعة المحتوى الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي: تحوّل المعايير وسلطة الخوارزميات », Aleph [], 27 May 2026, 30 May 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16892

تتناول هذه الدراسة استراتيجيات صناعة المحتوى الإعلامي في ظل التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، في بنية الإنتاج الإعلامي، وفي معايير الجودة، وفي أنماط التوزيع، وفي طرائق تلقي الجمهور للمضامين الرقمية. وتنبع أهمية الموضوع من كون المحتوى لم يعد نتاجاً حصرياً لمؤسسات إعلامية أو مهارات فردية معزولة، بل أصبح ثمرة علاقة مركّبة تجمع بين الإنسان، والآلة، والمنصة، والخوارزمية، وسوق الانتباه. وتنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: ما الاستراتيجيات التي تحكم صناعة المحتوى الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيف تغيّر الخوارزميات معايير الإنتاج والتداول والتأثير؟ وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة نقدية للأدبيات المتصلة بصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، وخوارزميات المنصات، واقتصاد الانتباه، وأخلاقيات الإعلام الرقمي. وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان، بل يعيد توزيعه: فالإنسان ينتقل من موقع المنتج الوحيد إلى موقع المخطط والموجّه والمراجع والضامن الأخلاقي، بينما تتكفل النماذج الذكية بالتوليد، والتلخيص، والترجمة، والتحويل المتعدد الوسائط، وتحليل سلوك الجمهور. غير أن هذه المكاسب تظل مشروطة بوجود حوكمة تحريرية واضحة، وتمييز صريح بين المحتوى الأصيل والمحتوى الاصطناعي، وتدريب صناع المحتوى على هندسة الأوامر، والتحقق، وحماية البيانات، واحترام حقوق الملكية الفكرية. كما تؤكد الدراسة أن سطوة الخوارزميات لا تتمثل فقط في ترتيب المحتويات، بل في إعادة بناء الذائقة العامة، وتوجيه المرئية، وتحديد ما يستحق الانتباه وما يبقى هامشياً.

Cette étude analyse les stratégies de production du contenu médiatique à l’ère de l’intelligence artificielle, en particulier de l’intelligence artificielle générative, en examinant ses effets sur les normes de production, la qualité éditoriale, la circulation algorithmique des contenus et les pratiques de réception. Elle part de l’hypothèse que le contenu médiatique contemporain n’est plus uniquement produit par des institutions ou par des compétences humaines isolées : il résulte désormais d’une interaction complexe entre l’humain, la machine, la plateforme, l’algorithme et l’économie de l’attention. En s’appuyant sur une démarche descriptive et analytique, l’article interroge les stratégies hybrides humain-machine, la personnalisation algorithmique, l’automatisation éditoriale, la production multimodale, ainsi que les risques liés à la désinformation, aux chambres d’écho, à l’opacité technique et à la dépendance aux plateformes. L’étude montre que l’IA ne supprime pas le rôle humain, mais le déplace vers des fonctions de conception, de validation, de vérification et de responsabilité éditoriale. Elle conclut à la nécessité d’une gouvernance éthique du contenu généré ou assisté par IA, fondée sur la transparence, la traçabilité, la vérification, la protection des données et la distinction claire entre contenu authentique et contenu synthétique.

This study examines media content strategies in the age of artificial intelligence, with a particular focus on generative AI and its impact on editorial standards, content quality, algorithmic distribution, and audience reception. It starts from the premise that contemporary media content is no longer produced solely by institutions or individual human skills, but emerges from a complex interaction between humans, machines, platforms, algorithms, and the attention economy. Based on a descriptive and analytical approach, the article discusses hybrid human-machine strategies, algorithmic personalization, editorial automation, multimodal content production, and the risks associated with disinformation, echo chambers, technical opacity, and platform dependency. The study argues that AI does not eliminate the human role; rather, it repositions it around planning, validation, fact-checking, ethical oversight, and editorial responsibility. It concludes that AI-assisted and AI-generated media content requires clear governance based on transparency, traceability, verification, data protection, intellectual property, and a visible distinction between authentic and synthetic content.

مقدمة

يمثّل مفهوم صناعة المحتوى إحدى الإشكاليات المركزية التي أصبحت تفرض نفسها على الباحثين في علوم الإعلام والاتصال، وعلم الاجتماع الرقمي، والاقتصاد، وعلم النفس الاجتماعي، ودراسات المنصات. وقد ظهر هذا المفهوم في سياق التحول من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة، ثم إلى مجتمع المنصات، حيث لم يعد المحتوى مجرد مادة إعلامية تُنتج داخل مؤسسة مهنية وتُبث في اتجاه جمهور متلقٍّ، بل أصبح عملية مستمرة من الإنشاء، والتحرير، والتكييف، والتوزيع، والقياس، وإعادة الصياغة، والتمويل. وفي بداياته، كان مفهوم صناعة المحتوى يحيل أساساً إلى الشركات والمؤسسات التي تعمل في إنتاج المحتوى الرقمي وتوزيعه واستضافته وتطويره، سواء أكان هذا المحتوى نصياً أم سمعياً أم بصرياً أم تفاعلياً. غير أن التحولات اللاحقة، ولا سيما صعود المدونات، ثم شبكات التواصل الاجتماعي، ثم اقتصاد المؤثرين، غيّرت جذرياً معنى الفاعل الإعلامي وحدود المهنة الإعلامية.

لقد أتاح الانتشار الواسع للإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ظهور فاعلين جدد في مجال إنتاج المضامين؛ فإلى جانب الصحفي، والمحرر، والمنتج، والمخرج، والمسوق، ظهر صانع المحتوى بوصفه فاعلاً مرناً يجمع بين مهارات التحرير، والتصوير، والسرد، والتسويق، والتفاعل مع الجمهور. ومع انتشار منصات مثل يوتيوب، وفيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك، لم يعد صانع المحتوى يحتاج دائماً إلى مؤسسة إعلامية كبرى كي يصل إلى الجمهور، إذ صار الوصول مشروطاً بدرجة متزايدة بفهم المنصة، واستيعاب قواعدها، والتفاعل مع خوارزمياتها، وبناء علاقة مستمرة مع الجمهور. من هنا أصبح المحتوى مجالاً للتنافس الرمزي والاقتصادي، ومجالاً لتشكيل الرأي العام، ومجالاً لصناعة السمعة الرقمية، كما أصبح في الوقت ذاته مجالاً للسطحية، والتضليل، والتلاعب، والبحث عن المرئية بأي ثمن.

ومع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتطورها، ولا سيما أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج النصوص والصور والأصوات والفيديوهات انطلاقاً من أوامر لغوية بسيطة، دخلت صناعة المحتوى مرحلة جديدة. فقد صار بإمكان المستخدم العادي أن ينتج مقالاً، أو سيناريو، أو إعلاناً، أو صورة، أو تعليقاً صوتياً، أو مقطع فيديو قصيراً، دون أن يمتلك بالضرورة التكوين المهني التقليدي الذي كان مطلوباً في السابق. وقد أسهمت هذه الأدوات في تسريع الإنتاج، وخفض التكاليف، وتوسيع إمكانات التخصيص، لكنها طرحت في المقابل أسئلة عميقة حول القيمة التحريرية، وحقوق المؤلف، ومصداقية الأخبار، وحدود الإبداع، وأخلاقيات الاستخدام، ومكانة الإنسان داخل السلسلة الإعلامية.

إن العبارة الشهيرة المنسوبة إلى بيل غيتس «المحتوى هو الملك» لم تعد كافية وحدها لفهم المشهد الرقمي الراهن؛ فالمحتوى لم يعد ملكاً إلا إذا كان قابلاً للاكتشاف، والتوصية، وإعادة التداول، والتخصيص، والقياس. ومن ثم فإن الملك الحقيقي في بيئة المنصات ليس المحتوى وحده، بل العلاقة بين المحتوى والخوارزمية والجمهور والمعطيات. فالخوارزميات لم تعد أدوات تقنية محايدة لترتيب المواد، بل أصبحت جزءاً من بنية السلطة الرمزية التي تحدد ما يظهر وما يختفي، وما ينتشر وما يبقى محدوداً، ومن يُمنح فرصة التأثير ومن يُدفع إلى الهامش. لذلك، فإن دراسة صناعة المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي تستدعي الجمع بين التحليل الإعلامي، والتحليل التقني، والتحليل الأخلاقي، والتحليل السوسيولوجي.

انطلاقاً من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن الإشكالية الآتية: ما استراتيجيات صناعة المحتوى الإعلامي في ظل الذكاء الاصطناعي، وكيف تغيّر الخوارزميات معايير الإنتاج الإعلامي والتداول الرقمي والتأثير في الجمهور؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة: ما المقصود بصناعة المحتوى الإعلامي في بيئة الذكاء الاصطناعي؟ ما الخصائص التي تميز هذه الصناعة عن صناعة المحتوى في المراحل السابقة؟ ما أنواع المحتوى التي بات الذكاء الاصطناعي يساهم في إنتاجها أو تحسينها؟ ما الاستراتيجيات المهنية والتقنية التي ينبغي اعتمادها لضمان جودة المحتوى ومصداقيته؟ وما حدود السلطة التي تمارسها الخوارزميات في توجيه التفضيلات، وصناعة الرأي العام، وبناء مرئية المحتوى؟

وتنبع أهمية الدراسة من راهنية الموضوع في السياق العربي والجزائري على وجه الخصوص، حيث تتسع قاعدة استخدام الإنترنت والمنصات الاجتماعية، ويتزايد اعتماد الشباب على المحتوى الرقمي في الترفيه، والتعلم، والاستهلاك، وبناء المواقف. وتشير تقارير حديثة إلى أن الجزائر عرفت في نهاية 2025 حضوراً رقمياً واسعاً؛ إذ بلغ عدد مستخدمي الإنترنت 37.8 مليون مستخدم، بنسبة نفاذ وصلت إلى 79.5%، كما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 27.5 مليون هوية، وهو ما يجعل البيئة الرقمية الجزائرية فضاءً حقيقياً لتداول المحتوى وصناعة التأثير. غير أن هذا الاتساع في الاستخدام لا يقابله دائماً وعي كافٍ بقواعد التحقق، والشفافية، والملكية الفكرية، وحماية المعطيات الشخصية، وهو ما يجعل موضوع الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى موضوعاً علمياً ومهنياً ملحاً.

1. الإطار المنهجي والمفاهيمي للدراسة

تعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، لأنه الأنسب لمقاربة ظاهرة متحركة تتقاطع فيها التحولات التقنية مع الممارسات الإعلامية والاجتماعية. فالغاية ليست قياس أثر أداة محددة من أدوات الذكاء الاصطناعي على عينة بعينها، وإنما بناء قراءة تحليلية في طبيعة التحول الذي أصاب صناعة المحتوى الإعلامي، وفي الاستراتيجيات التي صارت تتحكم في إنتاجه وتوزيعه وتلقيه. وينطلق التحليل من مراجعة نقدية للأدبيات التي تناولت الإعلام الجديد، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وخوارزميات المنصات، واقتصاد الانتباه، وأخلاقيات الإعلام الرقمي.

وتتمثل حدود الدراسة في أنها دراسة نظرية تحليلية لا تدّعي تقديم قياس ميداني مباشر لسلوك صناع المحتوى أو الجمهور، بل تقدم إطاراً تفسيرياً يمكن أن يمهد لدراسات لاحقة تعتمد المقابلات، أو تحليل المحتوى، أو الإثنوغرافيا الرقمية، أو تحليل الشبكات الاجتماعية. كما أن الدراسة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية واحدة، بل بوصفه منظومة واسعة تشمل النماذج اللغوية الكبيرة، وأدوات تحويل النص إلى صورة أو فيديو أو صوت، وأنظمة التوصية، وخوارزميات الترتيب، وأدوات تحليل البيانات، وأنظمة النشر الآلي، وبرمجيات المراقبة والقياس.

ولا بد هنا من التمييز بين ثلاثة مستويات غالباً ما تختلط في النقاش العام. المستوى الأول هو الذكاء الاصطناعي بوصفه حقلاً عاماً يضم الأنظمة القادرة على أداء مهام تتطلب عادة قدراً من الذكاء البشري، مثل التصنيف، والتنبؤ، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة، واتخاذ القرار. والمستوى الثاني هو الذكاء الاصطناعي التوليدي، أي الأنظمة القادرة على إنتاج محتوى جديد أو شبه جديد بناءً على أنماط تعلمتها من كميات ضخمة من البيانات. أما المستوى الثالث فهو خوارزميات المنصات، وهي ليست دائماً «ذكاء اصطناعياً توليدياً»، لكنها تستخدم التعلم الآلي وتحليل البيانات لترتيب المحتويات، والتوصية بها، وتوجيه الإعلانات، وتخصيص التجربة الرقمية. ويؤدي الخلط بين هذه المستويات إلى تبسيط مخلّ، كما يؤدي إلى اعتقاد خاطئ مفاده أن الذكاء الاصطناعي مجرد روبوتات أو آلات مادية، في حين أن أغلب حضوره في الإعلام يتم عبر برمجيات ونماذج وواجهات ومنصات غير مرئية مباشرة.

في ضوء ذلك، تقترح الدراسة تعريفاً إجرائياً لصناعة المحتوى الإعلامي في ظل الذكاء الاصطناعي بوصفها: مجموع العمليات البشرية والتقنية والمنصاتية التي تساهم في تخطيط المحتوى الإعلامي، وتوليده، وتحريره، والتحقق منه، وتحويله إلى صيغ متعددة، وتوزيعه، وقياس أثره، وتحسينه، اعتماداً على تفاعل بين خبرة الإنسان وقدرات الخوارزميات، مع ضرورة الحفاظ على المسؤولية التحريرية والأخلاقية. هذا التعريف يسمح بتجاوز التصور الضيق الذي يحصر صناعة المحتوى في النشر على المنصات، كما يسمح بتجاوز التصور المبالغ فيه الذي ينسب إلى الذكاء الاصطناعي قدرة مستقلة مطلقة على الإبداع والتأثير.

2. الإطار النظري والتحليلي لصناعة المحتوى الإعلامي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

1.2. ماهية الذكاء الاصطناعي وتطوره في المجال الإعلامي

يُعد الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مخرجات الثورة الصناعية الرابعة، وأحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الصناعات الرقمية المعاصرة. وقد ظهر المصطلح في مؤتمر دارتموث سنة 1956، غير أن جذوره النظرية تعود إلى أعمال سبقت ذلك التاريخ، من بينها التفكير في الآلات الحاسبة، والمنطق الصوري، ونماذج الشبكات العصبية، واختبار تورينغ. وعلى الرغم من مرور عقود على نشأة الحقل، لا يوجد تعريف واحد جامع مانع للذكاء الاصطناعي، لأن مفهوم الذكاء ذاته متعدد الأبعاد، ولأن الأنظمة الذكية تختلف باختلاف الغايات، والبيانات، والخوارزميات، وسياقات الاستخدام. ومع ذلك يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشير عموماً إلى قدرة الأنظمة الحاسوبية على أداء مهام تتطلب عادة عمليات عقلية بشرية، مثل الفهم، والتعلم، والاستدلال، والتصنيف، والتنبؤ، والتفاعل اللغوي، واتخاذ القرار.

وقد عرف الذكاء الاصطناعي مراحل متعددة. ففي الأربعينيات والخمسينيات ظهرت الأسس الأولى المرتبطة بالحوسبة والمنطق والشبكات العصبية البدائية. وفي سنة 1956 صيغ مصطلح الذكاء الاصطناعي في مؤتمر دارتموث، لتبدأ مرحلة التفاؤل العلمي بإمكان محاكاة الذكاء البشري. ثم شهدت الستينيات والسبعينيات تطوراً في برامج حل المشكلات والأنظمة الرمزية، لكنها اصطدمت بحدود القدرة الحاسوبية وندرة البيانات، وهو ما أدى إلى ما عرف لاحقاً بشتاء الذكاء الاصطناعي. وفي الثمانينيات عاد الاهتمام عبر الأنظمة الخبيرة التي تحاكي معرفة المتخصصين في مجالات محددة، قبل أن تفتح التسعينيات وما بعدها الطريق أمام التعلم الآلي، ثم التعلم العميق، نتيجة توفر البيانات الضخمة، وتحسن القدرة الحسابية، وتطور البنى الخوارزمية.

أما المرحلة الراهنة فتتميز بصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، القائم على نماذج واسعة قادرة على إنتاج النصوص، والصور، والأصوات، والمقاطع المرئية، والرموز البرمجية، والترجمات، والملخصات، والتحليلات الأولية. وقد اكتسب هذا التحول زخماً جماهيرياً مع إطلاق واجهات محادثة سهلة الاستخدام، جعلت التعامل مع النماذج الذكية متاحاً خارج المختبرات والمؤسسات التقنية. وبذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على وظائف خلفية داخل المؤسسات، بل أصبح أداة يومية للمستخدمين، وصناع المحتوى، والمسوقين، والصحفيين، والطلبة، والباحثين.

في المجال الإعلامي، يتخذ الذكاء الاصطناعي وظائف متعددة. فهو يساعد على تفريغ المقابلات الصحفية، وترجمة المحتوى، وتلخيص الوثائق الطويلة، واقتراح العناوين، وتصنيف الأرشيف، وتحليل اتجاهات الجمهور، وتوليد رسوم بيانية، وتحديد الموضوعات الصاعدة، ورصد التضليل، وتحسين محركات البحث، وجدولة النشر، وإنتاج نسخ متعددة من المادة الواحدة. كما يمكن أن يساهم في تحويل المقال إلى تسجيل صوتي، أو تحويل النص إلى فيديو قصير، أو إنتاج صور توضيحية، أو بناء روبوتات محادثة للتفاعل مع الجمهور. غير أن هذه الوظائف لا تجعل الذكاء الاصطناعي صحفياً مستقلاً؛ فالصحافة لا تقوم فقط على توليد نص، بل على الوصول إلى الوقائع، والتحقق، والمساءلة، والسياق، والمسؤولية أمام الجمهور.

من هنا ينبغي تصحيح بعض التعريفات الاختزالية التي تساوي بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات. فالروبوتات تمثل أحد تجسدات الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست الشكل الوحيد ولا الأكثر حضوراً في الإعلام الرقمي. فالأداة التي تقترح عنواناً، أو ترتب منشوراً في صفحة المستخدم، أو تقترح فيديو تالياً، أو تكتب مسودة خبر، أو تضع وسمَ «محتوى مولّد آلياً»، هي جزء من البنية الذكية حتى وإن لم تكن روبوتاً مادياً. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي في الإعلام بنية برمجية وتنظيمية ومعرفية، أكثر منه آلة مرئية.

2.2. صناعة المحتوى الإعلامي: من المؤسسة إلى المنصة

قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، كانت صناعة المحتوى قد عرفت أصلاً تحولات عميقة بفعل الإنترنت. فقد انتقلت من نموذج البث المركزي، حيث تتحكم المؤسسات الإعلامية في الإنتاج والتوزيع، إلى نموذج شبكي تفاعلي يسمح للجمهور بالتعليق، والمشاركة، وإعادة النشر، والمساهمة في إنتاج المعنى. ومع ظهور الويب 2.0، صار المستخدم منتجاً ومستهلكاً في الآن نفسه، وهو ما عبرت عنه بعض الأدبيات بمفهوم «المستخدم المنتج». ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي لتمنح المحتوى حياة خوارزمية: فالقيمة لم تعد تقاس فقط بجودة النص أو الصورة، بل أيضاً بعدد المشاهدات، ومعدل الاحتفاظ، وزمن التفاعل، وعدد المشاركات، وسرعة الانتشار، وقدرة المادة على إثارة استجابة وجدانية أو خلافية.

وفي هذا السياق راجت تسمية «صانع المحتوى»، وهي تسمية واسعة تشمل من ينتج محتوى تعليمياً، أو ترفيهياً، أو إخبارياً، أو تسويقياً، أو ثقافياً، أو سياسياً، أو يومياً. وقد ارتبط المفهوم في بداياته الجديدة باليوتيوبرز والمؤثرين، أي بأشخاص يملكون قنوات وحسابات على المنصات الرقمية ويستخدمونها لنشر مقاطع أو منشورات بهدف بناء جمهور وتحقيق دخل مباشر أو غير مباشر. غير أن هذا التعريف ظل قاصراً، لأنه يربط صناعة المحتوى بالمردود المادي أو بالشعبية وحدهما، في حين أن صناعة المحتوى تشمل أيضاً مؤسسات إعلامية، ومنظمات مدنية، وجامعات، ومتاحف، ومراكز بحث، ومبادرات تعليمية، وحملات توعية.

في عصر الذكاء الاصطناعي، يتوسع معنى صناعة المحتوى أكثر. فصانع المحتوى لا يكتب فقط ولا يصور فقط، بل يخطط، ويختار الأداة، ويصوغ الأمر النصي، ويقيّم المخرجات، ويصححها، ويختبر ملاءمتها للجمهور، ويعيد تحويلها إلى صيغ متعددة، ثم يتابع أداءها بعد النشر. وهنا تظهر وظيفة جديدة هي وظيفة «المحرر الخوارزمي» أو «الموجّه التحريري للنموذج»، أي الشخص الذي يعرف كيف يطرح السؤال على الأداة، وكيف يكتشف أخطاءها، وكيف يوازن بين السرعة والدقة، وكيف يمنع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر للنسخ والتكرار والفبركة.

من الناحية المهنية، لا يمكن اعتبار كل من ينشر مادة رقمية صانع محتوى بالمعنى الدقيق. فصناعة المحتوى تفترض حداً أدنى من الوعي بالجمهور، والهدف، والمنصة، والأدلة، والسياق، والحقوق، والأسلوب، والأثر. كما تفترض القدرة على تحويل فكرة إلى مادة قابلة للتلقي، وعلى ربط المادة بسلسلة تحريرية أو استراتيجية اتصالية. وبذلك يتحدد صانع المحتوى لا بمجرد امتلاكه حساباً أو أداة ذكاء اصطناعي، بل بقدرته على إنتاج قيمة معرفية أو جمالية أو إعلامية أو خدمية، وعلى تحمل مسؤولية ما ينشره.

وبناء على ذلك، يمكن تحديد معايير أولية لصانع المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي. أولها وضوح الغاية: هل يريد الإخبار، أم التعليم، أم الإقناع، أم التسويق، أم الترفيه؟ وثانيها معرفة الجمهور: ما خصائصه، واحتياجاته، وحساسياته، ولغته، ومستوى ثقافته الرقمية؟ وثالثها الكفاءة التحريرية: هل يستطيع صانع المحتوى التحقق من الوقائع، وصياغة الرسالة بوضوح، وتجنب التضليل؟ ورابعها الكفاءة التقنية: هل يعرف حدود الأداة التي يستخدمها، وطريقة توجيهها، ومخاطر الهلوسة، والتحيز، وانتهاك الخصوصية؟ وخامسها المسؤولية الأخلاقية: هل يميز بين المحتوى الأصيل والمحتوى الاصطناعي؟ هل يحترم حقوق الآخرين؟ هل يصرّح باستخدام الذكاء الاصطناعي عندما يكون ذلك ضرورياً؟

3.2. نشأة صناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي

لا يمكن القول إن صناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي ظهرت فجأة مع النماذج التوليدية الحديثة؛ فقد كانت المؤسسات الإعلامية تستخدم منذ سنوات أدوات مؤتمتة في الأرشفة، والتحليل، وجدولة النشر، واستهداف الجمهور، ورصد الاتجاهات. كما استخدمت بعض المؤسسات أنظمة لإنتاج أخبار قصيرة اعتماداً على بيانات منظمة، مثل نتائج المباريات، وأسعار الأسهم، والتقارير المالية، والأحوال الجوية. غير أن التحول النوعي حدث عندما انتقلت الأدوات الذكية من الخلفية المهنية إلى واجهات عامة سهلة الاستخدام، وأصبحت قادرة على إنتاج نصوص وصور وأصوات وفيديوهات تبدو قريبة من الإنتاج البشري.

لقد فتح المساعد الصوتي Siri سنة 2011، ثم أنظمة المحادثة الذكية اللاحقة، الباب أمام علاقة يومية بين المستخدم والآلة عبر اللغة الطبيعية. غير أن إطلاق أدوات المحادثة التوليدية في أواخر 2022 وما بعدها جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمل التحريري والاتصالي العادي. ومنذ ذلك الحين، بدأ صناع المحتوى يستعملون هذه الأدوات في اقتراح الأفكار، وكتابة المخططات، وتحسين العناوين، وتوليد نصوص الإعلانات، وإعداد منشورات المنصات الاجتماعية، وترجمة المحتوى، وتحويل النصوص إلى سيناريوهات فيديو، وإنتاج صور مصاحبة، واختبار نبرة الخطاب.

في البيئة العربية، يكتسب هذا التحول خصوصية إضافية. فمن جهة، تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة لتوسيع الإنتاج العربي الرقمي، وتحسين الترجمة، وتسهيل الكتابة، وخفض كلفة إنتاج المحتوى التعليمي والثقافي. ومن جهة ثانية، تواجه اللغة العربية تحديات تتعلق بجودة النماذج، وتنوع اللهجات، وقلة الموارد اللغوية المتخصصة مقارنة بالإنجليزية، وصعوبة التحقق من بعض الإحالات، واحتمال إعادة إنتاج أخطاء لغوية أو معرفية. لذلك، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المحتوى العربي لا ينبغي أن يتم بوصفه حلاً سحرياً، بل بوصفه أداة تحتاج إلى إشراف لغوي ومعرفي وتحريري.

أما في الجزائر، فلا تزال صناعة المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي في طور التشكل. فالبيئة الرقمية واسعة ومتنامية، والمنصات الاجتماعية تحتل مكانة مهمة في حياة الشباب، لكن الثقافة المهنية المتعلقة بالتحقق، والتصريح باستخدام الأدوات، وحماية البيانات، واحترام الملكية الفكرية، ما تزال بحاجة إلى ترسيخ. وتزداد أهمية هذا الأمر إذا تذكرنا أن المحتوى الذي يصل إلى المراهقين والشباب لا يصدر دائماً عن مؤسسات ذات مسؤولية واضحة، بل قد يصدر عن حسابات فردية أو صفحات مجهولة أو مواد مولدة آلياً تتخفى في صورة محتوى بشري.

ومن ثم فإن نشأة صناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها انتقالاً تقنياً فقط، بل بوصفها انتقالاً في السلطة الإعلامية. فالأداة التي كانت حكراً على المؤسسات أصبحت متاحة للأفراد، لكن المنصات التي تمنح المرئية لهذه المواد أصبحت في المقابل أقوى من أي وقت مضى. هكذا يتكون تناقض أساسي: الذكاء الاصطناعي يوسّع القدرة الفردية على الإنتاج، لكنه يجعل نجاح هذا الإنتاج أكثر ارتباطاً بالمنصات وخوارزمياتها ومعاييرها التجارية.

4.2. أنواع صناعة المحتوى الإعلامي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً في أنماط المحتوى، ليس فقط لأنه يسرّع الإنتاج، بل لأنه يوسّع إمكانات التحويل بين الوسائط. ويمكن التمييز بين خمسة أنواع رئيسية، مع ضرورة الانتباه إلى أن الحدود بينها ليست فاصلة دائماً، إذ كثيراً ما يجمع المحتوى الواحد بين النص والصورة والصوت والفيديو والتفاعل.

أولاً، المحتوى النصي. ويشمل المقالات، والمدونات، والنشرات، والملخصات، والنصوص التسويقية، والسيناريوهات، والنصوص التعليمية، والأسئلة والأجوبة، ورسائل البريد، والوصف المرافق للمنتجات أو الفيديوهات. في هذا النوع، يساعد الذكاء الاصطناعي على توليد الأفكار، وبناء المخطط، واقتراح العناوين، وتكييف النبرة، والتلخيص، والترجمة، وإعادة الصياغة. غير أن الخطر يكمن في إنتاج نصوص سلسة لكنها فارغة أو غير دقيقة، أو في توليد إحالات غير صحيحة، أو في تعميم أفكار جاهزة دون ارتباط بسياق محلي أو Corpus محدد.

ثانياً، المحتوى المرئي. ويشمل الصور، والرسوم، والإنفوغرافيا، والشعارات، والملصقات، والمواد البصرية المصاحبة للمقالات والمنشورات. وتسمح أدوات تحويل النص إلى صورة بإنتاج مشاهد متنوعة انطلاقاً من وصف لغوي، كما تسمح أدوات التحرير الذكي بتحسين جودة الصور، وإزالة الخلفيات، وتعديل الإضاءة، وإضافة عناصر بصرية. لكن هذا المجال يطرح أسئلة مهمة حول أصالة الصورة، وحقوق الفنانين، وإمكانية خلق صور مضللة، ولا سيما عندما تُستخدم الصور الاصطناعية في سياقات إخبارية أو سياسية أو إنسانية.

ثالثاً، المحتوى الصوتي. ويشمل التعليق الصوتي، والبودكاست، وتحويل النص إلى كلام، والاستنساخ الصوتي، والموسيقى الخلفية، والمؤثرات. ولهذا النوع قيمة كبيرة في تسهيل الوصول إلى المحتوى، وفي إنتاج نسخ صوتية من المقالات، وفي دعم المحتوى التعليمي. لكنه يطرح أيضاً مخاطر تتعلق بتقليد الأصوات، والاحتيال، وانتحال الشخصية، والتلاعب بالتسجيلات. لذلك يصبح التصريح باستخدام الصوت الاصطناعي أمراً ضرورياً عندما يكون الصوت جزءاً من بناء الثقة.

رابعاً، المحتوى المرئي المتحرك والفيديو القصير. وقد أصبح هذا النوع شديد الأهمية في اقتصاد الانتباه، لأن المنصات تكافئ غالباً المواد القصيرة القادرة على جذب الانتباه بسرعة. يتيح الذكاء الاصطناعي تحويل النص إلى فيديو، أو إنتاج شخصيات افتراضية، أو إضافة ترجمات تلقائية، أو قصّ الفيديوهات الطويلة إلى مقاطع قصيرة، أو اقتراح لقطات مناسبة. غير أن الخطر هنا يتمثل في تغليب الإثارة على المعنى، وفي إنتاج فيديوهات سريعة لكنها غير موثقة، وفي انتشار مواد تركيبية قد يصعب على الجمهور غير المدرّب التحقق من أصلها.

خامساً، المحتوى التفاعلي والتخصيصي. ويشمل روبوتات المحادثة، والتوصيات الشخصية، والنشرات المخصصة، والواجهات التي تسمح للجمهور بالحصول على محتوى وفق اهتمامه. ويعد هذا النوع من أكثر الأنواع ارتباطاً بالخوارزميات، لأنه يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وتوقع حاجات المستخدم. ومن ثم فإن فائدته في تحسين تجربة الجمهور تقابلها مخاطر تتعلق بالخصوصية، والتلاعب، وحصر المستخدم داخل فضاء من التفضيلات السابقة.

ويمكن تلخيص العلاقة بين هذه الأنواع ووظائف الذكاء الاصطناعي في الجدول الآتي:

جدول 1. مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الإعلامي

المجال

أمثلة على الاستخدام

القيمة المضافة

الخطر الرئيس

الضمان التحريري المطلوب

النصوص

مقالات، عناوين، ملخصات، ترجمة

السرعة، تنويع الصيغ، تحسين الأسلوب

أخطاء معرفية، مصادر وهمية، تكرار

تحقق بشري، توثيق، مراجعة لغوية

الصور

ملصقات، صور توضيحية، إنفوغرافيا

خفض الكلفة، سرعة التصميم

تضليل بصري، انتهاك حقوق

وسم المحتوى الاصطناعي، حفظ المصادر

الصوت

تعليق صوتي، بودكاست، تحويل نص إلى كلام

إتاحة، تنويع اللهجات، تسريع الإنتاج

انتحال صوت، احتيال

تصريح، منع الاستنساخ غير المرخص

الفيديو

مقاطع قصيرة، أفاتار، تحويل النص إلى فيديو

جاذبية، قابلية انتشار

تزييف عميق، عاطفية مفرطة

تحقق، وسم، سياق واضح

التفاعل

روبوتات، توصيات، نشر مخصص

تخصيص، خدمة فورية

غرف صدى، استغلال بيانات

سياسة خصوصية، إشراف، تنوع مصادر

5.2. مميزات صناعة المحتوى الإعلامي في ظل الذكاء الاصطناعي

تتمثل الميزة الأولى في السرعة والكفاءة. فالمهام التي كانت تستغرق ساعات، مثل تفريغ مقابلة، أو تلخيص تقرير، أو إنتاج عدة صيغ لمنشور واحد، يمكن إنجازها في وقت قصير. وتسمح هذه السرعة للمؤسسات الصغيرة وصناع المحتوى الأفراد بتوسيع قدرتهم على الإنتاج دون الحاجة إلى فرق كبيرة. غير أن السرعة لا ينبغي أن تتحول إلى قيمة وحيدة، لأن المحتوى السريع قد يكون ضعيف التحقق أو فقير السياق أو شديد التشابه مع مواد أخرى.

الميزة الثانية هي دعم الإبداع لا استبداله. يستطيع الذكاء الاصطناعي اقتراح زوايا جديدة، وعناوين بديلة، وبنى سردية مختلفة، وأساليب لغوية متنوعة. وقد يساعد ذلك صانع المحتوى على تجاوز الجمود أو تكرار القوالب. لكن الإبداع الحقيقي لا يتحقق بمجرد قبول المخرجات الآلية، بل بتحويلها إلى مادة ذات موقف، وسياق، وخصوصية. فالنموذج قد يقترح، لكن الإنسان هو الذي يختار، ويرتب، ويمنح المعنى، ويقرر ما إذا كانت الفكرة مناسبة ثقافياً وأخلاقياً.

الميزة الثالثة هي التخصيص. بفضل تحليل البيانات، يمكن توجيه محتوى مختلف إلى شرائح مختلفة من الجمهور، وفق اللغة، والعمر، والاهتمامات، والسلوك السابق، والمنصة المستخدمة. وهذا مهم في الحملات الإعلامية والتوعوية والتسويقية، لأنه يسمح بتكييف الرسالة بدل الاكتفاء برسالة واحدة عامة. غير أن التخصيص قد يتحول إلى تضييق معرفي إذا جعل المستخدم لا يرى إلا ما يشبه اهتماماته السابقة، أو إذا استُعمل لاستغلال نقاط ضعفه العاطفية والاستهلاكية.

الميزة الرابعة هي الإنتاج المتعدد الوسائط. لم يعد المحتوى محصوراً في شكل واحد. فالمقال يمكن أن يتحول إلى بودكاست، والبودكاست إلى ملخص نصي، والتقرير إلى فيديو قصير، والبيانات إلى رسم بصري، والمحاضرة إلى بطاقات تعليمية. هذه القدرة تفتح أمام الإعلام العربي فرصاً مهمة، خصوصاً في التعليم والثقافة والتبسيط العلمي. لكنها تتطلب وحدة تحريرية تضمن أن التحويل بين الوسائط لا يغيّر المعنى ولا يبتر السياق.

الميزة الخامسة هي القياس والتحسين. فالأدوات الذكية تساعد على متابعة مؤشرات الأداء: معدل النقر، وزمن المشاهدة، ومعدل الاحتفاظ، ونوعية التعليقات، والكلمات المفتاحية، ووقت النشر الأنسب. وقد يساعد ذلك على تحسين التخطيط، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى أسر المحتوى داخل منطق الأرقام. فليس كل محتوى مهم يحقق انتشاراً واسعاً، وليس كل محتوى واسع الانتشار عالي القيمة. لذلك ينبغي التمييز بين «الأداء» و«الأثر»، وبين «المرئية» و«المصلحة العامة».

6.2. استراتيجيات صناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي

ترتكز صناعة المحتوى الإعلامي في ظل الذكاء الاصطناعي على مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة. ولا يتعلق الأمر بإضافة أداة تقنية إلى ممارسة قديمة، بل بإعادة بناء سلسلة الإنتاج كاملة، من الفكرة إلى النشر، ومن النشر إلى التقييم، ومن التقييم إلى التحسين.

  • استراتيجية الهجين: الإنسان والآلة :تعد الاستراتيجية الهجينة أهم استراتيجية في البيئة الإعلامية الراهنة. وهي تقوم على توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة: فالآلة تساعد في العصف الذهني، وجمع المعطيات الأولية، والتلخيص، والترجمة، وإنتاج المسودات، واقتراح الصيغ، بينما يتولى الإنسان ضبط الزاوية، والتحقق من المعلومات، وإضافة الحس السياقي، ومراعاة القيم التحريرية، وحماية الجمهور من التضليل. ولا تنجح هذه الاستراتيجية إلا إذا ظل القرار النهائي بيد الإنسان، خصوصاً في القضايا الحساسة سياسياً واجتماعياً وثقافياً.
    ولا ينبغي فهم الاستراتيجية الهجينة على أنها حل وسط ضعيف، بل بوصفها نموذجاً مهنياً يسمح بالاستفادة من قوة الأتمتة دون التخلي عن المسؤولية. فغرفة الأخبار أو صانع المحتوى الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي دون سياسة تحريرية واضحة يعرض نفسه لخطر الأخطاء، والانتحال، والفبركة، وانتهاك الحقوق. أما الاستخدام الرشيد فيفترض وضع قواعد مكتوبة: ما المهام التي يسمح فيها بالذكاء الاصطناعي؟ متى يجب التصريح باستخدامه؟ من يراجع المخرجات؟ كيف يتم حفظ الأوامر والمصادر؟ وما حدود الاعتماد على النماذج في إنتاج الأخبار؟

  • استراتيجية هندسة الأوامر والتحكم في المخرجات :أصبحت هندسة الأوامر مهارة محورية في صناعة المحتوى. فالأداة لا تنتج مخرجات جيدة إلا إذا تلقت أوامر دقيقة تتضمن المهمة، والسياق، والجمهور، والنبرة، والطول، والقيود الأخلاقية، والمصادر المطلوبة. لذلك لم يعد السؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدمه؟ وبأي لغة؟ ولأي غاية؟ وتظهر جودة صانع المحتوى في قدرته على تحويل الحاجة التحريرية إلى أمر واضح، ثم في قدرته على نقد المخرجات لا قبولها كما هي.
    وتشمل هندسة الأوامر أيضاً القدرة على طلب بدائل متعددة، والمقارنة بينها، وإلزام الأداة بذكر حدود معرفتها، وطلب خطة تحقق مستقلة، وتجنب الأوامر التي تشجع على اختلاق المراجع أو تضخيم النتائج. وينبغي هنا تدريب صناع المحتوى على التعامل مع النموذج بوصفه مساعداً احتماليا لا مصدراً نهائياً للحقيقة. فالنموذج قد يكتب بثقة لغوية عالية، لكنه قد يخطئ في الوقائع، أو يخلط بين مصادر، أو ينتج تعميمات لا سند لها.

  • استراتيجية التخصيص المسؤول :يسمح الذكاء الاصطناعي بتحليل الجمهور وتقسيمه إلى شرائح، ثم إنتاج محتوى ملائم لكل شريحة. ويمكن أن يكون هذا مفيداً في الحملات الصحية، والتعليمية، والثقافية، وفي إيصال المعلومات إلى فئات متعددة. غير أن التخصيص يصبح إشكالياً عندما يعتمد على جمع بيانات واسعة دون موافقة واضحة، أو عندما يستخدم لإضعاف استقلالية المستخدم، أو لاستهداف الفئات الهشة بمحتوى مؤثر عاطفياً. لذلك ينبغي أن يكون التخصيص مسؤولاً: أي أن يحافظ على الخصوصية، ويمنح المستخدم حق المعرفة، ويتجنب التلاعب، ويضمن تنوع المحتوى المعروض.

  • استراتيجية تحسين محركات البحث والمنصات: لم يعد تحسين محركات البحث مجرد اختيار كلمات مفتاحية. لقد أصبح جزءاً من فهم أوسع لآليات اكتشاف المحتوى. فالمحتوى يحتاج إلى عنوان دقيق، ووصف واضح، وبنية قابلة للفهرسة، ووسوم مناسبة، وروابط ذات معنى، وصيغ متعددة تناسب محركات البحث والمنصات الاجتماعية والمساعدات الذكية. ومع انتشار الإجابات التي تولدها أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل محركات البحث، قد تتغير علاقة الجمهور بالموقع الأصلي، لأن المستخدم قد يحصل على إجابة ملخصة دون زيارة المصدر. وهذا يفرض على صناع المحتوى بناء قيمة لا تختزل في المعلومة العامة، بل تشمل التحليل، والسياق، والمصداقية، والهوية التحريرية.

  • استراتيجية المحتوى المتعدد الوسائط :تقوم هذه الاستراتيجية على تصميم المحتوى منذ البداية باعتباره قابلاً للتحويل إلى أكثر من صيغة. فالمقال الجيد يمكن أن يتحول إلى سلسلة منشورات، وملخص صوتي، وفيديو قصير، وبطاقة بصرية، ونشرة بريدية، وسؤال تفاعلي. ويساعد الذكاء الاصطناعي على إنجاز هذه التحويلات بسرعة، لكن نجاحها يحتاج إلى تصور تحريري موحد يحفظ المعنى. وينبغي ألا يكون التعدد الوسائطي مجرد إعادة تدوير آلية، بل تكييفاً حقيقياً مع خصائص كل وسيط: فالفيديو القصير يحتاج إلى مدخل قوي، والبودكاست يحتاج إلى سرد صوتي، والإنفوغرافيا تحتاج إلى اقتصاد بصري، والمقال يحتاج إلى عمق وبرهنة.

  • استراتيجية الأتمتة دون فقدان الرقابة: تسمح أدوات الأتمتة بجدولة النشر، والردود الأولية، وتصنيف التعليقات، وتحديث المحتوى، وإرسال التنبيهات. وهذا مفيد في إدارة حسابات كبيرة أو حملات واسعة. لكنه قد يؤدي إلى فقدان الحس الإنساني إذا تحولت الردود إلى قوالب جامدة، أو إذا عجزت الأداة عن فهم السياق العاطفي والاجتماعي للتعليقات. لذلك ينبغي أن تكون الأتمتة مصحوبة بنقاط تدخل بشري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأزمات، أو الشكاوى، أو الأخبار الحساسة، أو التعليقات التي تتضمن خطاب كراهية أو معلومات شخصية.

  • استراتيجية الشفافية والوسم :تزداد أهمية الشفافية كلما صار المحتوى الاصطناعي أكثر قدرة على محاكاة المحتوى البشري. وتقوم هذه الاستراتيجية على إعلام الجمهور عندما يكون المحتوى مولداً كلياً أو جزئياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في الصور، والفيديوهات، والأصوات، والمقاطع التي يمكن أن تُفهم بوصفها توثيقاً لواقعة حقيقية. إن الهدف من الوسم ليس إضعاف المحتوى، بل حماية الثقة. فالمتلقي لا يرفض بالضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنه يرفض أن يُخدع أو أن يتلقى مادة تركيبية كما لو كانت واقعة موثقة.

تأسيساً على ما سبق، يتضح أن استراتيجيات صناعة المحتوى الإعلامي في ظل الذكاء الاصطناعي لا تقوم على منطق تقني صرف، ولا تختزل في اختيار أداة رقمية قادرة على التوليد أو التحويل أو النشر، بل تتأسس على رؤية تحريرية شاملة تعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان، والآلة، والمنصة، والجمهور. فالاستراتيجية الناجحة هي التي تعرف كيف توازن بين السرعة والدقة، وبين الأتمتة والرقابة البشرية، وبين التخصيص واحترام الخصوصية، وبين البحث عن المرئية والحفاظ على القيمة المعرفية للمحتوى. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمنح المحتوى قوته بمجرد حضوره في سلسلة الإنتاج، وإنما من خلال طريقة إدماجه ضمن ممارسة مهنية واعية، تجعل منه أداة لتحسين الجودة، وتوسيع الأثر، وتعزيز الفاعلية الاتصالية، من غير التفريط في التحقق، والشفافية، والمسؤولية الأخلاقية. ولهذا فإن الانتقال من الاستراتيجية إلى التنفيذ يقتضي تحديد خطوات عملية واضحة تضمن تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة قابلة للقياس والتطوير داخل المؤسسات الإعلامية ولدى صناع المحتوى المستقلين.

3. من تنفيذ الاستراتيجية إلى حوكمة المحتوى الإعلامي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

1.3.خطوات تنفيذ استراتيجية محتوى مدعومة بالذكاء الاصطناعي

يمكن تنفيذ استراتيجية ناجحة لصناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي عبر ست مراحل مترابطة. المرحلة الأولى هي تحديد الهدف: هل يسعى المحتوى إلى رفع الوعي، أم تصحيح معلومة، أم بناء سمعة، أم دعم تعليم، أم تحقيق انتشار، أم تسويق منتج؟ يحدد الهدف نوع المحتوى، ونبرته، ومنصته، ومؤشرات قياسه. ولا يصح استخدام مؤشرات واحدة لكل الأهداف؛ فحملة التوعية مثلاً لا تقاس فقط بعدد المشاهدات، بل بمدى الفهم وتغير السلوك.

المرحلة الثانية هي تحليل الجمهور. وتشمل تحديد الفئة، واللغة، والمنصة المفضلة، ومستوى المعرفة، والحساسيات الثقافية، وأنماط التفاعل. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل البيانات المتاحة، لكنه لا يغني عن الفهم الاجتماعي للمجتمع. فالجمهور ليس أرقاماً فقط، بل جماعات ذات ذاكرة، وتصورات، ومخاوف، وانتظارات، وأشكال تعبير.

المرحلة الثالثة هي بناء الفكرة والزاوية. فالمحتوى الناجح لا يكتفي بموضوع عام، بل يحتاج إلى زاوية دقيقة. قد يكون الموضوع هو الذكاء الاصطناعي، لكن الزاوية قد تكون أثره على الصحافة المحلية، أو على اللغة العربية، أو على المراهقين، أو على التضليل، أو على التعليم. وهنا يمكن استخدام الأداة في اقتراح زوايا متعددة، ثم اختيار الزاوية الأكثر ارتباطاً بالجمهور والهدف.

المرحلة الرابعة هي الإنتاج والتحرير. في هذه المرحلة يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد مسودة، أو تلخيص مصادر، أو إنتاج صورة، أو اقتراح سيناريو، لكن ينبغي إخضاع كل ذلك للمراجعة البشرية. وتشمل المراجعة التحقق من الوقائع، وضبط اللغة، وفحص المراجع، وتجنب التحيز، والتأكد من عدم انتهاك الحقوق، ومراعاة السياق الثقافي.

المرحلة الخامسة هي النشر والتوزيع. وهنا يتدخل فهم المنصات: وقت النشر، شكل العنوان، طول الفيديو، الوسوم، الصورة المصغرة، صيغة الوصف، وتفاعل التعليقات. غير أن الخضوع الكامل لمنطق المنصة قد يدفع إلى الإثارة والمبالغة؛ لذلك ينبغي أن يظل التوزيع في خدمة المعنى لا العكس.

المرحلة السادسة هي القياس والتحسين. ويشمل ذلك تحليل الأداء، واستخراج الدروس، وتحديث المحتوى، وتصحيح الأخطاء إذا ظهرت، وإعادة توجيه الاستراتيجية. ومن المهم أن تشمل مؤشرات القياس أبعاداً نوعية مثل جودة النقاش، ومعدل الثقة، ووضوح الرسالة، لا الأرقام الكمية وحدها.

2.3. سطوة الخوارزميات: من التوصية إلى تشكيل الرأي

تعني الخوارزميات، في معناها العام، مجموعة من الإجراءات المنطقية المنظمة التي تنفذها الأنظمة الحاسوبية للوصول إلى نتيجة محددة. غير أن الخوارزميات في البيئة الرقمية الراهنة لم تعد مجرد أدوات حسابية، بل صارت آليات اجتماعية وثقافية واقتصادية؛ لأنها تتدخل في ترتيب الأخبار، وتوجيه الإعلانات، واقتراح الأصدقاء، وتحديد الفيديو التالي، وإبراز بعض الآراء، وإخفاء أخرى. ومن هنا جاءت فكرة «سطوة الخوارزميات»، أي السلطة غير المرئية التي تمارسها الأنظمة التقنية في تشكيل ما يراه المستخدم وما يتفاعل معه وما يعتقد أنه مهم.

تتجلى هذه السطوة أولاً في هندسة التفضيلات. فالمنصة تتعلم من سلوك المستخدم: ما الذي يشاهده؟ أين يتوقف؟ ما الذي يعجبه؟ ما الذي يشاركه؟ ما الذي يتجاهله؟ ثم تستخدم هذه البيانات لتقديم محتوى يشبه تفضيلاته السابقة. وقد يبدو ذلك مفيداً لأنه يجعل التجربة أكثر ملاءمة، لكنه قد يحصر المستخدم داخل دائرة ضيقة من الاهتمامات والآراء، فتتشكل غرف الصدى التي يرى فيها المرء ما يؤكد قناعاته. وهذا خطر خاص في القضايا السياسية والاجتماعية، حيث يحتاج المجال العام إلى تنوع الآراء لا إلى تعزيز الانغلاق.

وتتجلى السطوة ثانياً في صناعة الرأي العام. فالخوارزمية لا تصنع الرأي مباشرة، لكنها تحدد ترتيب الظهور، وسرعة الانتشار، واحتمالات التفاعل، وبالتالي تؤثر في ما يصبح موضوعاً عاماً. فالمنشور الذي تمنحه المنصة مرئية واسعة قد يتحول إلى قضية، بينما يبقى محتوى أكثر أهمية في الهامش لأنه لا يستجيب لمعايير الجذب السريع. وبذلك يصبح الرأي العام متأثراً بمنطق تقني وتجاري يفضل أحياناً العاطفة، والجدل، والاختصار، والصدمة، على التحليل الهادئ والمعرفة الدقيقة.

وتتجلى السطوة ثالثاً في التوجيه الاقتصادي. فصناع المحتوى يتعلمون، بمرور الوقت، ما تكافئه المنصة: طول معين، إيقاع معين، عناوين مثيرة، صور مصغرة جذابة، موضوعات ساخنة، تفاعل سريع. وهكذا لا تكتفي الخوارزمية بتوزيع المحتوى، بل تعيد تشكيل طريقة إنتاجه. فالمنتج يبدأ في التفكير مسبقاً بمنطق الخوارزمية: هل سيُوصى بهذا الفيديو؟ هل سيحافظ على المشاهدة؟ هل سيثير التعليقات؟ وهذا قد يؤدي إلى تراجع المحتوى العميق لصالح محتوى سريع قابل للاستهلاك.

وتتجلى السطوة رابعاً في علاقة الذكاء الاصطناعي بالتضليل. فالأدوات التوليدية تتيح إنتاج مواد مزيفة أو مضللة بسرعة، بينما تتيح الخوارزميات نشرها على نطاق واسع إذا حققت تفاعلاً. وهنا تتضاعف المشكلة: قدرة عالية على الإنتاج، وقدرة عالية على التوزيع، وجمهور قد لا يمتلك أدوات التحقق. لذلك تصبح مواجهة التضليل مسؤولية مشتركة بين المنصات، والمؤسسات الإعلامية، والباحثين، والمدرسة، والأسرة، والسلطات التنظيمية، دون أن يتحول ذلك إلى رقابة تعسفية على حرية التعبير.

3.3. الأخلاقيات والحوكمة: شروط المحتوى الإعلامي الموثوق

لا يمكن بناء صناعة محتوى مدعومة بالذكاء الاصطناعي دون إطار أخلاقي. وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على مبادئ الشفافية، والإنصاف، والرقابة البشرية، وحماية الحقوق والكرامة الإنسانية. كما شددت مواثيق حديثة خاصة بالصحافة والذكاء الاصطناعي على ضرورة بقاء القرار التحريري بيد الإنسان، وعلى وجوب التمييز بين المحتوى الأصيل والمحتوى الاصطناعي، وعلى حماية استقلالية الصحافة أمام شركات التكنولوجيا. وهذه المبادئ ليست ترفاً نظرياً، بل شروط لبقاء الثقة بين الإعلام والجمهور.

تتأسس الحوكمة التحريرية على مجموعة من القواعد. أولها قاعدة المسؤولية: لا يجوز للمؤسسة أو صانع المحتوى أن ينسب الخطأ إلى الأداة وحدها، لأن من ينشر هو المسؤول أمام الجمهور. وثانيها قاعدة التحقق: كل معلومة ينتجها الذكاء الاصطناعي يجب أن تُفحص كما تُفحص أي معلومة واردة من مصدر غير موثوق. وثالثها قاعدة الشفافية: ينبغي التصريح بالاستخدام عندما يكون مؤثراً في طبيعة المادة، ولا سيما في الصور والأصوات والفيديوهات. ورابعها قاعدة الخصوصية: لا يجوز إدخال بيانات شخصية أو حساسة في أدوات لا يعرف المستخدم أين تخزن البيانات أو كيف تستخدم. وخامسها قاعدة الإنصاف: ينبغي الانتباه إلى التحيزات التي قد تحملها النماذج بسبب بيانات التدريب أو طريقة التصميم.

وتتطلب الحوكمة أيضاً تكويناً مهنياً جديداً. فصانع المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى معرفة لغوية وتحريرية، لكنه يحتاج أيضاً إلى ثقافة رقمية وقانونية وأخلاقية. ينبغي أن يعرف معنى الهلوسة، والتحيز الخوارزمي، والوسم، والبيانات الشخصية، والترخيص، والملكية الفكرية، والمحتوى الاصطناعي، والتزييف العميق. كما ينبغي أن يعرف حدود استخدام المواد المولدة في السياقات الإخبارية، وأن يميّز بين المحتوى الإبداعي الذي يسمح فيه بالتخييل، والمحتوى الصحفي الذي يلزمه التوثيق.

وفي السياق العربي، ينبغي أن تراعي الحوكمة خصوصية اللغة والثقافة. فبعض النماذج قد تخلط بين الفصحى واللهجات، أو تنتج صياغات تبدو عربية لكنها متأثرة ببنية الإنجليزية، أو تضع إحالات غير دقيقة إلى كتب ومقالات عربية. لذلك تظل المراجعة البشرية ضرورة لا غنى عنها. كما أن حماية الجمهور، ولا سيما المراهقين، تتطلب تربية إعلامية ورقمية تجعل المستخدم قادراً على السؤال: من أنتج هذا المحتوى؟ بأي أداة؟ لأي هدف؟ ما مصدر المعلومة؟ هل الصورة حقيقية أم مولدة؟ هل العنوان يصف المحتوى أم يستدرج الانتباه؟

4.3. نحو نموذج عملي لاستراتيجية محتوى مسؤولة

يمكن اقتراح نموذج عملي لصناعة محتوى إعلامي مسؤول في عصر الذكاء الاصطناعي يقوم على سبعة مبادئ مترابطة. المبدأ الأول هو التخطيط القائم على الهدف لا على الأداة؛ فاختيار الأداة يأتي بعد تحديد المشكلة الاتصالية. المبدأ الثاني هو الإنسان في مركز القرار؛ فالذكاء الاصطناعي يساعد لكنه لا يقرر وحده. المبدأ الثالث هو التوثيق؛ أي حفظ المصادر، والأوامر المهمة، وخطوات المراجعة، خصوصاً في المؤسسات. المبدأ الرابع هو التعدد؛ أي إنتاج المحتوى بصيغ متعددة دون التضحية بالمعنى. المبدأ الخامس هو الشفافية؛ أي إخبار الجمهور بما يحتاج إلى معرفته حول طبيعة المادة. المبدأ السادس هو القياس النقدي؛ أي استعمال الأرقام دون الخضوع لها بالكامل. المبدأ السابع هو التحسين المستمر؛ أي التعامل مع الاستراتيجية باعتبارها عملية تعلم لا وصفة ثابتة.

ويمكن ترجمة هذا النموذج إلى سلسلة عمل عملية: تبدأ باختيار موضوع ذي قيمة، ثم تحديد الجمهور، ثم جمع المصادر الموثوقة، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي في بناء مخطط أولي، ثم إنتاج مسودة، ثم مراجعة بشرية دقيقة، ثم تحويل المادة إلى صيغ ملائمة للمنصات، ثم وسم المحتوى عند الحاجة، ثم النشر، ثم القياس، ثم التصحيح أو التحديث. وفي كل مرحلة ينبغي طرح سؤال المسؤولية: ما الذي أضافته الأداة؟ ما الذي راجعه الإنسان؟ ما الذي قد يسيء الجمهور فهمه؟ وما المخاطر التي ينبغي تقليلها؟

إن هذا النموذج لا يعادي الذكاء الاصطناعي ولا يمجده. فهو يتعامل معه بوصفه بنية تقنية قوية يمكن أن تخدم الإعلام إذا خضعت لقيم المهنة، ويمكن أن تضعف الإعلام إذا خضعت فقط لمنطق السرعة والانتشار. وبذلك يصبح التحدي الحقيقي هو تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لإنتاج كميات ضخمة من المحتوى إلى أداة لتحسين جودة المعرفة العامة.

خاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن صناعة المحتوى الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد امتداد تقني للممارسات الإعلامية السابقة، بل أصبحت تعبيراً عن تحول بنيوي عميق في منظومة الاتصال الرقمي. فقد أسهمت أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما النماذج التوليدية، في إعادة تشكيل مراحل إنتاج المحتوى، بدءاً من اقتراح الأفكار وبناء الزوايا، مروراً بالتحرير والترجمة والتلخيص والتحويل المتعدد الوسائط، وصولاً إلى النشر، والتوزيع، وقياس الأثر. وبذلك لم يعد المحتوى الإعلامي نتاجاً حصرياً للفاعل البشري أو المؤسسة الإعلامية التقليدية، بل أصبح ثمرة تفاعل مركّب بين الإنسان، والآلة، والمنصة، والخوارزمية، والجمهور.

وقد بينت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان في صناعة المحتوى، وإنما يعيد تموضعه داخل السلسلة التحريرية. فالإنسان لم يعد المنتج الوحيد للمادة الإعلامية، لكنه يظل الفاعل المركزي في التخطيط، والتوجيه، والتحقق، والتأويل، واتخاذ القرار الأخلاقي. أما الآلة، فتؤدي وظائف مساعدة تتعلق بالتوليد، والتسريع، والتحليل، والتخصيص، وتحويل المحتوى إلى صيغ متعددة. ومن ثم، فإن القيمة المهنية لا تتحقق في مجرد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في القدرة على إدماجها ضمن رؤية تحريرية مسؤولة تحفظ الدقة، والمعنى، والسياق، والمصداقية.

كما خلصت الدراسة إلى أن الخوارزميات أصبحت تمارس سلطة متزايدة في البيئة الإعلامية الرقمية، لأنها لا تكتفي بترتيب المحتويات أو اقتراحها، بل تساهم في تشكيل المرئية، وتوجيه الانتباه، وبناء التفضيلات، والتأثير في الرأي العام. فالمحتوى لا ينتشر اليوم بفضل جودته الداخلية وحدها، بل من خلال علاقته بمنطق المنصات، وبقواعد التوصية، وباقتصاد الانتباه الذي يكافئ أحياناً السرعة، والإثارة، والاختصار، على حساب العمق والتحقق. لذلك، فإن دراسة صناعة المحتوى في ظل الذكاء الاصطناعي تقتضي عدم الفصل بين المنتج الإعلامي والبنية الخوارزمية التي تمنحه الحضور أو تدفعه إلى الهامش.

وتكشف الدراسة كذلك أن المكاسب التي يتيحها الذكاء الاصطناعي — من سرعة الإنتاج، وخفض التكلفة، وتخصيص الرسائل، وتوسيع إمكانات النشر، وتعدد الصيغ — تظل مشروطة بوجود ضوابط تحريرية وأخلاقية واضحة. فغياب الشفافية، وعدم التصريح بالمحتوى المولّد أو المعدّل آلياً، وضعف التحقق، واستغلال البيانات، وإمكانية إنتاج الصور والأصوات والفيديوهات الزائفة، كلها عوامل قد تؤدي إلى إضعاف الثقة في المحتوى الإعلامي وفي المؤسسات المنتجة له. ومن هنا تصبح الحوكمة الأخلاقية شرطاً أساسياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن مستقبل صناعة المحتوى الإعلامي العربي، والجزائري على وجه الخصوص، يتوقف على قدرة المؤسسات الإعلامية، وصناع المحتوى، والباحثين، والهيئات التنظيمية، على بناء توازن دقيق بين الابتكار والمسؤولية. فالمطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي ولا الانبهار غير النقدي به، بل تطوير ثقافة مهنية جديدة تجعل الأدوات الذكية في خدمة المعرفة، والتعددية، والتحقق، والمصلحة العامة. وبهذا المعنى، لا يكون الذكاء الاصطناعي تهديداً للمحتوى الإعلامي إلا عندما يُستخدم خارج الضوابط الأخلاقية والتحريرية؛ أما حين يُدمج ضمن ممارسة واعية ومسؤولة، فإنه يمكن أن يتحول إلى رافعة لتجويد الإنتاج الإعلامي، وتعزيز حضوره، وتوسيع أثره في الفضاء الرقمي.

توصيات الدراسة

توصي الدراسة بضرورة إدماج التربية الإعلامية والرقمية في برامج التعليم والتكوين، حتى يصبح المستخدم قادراً على تمييز المحتوى الأصيل من المحتوى الاصطناعي، وعلى فهم منطق الخوارزميات، وعلى التحقق من المصادر قبل المشاركة. كما توصي بتكوين الصحفيين وصناع المحتوى في هندسة الأوامر، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتحقق الرقمي، وحماية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية.

وتوصي الدراسة المؤسسات الإعلامية بوضع سياسات تحريرية مكتوبة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع، ومتى يجب التصريح باستخدام الأدوات، ومن يتحمل مسؤولية المراجعة. كما توصي الباحثين في علوم الإعلام والاتصال بإنجاز دراسات ميدانية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى العربي والجزائري، مع التركيز على الجمهور الشاب، وصناع المحتوى المستقلين، وغرف الأخبار المحلية، والمنصات الأكثر تأثيراً.

كما توصي الدراسة بضرورة تشجيع إنتاج محتوى عربي عالي الجودة حول الذكاء الاصطناعي، لا يكتفي بالانبهار أو التخويف، بل يقدم معرفة دقيقة ومبسطة وناقدة. وتوصي كذلك بضرورة تطوير أدوات عربية للتحقق، والوسم، وتحليل الخطاب الرقمي، ورصد المحتوى الاصطناعي، مع مراعاة الخصوصيات اللغوية والثقافية للمجتمعات العربية.

أخيراً، تدعو الدراسة إلى مقاربة تنظيمية متوازنة تحمي الجمهور من التضليل والتزييف العميق واستغلال البيانات، دون أن تتحول إلى رقابة تقيد حرية التعبير أو تحد من الابتكار. فالحوكمة الرشيدة للذكاء الاصطناعي في الإعلام ينبغي أن تقوم على الشفافية، والمساءلة، والتناسب، وحماية الحقوق، وتشجيع الإبداع المسؤول.

قائمة المراجع

الجزيرة. (2021، 16 فبراير). كيف تستغل خوارزميات يوتيوب ثغرات المنصة؟ الجزيرة نت.

إسماعيل، ه. ع. (2021). الانعكاسات الاقتصادية للثورة الصناعية الرابعة: الذكاء الاصطناعي. سلسلة دراسات اقتصادية.

بلال، ع. ا. (2019). الذكاء الاصطناعي: ثورة في تقنيات العصر. القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر.

بوبحة، س. (2022). الذكاء الاصطناعي: تطبيقات وانعكاسات. مجلة اقتصاد المال والأعمال.

حورية، ش. (2022). المؤثرون أو قادة الرأي الجدد على الويب 2.0: قراءة في مفاهيم السلطة والتأثير وعرض الذات والسمعة الرقمية. رقمنة، مجلة الدراسات الإعلامية والاتصالية.

الحكيم، م. م. (2021). اليوتيوبرز: كيف تبدأ قناة وتحقق الربح منها؟ القاهرة: دار العربي للنشر والتوزيع.

رزقي، ن. ا. (2018). كيف تصبح مواطناً سيئاً في الجزائر؟ الجزائر: دار سارة للنشر.

صادق، ع. م. (2008). الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع.

عامر، ف. ح. (2020). صحافة الفيديو: تقنياتها وإشكالياتها. مصر: دار العربي للنشر والتوزيع.

قدي، ع. ا. (2021). تلقي المنتجات الإعلامية عبر موقعي اليوتيوب والفيسبوك وعلاقته بإدراك الواقع الاجتماعي: دراسة إثنوغرافية على الخط لعينة من المستخدمين الشباب في الجزائر. جامعة الجزائر 3.

كريكط، ع. (2022). خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات محتوى مواقع التواصل الاجتماعي: أي دور؟ وأي علاقة؟ مجلة الإعلام والمجتمع.

الشمري، ر. د. (2020). عالم الذكاء الاصطناعي. الكويت: كلية التربية النوعية، قسم تكنولوجيا التعليم.

DataReportal. (2026). Digital 2026: Algeria. DataReportal – Global Digital Insights.

European Commission. (2024). AI Act enters into force. European Commission.

European Commission. (2025). Code of practice on marking and labelling of AI-generated content. Shaping Europe’s Digital Future.

Gates, B. (1996). Content is king. Microsoft.

Helberger, N. (2019). On the democratic role of news recommenders. Digital Journalism, 7(8), 993–1012.

Newman, N., & Cherubini, F. (2025). Journalism, media, and technology trends and predictions 2025. Reuters Institute for the Study of Journalism, University of Oxford.

Reporters Without Borders. (2023). Paris Charter on AI and Journalism. RSF.

Russell, S., & Norvig, P. (2021). Artificial intelligence: A modern approach (4th ed.). Pearson.

UNESCO. (2021/2022). Recommendation on the ethics of artificial intelligence. UNESCO.

UNESCO. (2023). Guidance for generative AI in education and research. UNESCO.

Wardle, C., & Derakhshan, H. (2017). Information disorder: Toward an interdisciplinary framework for research and policy making. Council of Europe.

عريبي حنانHannane Oaribi

جامعة يحيى فارس بالمدية Université de Yahia Farès Médéa hananeoribi@outlook.fr

© Droits d’auteur réservés aux auteurs — Articles diffusés en accès ouvert sous licence CC BY 4.0, sauf mention contraire.