المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة : دراسة في العلاقة العكسية والأثر التفسيري

Citoyenneté organisationnelle et épuisement professionnel chez les agents de la Protection civile de la wilaya de Tébessa : étude de la relation inverse et de l’effet explicatif

Organizational Citizenship Behavior and Job Burnout among Civil Protection Agents in the Wilaya of Tebessa : An Analysis of the Inverse Relationship and Explanatory Effect

لطفي دنبري عبد الحكيم حاجي

لطفي دنبري عبد الحكيم حاجي, « المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة : دراسة في العلاقة العكسية والأثر التفسيري », Aleph [], 11 May 2026, 16 May 2026. URL : https://aleph.edinum.org/16719

تتناول هذه الدراسة العلاقة بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة، انطلاقاً من افتراض أن السلوكيات التطوعية، حين تتجسد في الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ويقظة الضمير، والإيثار، يمكن أن تؤدي دوراً وقائياً في الحد من الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل. اعتمد البحث منهجاً وصفياً تحليلياً واستبانة ميدانية وُزعت على 150 عوناً، استرجعت منها 140 استبانة صالحة للتحليل. وقد أظهرت النتائج ارتفاعاً واضحاً في متوسطات المواطنة التنظيمية وانخفاضاً في متوسطات الاحتراق الوظيفي. كما بينت معاملات الارتباط والانحدار وجود أثر عكسي قوي للمواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي، إذ فسرت الأبعاد مجتمعة 92.4 % من التباين في المتغير التابع. وتؤكد الدراسة، في حدود تصميمها الارتباطي، أن بناء الالتزام ويقظة الضمير داخل المؤسسة النظامية يمثل مدخلاً مركزياً لحماية الصحة النفسية المهنية وتحسين فعالية الأداء.

Cette étude analyse la relation entre les pratiques de citoyenneté organisationnelle et l’épuisement professionnel chez les agents de la Protection civile de la wilaya de Tébessa. Elle part de l’hypothèse que les comportements extra-rôle - appartenance organisationnelle, engagement organisationnel, conscience professionnelle et altruisme - peuvent exercer un effet protecteur sur l’épuisement émotionnel, la baisse de performance et la dépersonnalisation relationnelle. La recherche adopte une démarche descriptive et analytique fondée sur un questionnaire administré à 150 agents, dont 140 réponses valides ont été traitées. Les résultats font apparaître des niveaux élevés de citoyenneté organisationnelle et des niveaux faibles d’épuisement professionnel. Les analyses de corrélation et de régression montrent un effet inverse fort de la citoyenneté organisationnelle sur l’épuisement professionnel, les dimensions prises ensemble expliquant 92,4 % de la variance du phénomène étudié. Dans les limites d’un devis corrélationnel, l’étude souligne le rôle central de l’engagement et de la conscience professionnelle dans la protection de la santé psychologique au travail et l’amélioration de l’efficacité organisationnelle.

This study examines the relationship between organizational citizenship behavior and job burnout among Civil Protection agents in the Wilaya of Tebessa. It assumes that extra-role behaviors - organizational belonging, organizational commitment, conscientiousness and altruism - may have a protective effect against emotional exhaustion, reduced performance and depersonalized interpersonal conduct. The research adopts a descriptive and analytical design based on a questionnaire administered to 150 agents, of which 140 valid responses were processed. The findings reveal high levels of organizational citizenship behavior and low levels of job burnout. Correlation and regression analyses show a strong inverse effect of organizational citizenship behavior on job burnout ; taken together, the dimensions explain 92.4 % of the variance in the dependent variable. Within the limits of a correlational design, the study highlights the central role of organizational commitment and conscientiousness in protecting occupational psychological health and improving organizational effectiveness.

مقدمة

تحتل المؤسسات العمومية الخدمية موقعاً محورياً في بنية الدولة المعاصرة، لأنها لا تكتفي بتقديم خدمات إدارية أو تقنية، بل تسهم في إنتاج الثقة الاجتماعية، وضمان الأمن الجماعي، وحماية استمرارية الحياة اليومية. وفي هذا الإطار، تمثل الحماية المدنية أحد أكثر القطاعات حساسية، إذ تتداخل فيها مقتضيات الانضباط النظامي، وسرعة الاستجابة، والعمل تحت الضغط، والتعرض المتكرر لمواقف الخطر، مع مطلب الحفاظ على جودة الخدمة العمومية وفعاليتها. لذلك يصبح تحليل سلوك العاملين داخل هذا القطاع مدخلاً ضرورياً لفهم شروط الأداء، ومصادر التماسك المهني، ومكامن الاستنزاف النفسي والتنظيمي.

يندرج مفهوم المواطنة التنظيمية ضمن حقل السلوك التنظيمي، ويشير إلى السلوكيات الطوعية التي تتجاوز الحد الأدنى من مقتضيات الدور الرسمي وبطاقة الوصف الوظيفي، مثل مساعدة الزملاء، والدفاع عن صورة المؤسسة، وقبول بعض الضغوط الظرفية، والمشاركة الإيجابية في تحسين مناخ العمل. غير أن هذه السلوكيات لا تُفهم دائماً من زاوية إيجابية خالصة؛ فإذا تحولت إلى عبء غير معترف به، أو إلى توقع ضمني دائم، فقد تسهم في إنهاك المورد البشري. ومن هنا تنشأ أهمية الربط بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، لا بوصفهما متغيرين متجاورين فقط، بل بوصفهما تعبيرين عن توازن دقيق بين العطاء الطوعي والقدرة النفسية على الاستمرار.

ويقصد بالاحتراق الوظيفي في هذه الدراسة حالة استنزاف مهني تتشكل تدريجياً نتيجة تراكم الضغوط التنظيمية والانفعالية، وتظهر في ثلاثة مؤشرات كبرى : الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل مع الآخرين. ويكتسب هذا المتغير خطورته في سلك الحماية المدنية لأن طبيعة العمل لا تسمح غالباً بفصل تام بين العبء البدني، والضغط الانفعالي، ومسؤولية حماية الأرواح والممتلكات. لذلك فإن البحث في العوامل التي تحد من الاحتراق لا يمثل ترفاً معرفياً، بل ضرورة تنظيمية وإنسانية.

تسعى هذه الدراسة إلى اختبار الأثر الذي يمكن أن تمارسه ممارسات المواطنة التنظيمية في مستويات الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة. وينطلق البحث من سؤال رئيس مفاده : إلى أي مدى تؤثر ممارسات المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة؟ وتنبثق عن هذا السؤال فرضية مركزية تقول بوجود أثر ذي دلالة إحصائية لممارسات المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي، مع افتراض آثار فرعية لكل من الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار.

وتتأسس أهمية الدراسة على مستويين متكاملين. فمن الناحية العلمية، تقدم الدراسة اختباراً ميدانياً لعلاقة لا تزال تحتاج إلى مزيد من التحليل في السياق الجزائري، ولا سيما داخل المؤسسات النظامية ذات الطابع الخدماتي. ومن الناحية التطبيقية، تتيح النتائج فهماً أدق لمصادر الحماية النفسية والتنظيمية التي يمكن أن تخفف من الاحتراق الوظيفي لدى فئة مهنية تتعامل مع الخطر والضغط بصورة شبه يومية. أما هدف الدراسة فيتمثل في قياس مستوى المواطنة التنظيمية، وتشخيص درجة الاحتراق الوظيفي، وتحليل العلاقة والأثر بينهما، ثم اقتراح توصيات تنظيمية تسهم في دعم الصحة النفسية والفعالية المهنية.

واعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، مستندة إلى استبيان موجه إلى عينة من أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة، ومعالجة إحصائية للبيانات بواسطة مؤشرات الثبات، والتحليل الوصفي، ومعاملات الارتباط، والانحدار الخطي البسيط والمتعدد. وبذلك تجمع الدراسة بين التأصيل النظري لمتغيري المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، وبين اختبارهما ميدانياً داخل قطاع عمومي ذي خصوصية مهنية وتنظيمية عالية.

1. الإطار المنهجي للدراسة

يمثّل الإطار المنهجي المدخل الإجرائي الذي يضبط مسار الدراسة، ويحدد طبيعة السؤال البحثي، وفرضياته، وحدود اشتغاله، والأدوات المعتمدة في اختبار العلاقة بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة. ولا تكتفي هذه الدراسة بوصف حضور السلوكيات الطوعية داخل المؤسسة، بل تسعى إلى قياس أثرها في أحد أكثر المتغيرات النفسية والتنظيمية حساسية، وهو الاحتراق الوظيفي، بما يسمح بفهم العلاقة بين الانخراط المهني، والدور الإضافي، والصحة النفسية داخل مؤسسة عمومية ذات طابع نظامي وخدماتي.

1.1. منطلقات الدراسة وتصميمها المنهجي

يقوم التصميم المنهجي لهذه الدراسة على الربط بين سؤال نظري يتصل بمكانة المواطنة التنظيمية في الأدبيات المعاصرة للسلوك التنظيمي، وسؤال ميداني يتعلق بمدى قدرة هذه الممارسات الطوعية على تفسير مستويات الاحتراق الوظيفي داخل قطاع مهني ذي خصوصية عالية. ومن ثم، فإن الدراسة لا تتعامل مع المواطنة التنظيمية بوصفها مجرد سلوك إيجابي إضافي، ولا مع الاحتراق الوظيفي بوصفه عرضاً نفسياً معزولاً، بل تنظر إليهما ضمن علاقة تنظيمية مركبة تجمع بين الانتماء، والالتزام، ووعي الضمير، والإيثار، من جهة، وبين الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل، من جهة ثانية.

1.1.1. إشكالية الدراسة

تتجه المؤسسات العمومية الحديثة، ولا سيما المؤسسات ذات المهام الخدماتية والأمنية، إلى الاعتماد المتزايد على المورد البشري باعتباره رأس المال الأكثر قدرة على ضمان الاستمرارية، وتحقيق جودة الأداء، وتعزيز ثقة المجتمع في الخدمة العمومية. غير أن هذا الاعتماد لا يرتبط فقط بالمهام الرسمية المحددة في بطاقات الوصف الوظيفي، بل يمتد إلى جملة من السلوكيات الطوعية التي يبديها العاملون خارج مقتضيات الدور الرسمي، مثل التعاون، والمبادرة، ومساعدة الزملاء، والحرص على صورة المؤسسة، وتحمل بعض الضغوط الظرفية دون اعتراض مباشر. وتندرج هذه الممارسات ضمن ما تصطلح عليه أدبيات السلوك التنظيمي بـ المواطنة التنظيمية.

غير أن الطابع الإيجابي الظاهر لهذه السلوكيات لا يمنع من مساءلتها علمياً، خاصة عندما تتحول من مبادرات طوعية إلى توقعات تنظيمية غير معلنة، أو إلى عبء إضافي لا يقابله اعتراف مؤسسي أو دعم نفسي كاف. ففي هذه الحالة، قد يصبح الدور الإضافي عاملاً مساعداً على الاستنزاف، أو قد يتحول، على العكس، إلى آلية حماية نفسية وتنظيمية إذا ارتبط بالانتماء، والالتزام، والتقدير، والاندماج المهني.

وتزداد هذه الإشكالية أهمية في قطاع الحماية المدنية، لأن أعوان هذا السلك يواجهون وضعيات عمل تتسم بالضغط، والاستعجال، والخطر، وكثافة الاحتكاك بالحالات الإنسانية الصعبة. فالموظف في هذا القطاع لا يؤدي عملاً إدارياً عادياً، بل يمارس وظيفة ذات حمولة إنسانية وأمنية عالية، تتطلب الانضباط، والجاهزية، وسرعة التدخل، والقدرة على التحكم في الانفعال.

وانطلاقاً من ذلك، تتحدد الإشكالية المركزية للدراسة في السؤال الآتي :

إلى أي مدى تؤثر ممارسات المواطنة التنظيمية في مستويات الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة؟

وتتفرع عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الجزئية الآتية :

  • ما مستوى ممارسات المواطنة التنظيمية لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة؟

  • ما درجة حضور مؤشرات الاحتراق الوظيفي لديهم؟

  • هل توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين أبعاد المواطنة التنظيمية وأبعاد الاحتراق الوظيفي؟

  • أيّ أبعاد المواطنة التنظيمية أكثر قدرة على تفسير التباين في الاحتراق الوظيفي؟

  • هل تسهم المواطنة التنظيمية في الحد من الاحتراق الوظيفي، أم تكشف عن علاقة أكثر تعقيداً بين الدور الإضافي والاستنزاف المهني؟

2.1.1. فرضيات الدراسة

تقوم الدراسة على فرضية عامة مفادها أن ممارسات المواطنة التنظيمية تؤثر تأثيراً ذا دلالة إحصائية في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة. ويفترض هذا التصور أن ارتفاع مستويات السلوك التنظيمي الطوعي، عندما يكون مصحوباً بالانتماء والالتزام ووعي الضمير والإيثار، يمكن أن يرتبط بانخفاض مؤشرات الاحتراق الوظيفي، ولا سيما الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل.

وتتفرع عن هذه الفرضية العامة الفرضيات الجزئية الآتية :

  • توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين الانتماء التنظيمي والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة

  • يوجد أثر ذو دلالة إحصائية للالتزام التنظيمي في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة.

  • يوجد أثر ذو دلالة إحصائية لوعي الضمير في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة

  • يوجد أثر ذو دلالة إحصائية للإيثار في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة.

  • توجد علاقة أثر كلية بين المواطنة التنظيمية، بوصفها متغيراً مستقلاً متعدد الأبعاد، والاحتراق الوظيفي، بوصفه متغيراً تابعاً متعدد المؤشرات.

3.1.1. أهمية الدراسة وأهدافها

تنبع أهمية هذه الدراسة من طبيعة الموضوع أولاً، ومن خصوصية المجال الميداني ثانياً. فمن حيث الموضوع، تجمع الدراسة بين متغيرين أساسيين في علم الاجتماع التنظيمي وعلم النفس المهني : المواطنة التنظيمية، بما تمثله من سلوكيات طوعية داعمة للفعالية المؤسسية، والاحتراق الوظيفي، بما يعكسه من استنزاف عاطفي ومهني قد يهدد جودة الأداء واستمرارية الالتزام. ومن ثم، فإن دراسة العلاقة بينهما تسمح بتجاوز المقاربة الوصفية للسلوك التنظيمي نحو فهم أعمق لديناميات التوازن بين العطاء المهني والصحة النفسية.

أما من حيث المجال، فإن اختيار قطاع الحماية المدنية يمنح الدراسة قيمة تطبيقية خاصة، لأن هذا القطاع ينتمي إلى المؤسسات العمومية ذات المسؤولية المجتمعية العالية، حيث يتداخل البعد المهني بالبعد الإنساني، وتتداخل الاستجابة التقنية مع الضغط الانفعالي. كما أن أعوان الحماية المدنية يشتغلون في بيئات تتسم بالمخاطرة والاستعجال، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة لأشكال مختلفة من الإجهاد المهني، ويجعل دراسة آليات الحماية التنظيمية والنفسية أمراً ضرورياً.

وتهدف الدراسة إلى قياس مستوى ممارسات المواطنة التنظيمية لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة، من خلال أبعاد الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار. كما تهدف إلى تشخيص درجة الاحتراق الوظيفي لدى أفراد العينة، بالاعتماد على مؤشرات الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل. وتسعى، في مستوى تحليلي أعمق، إلى اختبار طبيعة العلاقة بين المتغيرين، وتحديد الأبعاد الأكثر قدرة على تفسير التباين في الاحتراق الوظيفي، بما يسمح بصياغة توصيات تنظيمية تسهم في دعم الصحة النفسية والفعالية المهنية.

4.1.1. المنهج المعتمد ومجتمع الدراسة

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، لأنه الأنسب لطبيعة الموضوع وأهدافه. فهذا المنهج يسمح، من جهة أولى، بوصف مستويات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أفراد العينة، كما يسمح، من جهة ثانية، بتحليل العلاقات الإحصائية بين المتغيرات واختبار أثر المتغير المستقل في المتغير التابع.

ولا يقتصر توظيف المنهج الوصفي في هذه الدراسة على عرض المعطيات الرقمية، بل يمتد إلى تفسيرها في ضوء الأدبيات النظرية والدراسات السابقة، وربطها بخصوصية المجال المهني المدروس. لذلك تجمع الدراسة بين البعد الكمي، من خلال استعمال الاستبيان والمعالجة الإحصائية، والبعد التفسيري، من خلال قراءة النتائج داخل سياقها التنظيمي والاجتماعي.

ويتكون مجتمع الدراسة من أعوان الحماية المدنية العاملين بولاية تبسة. وقد اختير هذا المجال بالنظر إلى خصوصية المهام التي يضطلع بها هذا السلك، وإلى ما تفرضه طبيعة العمل من جاهزية دائمة، وتدخل في وضعيات طارئة، واحتكاك مباشر بمواقف الخطر والضغط الإنساني.

وقد تم توزيع مئة وخمسين استبانة على أفراد العينة خلال الفترة الممتدة من 14 جويلية 2024 إلى 27 جويلية 2024. وبعد مراجعة الاستبانات المسترجعة، تم الاحتفاظ بمئة وأربعين استبانة صالحة للمعالجة الإحصائية، في حين أُقصيت عشر استبانات بسبب عدم استيفائها الشروط المنهجية الضرورية للتحليل. وبذلك استندت الدراسة في نتائجها إلى عينة ميدانية قوامها 140 مفردة من أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة.

5.1.1. أداة جمع البيانات والأساليب الإحصائية

اعتمدت الدراسة على الاستبيان بوصفه أداة رئيسة لجمع البيانات، لما يوفره من إمكانية قياس الاتجاهات والتصورات والممارسات التنظيمية لدى عدد معتبر من أفراد العينة. وقد صيغت عبارات الاستبيان بما يسمح بقياس متغيري الدراسة وأبعادهما، مع مراعاة وضوح الصياغة، وقابليتها للفهم من قبل أفراد العينة، وصلتها المباشرة بمجال العمل داخل الحماية المدنية.

تكونت الاستبانة من محاور رئيسة. خصص المحور الأول للبيانات الشخصية والمهنية، مثل الجنس، والسن، والأقدمية المهنية، والصنف الوظيفي. أما المحور الثاني فخصص لقياس أبعاد المواطنة التنظيمية، وهي الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار. وخصص المحور الثالث لقياس مؤشرات الاحتراق الوظيفي، من خلال الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل.

وقد تمت معالجة البيانات بالاعتماد على برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية SPSS، واستُخدمت مجموعة من المؤشرات والأساليب الإحصائية الملائمة لطبيعة الدراسة وفرضياتها. فقد تم حساب معامل ألفا كرونباخ لقياس ثبات أداة الدراسة والتحقق من درجة اتساقها الداخلي. كما استُخدمت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لوصف مستويات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي وأبعادهما.

ولتحليل العلاقة بين المتغيرات، اعتمدت الدراسة على معامل ارتباط بيرسون، بما يسمح بتحديد اتجاه العلاقة وقوتها ودلالتها الإحصائية. أما لاختبار الأثر، فقد استُخدم الانحدار الخطي البسيط لدراسة أثر كل بعد من أبعاد المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي، كما استُخدم الانحدار الخطي المتعدد لتحليل الأثر المتزامن لأبعاد المواطنة التنظيمية في المتغير التابع.

6.1.1. حدود الدراسة واعتباراتها الأخلاقية

تتحدد هذه الدراسة بمجموعة من الحدود العلمية والميدانية. فمن الناحية الموضوعية، تقتصر الدراسة على تحليل العلاقة بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، دون التوسع في متغيرات تنظيمية أخرى يمكن أن تكون ذات أثر، مثل القيادة التنظيمية، أو العدالة التنظيمية، أو الدعم الاجتماعي، أو الرضا الوظيفي. غير أن هذه المتغيرات تبقى ممكنة الإدراج في دراسات لاحقة لتوسيع النموذج التفسيري.

ومن الناحية المكانية، أنجزت الدراسة داخل قطاع الحماية المدنية بولاية تبسة، الأمر الذي يجعل نتائجها مرتبطة بسياق تنظيمي ومهني محدد. أما من الناحية الزمنية، فقد جُمعت البيانات خلال الفترة الممتدة من 14 جويلية 2024 إلى 27 جويلية 2024، وهو ما يعني أن النتائج تعكس وضعية ميدانية مرتبطة بهذه المرحلة الزمنية.

أما من الناحية المنهجية، فتستند الدراسة إلى الاستبيان بوصفه أداة كمية، وهو ما يسمح بقياس الاتجاهات والعلاقات الإحصائية، لكنه لا يكشف دائماً عن العمق التجريبي والنفسي لتجربة الاحتراق كما يعيشها الأفراد في مساراتهم اليومية. لذلك يمكن أن تشكل المقابلات أو الملاحظة الميدانية امتداداً نوعياً مهماً لهذه الدراسة مستقبلاً.

وقد حرصت الدراسة على احترام جملة من الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالبحث الميداني داخل مؤسسة عمومية ذات طبيعة نظامية. فقد تم التعامل مع البيانات بوصفها معطيات علمية لا تستهدف الأشخاص في ذواتهم، بل تسعى إلى فهم الظواهر التنظيمية التي يعيشونها داخل بيئة العمل. كما تم الحفاظ على سرية الإجابات، وعدم ربطها بأسماء الأفراد أو مواقعهم الشخصية، بما يضمن الحد الأدنى من الأمان البحثي للمشاركين.

2.1. الدراسات السابقة وموقع الدراسة الحالية

يمثل استعراض الدراسات السابقة خطوة منهجية ضرورية في بناء الإطار المعرفي للدراسة الحالية، لأنه يسمح بتحديد موقعها ضمن الأدبيات العلمية ذات الصلة، والكشف عن أهم الاتجاهات النظرية والنتائج الميدانية التي تناولت متغيرات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي وعلاقتهما بمتغيرات أخرى، مثل الأداء الوظيفي، والالتزام التنظيمي، والرضا المهني، ونية ترك العمل، والتوازن بين العمل والحياة. ومن هذا المنطلق، تم الاعتماد على مجموعة من الدراسات العربية والأجنبية الحديثة التي تنتمي إلى سياقات مهنية ومؤسساتية متنوعة، بما يسمح بتكوين تصور أوسع عن طبيعة العلاقة بين هذه المتغيرات، وتحديد موقع الدراسة الحالية داخل هذا الحقل البحثي.

1.2.1. الدراسات المرتبطة بالمواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي

أظهرت دراسة Imaningtyas وBrahmasari وRatih سنة 2024، التي تناولت أثر الكفاءة والاحتراق والتوازن بين العمل والحياة في سلوك المواطنة التنظيمية وأداء الموظفين في مؤسسة PT. Haleyora Power ULP Bangkalan، أن للكفاءة أثراً إيجابياً في سلوك المواطنة التنظيمية وفي أداء الموظفين، بينما يمارس الاحتراق النفسي أثراً سلبياً ومعنوياً في سلوك المواطنة التنظيمية والأداء الوظيفي. وتفيد هذه النتيجة في تأكيد أن الاحتراق لا يضعف الصحة النفسية للعامل فقط، بل يحد أيضاً من قدرته على أداء السلوكيات الطوعية التي تتجاوز حدود الدور الرسمي.

أما دراسة Suwandi وBadrianto سنة 2024، فقد بحثت تأثير سلوك المواطنة التنظيمية وخصائص الوظيفة والاحتراق في نية الدوران داخل سياق صناعي إندونيسي. وقد توصلت إلى أن سلوك المواطنة التنظيمية لا يمارس أثراً معنوياً مباشراً في نية الدوران، بينما تؤثر خصائص الوظيفة والاحتراق تأثيراً معنوياً في هذه النية. وتبرز أهمية هذه الدراسة في كونها تنبه إلى أن أثر المواطنة التنظيمية قد لا يكون مباشراً دائماً، بل قد يتوسطه أو يحدده السياق التنظيمي وطبيعة الضغوط المهنية.

وفي السياق التربوي، تناولت دراسة De Rueda سنة 2024 العلاقة بين الالتزام التنظيمي واحتراق المعلمين، وانتهت إلى أن ارتفاع مستويات الإرهاق العاطفي يرتبط بانخفاض الالتزام العاطفي والمعياري. كما أوصت الدراسة بتطوير برامج للقيادة الذاتية والوقاية من الاحتراق، بما يعزز التزام العاملين ويخلق بيئة عمل أكثر صحة. وتفيد هذه الدراسة البحث الحالي في إبراز العلاقة الوثيقة بين الالتزام والاحتراق، وهي علاقة مركزية في النموذج الإجرائي المعتمد هنا.

كما ركزت دراسة Kartiko وآخرين سنة 2023 على تحسين الرضا الوظيفي للمعلمين من خلال الالتزام التنظيمي وسلوك المواطنة التنظيمية في عصر الرقمنة. وقد بينت نتائجها أن الالتزام التنظيمي وسلوك المواطنة التنظيمية يسهمان في تعزيز الرضا الوظيفي، وأن الأبعاد المرتبطة بالإيثار، والضمير، والروح الرياضية، والمجاملة، تؤدي دوراً مهماً في دعم المناخ المهني. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تبرز البعد الإيجابي للمواطنة التنظيمية بوصفها مورداً تنظيمياً داعماً للرضا والاستقرار المهني.

وتناولت دراسة Charistianty وHarjanti سنة 2024 الاحتراق الوظيفي لدى موظفي الفنادق، مركزة على أثره في سلوك المواطنة التنظيمية وأداء الموظفين. وقد أظهرت النتائج أن الاحتراق الوظيفي يعطل أداء العاملين ويضعف سلوك المواطنة التنظيمية، بينما يسهم هذا السلوك، عندما يكون حاضراً، في تحسين الأداء. وتقدم هذه الدراسة دعماً إضافياً لفكرة أن المواطنة التنظيمية لا تنفصل عن الصحة النفسية للعامل، وأن ارتفاع الاحتراق قد يحد من قدرة الموظف على الانخراط الإيجابي في المؤسسة.

أما دراسة Hameli وÇollaku وUkaj سنة 2024، فقد بحثت أثر الاحتراق الوظيفي في الرضا الوظيفي ونية تغيير المهنة لدى المحاسبين، مع اختبار الدور الوسيط للصحة النفسية. وقد خلصت إلى أن الاحتراق يؤثر تأثيراً قوياً في الصحة النفسية، وأن هذه الأخيرة تتوسط العلاقة بين الاحتراق والرضا الوظيفي من جهة، وبين الاحتراق ونية تغيير المهنة من جهة أخرى. وتفيد هذه الدراسة في تأكيد أن الاحتراق الوظيفي لا يمثل متغيراً معزولاً، بل يرتبط بشبكة أوسع من المؤشرات النفسية والتنظيمية.

2.2.1. أوجه الإفادة من الدراسات السابقة

تتيح الدراسات السابقة جملة من الخلاصات المهمة التي يستند إليها البحث الحالي. أولى هذه الخلاصات أن المواطنة التنظيمية تمثل مورداً تنظيمياً داعماً للأداء والرضا والاستقرار، لكنها ليست متغيراً بسيطاً أو أحادي الأثر، إذ يتغير أثرها باختلاف السياق المهني، وطبيعة القيادة، ونظام التحفيز، ومستوى الاعتراف المؤسسي بالدور الإضافي. وثانيها أن الاحتراق الوظيفي يرتبط عادة بانخفاض الأداء، وتراجع الالتزام، وضعف الرضا، وارتفاع نية ترك العمل أو تغيير المهنة. وثالثها أن العلاقة بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي ليست علاقة ميكانيكية، بل علاقة تتوسطها أبعاد نفسية وتنظيمية متعددة.

وقد أفادت الدراسة الحالية من هذه الأدبيات في بناء نموذجها الإجرائي، حيث تم اعتماد المواطنة التنظيمية متغيراً مستقلاً متعدد الأبعاد، والاحتراق الوظيفي متغيراً تابعاً متعدد المؤشرات. كما أسهمت الدراسات السابقة في تحديد الأبعاد الأكثر حضوراً في القياس، ولا سيما الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار، في مقابل الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل.

3.2.1. موقع الدراسة الحالية وفجوتها البحثية

على الرغم من أهمية الدراسات السابقة، فإن معظمها أنجز في سياقات مهنية أجنبية، مثل المؤسسات الصناعية، أو الفنادق، أو المدارس، أو قطاع المحاسبة. كما أن كثيراً منها ركز على العلاقة بين الاحتراق والأداء أو الرضا أو نية الدوران، بينما لم يمنح دائماً عناية كافية للعلاقة المباشرة بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي داخل مؤسسة عمومية نظامية ذات طبيعة خدماتية وأمنية.

ومن هنا تتحدد فجوة الدراسة الحالية في اختبار هذه العلاقة داخل قطاع الحماية المدنية بولاية تبسة، وهو قطاع يختلف عن كثير من المجالات المدروسة سابقاً بسبب طبيعته الطارئة، وضغطه النفسي، وارتباطه بحماية الأرواح والممتلكات. وتكمن خصوصية البحث في أنه لا يكتفي باستيراد النموذج النظري العام للمواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، بل يختبره داخل سياق جزائري ومؤسسة عمومية ذات طابع نظامي، بما يسمح بإنتاج معرفة ميدانية أكثر التصاقاً بالواقع التنظيمي المحلي.

وبذلك تحتل الدراسة الحالية موقعاً وسيطاً بين الأدبيات الدولية التي تناولت المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، وبين الحاجة إلى بناء معرفة تطبيقية محلية حول الصحة النفسية والتنظيمية للعاملين في القطاعات العمومية الحساسة. فهي تسعى إلى بيان ما إذا كانت المواطنة التنظيمية تشكل مورداً واقياً من الاحتراق الوظيفي، أم أن بعض أبعادها قد تفقد أثرها عندما تُقرأ داخل نموذج إحصائي متعدد الأبعاد. ومن ثم، فإن قيمتها لا تكمن فقط في اختبار الفرضيات، بل في فتح أفق بحثي أوسع حول شروط العمل، والدعم التنظيمي، واستدامة الأداء داخل المؤسسات النظامية الجزائرية.

2. الإطار النظري والمفاهيمي لمتغيرات الدراسة

تقتضي دراسة العلاقة بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي بناء إطار نظري ومفاهيمي يسمح بتحديد طبيعة كل متغير، وضبط أبعاده، وبيان مبررات إدخاله ضمن نموذج تفسيري واحد. فالتحليل الإحصائي لا يكتسب قيمته العلمية إلا إذا استند إلى تحديد نظري واضح للمتغيرات، وإلى تصور منهجي يبيّن لماذا يمكن افتراض علاقة أثر بين السلوكيات الطوعية التي يبديها العاملون داخل التنظيم، وبين مؤشرات الاستنزاف المهني التي قد تظهر نتيجة الضغوط المتراكمة في بيئة العمل.

وتحيل المواطنة التنظيمية، في معناها العام، إلى جملة السلوكيات الإيجابية التي تتجاوز الحدود الدنيا للدور الرسمي، ولا ترتبط دائماً بنظام مكافآت مباشر، لكنها تسهم في تحسين المناخ التنظيمي، وتعزيز الفعالية الجماعية، وترسيخ الثقة بين العامل والمؤسسة. أما الاحتراق الوظيفي فيحيل إلى حالة مركبة من الاستنزاف النفسي والمهني، تظهر تدريجياً عندما تتجاوز متطلبات العمل الموارد الفردية والتنظيمية المتاحة، فتؤدي إلى الإنهاك العاطفي، وضعف الشعور بالكفاءة، وتراجع البعد الإنساني في العلاقة المهنية.

ومن ثم، فإن الربط بين هذين المتغيرين لا يقوم على مجرد مجاورة اصطلاحية، بل يستند إلى إشكالية تنظيمية عميقة : هل تشكّل المواطنة التنظيمية مورداً وقائياً يحد من الاحتراق الوظيفي، لأنها تعزز الانتماء والالتزام والتعاون؟ أم أن السلوكيات الطوعية، عندما تتحول إلى أعباء إضافية غير معترف بها، قد تصبح نفسها أحد مصادر الاستنزاف؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في قطاع الحماية المدنية، حيث تتقاطع متطلبات الانضباط، وسرعة التدخل، والعمل تحت الضغط، والتعرض المتكرر للخطر، مع الحاجة إلى الحفاظ على الصحة النفسية والفعالية المهنية.

1.2. المواطنة التنظيمية : النشأة، المفهوم والأبعاد

تحتل المواطنة التنظيمية موقعاً مركزياً في أدبيات السلوك التنظيمي المعاصر، لأنها تنقل الاهتمام من الأداء الوظيفي بمعناه الضيق، أي إنجاز المهام المحددة في بطاقة الوصف الوظيفي، إلى الأداء التنظيمي بمعناه الواسع، حيث تتدخل المبادرة، والتعاون، والدعم المتبادل، والالتزام الطوعي، والحرص على صورة المؤسسة، بوصفها عناصر غير منصوص عليها دائماً في العقود الرسمية، لكنها ضرورية لاستمرار التنظيم وفعاليته.

ولا يمكن فهم المواطنة التنظيمية إلا ضمن تصور حديث للمؤسسة، لا يختزلها في بنية إدارية قائمة على الأوامر والقواعد والإجراءات، بل ينظر إليها بوصفها فضاءً للتفاعل الاجتماعي، وبناءً للعلاقات، وتبادلاً للثقة، وتوليداً للمعنى المهني. فالعامل لا يكون فاعلاً تنظيمياً كاملاً بمجرد قيامه بالمهام المفروضة عليه، بل حين يندمج في ثقافة المؤسسة، ويتصرف بوصفه عضواً معنياً باستقرارها ونجاحها، لا مجرد منفذ لتعليمات رسمية.

1.1.2. تاريخية مفهوم المواطنة التنظيمية

يرتبط مفهوم المواطنة التنظيمية، في صيغته الحديثة، بتطور دراسات السلوك التنظيمي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن جذوره النظرية تعود إلى نقاشات أقدم حول التعاون غير الرسمي داخل التنظيمات. فقد نبهت أعمال تشستر بارنارد إلى أهمية الرغبة في التعاون داخل المؤسسة، وإلى أن التنظيم لا يقوم فقط على الهياكل الرسمية، بل يحتاج إلى استعداد الأفراد للمساهمة في تحقيق الأهداف المشتركة. كما أبرزت دراسات هوثورن أهمية العلاقات غير الرسمية، والمشاعر، والروابط الجماعية في تفسير السلوك داخل التنظيم.

وقد أسهم كاتز وكان، من خلال تصورهما للمنظمات بوصفها أنظمة مفتوحة، في إبراز أهمية المساهمات العفوية التي لا تدخل دائماً ضمن التوصيف الوظيفي الرسمي أو التوجيهات الإدارية المباشرة. فالمنظمة، وفق هذا التصور، لا تستطيع الاستمرار بالحد الأدنى من الامتثال الوظيفي فقط، بل تحتاج إلى سلوكيات إضافية تحفظ توازنها، وتدعم قدرتها على التكيف، وتضمن استمرار التعاون بين أعضائها.

غير أن بلورة المفهوم بوصفه مصطلحاً مستقلاً ارتبطت خصوصاً بأعمال باتمان وأورغان في بداية الثمانينيات، ثم بأعمال أورغان اللاحقة التي منحت المفهوم تعريفه الأكثر تداولاً داخل الأدبيات التنظيمية. وقد انتقل السؤال، مع هذا التحول، من البحث في أسباب الرضا عن الوظيفة أو الأداء الرسمي فقط، إلى البحث في السلوكيات التي تفيد المؤسسة رغم أنها لا تكون مطلوبة رسمياً بوصفها جزءاً من الدور الوظيفي.

تشير المواطنة التنظيمية إلى السلوك الفردي التقديري الذي لا يعترف به نظام المكافآت الرسمي بصورة مباشرة أو صريحة، ولكنه يسهم، في مجموعه، في تعزيز الأداء الفعال للمنظمة.

وتكمن أهمية هذا التعريف في أنه يضع ثلاثة عناصر مركزية للمفهوم : الطوعية، وعدم الارتباط المباشر بالمكافأة الرسمية، والإسهام في الفعالية التنظيمية. فالمواطنة التنظيمية لا تعني فقط فعل الخير داخل المؤسسة، ولا تعني مجرد حسن السلوك، بل تشير إلى ممارسات تنظيمية لها أثر وظيفي، لأنها تدعم التعاون، وتخفف التوترات، وتحسن جودة الأداء الجماعي، وتزيد قدرة المؤسسة على مواجهة الطوارئ والتغيرات.

وقد وسّعت الدراسات اللاحقة هذا المفهوم وربطته بنظريات التبادل الاجتماعي، والعدالة التنظيمية، والدعم التنظيمي المدرك، والالتزام، والرضا الوظيفي. فالعامل يميل إلى أداء سلوكيات طوعية عندما يشعر بأن المؤسسة عادلة، وأن مجهوده معترف به، وأن علاقته بها لا تقوم على التعاقد البارد فقط، بل على تبادل رمزي ومهني أوسع. ومن ثم، فإن المواطنة التنظيمية لا تنبع من الفرد وحده، بل تتشكل في علاقة تفاعلية بين الفرد والتنظيم.

2.1.2. التحديد المفاهيمي للمواطنة التنظيمية

تدل المواطنة التنظيمية على مجموع السلوكيات الاختيارية التي يؤديها العامل داخل المؤسسة دون أن تكون مفروضة عليه بصورة مباشرة، ودون أن تكون مرتبطة دائماً بمكافأة صريحة. وهي بذلك تختلف عن الأداء الوظيفي الرسمي، لأن هذا الأخير يقاس عادة بمدى إنجاز المهام المحددة في المنصب، بينما تقاس المواطنة التنظيمية بمدى استعداد العامل للقيام بما يتجاوز تلك المهام، دعماً للمناخ التنظيمي وللفعالية الجماعية.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى المواطنة التنظيمية باعتبارها مفهوماً أخلاقياً مجرداً، بل باعتبارها مفهوماً تنظيمياً له وظيفة عملية. فمساعدة زميل، أو الدفاع عن صورة المؤسسة، أو احترام القواعد حتى في غياب الرقابة، أو تقديم اقتراح لتحسين الأداء، أو تحمل ضغط ظرفي دون تعطيل العمل، كلها ممارسات قد تبدو بسيطة، لكنها تسهم في تقوية النسيج التنظيمي وفي جعل المؤسسة أكثر قدرة على الاستمرار.

من أمثلة ممارسات المواطنة التنظيمية : مساعدة عون جديد على التأقلم مع بيئة العمل؛ مساندة زميل أثناء ضغط التدخلات؛ قبول ضغط ظرفي دون إحداث توتر داخل الفريق؛ الدفاع عن صورة المؤسسة؛ تقديم اقتراحات بناءة لتحسين العمل؛ والحفاظ على روح التعاون أثناء المهام الجماعية.

وتتجلى أهمية هذه الممارسات في أنها تنقل التنظيم من منطق تنفيذ المهام إلى منطق بناء الجماعة المهنية. فحين يساعد العامل زميله، أو يلتزم بقواعد المؤسسة دون رقابة مباشرة، أو يحافظ على صورة التنظيم، فإنه لا يؤدي مهمة إضافية فقط، بل يشارك في إنتاج مناخ تنظيمي قائم على الثقة والمسؤولية.

وتتقاطع المواطنة التنظيمية مع مفاهيم أخرى مثل السلوك الاجتماعي الإيجابي، وسلوك الدور الإضافي، والأداء السياقي. غير أن الفرق بينها يكمن في نطاق الاشتغال. فالسلوك الاجتماعي الإيجابي مفهوم أوسع، يمكن أن يظهر في أي سياق اجتماعي، بينما ترتبط المواطنة التنظيمية تحديداً بسياق العمل وبالأفعال التي تفيد المؤسسة أو جماعة العمل. أما الأداء السياقي فيشير إلى الأفعال التي تدعم البيئة النفسية والاجتماعية المحيطة بالأداء الرسمي، وهو قريب من المواطنة التنظيمية، لكنه لا يطابقها تماماً.

ولذلك يمكن القول إن المواطنة التنظيمية تقع في منطقة وسطى بين الأداء الرسمي والسلوك الأخلاقي العام. فهي ليست واجباً رسمياً خالصاً، وليست فعلاً خيرياً مجرداً، بل هي سلوك تنظيمي طوعي يدعم الفعالية المؤسسية. وتزداد أهميتها في المؤسسات التي تتطلب تنسيقاً جماعياً عالياً، مثل الحماية المدنية، لأن النجاح في هذا النوع من المؤسسات لا يتحقق بالمهارة التقنية وحدها، بل يحتاج إلى الانسجام، والتعاون، والثقة، والاستعداد لمساندة الآخرين في ظروف الضغط والخطر.

وتتمثل الوظائف التنظيمية للمواطنة في أنها تسهم في تحسين كفاءة الزملاء والمديرين، وتدعم الاستخدام الفعال للموارد، وتنسق العمل الجماعي، وتزيد قدرة المؤسسة على الاستجابة للتغيرات، كما تساعد على الحفاظ على العاملين ذوي الكفاءة وتعزيز استقرار المؤسسة.

لا تعمل المواطنة التنظيمية بوصفها سلوكاً هامشياً مضافاً إلى الأداء، بل بوصفها مورداً غير مادي يرفع قدرة المؤسسة على التكيف، ويقوي الثقة الداخلية، ويحول جماعة العمل من تجمع وظيفي إلى جماعة مهنية متماسكة.

3.1.2. أبعاد المواطنة التنظيمية بين الأدبيات والنموذج المعتمد في الدراسة

تتعدد أبعاد المواطنة التنظيمية في الأدبيات التنظيمية المعاصرة. فقد ركزت بعض المقاربات على الإيثار، ووعي الضمير، والروح الرياضية، والمجاملة، والفضيلة المدنية. وتشير هذه الأبعاد مجتمعة إلى الممارسات التي يبديها العامل من أجل مساعدة الآخرين، واحترام قواعد العمل، وتحمل الظروف غير المثالية، وتجنب الصراعات، والمشاركة المسؤولة في حياة المؤسسة.

غير أن تعدد الأبعاد في الأدبيات لا يعني ضرورة اعتمادها جميعاً في كل دراسة ميدانية، لأن اختيار الأبعاد يجب أن يستجيب لطبيعة المجال المدروس، ولأهداف البحث، ولقدرة الأداة القياسية على تمثيل المتغير. لذلك اعتمدت الدراسة الحالية أربعة أبعاد إجرائية للمواطنة التنظيمية، هي : الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار. وتم اختيار هذه الأبعاد لأنها أكثر التصاقاً بطبيعة سلك الحماية المدنية، حيث تتطلب الممارسة المهنية شعوراً قوياً بالانتماء، وانضباطاً والتزاماً، ورقابة ذاتية، واستعداداً لمساعدة الزملاء في وضعيات التدخل.

  1. الانتماء التنظيمي :يشير الانتماء التنظيمي إلى شعور العامل بأنه جزء من المؤسسة التي يعمل فيها، وأن علاقته بها لا تقوم على الحضور الإداري أو الوظيفي فقط، بل على ارتباط رمزي ومهني يجعله معنياً بسمعتها واستقرارها ونجاحها. فالانتماء لا يعني مجرد الانتساب إلى مؤسسة، بل يعني تشكل رابطة نفسية ومهنية بين الفرد والتنظيم..
    ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في المؤسسات النظامية، لأن الانتماء يخفف من الشعور بالعزلة، ويدعم التماسك المهني، ويقوي قدرة العامل على تحمل الضغوط. وفي قطاع الحماية المدنية، لا يكون الانتماء مجرد قيمة معنوية، بل يصبح شرطاً من شروط الأداء، لأن العمل في ظروف الطوارئ يتطلب شعوراً عالياً بالثقة المتبادلة وبالهوية الجماعية.

  2. الالتزام التنظيمي :يحيل الالتزام التنظيمي إلى استعداد العامل لاحترام أهداف المؤسسة، والمحافظة على علاقته بها، وبذل الجهد الضروري لتحقيق مهامها. وهو يختلف عن الانتماء من حيث إنه أكثر ارتباطاً بالفعل والواجب والمسؤولية، بينما يرتبط الانتماء أكثر بالهوية والشعور بالارتباط.
    ويظهر الالتزام التنظيمي في المواظبة، والانضباط، واحترام القواعد، والاستعداد لتنفيذ المهام، والدفاع عن المصلحة العامة للمؤسسة. وفي الحماية المدنية، يكتسب الالتزام قيمة مضاعفة، لأن طبيعة العمل لا تسمح بالتراخي أو التردد، بل تتطلب استعداداً دائماً للتدخل، وقدرة على تنفيذ الأوامر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الوعي المهني والمسؤولية الأخلاقية.

  3. وعي الضمير:يشير وعي الضمير إلى ميل العامل إلى أداء مهامه بدقة ومسؤولية، وتجاوز الحد الأدنى المطلوب، واحترام قواعد العمل حتى في غياب الرقابة المباشرة. ويمثل هذا البعد أحد أهم مؤشرات الرقابة الذاتية داخل المؤسسة، لأنه يكشف عن انتقال العامل من منطق الامتثال الخارجي إلى منطق المسؤولية الداخلية.
    ويتجلى وعي الضمير في الالتزام بالمواعيد، والدقة في تنفيذ المهام، والحفاظ على الوسائل، وعدم التهاون في الواجبات، والحرص على جودة الأداء. وفي المؤسسات التي تشتغل في سياقات الخطر، يصبح وعي الضمير عاملاً حاسماً، لأن أي تهاون في المهام أو في احترام الإجراءات قد يؤدي إلى نتائج مهنية وإنسانية خطيرة.

  4. الإيثار :يتمثل الإيثار في استعداد العامل لمساعدة زملائه، وتقديم الدعم لهم عند الحاجة، وتخفيف الأعباء عنهم في وضعيات العمل الصعبة. ولا يقتصر الإيثار هنا على البعد الأخلاقي، بل يكتسب وظيفة تنظيمية مباشرة، لأنه يضمن استمرار التعاون داخل الفريق، ويساعد على تقاسم الضغط، ويقلل من آثار الإرهاق الجماعي.
    ويكتسب الإيثار أهمية خاصة في الحماية المدنية، لأن التدخلات لا تُنجز غالباً بصورة فردية، بل تتطلب عملاً جماعياً قائماً على الثقة والتكامل. لذلك فإن مساعدة الزميل لا تكون سلوكاً إضافياً فقط، بل قد تصبح شرطاً للسلامة المهنية ولفعالية التدخل.

تعتمد الدراسة الحالية المواطنة التنظيمية بوصفها متغيراً مستقلاً متعدد الأبعاد، يتجلى في الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار. وتفترض أن هذه الأبعاد، حين تكون حاضرة في بيئة العمل، يمكن أن تؤثر في مستويات الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية.

2.2. الاحتراق الوظيفي : النشأة، المفهوم والأبعاد

يعد الاحتراق الوظيفي من المفاهيم المركزية في دراسات العمل والصحة النفسية المهنية، خاصة في القطاعات التي تتطلب احتكاكاً مباشراً بالآخرين، أو عملاً تحت الضغط، أو استجابة مستمرة لمواقف طارئة. ولا يمكن اختزال هذا المفهوم في التعب العادي أو الإرهاق المؤقت، لأن الاحتراق يشير إلى حالة تراكمية من الاستنزاف، تتشكل تدريجياً عندما يختل التوازن بين متطلبات العمل والموارد المتاحة للعامل.

ويكتسب الاحتراق الوظيفي أهمية خاصة في المؤسسات ذات الطابع الخدماتي والإنساني، لأن العامل لا يقدم فيها جهداً تقنياً فقط، بل يستثمر أيضاً طاقة عاطفية ومعرفية وأخلاقية في التعامل مع الآخرين. وكلما ارتفع هذا الاستثمار دون دعم كافٍ أو اعتراف مؤسسي أو إمكانات تنظيمية مناسبة، ازدادت احتمالات الاستنزاف المهني.

1.2.2. التحقيب التاريخي لمفهوم الاحتراق الوظيفي

يرتبط التداول الحديث لمفهوم الاحتراق الوظيفي بأعمال هربرت فرويدنبرغر في سبعينيات القرن العشرين، حين استعمل المصطلح لوصف حالة الاستنزاف الجسدي والانفعالي التي لاحظها لدى العاملين والمتطوعين في سياقات خدمية ضاغطة. وقد أشار فرويدنبرغر إلى أن العامل قد يبذل جهداً أكبر ووقتاً أطول، لكنه يشعر في الوقت نفسه بأن إنجازه يتناقص وأن طاقته تتآكل تدريجياً.

ثم تطور المفهوم بصورة أكثر تنظيماً مع أعمال كريستينا ماسلاش، التي أسهمت في تحويل الاحتراق الوظيفي إلى مفهوم قابل للقياس، من خلال تصوره بوصفه متلازمة ثلاثية الأبعاد تشمل الإنهاك العاطفي، وتبلد الشخصية أو نزع الطابع الإنساني عن العلاقة المهنية، وانخفاض الإنجاز الشخصي. كما ارتبط اسم ماسلاش بتطوير أداة قياس واسعة التداول هي Maslach Burnout Inventory، التي أسهمت في توسيع البحث التجريبي حول الاحتراق في مجالات مهنية متعددة.

وقد ارتبط المفهوم في بداياته بمهن المساعدة والخدمة الإنسانية، مثل الصحة، والتعليم، والعمل الاجتماعي، لأن هذه المهن تتطلب احتكاكاً مباشراً ومستمراً بالآخرين، واستثماراً عاطفياً عالياً. غير أن الأدبيات الحديثة بينت أن الاحتراق لا يقتصر على هذه المجالات، بل يمكن أن يظهر في قطاعات متعددة، كلما ارتفعت متطلبات العمل وانخفضت الموارد التنظيمية أو النفسية الداعمة.

وفي هذا السياق، يكتسب قطاع الحماية المدنية أهمية خاصة، لأن أعوان هذا السلك يواجهون مواقف طارئة، وضغطاً زمنياً، وخطراً بدنياً، ومسؤولية مباشرة عن الأرواح والممتلكات. ولذلك فإن الاحتراق الوظيفي لديهم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تعب مهني، بل بوصفه نتيجة محتملة لتراكم الضغوط العاطفية والتنظيمية والجسدية داخل بيئة عمل عالية الحساسية.

2.2.2. التحديد المفاهيمي للاحتراق الوظيفي

يمكن تعريف الاحتراق الوظيفي بأنه متلازمة مهنية تنشأ نتيجة التعرض المزمن لضغوط العمل، وتظهر في شكل إنهاك عاطفي، وانخفاض في الشعور بالكفاءة، وميل إلى التبلد أو الانسحاب في العلاقة مع الآخرين. وهو لا يشير إلى تعب مؤقت يمكن تجاوزه بالراحة، بل إلى سيرورة نفسية ومهنية تتراكم بمرور الوقت، وتؤثر في إدراك العامل لذاته، ولمهنته، ولمحيطه التنظيمي.

الاحتراق الوظيفي ليس مجرد إرهاق عابر، بل هو اختلال تدريجي في علاقة العامل بعمله، يبدأ بنفاد الطاقة العاطفية، ويمتد إلى ضعف الإحساس بالإنجاز، وقد ينتهي إلى برود أو تبلد في التعامل المهني مع الآخرين.

وينشأ الاحتراق غالباً عندما يحدث اختلال بين متطلبات العمل والموارد المتاحة. فارتفاع عبء العمل، وكثافة المهام، وضغط الوقت، وغموض الدور، وضعف الدعم الاجتماعي، وقلة الاعتراف، كلها عوامل قد تدفع العامل إلى الشعور بأن ما يُطلب منه يتجاوز قدرته على الاحتمال. ولا يعني ذلك أن العامل يحترق بسبب ضعفه الشخصي، بل يعني أن الاحتراق نتيجة تفاعل بين خصائص الفرد وشروط العمل.

وفي هذه الدراسة، يعتمد الاحتراق الوظيفي بوصفه متغيراً تابعاً متعدد الأبعاد، يتجلى في ثلاثة مؤشرات رئيسة : الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل. وقد تم اعتماد تسمية اللاإنسانية في التعامل للدلالة على ما تسميه بعض الأدبيات تبلد الشخصية أو نزع الطابع الإنساني عن العلاقة المهنية، وذلك حتى تكون الصياغة أكثر اتصالاً بسياق الاستبيان وبطبيعة الممارسة المهنية في قطاع الحماية المدنية.

تظهر مؤشرات الاحتراق الوظيفي في التعب الجسدي والعقلي والعاطفي الممتد؛ وفي الميل إلى السخرية أو الانسحاب من بيئة العمل؛ وفي الشعور بعدم الفعالية أو العجز أمام المهام؛ وفي تراجع القدرة على الحفاظ على علاقة مهنية إنسانية مع الآخرين.

3.2.2. أبعاد الاحتراق الوظيفي

تؤكد الأدبيات الحديثة أن الاحتراق الوظيفي ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن قياسها من خلال مؤشر واحد. فهو لا يظهر دائماً دفعة واحدة، بل يتشكل في مسار تدريجي، يبدأ غالباً بالإرهاق العاطفي، ثم ينعكس على الإحساس بالكفاءة، وقد يؤدي في النهاية إلى تغير في طريقة التعامل مع الآخرين.

  1. الإنهاك العاطفي: يمثل الإنهاك العاطفي البعد المركزي في الاحتراق الوظيفي، ويشير إلى شعور العامل بنفاد طاقته الانفعالية، وتراجع قدرته على الاستجابة النفسية لمتطلبات العمل. ويظهر هذا البعد في الإحساس بالتعب المستمر، وفقدان الحماس، والشعور بأن العمل أصبح يستنزف طاقة العامل أكثر مما يمنحه معنى أو إحساساً بالإنجاز.
    وفي قطاع الحماية المدنية، قد ينشأ الإنهاك العاطفي نتيجة التكرار المستمر لمواقف الخطر، أو الاحتكاك بحوادث مؤلمة، أو ضغط التدخل السريع، أو صعوبة الفصل بين العبء المهني والوقع الإنساني للحالات المعالجة. ولذلك فإن الإنهاك هنا لا يكون بدنياً فقط، بل يكون عاطفياً أيضاً، لأن العامل يتعامل مع الألم والخطر والاستغاثة بصورة متكررة.

  2. ضعف الأداء أو انخفاض الإحساس بالكفاءة: يشير هذا البعد إلى تراجع شعور العامل بقدرته على الإنجاز، أو إحساسه بأن جهده لم يعد يؤدي إلى نتائج مرضية. وقد لا يظهر ضعف الأداء في البداية بوصفه انخفاضاً موضوعياً في الإنتاجية، بل يظهر أولاً في صورة إحساس ذاتي بعدم الفاعلية، أو فقدان الثقة في القدرة على السيطرة على متطلبات العمل.
    ويعد هذا البعد بالغ الأهمية، لأن العامل الذي يفقد الإحساس بفعاليته المهنية قد يصبح أقل مبادرة، وأقل حماساً، وأكثر قابلية للانسحاب أو الاكتفاء بالحد الأدنى من الأداء. وفي مهن التدخل، حيث تكون سرعة القرار وجودة التنفيذ حاسمتين، يمكن لانخفاض الشعور بالكفاءة أن يؤثر في الأداء الفردي والجماعي معاً.

  3. اللاإنسانية في التعامل: يقابل هذا البعد في الأدبيات مفهوم تبلد الشخصية أو نزع الطابع الإنساني عن العلاقة المهنية. ويشير إلى ميل العامل إلى بناء مسافة نفسية حادة بينه وبين الآخرين، أو التعامل معهم ببرود، أو فقدان التعاطف المهني نتيجة الضغط المتراكم. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قسوة مقصودة، بل قد يكون آلية دفاع نفسية يحتمي بها العامل من كثافة الانفعال والتعرض المستمر للمواقف الصعبة.
    غير أن خطورة هذا البعد تكمن في أنه يمس جوهر المهن الإنسانية والخدماتية. ففي الحماية المدنية، لا تكفي الكفاءة التقنية وحدها، لأن التدخل يتطلب أيضاً قدرة على التواصل، والتهدئة، والتفاعل الإنساني مع الضحايا أو المواطنين أو الزملاء. لذلك فإن ارتفاع اللاإنسانية في التعامل قد يكون مؤشراً على بلوغ الاحتراق مستوى يهدد جودة الخدمة والعلاقة المهنية.

تتكامل أبعاد الاحتراق الوظيفي الثلاثة في مسار واحد : يبدأ العامل بفقدان الطاقة العاطفية، ثم يتراجع إحساسه بالكفاءة، ثم قد يلجأ إلى البرود أو الانسحاب أو التبلد في علاقته بالآخرين. ومن ثم، فإن الاحتراق لا يمثل حالة ثابتة، بل سيرورة متدرجة من الاستنزاف المهني.

4.2.2. العوامل المفسرة للاحتراق الوظيفي

لا يمكن تفسير الاحتراق الوظيفي بعامل واحد، لأنه ينتج عن تفاعل مركب بين خصائص الفرد وشروط العمل وسياق المؤسسة. ولهذا تقسم الأدبيات عوامله عادة إلى عوامل داخلية تتعلق بالفرد وتمثله لمهنته، وعوامل خارجية تتصل ببيئة العمل ومتطلباتها ومواردها.

  1. العوامل الداخلية: ترتبط العوامل الداخلية بخصائص العامل النفسية والمهنية، مثل الكفاءة الذاتية، والتقييمات الذاتية الأساسية، والرضا الوظيفي، والالتزام التنظيمي، ونمط الشخصية، وطريقة مواجهة الضغط. فالعامل الذي يمتلك كفاءة ذاتية عالية قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع المهام الصعبة، بينما قد يكون ضعف الكفاءة الذاتية سبباً في الشعور بالعجز، ومن ثم في ارتفاع قابلية الاحتراق.
    كما أن المشاركة الوظيفية المرتفعة قد تكون ذات أثر مزدوج. فهي من جهة تعزز الأداء والانخراط المهني، لكنها قد تتحول من جهة أخرى إلى مصدر للاستنزاف إذا تجاوزت حدود الطاقة النفسية والجسدية للعامل. فالانخراط المفرط في العمل، حين لا يرافقه دعم أو اعتراف أو توازن، قد يؤدي إلى إنهاك تدريجي.
    وتندرج اللامبالاة العاطفية ضمن الآليات التي قد تظهر في مسار الاحتراق، حيث يبتعد العامل عاطفياً عن الآخرين، ويفقد شيئاً من قدرته على التعاطف، وقد يتبنى موقفاً من الإحباط أو السخرية أو الانسحاب. وفي هذا السياق، لا تكون اللامبالاة سبباً فقط، بل قد تكون أيضاً نتيجة دفاعية للاحتراق.

  2. . العوامل الخارجية :تتعلق العوامل الخارجية بمتطلبات العمل وموارده. وتشمل متطلبات العمل عبء المهام، وضغط الوقت، والتعرض للخطر، وغموض الدور، والمسؤولية الثقيلة، والتعامل المتكرر مع حالات إنسانية صعبة. أما موارد العمل فتشمل الدعم الاجتماعي، والاستقلالية، والاعتراف، والعدالة التنظيمية، وضوح الأدوار، التكوين، ونظام الحوافز.
    وتفيد نظرية متطلبات العمل وموارده في تفسير الاحتراق من خلال افتراض بسيط لكنه قوي : كلما ارتفعت متطلبات العمل وتراجعت الموارد المتاحة، ارتفع احتمال الاحتراق. أما حين تتوافر الموارد التنظيمية والنفسية، فإنها تخفف من أثر المتطلبات، وتساعد العامل على الحفاظ على توازنه المهني.

جدول تركيبي منفصل :

الأسباب الدالة

المستوى

الشخصية، الكفاءة الذاتية، التقييمات الذاتية الأساسية، المشاركة المفرطة في العمل، أساليب مواجهة الضغط

الفردي/النفسي

عبء العمل، غموض الدور، ضغط الوقت، انخفاض الاستقلالية، ضعف الاعتراف

المهني

نقص الموارد، ضعف الدعم الاجتماعي، غياب العدالة التنظيمية، قصور نظام الحوافز

التنظيمي

ضغط التوقعات، التوتر في التعامل، حساسية المهام العمومية، كثافة الاحتكاك بالحالات الإنسانية

العلائقي/المجتمعي

المصدر : إعداد الباحثين بالاستناد إلى الأدبيات التنظيمية الحديثة حول الاحتراق الوظيفي.

وفي قطاع الحماية المدنية، تتداخل العوامل الخارجية والداخلية بصورة واضحة. فالعون قد يكون ملتزماً ومؤمناً برسالته المهنية، لكنه يعمل في بيئة تفرض ضغطاً زمنياً ومخاطرة بدنية وعبئاً عاطفياً. وإذا لم يقابل هذا الضغط دعم تنظيمي ونفسي مناسب، فقد يتحول الالتزام ذاته إلى مصدر للاستنزاف.

جدول تركيبي ثانٍ :

أسباب خارجية

أسباب داخلية

متطلبات العمل المرتفعة، نقص الموارد، ضعف الدعم الاجتماعي، سوء إدارة ساعات العمل، ضغط الطوارئ، غموض الدور

اللامبالاة العاطفية، المشاركة المفرطة، ضعف الكفاءة الذاتية، انخفاض الرضا، هشاشة الالتزام، سمات الشخصية

المصدر : إعداد الباحثين بالاعتماد على الأدبيات الحديثة حول متطلبات العمل وموارده وعوامل الاحتراق الوظيفي.

3.2. العلاقة النظرية بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي

لا يمكن التعامل مع العلاقة بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي بوصفها علاقة بسيطة أو أحادية الاتجاه. فمن جهة أولى، يمكن أن تؤدي المواطنة التنظيمية وظيفة وقائية، لأنها تعزز الانتماء والالتزام، وتقوي التعاون بين الزملاء، وتدعم المناخ الإيجابي داخل المؤسسة. فالعامل الذي يشعر بأنه ينتمي إلى مؤسسة عادلة، وأن جهده الطوعي معترف به، قد يكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط المهنية دون أن تتحول إلى احتراق.

ومن جهة ثانية، يمكن أن تتحول المواطنة التنظيمية إلى مصدر ضغط إذا فقدت طابعها الطوعي، أو إذا أصبحت توقعاً غير معلن من المؤسسة، أو إذا استُخدمت لتعويض نقص الموارد البشرية والتنظيمية. ففي هذه الحالة، لا يعود السلوك الإضافي تعبيراً عن الانتماء، بل يصبح عبئاً مضافاً إلى الدور الرسمي، وقد يسهم في رفع مستويات الإنهاك العاطفي.

إن السلوك نفسه قد يكون مورداً وقائياً أو عبئاً مستنزفاً، تبعاً للسياق التنظيمي الذي يحتضنه. فالمواطنة التنظيمية، حين تقوم على الاعتراف والدعم، تخفف من الاحتراق؛ أما حين تتحول إلى واجب ضمني غير معترف به، فقد تزيد من احتمالات الاستنزاف.

وعلى هذا الأساس، تكتسب الدراسة الحالية أهميتها لأنها لا تفترض بصورة تبسيطية أن المواطنة التنظيمية تخفض الاحتراق آلياً، بل تختبر هذه العلاقة ميدانياً من خلال أبعاد محددة. فقد يكون للالتزام التنظيمي ووعي الضمير أثر أقوى في خفض الاحتراق، لأنهما يرتبطان بالمسؤولية الذاتية والاندماج المهني، بينما قد يكون أثر الإيثار أو الانتماء مختلفاً عندما تدخل جميع الأبعاد في نموذج إحصائي واحد.

وتسمح هذه المقاربة بتجاوز التفسير الخطي للعلاقة بين المتغيرين، نحو فهم أكثر تركيباً. فالمواطنة التنظيمية لا تكون مفيدة في ذاتها فقط، بل تكون مفيدة عندما تُمارس داخل بيئة عمل تعترف بالسلوك الطوعي، وتحمي العامل من الإفراط في الاستنزاف، وتوفر موارد تنظيمية كافية. أما الاحتراق الوظيفي فلا يكون نتيجة ضغط العمل وحده، بل نتيجة اختلال العلاقة بين ما يقدمه العامل وما يحصل عليه من دعم واعتراف وموارد.

وفي سياق الحماية المدنية، يصبح هذا التحليل أكثر أهمية، لأن الأعوان يمارسون عملاً يتطلب بطبيعته درجة عالية من التضحية والتعاون والانضباط. غير أن استمرار هذه القيم لا يمكن أن يقوم على الاستنزاف الدائم، بل يحتاج إلى سياسات تنظيمية تحفظ التوازن بين الواجب المهني والصحة النفسية. لذلك فإن دراسة أثر المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي داخل هذا القطاع تسمح بفهم ما إذا كانت السلوكيات الطوعية تمثل مورداً داعماً للأداء، أم أن بعض أبعادها قد تحتاج إلى ضبط تنظيمي حتى لا تتحول إلى عبء إضافي.

4.2. النموذج النظري المعتمد في الدراسة

يقوم النموذج النظري المعتمد في هذه الدراسة على افتراض وجود علاقة أثر بين متغير مستقل هو المواطنة التنظيمية، ومتغير تابع هو الاحتراق الوظيفي. وتتكون المواطنة التنظيمية من أربعة أبعاد إجرائية هي : الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار. أما الاحتراق الوظيفي فيتكون من ثلاثة أبعاد هي : الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل.

ويفترض النموذج أن أبعاد المواطنة التنظيمية يمكن أن تسهم في تفسير التباين الحاصل في مستويات الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة. غير أن هذا الأثر لا يُفهم بوصفه أثراً واحداً متجانساً، بل بوصفه أثراً مركباً تختلف قوته من بعد إلى آخر. فقد تسهم بعض الأبعاد في خفض الاحتراق بصورة أوضح، بينما قد تفقد أبعاد أخرى دلالتها عند تحليلها ضمن نموذج متعدد المتغيرات.

مخطط مفهومي نصي للنموذج :

المواطنة التنظيمية
الانتماء التنظيمي — الالتزام التنظيمي — وعي الضمير — الإيثار

الاحتراق الوظيفي
الإنهاك العاطفي — ضعف الأداء — اللاإنسانية في التعامل

وتعتمد الدراسة لاختبار هذا النموذج على مستويين من التحليل. يتمثل المستوى الأول في تحليل العلاقة الجزئية بين كل بعد من أبعاد المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي. أما المستوى الثاني فيتمثل في تحليل الأثر الكلي للمواطنة التنظيمية، بوصفها متغيراً مستقلاً متعدد الأبعاد، في الاحتراق الوظيفي، بوصفه متغيراً تابعاً متعدد المؤشرات.

وبذلك يوفر هذا الإطار النظري أساساً مفاهيمياً وإجرائياً للانتقال إلى الدراسة الميدانية، حيث سيتم اختبار الفرضيات من خلال قياس مستويات المتغيرين، وتحليل الارتباطات، وتقدير نماذج الانحدار، ثم مناقشة النتائج في ضوء الأدبيات السابقة وخصوصية قطاع الحماية المدنية بولاية تبسة.

3. الدراسة الميدانية : عرض النتائج واختبار الفرضيات

تهدف هذه section إلى عرض النتائج الميدانية للدراسة وتحليلها إحصائياً في ضوء الفرضيات التي صيغت سابقاً. وبعد أن تم تحديد التصميم المنهجي للدراسة، ومجتمعها، وأداتها، وأساليبها الإحصائية في الإطار المنهجي، ينصب الاهتمام هنا على فحص ثبات الأداة، ووصف خصائص العينة، وتحليل مستويات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي، ثم اختبار العلاقة والأثر بين المتغيرين، سواء على مستوى الأبعاد الجزئية أو على مستوى النموذج الكلي.

وقد جرى تحليل البيانات بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية SPSS 22، من خلال معامل الثبات ألفا كرونباخ، والمتوسطات الحسابية، والانحرافات المعيارية، ومعامل ارتباط بيرسون، والانحدار الخطي البسيط، والانحدار المتعدد. وتسمح هذه المؤشرات بالانتقال من الوصف الإحصائي إلى اختبار القوة التفسيرية لممارسات المواطنة التنظيمية في مستويات الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة.

1.3. الخصائص السيكومترية للأداة وخصائص العينة

قبل الشروع في اختبار الفرضيات، تقتضي المعالجة الميدانية التحقق من صلاحية الأداة من حيث الاتساق الداخلي، ثم وصف الخصائص الديموغرافية والمهنية لأفراد العينة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية منهجية لأنها تتيح تقدير مدى استقرار القياس، كما تسمح بقراءة النتائج اللاحقة في ضوء طبيعة العينة المدروسة.

1.1.3. ثبات أداة الدراسة

تم قياس ثبات الاستبانة من خلال معامل ألفا كرونباخ، باعتباره من أكثر المؤشرات استعمالاً للتحقق من الاتساق الداخلي بين عبارات المقياس. ويبين الجدول الآتي قيم الثبات الخاصة بأبعاد الدراسة ومتغيراتها.

الجدول رقم (01) : معامل ثبات ألفا كرونباخ لأبعاد الدراسة ومتغيراتها

ألفا كرونباخ

عدد العبارات

الأبعاد/المتغيرات

0.598

6

بعد الانتماء التنظيمي

0.704

5

الالتزام التنظيمي

0.780

5

وعي الضمير

0.877

5

الإيثار

0.814

5

الإنهاك العاطفي

0.918

21

متغير المواطنة التنظيمية

0.791

5

ضعف الأداء

0.803

5

اللاإنسانية في التعامل

0.891

15

متغير الاحتراق الوظيفي

0.945

36

المجموع الكلي للأداة

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (01) أن معامل الثبات الكلي للأداة بلغ 0.945، وهي قيمة مرتفعة جداً تدل على اتساق داخلي قوي، وتسمح باعتماد الأداة في التحليل الإحصائي. كما سجل متغير المواطنة التنظيمية قيمة ثبات قدرها 0.918، وسجل متغير الاحتراق الوظيفي قيمة 0.891، وهما قيمتان تعكسان درجة عالية من التجانس الداخلي.

غير أن بعد الانتماء التنظيمي سجل قيمة 0.598، وهي قيمة تقع قريباً من الحد الأدنى المقبول في الدراسات الاستكشافية. ولا يضعف ذلك الأداة في مجموعها، لكنه يستدعي، في دراسات لاحقة، مراجعة صياغة بعض عبارات هذا البعد، أو اختبار بنيته العاملية، للتأكد من تجانس مؤشراته المفاهيمية.

2.1.3. الخصائص الديموغرافية والمهنية للعينة

تسمح قراءة الخصائص الديموغرافية والمهنية للعينة بفهم الإطار الاجتماعي والمهني الذي تنتج داخله إجابات المبحوثين. ويعرض الجدول الآتي توزيع أفراد العينة حسب النوع، والسن، والأقدمية المهنية، والصنف الوظيفي.

الجدول رقم (02) : الخصائص الديموغرافية والمهنية لعينة الدراسة

النسبة

الفئة

المتغير

97.1 %

ذكور

النوع

2.9 %

إناث

النوع

37.9 %

من 18 إلى 28 سنة

السن

46.4 %

من 29 إلى 39 سنة

السن

14.3 %

من 40 إلى 50 سنة

السن

1.4 %

أكثر من 50 سنة

السن

47.1 %

أقل من 10 سنوات

الأقدمية المهنية

42.9 %

من 10 إلى 20 سنة

الأقدمية المهنية

10.0 %

أكثر من 21 سنة

الأقدمية المهنية

86.3 %

صف الضباط

الصنف الوظيفي

13.5 %

الضباط السامون

الصنف الوظيفي

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

تكشف معطيات الجدول رقم (02) عن هيمنة واضحة للذكور داخل عينة الدراسة بنسبة 97.1 %، مقابل 2.9 % للإناث. ويمكن تفسير هذا التوزيع في ضوء الطبيعة المهنية والبدنية لسلك الحماية المدنية، وفي ضوء التصورات الاجتماعية السائدة حول بعض المهن النظامية التي ما تزال مرتبطة، في المخيال المهني والاجتماعي، بالقوة البدنية والجاهزية الطارئة.

كما تظهر النتائج أن الفئة العمرية الممتدة من 29 إلى 39 سنة تمثل النسبة الأعلى، إذ بلغت 46.4 %، تليها فئة 18 إلى 28 سنة بنسبة 37.9 %. ويدل هذا التوزيع على أن العينة يغلب عليها الطابع الشاب والمتوسط عمرياً، وهو ما ينسجم مع طبيعة المهنة التي تتطلب قدرة بدنية ونفسية عالية.

أما من حيث الأقدمية المهنية، فقد بلغت نسبة من تقل خبرتهم عن عشر سنوات 47.1 %، في حين بلغت نسبة من تتراوح خبرتهم بين عشر سنوات وعشرين سنة 42.9 %. وهذا يعني أن العينة تجمع بين الحيوية المهنية والخبرة المتوسطة، بما يتيح قراءة متوازنة نسبياً لمستويات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي.

2.3. التحليل الوصفي لمتغيرات الدراسة

يسمح التحليل الوصفي بتحديد مستوى حضور كل من المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أفراد العينة، قبل الانتقال إلى اختبار العلاقات والأثر. وقد تم الاعتماد في هذا المستوى على المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية.

1.2.3. التحليل الوصفي للمواطنة التنظيمية

الجدول رقم (03) : المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لمتغير المواطنة التنظيمية وأبعاده

الانحراف المعياري

المتوسط الحسابي

البعد/المتغير

0.35268

4.5107

الانتماء التنظيمي

0.42027

4.4814

الالتزام التنظيمي

0.41398

4.5314

الإيثار

0.48538

4.5257

وعي الضمير

0.39543

4.5123

متغير المواطنة التنظيمية

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

تظهر نتائج الجدول رقم (03) ارتفاع المتوسطات الحسابية لأبعاد المواطنة التنظيمية. فقد سجل بعد الإيثار أعلى متوسط حسابي بلغ 4.5314، يليه وعي الضمير بمتوسط 4.5257، ثم الانتماء التنظيمي بمتوسط 4.5107، فالالتزام التنظيمي بمتوسط 4.4814. أما المتوسط العام للمواطنة التنظيمية فقد بلغ 4.5123، بانحراف معياري قدره 0.39543.

وتدل هذه القيم على حضور مرتفع لممارسات المواطنة التنظيمية لدى أفراد العينة. كما يكشف انخفاض الانحرافات المعيارية نسبياً عن تقارب استجابات المبحوثين، وهو ما يعني أن إدراك أفراد العينة لهذه الممارسات لا يتسم بتشتت كبير. ويمكن تفسير هذا الارتفاع بطبيعة سلك الحماية المدنية، حيث تقوم الممارسة المهنية على التعاون، وروح الفريق، والانضباط، والالتزام بالواجب، وهي عناصر قريبة من بنية المواطنة التنظيمية.

2.2.3. التحليل الوصفي للاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (04) : المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية للاحتراق الوظيفي وأبعاده

الانحراف المعياري

المتوسط الحسابي

البعد/المتغير

0.51402

1.5443

الإنهاك العاطفي

0.51325

1.5400

ضعف الأداء

0.50180

1.5000

اللاإنسانية في التعامل

0.50196

1.5281

الاحتراق الوظيفي

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (04) انخفاض المتوسطات الحسابية لأبعاد الاحتراق الوظيفي. فقد بلغ متوسط الإنهاك العاطفي 1.5443، ومتوسط ضعف الأداء 1.5400، ومتوسط اللاإنسانية في التعامل 1.5000، في حين بلغ المتوسط العام للاحتراق الوظيفي 1.5281.

وتدل هذه القيم، في حدود أداة القياس المعتمدة، على أن أفراد العينة يدركون مستويات منخفضة من الاحتراق الوظيفي. كما ينسجم هذا الانخفاض مع الارتفاع المسجل في قيم المواطنة التنظيمية، مما يسمح مبدئياً بافتراض وجود علاقة عكسية بين المتغيرين. غير أن هذا الاستنتاج الوصفي يحتاج إلى اختبار إحصائي أدق عبر معاملات الارتباط ونماذج الانحدار، وهو ما تتناوله الفقرات الآتية.

3.3. اختبار الفرضيات الجزئية : العلاقة والأثر بين أبعاد المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي

يهدف هذا المستوى من التحليل إلى اختبار الفرضيات الجزئية المتعلقة بأثر كل بعد من أبعاد المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي. وقد تم الاعتماد أولاً على معامل ارتباط بيرسون لقياس اتجاه العلاقة وقوتها، ثم على الانحدار الخطي البسيط لاختبار الأثر التفسيري لكل بعد على حدة.

1.3.3. أثر الانتماء التنظيمي في الاحتراق الوظيفي

  • العلاقة بين الانتماء التنظيمي وأبعاد الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (05) : مصفوفة ارتباط بيرسون بين الانتماء التنظيمي وأبعاد الاحتراق الوظيفي

المتغير

المؤشر

الإنهاك العاطفي

ضعف الأداء

اللاإنسانية في التعامل

الاحتراق الوظيفي

الانتماء التنظيمي

معامل ارتباط بيرسون

-0.872**

-0.876**

-0.932**

-0.907**

الانتماء التنظيمي

مستوى الدلالة

0.000

0.000

0.000

0.000

الانتماء التنظيمي

حجم العينة

140

140

140

140

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

توضح نتائج الجدول رقم (05) وجود ارتباطات عكسية قوية ودالة إحصائياً بين الانتماء التنظيمي وأبعاد الاحتراق الوظيفي. فقد بلغ معامل الارتباط مع الإنهاك العاطفي r = -0.872، ومع ضعف الأداء r = -0.876، ومع اللاإنسانية في التعامل r = -0.932، وكلها دالة عند مستوى p < 0.001. كما بلغ معامل الارتباط بين الانتماء التنظيمي والاحتراق الوظيفي الكلي r = -0.907.

وتعني هذه النتائج أن ارتفاع الشعور بالانتماء التنظيمي يقترن بانخفاض مؤشرات الاحتراق الوظيفي. ويفسر ذلك بأن العامل الذي يشعر بأنه جزء من المؤسسة يكون أكثر قدرة على تحمل ضغوطها، وأكثر ميلاً إلى إدراك العمل بوصفه فضاءً للمعنى والمسؤولية، لا مجرد مصدر للضغط والاستنزاف.

  • أثر الانتماء التنظيمي في الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (06) : تحليل أثر الانتماء التنظيمي في الاحتراق الوظيفي بواسطة الانحدار الخطي البسيط

R

الخطأ المعياري

B

Beta

t

Sig.

F

Mean Square

0.907

0.822

0.21236

-1.291

-0.907

-25.271

0.000

638.636

0.045

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (06) أن الانتماء التنظيمي يؤثر تأثيراً عكسياً قوياً في الاحتراق الوظيفي. فقد بلغت قيمة معامل الارتباط R = 0.907، وبلغ معامل التحديد R² = 0.822، بما يعني أن الانتماء التنظيمي يفسر 82.2 % من التباين في الاحتراق الوظيفي ضمن نموذج الانحدار البسيط. كما جاءت قيمة معامل الانحدار B = -1.291، وقيمة Beta = -0.907، وقيمة t = -25.271، بدلالة إحصائية p < 0.001.

وبناء على ذلك، تقبل الفرضية الجزئية القائلة بوجود أثر عكسي ذي دلالة إحصائية للانتماء التنظيمي في الاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة.

2.3.3. أثر الالتزام التنظيمي في الاحتراق الوظيفي

  • العلاقة بين الالتزام التنظيمي وأبعاد الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (07) : مصفوفة ارتباط بيرسون بين الالتزام التنظيمي وأبعاد الاحتراق الوظيفي

المتغير

المؤشر

الإنهاك العاطفي

ضعف الأداء

اللاإنسانية في التعامل

الاحتراق الوظيفي

الالتزام التنظيمي

معامل ارتباط بيرسون

-0.893**

-0.892**

-0.938**

-0.921**

الالتزام التنظيمي

مستوى الدلالة

0.000

0.000

0.000

0.000

الالتزام التنظيمي

حجم العينة

140

140

140

140

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

تظهر نتائج الجدول رقم (07) أن الالتزام التنظيمي يرتبط ارتباطاً عكسياً قوياً بأبعاد الاحتراق الوظيفي. فقد بلغ معامل الارتباط مع الإنهاك العاطفي r = -0.893، ومع ضعف الأداء r = -0.892، ومع اللاإنسانية في التعامل r = -0.938، في حين بلغ معامل الارتباط مع الاحتراق الوظيفي الكلي r = -0.921، وجميعها دالة عند p < 0.001.

وتدل هذه النتائج على أن الالتزام التنظيمي يمثل أحد العوامل التنظيمية ذات الصلة الوثيقة بانخفاض الاحتراق. فكلما ازداد التزام العامل بأهداف المؤسسة وبمسؤوليته المهنية، انخفضت احتمالات إدراكه للعمل بوصفه عبئاً مستنزفاً.

  • أثر الالتزام التنظيمي في الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (08) : تحليل أثر الالتزام التنظيمي في الاحتراق الوظيفي بواسطة الانحدار الخطي البسيط

R

الخطأ المعياري

B

Beta

t

Sig.

F

Mean Square

0.921

0.849

0.19571

-1.101

-0.921

-27.863

0.000

776.371

0.038

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يشير الجدول رقم (08) إلى أن الالتزام التنظيمي يفسر 84.9 % من التباين في الاحتراق الوظيفي، وفق قيمة R² = 0.849. كما جاءت قيمة معامل الانحدار B = -1.101، وقيمة Beta = -0.921، وقيمة t = -27.863، مع دلالة إحصائية p < 0.001.

وبذلك تقبل الفرضية الجزئية القائلة بوجود أثر عكسي ذي دلالة إحصائية للالتزام التنظيمي في الاحتراق الوظيفي. وتدل النتيجة على أن الالتزام، بوصفه رابطة مهنية ومسؤولية تنظيمية، قد يؤدي دوراً واقياً من الاستنزاف المهني.

3.3.3. أثر وعي الضمير في الاحتراق الوظيفي

  • العلاقة بين وعي الضمير وأبعاد الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (09) : مصفوفة ارتباط بيرسون بين وعي الضمير وأبعاد الاحتراق الوظيفي

الاحتراق الوظيفي

اللاإنسانية في التعامل

ضعف الأداء

الإنهاك العاطفي

المؤشر

المتغير

-0.953**

-0.981**

-0.917**

-0.920**

معامل ارتباط بيرسون

وعي الضمير

0.000

0.000

0.000

0.000

مستوى الدلالة

وعي الضمير

140

140

140

140

حجم العينة

وعي الضمير

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

تكشف نتائج الجدول رقم (09) عن ارتباطات سالبة قوية جداً بين وعي الضمير وأبعاد الاحتراق الوظيفي. فقد بلغ معامل الارتباط مع الإنهاك العاطفي r = -0.920، ومع ضعف الأداء r = -0.917، ومع اللاإنسانية في التعامل r = -0.981، بينما بلغ معامل الارتباط مع الاحتراق الوظيفي الكلي r = -0.953، وجميعها دالة عند مستوى p < 0.001.

وتدل هذه القيم على أن وعي الضمير، بما يتضمنه من رقابة ذاتية ودقة وانضباط ومسؤولية، يرتبط بقوة بانخفاض مؤشرات الاحتراق. غير أن الارتفاع الشديد لبعض معاملات الارتباط، ولا سيما الارتباط بين وعي الضمير واللاإنسانية في التعامل، يستدعي منهجياً الانتباه إلى احتمال وجود تقارب قياسي بين بعض العبارات أو تداخل بين الأبعاد.

  • . أثر وعي الضمير في الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (10) : تحليل أثر وعي الضمير في الاحتراق الوظيفي بواسطة الانحدار الخطي البسيط

R

الخطأ المعياري

B

Beta

t

Sig.

F

Mean Square

0.953

0.909

0.15231

-0.986

-0.953

-37.037

0.000

1371.732

0.023

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (10) أن وعي الضمير يؤثر عكسياً وبقوة في الاحتراق الوظيفي. فقد بلغت قيمة R = 0.953، وبلغ معامل التحديد R² = 0.909، أي إن هذا البعد يفسر 90.9 % من التباين في الاحتراق الوظيفي ضمن نموذج الانحدار البسيط. كما بلغت قيمة B = -0.986، وBeta = -0.953، وt = -37.037، بدلالة إحصائية p < 0.001.

وبناء على ذلك، تقبل الفرضية الجزئية المتعلقة بوجود أثر عكسي ذي دلالة إحصائية لوعي الضمير في الاحتراق الوظيفي. وتدل هذه النتيجة على أن الرقابة الذاتية والشعور بالمسؤولية المهنية يمثلان مورداً نفسياً وتنظيمياً مهماً في مواجهة الاستنزاف.

4.3.3. أثر الإيثار في الاحتراق الوظيفي

  • العلاقة بين الإيثار وأبعاد الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (11) : مصفوفة ارتباط بيرسون بين الإيثار وأبعاد الاحتراق الوظيفي

المتغير

المؤشر

الإنهاك العاطفي

ضعف الأداء

اللاإنسانية في التعامل

الاحتراق الوظيفي

الإيثار

معامل ارتباط بيرسون

-0.747**

-0.737**

-0.803**

-0.774**

الإيثار

مستوى الدلالة

0.000

0.000

0.000

0.000

الإيثار

حجم العينة

140

140

140

140

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

تشير نتائج الجدول رقم (11) إلى وجود ارتباطات عكسية دالة بين الإيثار وأبعاد الاحتراق الوظيفي. فقد بلغ معامل الارتباط مع الإنهاك العاطفي r = -0.747، ومع ضعف الأداء r = -0.737، ومع اللاإنسانية في التعامل r = -0.803، بينما بلغ معامل الارتباط مع الاحتراق الوظيفي الكلي r = -0.774، وكلها دالة عند مستوى p < 0.001.

وتدل هذه النتائج على أن الإيثار، بوصفه استعداداً لمساعدة الزملاء وتقاسم الأعباء، يرتبط بانخفاض الاحتراق. غير أن قوة هذا الارتباط تبدو أقل من تلك المسجلة لدى الانتماء والالتزام ووعي الضمير، مما قد يعني أن الإيثار يعمل بوصفه مورداً تعاونياً، لكنه لا يملك القوة التفسيرية نفسها التي تملكها الأبعاد المرتبطة بالالتزام الذاتي والتنظيمي.

  • أثر الإيثار في الاحتراق الوظيفي

الجدول رقم (12) : تحليل أثر الإيثار في الاحتراق الوظيفي بواسطة الانحدار الخطي البسيط

R

الخطأ المعياري

B

Beta

t

Sig.

F

Mean Square

0.774

0.599

0.31897

-0.939

-0.774

-14.361

0.000

206.227

0.102

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (12) أن الإيثار يؤثر عكسياً في الاحتراق الوظيفي، حيث بلغت قيمة R = 0.774، وبلغ معامل التحديد R² = 0.599، أي إن الإيثار يفسر 59.9 % من التباين في الاحتراق الوظيفي ضمن نموذج الانحدار البسيط. كما بلغت قيمة B = -0.939، وBeta = -0.774، وt = -14.361، بدلالة إحصائية p < 0.001.

وبذلك تقبل الفرضية الجزئية القائلة بوجود أثر عكسي ذي دلالة إحصائية للإيثار في الاحتراق الوظيفي، مع ملاحظة أن قوته التفسيرية أقل من الأبعاد الأخرى للمواطنة التنظيمية.

4.3. اختبار النموذج الكلي للمواطنة التنظيمية في تفسير الاحتراق الوظيفي

بعد اختبار الأثر الجزئي لكل بعد من أبعاد المواطنة التنظيمية، تقتضي الدراسة اختبار الأثر المتزامن لهذه الأبعاد داخل نموذج انحدار متعدد. ويتيح هذا الاختبار معرفة الأبعاد التي تحتفظ بدلالتها الإحصائية عند إدخالها معاً، وتمييز الأثر الصافي لكل بعد بعد التحكم في الأبعاد الأخرى.

1.4.3. معاملات الانحدار المتعدد لأبعاد المواطنة التنظيمية

الجدول رقم (13) : معاملات الانحدار المتعدد لأبعاد المواطنة التنظيمية في تفسير الاحتراق الوظيفي

النموذج

المتغير

B

الخطأ المعياري

Beta

t

Sig.

1

الثابت

6.078

0.192

31.731

0.000

1

الانتماء التنظيمي

0.269

0.160

0.189

1.678

0.096

1

الالتزام التنظيمي

-0.541

0.132

-0.453

-4.112

0.000

1

وعي الضمير

-0.731

0.071

-0.707

-10.336

0.000

1

الإيثار

-0.006

0.051

-0.005

-0.119

0.905

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يبين الجدول رقم (13) أن أثر أبعاد المواطنة التنظيمية لا يبقى متساوياً عند إدخالها في نموذج انحدار متعدد واحد. فقد جاءت دلالة الانتماء التنظيمي p = 0.096، ودلالة الإيثار p = 0.905، وهما أكبر من مستوى الدلالة 0.05، مما يعني أنهما لا يسهمان إحصائياً في تفسير الاحتراق الوظيفي بعد التحكم في بقية الأبعاد.

في المقابل، احتفظ الالتزام التنظيمي بدلالته الإحصائية، حيث بلغت قيمة B = -0.541، وقيمة Beta = -0.453، وp < 0.001. كما ظل وعي الضمير أقوى الأبعاد تفسيراً للاحتراق الوظيفي، بقيمة B = -0.731، وBeta = -0.707، وp < 0.001.

وتكشف هذه النتيجة عن دلالة منهجية مهمة؛ إذ يبدو أن أثر الانتماء والإيثار، رغم قوته في نماذج الانحدار البسيط، يتداخل مع أثر الالتزام ووعي الضمير عند إدخال الأبعاد كلها في نموذج واحد. وهذا يعني أن البعدين الأكثر قدرة على تفسير انخفاض الاحتراق الوظيفي، في هذه العينة، هما الالتزام التنظيمي ووعي الضمير.

2.4.3. القوة التفسيرية للنموذج الكلي

الجدول رقم (14) : تحليل أثر المواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي بواسطة الانحدار المتعدد

R

الخطأ المعياري

مجموع المربعات

درجة الحرية

Mean Square

F

0.961

0.924

0.14020

2.654

135

0.020

411.675

المصدر : من إعداد الباحثين بالاعتماد على مخرجات الحزمة الإحصائية SPSS 22.

يوضح الجدول رقم (14) أن النموذج الكلي للمواطنة التنظيمية يتمتع بقوة تفسيرية مرتفعة جداً، إذ بلغت قيمة R = 0.961، وبلغ معامل التحديد R² = 0.924، بما يعني أن أبعاد المواطنة التنظيمية مجتمعة تفسر 92.4 % من التباين في الاحتراق الوظيفي لدى أفراد العينة.

وتدعم هذه النتيجة الفرضية العامة للدراسة، التي تفترض وجود أثر ذي دلالة إحصائية للمواطنة التنظيمية في الاحتراق الوظيفي. غير أن الارتفاع الكبير لقيمة معامل التحديد يستدعي قراءة منهجية حذرة، لأن القوة التفسيرية العالية جداً قد تشير، إضافة إلى قوة العلاقة، إلى احتمال وجود تداخل قياسي بين بعض الأبعاد أو تعدد خطي بين المتغيرات المستقلة. ومن ثم، سيكون من المفيد في دراسات لاحقة فحص مؤشرات التعدد الخطي، مثل معامل تضخم التباين VIF، وتحليل بقايا النموذج، أو اللجوء إلى تحليل عاملي تأكيدي للتحقق من تمايز الأبعاد.

4. مناقشة النتائج في ضوء الفرضيات والدراسات السابقة

أظهرت نتائج الدراسة حضوراً مرتفعاً لممارسات المواطنة التنظيمية لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة، مقابل انخفاض واضح في مستويات الاحتراق الوظيفي. وتسمح هذه النتيجة بقراءة العلاقة بين المتغيرين بوصفها علاقة عكسية ذات دلالة تنظيمية ونفسية : فكلما ارتفع إدراك العاملين للانتماء، والالتزام، ووعي الضمير، والإيثار، انخفضت مؤشرات الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل.

غير أن هذه العلاقة لا ينبغي تفسيرها تفسيراً سببياً نهائياً، لأن التصميم المعتمد في الدراسة وصفي ارتباطي، وهو يسمح بقياس العلاقة والأثر الإحصائي، لكنه لا يثبت بصورة قاطعة الاتجاه الزمني أو السببية النهائية. لذلك فإن القول بأن المواطنة التنظيمية تخفض الاحتراق الوظيفي يجب أن يفهم في حدود النموذج الإحصائي المعتمد، وفي ضوء طبيعة البيانات المقطعية التي جمعت خلال فترة زمنية محددة.

من الناحية الوصفية، تشير النتائج إلى أن أعوان الحماية المدنية يظهرون مستويات عالية من السلوك التنظيمي الطوعي. ويبدو ذلك منطقياً بالنظر إلى طبيعة القطاع، حيث تقوم الممارسة المهنية على الانضباط، والعمل الجماعي، وسرعة الاستجابة، والتعاون في وضعيات الخطر. فالمواطنة التنظيمية هنا لا تظهر بوصفها سلوكاً هامشياً، بل بوصفها جزءاً من الثقافة المهنية للسلك. وهذا ما يفسر ارتفاع أبعاد مثل الإيثار ووعي الضمير والانتماء.

في المقابل، جاءت مستويات الاحتراق الوظيفي منخفضة، وهو ما يمكن تفسيره، في حدود هذه الدراسة، بوجود مناخ مهني داعم نسبياً، أو بارتفاع الإحساس بالمعنى المهني لدى أفراد العينة، أو بدور الانتماء والالتزام في تخفيف إدراك الضغط. ومع ذلك، ينبغي عدم إغفال أن انخفاض المتوسطات لا يعني غياب الاحتراق تماماً، بل يعني أن مؤشرات الاحتراق، كما قاستها الأداة، لم تبلغ مستويات مرتفعة داخل العينة المدروسة.

أما على مستوى العلاقات الثنائية، فقد كشفت النتائج عن ارتباطات عكسية قوية بين كل بعد من أبعاد المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي. فقد تبين أن الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار، ترتبط جميعها بانخفاض الاحتراق. وتنسجم هذه النتائج مع الأدبيات التي ترى في المواطنة التنظيمية مورداً نفسياً وتنظيمياً يساعد على دعم الأداء، وتقوية الروابط المهنية، وتخفيف آثار الضغط.

غير أن التحليل المتعدد قدم نتيجة أكثر دقة؛ إذ أظهر أن الالتزام التنظيمي ووعي الضمير هما البعدان اللذان احتفظا بدلالتهما الإحصائية عند إدخال أبعاد المواطنة التنظيمية كلها في نموذج واحد. أما الانتماء والإيثار، فرغم دلالتهما في نماذج الارتباط والانحدار البسيط، فإن أثرهما لم يبق دالاً في النموذج المتعدد. وهذا يعني أن الأثر الظاهر لهذين البعدين قد يكون متداخلاً مع أثر الالتزام ووعي الضمير.

وتحمل هذه النتيجة دلالة علمية مهمة. فهي تعني أن المواطنة التنظيمية لا تعمل بوصفها كتلة واحدة متجانسة، بل تتكون من أبعاد تختلف في قوتها التفسيرية. فالالتزام التنظيمي يعبر عن علاقة أكثر رسوخاً بين العامل والمؤسسة، بينما يعبر وعي الضمير عن رقابة ذاتية ومسؤولية مهنية مباشرة. ولهذا قد يكونان أكثر قدرة على تفسير انخفاض الاحتراق الوظيفي من أبعاد ذات طابع وجداني أو تعاوني، مثل الانتماء والإيثار.

وتتقاطع هذه النتائج مع الدراسات التي أكدت أن الاحتراق الوظيفي يرتبط سلباً بسلوك المواطنة التنظيمية والأداء، وأن ارتفاع الالتزام والدعم النفسي والقيادة الذاتية يمكن أن يحد من آثار الضغوط المهنية. كما تنسجم مع الدراسات التي بينت أن الاحتراق لا يؤثر في العامل وحده، بل ينعكس على المناخ التنظيمي، والرضا، ونية ترك العمل، وجودة الأداء. غير أن خصوصية الدراسة الحالية تكمن في اختبار هذه العلاقة داخل قطاع الحماية المدنية في سياق جزائري، وهو قطاع لم يحظ بالقدر الكافي من البحث في هذا النوع من العلاقات التنظيمية والنفسية.

وتؤكد النتائج أيضاً أن السياسات التنظيمية لا ينبغي أن تكتفي بتشجيع السلوكيات الطوعية بصفة عامة، بل يجب أن تعمل على بناء التزام مؤسسي مستقر، وتنمية وعي ضميري منظم، وتوفير بيئة عمل لا تحول السلوك الطوعي إلى عبء نفسي. فالمواطنة التنظيمية تكون عاملاً واقياً عندما تقترن بالاعتراف، والدعم، والعدالة، والتوازن بين متطلبات العمل وموارده. أما إذا أصبحت توقعاً ضمنياً دائماً من العامل، فقد تفقد طابعها الوقائي وتتحول إلى مصدر إضافي للاستنزاف.

ومن ثم، فإن النتيجة المركزية التي يمكن استخلاصها هي أن المواطنة التنظيمية تسهم، في النموذج المدروس، في تفسير انخفاض الاحتراق الوظيفي، لكن أثرها الأقوى يمر أساساً عبر الالتزام التنظيمي ووعي الضمير. وهذا يفتح أفقاً تطبيقياً مهماً أمام إدارة الحماية المدنية، يتمثل في ضرورة دعم الالتزام الواعي لا الامتثال الشكلي، وتنمية الضمير المهني لا الإرهاق الأخلاقي، وتشجيع السلوك الطوعي دون تحويله إلى واجب غير معترف به.

تؤكد الدراسة أن المواطنة التنظيمية، عندما تقوم على الالتزام ووعي الضمير والانتماء والتعاون، يمكن أن تؤدي وظيفة وقائية من الاحتراق الوظيفي. غير أن هذه الوظيفة لا تتحقق آلياً، بل تتوقف على قدرة المؤسسة على تحويل السلوك الطوعي إلى مورد تنظيمي معترف به، لا إلى عبء إضافي صامت.خاتمة

خلصت الدراسة إلى وجود علاقة عكسية قوية بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة. فقد بينت النتائج أن ارتفاع مستويات الانتماء التنظيمي، والالتزام التنظيمي، ووعي الضمير، والإيثار يقترن بانخفاض مؤشرات الاحتراق الوظيفي، ممثلة في الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل. كما كشفت نماذج الانحدار عن قدرة تفسيرية مرتفعة للمواطنة التنظيمية في تفسير التباين الحاصل في الاحتراق الوظيفي، مع احتفاظ الالتزام التنظيمي ووعي الضمير بقوة تفسيرية أوضح داخل نموذج الانحدار المتعدد.

وتكتسب هذه النتيجة دلالتها العلمية من كونها لا تكتفي بإثبات علاقة إحصائية بين متغيرين، بل تفتح مجالاً لفهم أعمق لطبيعة الموارد التنظيمية القادرة على حماية العاملين في القطاعات النظامية من الاستنزاف المهني. فالمواطنة التنظيمية، حين تقوم على الانتماء الواعي، والالتزام المؤسسي، والرقابة الذاتية، وروح التعاون، لا تمثل مجرد سلوك إضافي خارج الدور الرسمي، بل تتحول إلى مورد نفسي وتنظيمي يسهم في تخفيف أثر الضغوط المهنية، وتعزيز التماسك الجماعي، والمحافظة على جودة الخدمة العمومية.

غير أن نتائج الدراسة تدعو، في الوقت نفسه، إلى قراءة حذرة. فالقوة التفسيرية المرتفعة جداً للنموذج الإحصائي تؤكد أهمية العلاقة بين المتغيرين، لكنها تستدعي أيضاً تعميق الفحص المنهجي في دراسات لاحقة، ولا سيما من خلال اختبار التعدد الخطي، والتحقق من الصدق العاملي للأداة، وتحليل الفروق بين الفئات المهنية، وتوسيع المجال الجغرافي للدراسة. كما أن الطبيعة الوصفية الارتباطية للتصميم المعتمد لا تسمح بالجزم بوجود سببية نهائية، بل تتيح الحديث عن علاقة أثر إحصائي داخل حدود العينة والأداة والزمن الميداني للدراسة.

وبذلك تسهم الدراسة في توسيع النقاش حول الصحة النفسية المهنية داخل المؤسسات النظامية الجزائرية، وتؤكد أن حماية المورد البشري لا تتحقق فقط عبر تحسين الوسائل المادية أو رفع الجاهزية التقنية، بل تمر أيضاً عبر إدارة عادلة للاعتراف، والمشاركة، والدعم التنظيمي، والقيادة، وتثمين السلوكيات الطوعية دون تحويلها إلى أعباء صامتة وغير معترف بها. ومن ثم، فإن استدامة الأداء في قطاع الحماية المدنية تقتضي المحافظة على التوازن بين مقتضيات الواجب المهني وحماية الصحة النفسية للعاملين الذين يتولون مهاماً يومية عالية الحساسية والخطورة.

توصيات الدراسة

في ضوء النتائج المتوصل إليها، تقترح الدراسة جملة من التوصيات العملية التي يمكن أن تسهم في تعزيز المواطنة التنظيمية والحد من مؤشرات الاحتراق الوظيفي داخل سلك الحماية المدنية.

أولاً، توصي الدراسة بضرورة مراجعة نظام الحوافز المادية والمعنوية المعتمد داخل القطاع، بما ينسجم مع طبيعة المهام التي يؤديها أعوان الحماية المدنية، ومع ما تفرضه من مخاطر جسدية ونفسية وتنظيمية. فالاعتراف المؤسسي لا ينبغي أن يظل خطاباً عاماً، بل يجب أن يترجم إلى سياسات ملموسة في الأجور، والتعويضات، والترقيات، والتثمين الرمزي للأداء.

ثانياً، تؤكد الدراسة أهمية تعزيز المشاركة الوظيفية، من خلال فتح قنوات مؤسسية منتظمة تسمح للعاملين بالتعبير عن آرائهم واقتراحاتهم في ما يتعلق بتنظيم العمل، وظروف التدخل، وآليات تحسين الأداء. فإشراك الأعوان في التفكير التنظيمي يرفع الإحساس بالانتماء، ويقوي الالتزام، ويجعل السلوك الطوعي أكثر ارتباطاً بالثقة لا بمجرد الامتثال.

ثالثاً، ينبغي تثمين الأداء الجيد الذي يقدمه أعوان الحماية المدنية من خلال مسارات ترقية أكثر شفافية، وآليات تقييم تراعي خصوصية العمل الميداني، لا المؤشرات الإدارية وحدها. فالإحساس بالعدالة في التقدير والترقية يمثل عاملاً مركزياً في دعم الالتزام التنظيمي وخفض الشعور بالاستنزاف.

رابعاً، توصي الدراسة بتكثيف برامج التكوين والتدريب، ليس فقط في الجوانب التقنية والتدخلية، بل أيضاً في مجالات إدارة الضغط، والوقاية من الاحتراق الوظيفي، والتواصل في الأزمات، والدعم النفسي الأولي، والعمل الجماعي في وضعيات الخطر. فالتكوين المستمر يمثل مورداً تنظيمياً يرفع الكفاءة الذاتية، ويخفف من أثر متطلبات العمل المرتفعة.

خامساً، تدعو الدراسة إلى إنشاء آليات مرافقة نفسية ومهنية داخل القطاع، تسمح برصد مؤشرات الإنهاك العاطفي مبكراً، وتوفير فضاءات آمنة للتفريغ النفسي والتوجيه المهني، خاصة بعد التدخلات الصعبة أو الحوادث ذات الأثر الانفعالي العالي. فالتعامل مع الاحتراق الوظيفي ينبغي أن يكون وقائياً لا علاجياً فقط.

سادساً، ينبغي الحفاظ على المواطنة التنظيمية بوصفها سلوكاً طوعياً معترفاً به، لا تحويلها إلى واجب ضمني غير معلن. فالسلوك الطوعي يفقد أثره الإيجابي عندما يصبح تعويضاً دائماً عن نقص الموارد أو سوء التنظيم. لذلك يتعين على المؤسسة أن تشجع المبادرة والتعاون، مع ضمان ألا يتحولا إلى مصدر إضافي للاستنزاف.

حدود الدراسة وآفاق البحث

تتمثل حدود هذه الدراسة، أولاً، في اعتمادها على تصميم وصفي ارتباطي، وهو تصميم يسمح بقياس العلاقة بين المتغيرات واختبار أثرها الإحصائي، لكنه لا يتيح وحده إثبات السببية النهائية أو تحديد الاتجاه الزمني للعلاقة بين المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي. لذلك سيكون من المفيد مستقبلاً اعتماد دراسات طولية تسمح بتتبع تطور العلاقة بين المتغيرين عبر الزمن.

وتتصل الحدود الثانية بالمجال المكاني للدراسة، إذ انحصرت المعاينة في ولاية تبسة، وهو ما يجعل النتائج مرتبطة بسياق تنظيمي ومهني محدد. ومن ثم، تقترح الدراسة توسيع العينة جغرافياً لتشمل ولايات أخرى، بما يسمح بالمقارنة بين بيئات مهنية متعددة داخل قطاع الحماية المدنية، وربما داخل قطاعات نظامية وخدماتية أخرى.

أما الحدود الثالثة فتتعلق بأداة جمع البيانات، حيث اعتمدت الدراسة على الاستبيان والاستجابة الذاتية للمبحوثين. ورغم أهمية هذه الأداة في الدراسات الكمية، فإنها قد لا تكشف دائماً عن العمق النفسي والتجريبي للاحتراق الوظيفي كما يعيشه العاملون في ممارساتهم اليومية. لذلك يمكن أن تستفيد الدراسات اللاحقة من المقابلات شبه الموجهة، أو الملاحظة الميدانية، أو المقاربة المختلطة التي تجمع بين القياس الكمي والفهم النوعي.

كما توصي الدراسة بإدراج اختبارات إضافية للتحقق من جودة النموذج، ولا سيما اختبار الصدق العاملي، وتحليل التعدد الخطي، وفحص بقايا الانحدار، وتحليل الفروق بين الفئات المهنية بحسب السن، والأقدمية، والرتبة، والصنف الوظيفي. كما يمكن مستقبلاً اختبار متغيرات وسيطة أو معدلة، مثل الدعم التنظيمي المدرك، والعدالة التنظيمية، ونمط القيادة، والرضا الوظيفي، والصحة النفسية.

وأخيراً، توصي الدراسة بإدراج بعد أخلاقي واضح في البحوث اللاحقة المتعلقة بالمؤسسات النظامية، يتضمن الموافقة المستنيرة، وسرية البيانات، واستقلالية المشاركة، وعدم استعمال النتائج للحكم على الأفراد أو تصنيفهم، بل لفهم شروط العمل وتحسينها. ذلك أن دراسة الاحتراق الوظيفي لا تتعلق فقط بقياس ظاهرة نفسية، بل تمس علاقة العامل بالمؤسسة وبكرامته المهنية وبحقه في بيئة عمل آمنة ومنصفة.

خاتمة

سعت هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين ممارسات المواطنة التنظيمية والاحتراق الوظيفي لدى أعوان الحماية المدنية بولاية تبسة، انطلاقاً من افتراض مركزي مفاده أن السلوكيات التنظيمية الطوعية، حين ترتبط بالانتماء والالتزام ووعي الضمير والإيثار، يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في الحد من مؤشرات الاستنزاف المهني. وقد سمح الجمع بين التأصيل النظري والمعالجة الإحصائية باختبار هذه العلاقة داخل مؤسسة عمومية نظامية ذات خصوصية مهنية عالية، حيث يتداخل الانضباط، والعمل تحت الضغط، وسرعة الاستجابة، والمسؤولية الإنسانية المباشرة.

أظهرت النتائج أن ممارسات المواطنة التنظيمية حاضرة بدرجة مرتفعة لدى أفراد العينة، في حين جاءت مؤشرات الاحتراق الوظيفي في مستويات منخفضة نسبياً. كما كشفت معاملات الارتباط ونماذج الانحدار عن علاقة عكسية قوية بين المتغيرين، بما يعني أن ارتفاع مستويات المواطنة التنظيمية يقترن بانخفاض الإنهاك العاطفي، وضعف الأداء، واللاإنسانية في التعامل. غير أن التحليل المتعدد بيّن أن الالتزام التنظيمي ووعي الضمير يمثلان البعدين الأكثر قدرة على تفسير التباين في الاحتراق الوظيفي، مقارنة بالانتماء والإيثار اللذين تراجعت دلالتهما عند إدخالهما ضمن النموذج الكلي.

وتكمن القيمة العلمية لهذه النتيجة في أنها لا تنظر إلى المواطنة التنظيمية بوصفها سلوكاً إيجابياً عاماً فحسب، بل بوصفها مورداً تنظيمياً مركباً تتفاوت أبعاده في قدرتها على حماية العامل من الاستنزاف. فالمؤسسة لا تستفيد من السلوك الطوعي بمجرد تشجيعه، بل حين تضمن له شروط الاعتراف، والدعم، والعدالة، والتوازن بين متطلبات العمل وموارده. ومن ثم، فإن المواطنة التنظيمية يمكن أن تكون عاملاً واقياً من الاحتراق الوظيفي عندما تظل مرتبطة بالاختيار، والانتماء الواعي، والمسؤولية المهنية، لا عندما تتحول إلى واجب ضمني غير معترف به.

وتؤكد الدراسة، في سياقها التطبيقي، أن حماية المورد البشري داخل سلك الحماية المدنية لا تتحقق فقط عبر تحسين الإمكانات المادية أو رفع الجاهزية التقنية، بل تقتضي أيضاً بناء بيئة تنظيمية قادرة على تثمين الجهد، وترسيخ المشاركة، ودعم الالتزام، وتوفير آليات مرافقة نفسية ومهنية للعاملين في المواقف الضاغطة. فاستدامة الأداء في القطاعات النظامية الحساسة تمر عبر التوازن بين مقتضيات الواجب المهني وحماية الصحة النفسية للفاعلين الذين يتحملون عبء حماية الأرواح والممتلكات.

ومع ذلك، تبقى نتائج هذه الدراسة مرتبطة بحدودها المنهجية والميدانية، ولا سيما اعتمادها على تصميم وصفي ارتباطي، وتمركزها في ولاية واحدة، واستنادها إلى الاستجابة الذاتية لأفراد العينة. لذلك تفتح الدراسة أفقاً لبحوث لاحقة يمكن أن تعتمد عينات أوسع، ومقارنات بين ولايات وقطاعات نظامية مختلفة، واختبارات إضافية للصدق العاملي والتعدد الخطي، فضلاً عن مقاربات نوعية قادرة على تعميق فهم التجربة النفسية والمهنية للاحتراق كما يعيشها العاملون في مساراتهم اليومية.

وبذلك يمكن القول إن الدراسة تقدم إسهاماً في فهم العلاقة بين السلوك التنظيمي الطوعي والصحة النفسية المهنية داخل مؤسسة عمومية جزائرية حساسة، وتؤكد أن الفعالية التنظيمية لا تنفصل عن جودة العلاقة بين العامل والمؤسسة، ولا عن قدرة هذه الأخيرة على تحويل المواطنة التنظيمية من مجرد استعداد فردي إلى ثقافة مؤسسية عادلة، داعمة، ومستدامة.

Abdelmohsen, N., & Ibrahim, A. (n.d.). Antecedents of job burnout in the Saudi Arabian labor market. Arab Journal of Administration, 46(3). [تستكمل الصفحات عند المراجعة النهائية].

Ali, H., Saputra, F., & Sastrodiharjo, I. (2022). Pengukuran organizational citizenship behavior : Beban kerja, budaya kerja dan motivasi (Studi literature review). Jurnal Ilmu Multidisiplin, 1(1). [تستكمل الصفحات عند المراجعة النهائية].

Benhammou, N. (2022). The relationship of job burnout with the performance of employees : Case study of the Mobilis Bechar Regional Directorate. Journal of Economics and Sustainable Development, 5(2), 1235–[تستكمل الصفحات].

Changaranchola, M. N. (2024). Organizational justice and organizational citizenship behavior : Exploring the mediating role of psychological well-being at work. Rajagiri Management Journal, 18(3). [تستكمل الصفحات].

Charistianty, A., & Harjanti, D. (2024). Job burnout among hotel employees : The impact on OCB and employee performance. Journal of Applied Management and Business, 5(1), 7–14.

Chong, C. A., Ng, L. P., & Chen, I.-C. (2024). The impact of job insecurity on job burnout among hospitality employees during the COVID-19 pandemic : The moderating role of supervisor and co-worker support. International Hospitality Review, 38(1), 160–181.

Das, L., & [اسم المؤلف الثاني غير مكتمل]. (2023). Impact of organizational justice on organizational citizenship behavior : Empirical evidence. Journal of Revolutionary Studies in Business, 8(2). [تستكمل الصفحات].

De Rueda, M. C. M. (2024). Organizational commitment and teacher burnout assessment : Inputs to self-leadership enhancement program development. Psychology and Education : A Multidisciplinary Journal, 19(4), 506–522.

Djalab, Z., & Hazerchi, T. (2021). The role of organizational culture in enhancing organizational citizenship behavior : A field study of the Algerian-Cuban Friendship Hospital for Ophthalmology in Djelfa. Strategy and Development Review, 11(2). [تستكمل الصفحات].

Ge, S., & [اسم المؤلف الثاني غير مكتمل]. (2022). Job burnout : New insights into influencing factors and solutions. Advances in Social Science, Education and Humanities Research, 670, 1359–1374.

Hameli, K., Çollaku, L., & Ukaj, L. (2024). The impact of job burnout on job satisfaction and intention to change occupation among accountants : The mediating role of psychological well-being. Industrial and Commercial Training, 56(1), 24–40. https://doi.org/10.1108/ICT-06-2023-0040

Huynh, T. M. H. (2016). Organisational citizenship behaviour in the Vietnamese cultural context [Doctoral dissertation, Sciences Po Grenoble].

Imaningtyas, G., Brahmasari, I. A., & Ratih, I. A. B. (2024). The influences of competence, burnout and work-life balance on organizational citizenship behavior and performance of employees PT. Haleyora Power ULP Bangkalan. International Journal of Economics, 3(1), 123–135.

Lubbadeh, T. (2020). Job burnout : A general literature review. International Review of Management and Marketing, 10(3), 7–15.

Mantzalas, J., Richdale, A., Li, X., & Dissanayake, C. (2024). Measuring and validating autistic burnout. Autism, 33(1). [تستكمل الصفحات].

Mbame, J.-P., & Menkes, É. (2022). Évaluation du syndrome de burnout chez les enseignants de l’Institut National de la Jeunesse et des Sports (INJS). Journal of Studies in Deviation Psychology, 7(1), 506–[تستكمل الصفحات].

Molines, M., & Fall, A. (2016). Le rôle médiateur de l’engagement au travail dans la relation entre justice organisationnelle et comportements de citoyenneté organisationnelle. Relations industrielles / Industrial Relations, 71(4), 659–689.

Mulyani, S. R., Ali, H., & Ridwan, M. (2020). Improving employee performance through perceived organizational support, organizational commitment and organizational citizenship behavior. Systematic Reviews in Pharmacy, 11(12). [تستكمل الصفحات].

Organ, D. W. (2018). Organizational citizenship behavior : Recent trends and developments. Annual Review of Organizational Psychology and Organizational Behavior, 5, 295–306. https://doi.org/10.1146/annurev-orgpsych-032117-104536

Rodríguez-Fernández, M., Herrera, J., de las Heras-Rosas, C., & Ciruela-Lorenzo, A. M. (2024). Practical implications of organizational commitment. Journal of Nursing Management. [يستكمل المجلد والعدد والصفحات].

Soelton, M., Marta, M., Paijan, P., Thoullon, M. S., Yuliantini, T., Saratian, E. T. P., & Arief, H. (2023). The knowledge sharing anomaly to improve organizational citizenship behavior. Financial Engineering, 1(1). [تستكمل الصفحات].

Sumardjo, M., & Supriadi, Y. N. (2023). Perceived organizational commitment mediates the effect of perceived organizational support and organizational culture on organizational citizenship behavior. General Management, 24(192), 376–384.

Suwandi, S., & Badrianto, Y. (2024). The effect of organizational citizenship behavior, job characteristics, and burnout on turnover intention. Ilomata International Journal of Management, 5(1), 308–319.

Taamneh, M., Aljawarneh, N., Al-Okaily, M., & Al-Oqaily, A. (2024). The impact of ethical leadership on organizational citizenship behavior in higher education : The contingent role of organizational justice. Cogent Business & Management, 11(1). [يستكمل رقم المقال أو الصفحات].

Tillou, L. (2023). Burn-out organisationnel, un mal du siècle. Revue de Recherche et Études Scientifiques, 17(1). [تستكمل الصفحات].

Worku, M. A., & Debela, K. L. (2024). A systematic literature review on organizational citizenship behavior : Conceptualization, antecedents, and future research directions. Cogent Business & Management, 11(1), Article 2350804. https://doi.org/10.1080/23311975.2024.2350804

Yavuz, D., & Ömer, K. (2024). An analysis of the effect of organizational citizenship behavior. Organizational Psychology, 14(2). [تستكمل الصفحات].

Yudi Siswadi, Jufrizen, Saripuddin, J., Farisi, S., & Sari, M. (2023). Organizational culture and organizational citizenship behavior : The mediating role of learning organizations and organizational commitment. Jurnal Riset Bisnis dan Manajemen, 16(1), 73–82.

Yustinus, B. H., Srimulyani, V. A., & Pitoyo, D. J. (2024). [عنوان المقال غير مكتمل]. Heliyon, 10(1). [يستكمل رقم المقال].

Zhanga, X., & [اسم المؤلف الثاني غير مكتمل]. (2023). Effects of transformational leadership on burnout of college teachers : The mediating role of organizational citizenship behavior. Advances in Education, Humanities and Social Science Research, 7(1), 72–80.

لطفي دنبري

Faculté des sciences sociales et humaines, Université Larbi-Ben-M’hidi, Oum El Bouaghi, Algérie — Laboratoire des problèmes sociaux dans la société algérienne
denbri.lotfi@univ-oeb.dz

عبد الحكيم حاجي

Faculté des sciences sociales et humaines, Université Larbi-Ben-M’hidi, Oum El Bouaghi, Algérie — Laboratoire des problèmes sociaux dans la société algérienneabdelhakim.hadji@univ-oeb.dz

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article