إصلاح 2003 وتعليم العربية في الابتدائي: دراسة تقويمية

Réforme de 2003 et enseignement de l’arabe à l’école primaire : étude évaluativ

The 2003 Reform and Arabic Language Teaching in Primary Education: An Evaluation Study.e

قاضي هاجر

قاضي هاجر, « إصلاح 2003 وتعليم العربية في الابتدائي: دراسة تقويمية », Aleph [], 20 January 2026, 17 February 2026. URL : https://aleph.edinum.org/15861

تتناول هذه الدراسة التجربة الجزائرية في تعليم اللغة العربية في الطور الأوّل من التعليم الابتدائي من خلال إصلاح 2003 وتعديلاته اللاحقة، ضمن منظور يجمع بين التتبّع الكرونولوجي للإصلاحات التربوية منذ الاستقلال وبين تقويمٍ ميدانيّ يستند إلى آراء الممارسين. وانطلاقاً من كون الإصلاح التربوي فعلاً مؤسسياً يتوخّى رفع جودة التعلم وتكييف المدرسة مع التحولات الاجتماعية والمعرفية، تروم الورقة الوقوف على مدى ملاءمة إصلاح 2003 ومناهجه المحسّنة (2016) والتحسينات اللاحقة (2019) لمصادر السياسة التربوية الجزائرية ومرجعياتها، ومدى انعكاس ذلك على تنظيم تعليم اللغة العربية (الحجم الساعي، الميادين، وبناء الكفاءات)، مع تركيز خاص على إدراج منهج الوعي الصوتي–الخطي في تعليم القراءة المبكرة. اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي–التحليلي، وجُمعت المعطيات بواسطة استبانة وُجّهت إلى (134) معلماً من الطورين الأوّل والثاني في مجموعة ابتدائيات تابعة لمقاطعة إدارية بالجزائر الشرقيّة. وتُبرز النتائج، من جهة، وجود فجوة معرفية لدى نسبة معتبرة من المجيبين فيما يتصل بمصادر السياسة التربوية ومرجعياتها، ومن جهة ثانية تقديراً عاماً إيجابياً لفكرة الإصلاح ومقاربة الكفاءات مع تسجيل اختلالات تطبيقية مرتبطة بكثافة المحتويات وعدم انسجام بعض الانتقالات التعلمية واحتياجات التكوين والموارد. وتختتم الورقة بجملة توصيات عملية تعزّز مأسسة المتابعة، ودعم التكوين، وتحسين الأدوات والوسائط، بما يرفع نجاعة تعليم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية.

Cet article examine l’expérience algérienne de l’enseignement de l’arabe au premier cycle de l’école primaire, en mettant l’accent sur la réforme éducative de 2003 et ses amendements ultérieurs. Il articule une mise en perspective historique des principales étapes de réforme — de la période post-indépendance aux curricula révisés/renforcés de 2016, puis aux ajustements de 2019 — avec une évaluation empirique fondée sur les perceptions des praticiens. Adoptant une démarche descriptive-analytique, l’étude s’appuie sur un questionnaire administré à 134 enseignants du primaire (classes de 1re à 4e année) dans des écoles situées dans une circonscription administrative de l’Est algérien. Les résultats mettent en évidence (1) un déficit notable de familiarité des enseignants avec les références de politique éducative et les cadres curriculaires, et (2) une appréciation globalement positive des principes directeurs de la réforme (approche par compétences et pédagogie textuelle/communicationnelle), malgré des difficultés persistantes de mise en œuvre liées à la densité des contenus, à la cohérence des progressions d’apprentissage, aux opportunités de formation et à la disponibilité des ressources pédagogiques. L’article se conclut par des recommandations opérationnelles visant à renforcer les mécanismes de suivi et d’accompagnement, le développement professionnel et les outils didactiques, afin d’améliorer l’efficacité de l’enseignement de l’arabe à l’école primaire.

This paper examines the Algerian experience of teaching Arabic in the first cycle of primary education, with a focus on the 2003 educational reform and its subsequent amendments. It combines a historical overview of major reform milestones—from the post-independence period to the 2016 revised/enhanced curricula and the 2019 adjustments—with an empirical evaluation grounded in practitioners’ perceptions. Using a descriptive-analytical approach, the study draws on a questionnaire administered to 134 primary-school teachers (Grades 1–4) in schools located in an administrative district in Eastern Algeria. The findings point to (1) a noticeable gap in teachers’ familiarity with key policy references and curriculum frameworks, and (2) an overall positive appraisal of the reform’s guiding principles (the competency-based approach and text-/communication-oriented pedagogy), alongside persistent implementation challenges related to content density, coherence of learning progressions, teacher training opportunities, and the availability of instructional resources. The paper concludes with practical recommendations to strengthen follow-up and support mechanisms, professional development, and teaching tools to improve the effectiveness of Arabic language instruction in primary education.

مقدّمة

إنّ التفكير في إصلاح النظام التربوي لا ينفصل، في الأدبيات التربوية كما في السياسات العمومية، عن التحوّلات الاجتماعية والحضارية وعن حاجة المدرسة إلى مواكبة التغيّرات المتسارعة في المعرفة والتكنولوجيا وسوق الشغل. وعليه، تُفهم الإصلاحات التربوية بوصفها استجابةً تنظيمية وبيداغوجية تُعيد ترتيب الغايات والوسائط وآليات التقويم وفق تصوّرات جديدة للتعلّم، وتعيد تعريف أدوار الفاعلين داخل القسم (المعلّم/المتعلم) وحدود الفعل البيداغوجي ومعاييره.

في هذا الإطار، طرحت وزارة التربية الوطنية مشروع إصلاح النظام التربوي الجزائري مستندةً إلى مصادر السياسة التربوية (وفي مقدّمتها الدستور الجزائري، والقانون التوجيهي للتربية الوطنية رقم 08-04 المؤرّخ في 23 جانفي/يناير 2008)، وإلى المرجعيات المؤطِّرة للمناهج (المرجعية العامة للمناهج المعدّلة وفق القانون المذكور، والدليل المنهجي لإعداد المناهج). وقد شُرع في تطبيق الإصلاح ابتداءً من الموسم الدراسي 2003/2004، ثم شهد تحسيناتٍ لاحقة أبرزها إعادة الضبط المرجعي سنة 2008، ثم إعادة كتابة المناهج سنة 2016، فضلًا عن تعديلاتٍ أخرى جرى تداولها في الميدان—خصوصًا في ما يتصل بتعليم القراءة المبكرة—تحت تسمية « مناهج الجيل الثاني » (2019).

وعلى الرغم من الوعود التي حملها الإصلاح (تعليمٌ أكثر جودة، تمركز حول المتعلم، تجديد الطرائق، تطوير الموارد، ترسيخ القيم، وتقوية الكفاءات التواصلية)، فإنّ واقع التطبيق أبرز صعوباتٍ متعددة تتصل بشروط التنزيل (التكوين، الوسائل، الاكتظاظ، وآليات المتابعة والتقويم). وهو ما يفرض مساءلة الإصلاح من منظور علميّ يتجاوز الوصف إلى التقويم المنضبط، مع التركيز على تعليم اللغة العربية بوصفها مكوّنًا محوريًا في بناء الكفايات الأساسية داخل المدرسة الابتدائية.

1. مدخلٌ منهجيّ ومفاهيميّ : تأسيس الدراسة وسياقها

1.1 الجانب المنهجي للدراسة : الإشكالية والأهداف والفرضيات

تنطلق هذه الدراسة من سؤالٍ مركزيّ يوجّه مسارها التحليلي والإجرائي، مفاده : إلى أيّ مدى حقّق إصلاحُ سنة 2003 وتعديلاته اللاحقة الغاياتَ المعلنة في تعليم اللغة العربية في التعليم الابتدائي، ولا سيّما في الطور الأوّل، في ضوء شروط التنزيل البيداغوجي داخل القسم؟

وينبني هذا السؤال على مسلّمةٍ منهجية مؤدّاها أنّ فعالية الإصلاح لا تُقاس بمضامين الوثائق المؤطِّرة وحدها، بل تُقاس كذلك بمدى قابليتها للتفعيل داخل الممارسة الصفّية، وبدرجة استيعاب الفاعلين التربويين لمرجعيات الإصلاح، وبقدرة التكوين المهني والموارد والتأطير والتقويم على مرافقة التحوّلات المنهجية.

ومن أجل تحويل هذا السؤال العام إلى مسار بحثي قابلٍ للوصف والتفسير، تتفرّع عنه أهدافٌ إجرائية محدّدة، تتمثّل في :

  1. فحص مدى اتساق إصلاح 2003 مع مصادر السياسة التربوية الجزائرية ومرجعياتها المؤسسية والبيداغوجية.

  2. تحديد درجة معرفة الممارسين التربويين بهذه المرجعيات، وما يترتّب عنها من آثار في الاختيارات الصفّية وتنظيم التعلمات.

  3. توصيف الاختلالات التطبيقية التي برّرت تحسين المناهج وإعادة كتابتها سنة 2016، ثم إدراج تعديلاتٍ لاحقة جرى تداولها في الميدان سنة 2019.

  4. تقدير درجة انسجام المناهج المحسّنة مع الغايات العامة المصرّح بها في الوثائق المؤطِّرة، ورصد مواضع الانسجام أو الفجوة بين المقاصد والمخرجات.

  5. تقويم كفاية التكوين المهني (الأولي والمستمر) لمواكبة المستجدات، ولا سيّما ما يتّصل بتعليم القراءة المبكرة وفق مقاربة الوعي الصوتي–الخطي.

وانطلاقًا من ذلك، تُصاغ الفرضيات بوصفها أحكامًا احتمالية موجِّهة للاختبار والتحقق، على النحو الآتي :

  1. تفترض الدراسة تفاوتَ درجة ملاءمة إصلاح 2003 لمصادر السياسة التربوية الجزائرية ومرجعياتها بحسب مستوى التنزيل البيداغوجي في الكتب المدرسية والوثائق المرافقة.

  2. تفترض الدراسة قصورَ معرفة نسبةٍ من الممارسين التربويين بمرجعيات السياسة التربوية، وما يترتّب عن ذلك من ضعفٍ في توجيه الاختيارات الصفّية وتنظيم الممارسات التعليمية.

  3. تفترض الدراسة وجودَ اختلالاتٍ تطبيقية في إصلاح 2003 أسهمت في الدفع نحو تحسين المناهج وإعادة كتابتها سنة 2016، ثم إدراج تعديلاتٍ لاحقة سنة 2019.

  4. تفترض الدراسة تفاوتَ درجة انسجام المناهج المحسّنة مع الغايات والمرامي المصرّح بها في الوثائق المؤطِّرة، بما قد يُنتج فجوةً بين المقاصد المعلنة والمخرجات الفعلية.

  5. تفترض الدراسة أنّ محدودية التكوين المهني (كما ونوعًا) تُعدّ عاملًا حاسمًا في تفسير تعثّر تنزيل الإصلاح داخل القسم، ولا سيّما في تطبيق المقاربات المستحدثة (المقاربة بالكفاءات، المقاربة النصّية/التواصلية، الوعي الصوتي–الخطي) وآليات تقويمها.

2.1. الإطار المفاهيمي والسياق الإصلاحي

في هذا القسم، نعتمدُ تأطيرًا مزدوجًا : مفاهيميًا يضبط الدلالات الإجرائية للمصطلحات المستعملة في تقويم الإصلاح (الإصلاح التربوي، المقاربة بالكفاءات، المقاربة النصّية/التواصلية، الوعي الصوتي–الخطي…) وسياقيًا يعيد بناء المسار الإصلاحي في الجزائر بوصفه سيرورةً تاريخية تتداخل فيها رهانات الهوية والسيادة اللغوية مع مقتضيات الفعالية والجودة. والغاية من هذا التأطير أن تُقرأ النتائج الميدانية في ضوء شروطها المرجعية والمؤسسية، وأن يُحدَّد موضع الانسجام أو الاختلال بين الأهداف المعلنة وآليات التنزيل داخل القسم.

  1. تعريف الإصلاح التربوي (مفهومٌ تشغيلي) : الإصلاح من الجذر « صلح »، وفي أدبيات التربية يقارب معنى « إزالة الخلل » و« تحسين الأداء ». وهو—في الاصطلاح التربوي—عمليةُ إعادة نظر شاملة في النظام التعليمي من حيث الغايات والبنى والتنظيم والبرامج والوسائط وطرائق التقويم، بما ينسجم مع حاجات المجتمع ومتطلبات المدرسة ومعايير الجودة. وبذلك فهو ليس إجراءً ظرفيًا يُقاس بأثرٍ آنيّ، بل سيرورةٌ تخطيطية تقوم على :

  • التشخيص (تحديد مواطن القوة والقصور)

  • التصميم (بناء الخيارات والبدائل)

  • التنفيذ (تحويل الخيارات إلى مقررات ووسائط)

  • المتابعة (رصد شروط التطبيق ومعوقاته)

  • التقويم (قياس الأثر وتعديل المسار)

  • كما تفترض هذه السيرورة شروطًا مؤسسية لازمة لتحويل المبادئ إلى ممارسات قابلة للتحقق، من قبيل : التكوين، والموارد، والتأطير، وأدوات التقويم، وآليات التغذية الراجعة.

  1. مفاهيم إجرائية موجِّهة لتقويم الإصلاح (ضبط المصطلحات) حتى يكون الحديث عن الإصلاح قابلاً للتقويم العلمي، لا بدّ من تحويل المفاهيم الكبرى إلى دلالاتٍ تشغيلية يمكن رصدها في الوثائق أو في الممارسة الصفّية، ومن أبرز ذلك :

  • المقاربة بالأهداف : تنظيم التعلمات حول أهداف سلوكية/إجرائية محدَّدة سلفًا، مع التركيز على قابلية القياس والتدرّج، بما ينسجم مع منطق التخطيط الدقيق للدرس وتجزئة التعلمات إلى وحدات صغيرة قابلة للتحقق.

  • المقاربة بالكفاءات : نقل مركز الثقل من تجميع المعارف إلى تعبئة الموارد (معارف/مهارات/مواقف) داخل وضعياتٍ ذات معنى، بما يجعل المتعلّم فاعلًا في بناء التعلم، ويجعل التقويم مرتبطًا بالإنجاز والأداء المركّب لا بالحفظ وحده.

  • المقاربة النصّية : اعتبار النصّ (شفويًا/كتابيًا) وحدةً للتعلّم؛ فيُبنى تعليم اللغة على الفهم، وإنتاج المعنى، وتنظيم الخطاب، والاشتغال على التماسك والاتساق، بدل الاقتصار على الجمل المعزولة أو القواعد المفصولة عن الاستعمال.

  • المقاربة التواصلية : ربط تعلّم اللغة بوظائفها الاستعمالية (التلقي/الإنتاج/التفاعل)، وتمكين المتعلّم من إنجاز مهامّ تواصلية متنوعة وفق مقاصد وسياقات، مع حضورٍ واضح لمبدأ “اللغة في الاستعمال”.

  • الوعي الصوتي–الخطي : مقاربة تدعم القراءة المبكرة عبر تنمية الوعي بالعلاقة بين الفونيم (الصوت) والغرافيم (الحرف/الرسم)، بما يعزّز مهارات فكّ الترميز والتعرّف السمعي/البصري على الوحدات الصوتية، ويُيسّر الانتقال من التعرف إلى الفهم القرائي.

  1. السياق الإصلاحي في الجزائر : مسارٌ متدرّج ورهاناتٌ مركّبة :عرفت الجزائر، منذ الاستقلال، مسارًا إصلاحيًا متدرجًا في قطاع التربية والتعليم، تداخلت فيه اعتبارات الهوية والسيادة اللغوية مع رهانات التحديث والفعالية. ويُفهم هذا المسار بوصفه انتقالًا من بناء المدرسة الوطنية وتوحيد فرص التمدرس، إلى تحديث المناهج وتنظيم التعلمات وفق مرجعياتٍ بيداغوجية جديدة، وصولًا إلى تحسيناتٍ تستجيب لاختلالات تطبيقية ظهرت في الميدان، ولا سيّما في مجال القراءة وفهم المكتوب.

  2. محطة 1976 : بناء المدرسة الأساسية وترسيخ الاختيارات الكبرى : يُعدّ إصلاح 1976 أول إصلاح تربوي شامل بعد الاستقلال، وقد تأسّس قانونيًا على الأمر رقم 76-35 المؤرَّخ في 16 أفريل 1976، وارتبط باختيارات كبرى رسمت ملامح المدرسة الوطنية في أهدافها وهويتها، ومن ذلك :

  • خيار الدين : الإسلام دين الدولة.

  • خيار النظام : الديمقراطية — السلطة من الشعب وللشعب.

  • الخيار اللساني : العربية لغة رسمية.

كما صاغ الإصلاح غايات تربوية محورية، من أبرزها :

  • ترسيخ مجانية وإلزامية التعليم الأساسي لمدة تسع سنوات.

  • بناء منظومة أصيلة في مضامينها وإطاراتها وبرامجها.

  • توحيد فرص التمدرس لكل الأطفال، والانفتاح على العلوم والتكنولوجيا.

وبيداغوجيًا، ارتبطت هذه المرحلة بما عُرف بالمقاربة بالأهداف وببداية تفعيل “المدرسة الأساسية” ابتداءً من الموسم الدراسي 1980/1981 مع تعديلات لاحقة، بما يعكس تركيزًا على الضبط الهيكلي للمنظومة أكثر من التركيز على آليات التعلم اللغوي الدقيقة داخل القسم.

  1. محطة 2003 : المقاربة بالكفاءات وإعادة تنظيم تعليم اللغة العربية : في هذا السياق، شُكِّلت اللجنة الوطنية لإصلاح النظام التربوي سنة 2000 لإنجاز تقييمٍ تشخيصيّ يحدِّد مواطن القوة ومكامن القصور ويقترح ملامح سياسة تربوية جديدة. وقد حافظ إصلاح 2003 على مكاسب إصلاح 1976، وتميّز عنه—على الصعيد البيداغوجي—باعتماده المقاربة بالكفاءات في إعداد المناهج والكتب المدرسية، وما يترتّب عن ذلك من تمركز للعملية التعليمية-التعلّمية حول المتعلّم بوصفه فاعلًا يبني معارفه ويعبّئها داخل وضعياتٍ ذات معنى.

وفي تعليم اللغة العربية، استدعت المقاربة بالكفاءات تفعيل المقاربة النصّية والمقاربة التواصلية، بحيث غدا تعلم اللغة قائمًا على مبدأ التلقي والإنتاج، وتمكين المتعلّم من إدماج موارده في إنجاز مهام تواصلية متنوعة. غير أنّ التطبيق الميداني كشف—في عدد من السياقات—عن اختلالاتٍ تتصل بضعف التناغم بين ما تقترحه الوثائق المؤطِّرة وما يتحقّق فعليًا داخل الفصول، فضلًا عن تفاوت في جودة التعلم؛ وهو ما يجعل “نجاعة الإصلاح” رهينةً بعوامل تتجاوز النصوص إلى شروط التنزيل :

  • التكوين (الأولي والمستمر)

  • الموارد والوسائط

  • التأطير والمتابعة

  • أدوات التقويم ومعايير الإنجاز

  1. محطة 2016 : المناهج المحسّنة وضبط الانسجام المرجعي والتنظيم البيداغوجي :أدرجت المناهج المحسّنة لسنة 2016 تغييرات ركّزت أساسًا على المحتويات وطرائق التعليم دون المساس بالبنية العامة للمواد أو أحجامها الساعية، مع التأكيد على الانسجام مع القانون التوجيهي للتربية الوطنية رقم 08-04. وقد تعزّز حضور القيم الوطنية والاختيارات البيداغوجية الداعمة للتعلم النشط، بما يعكس توجّهًا نحو جعل التعلم أكثر وظيفية وتشاركية. ومن أبرز ملامح التحسين :

  • اعتماد منظورٍ قريب من البنائية الاجتماعية بما يعطي الأولوية لاستراتيجيات التعلم التشاركي وتطوير الكفاءة التواصلية.

  • تكامل المفاهيم لتحقيق الانسجام الأفقي والعمودي بين المواد، وتحديد الكفاءات العرضية والقيم بدقة ضمن “تشاركية المواد”.

  • مراعاة الشمولية والقابلية للتطبيق والمقروئية والوجاهة وقابلية التقويم، واعتماد هيكلة تراعي محاور : المعرفي، والبيداغوجي، والنسقي، والقيمي.

وعلى مستوى التنظيم البيداغوجي للمقاطع التعليمية، يُدرَّس المقطع في أربعة أسابيع بيداغوجية :

  • ثلاثة أسابيع للوضعيات التعلمية.

  • أسبوع للإدماج والتقويم والمعالجة.

كما تُقدَّم الوضعية المشكلة الانطلاقية في الأسبوع الأول، تليها وضعيات تعلم جزئية، ثم الإدماج، فالتقويم، ثم المعالجة لتدارك مواطن الضعف؛ وهو تنظيم يرمي إلى جعل التقويم جزءًا من التعلم لا إجراءً لاحقًا منفصلًا عنه.

  1. محطة 2019 : تحسيناتٌ تشخيصية وإدراج الوعي الصوتي–الخطي لدعم القراءة المبكرة : سجّلت المفتشيات، عبر إرسالياتها، اختلالات في بعض أنشطة اللغة العربية، ولا سيّما في ميدان “فهم المكتوب”، وهو ما استدعى توجّهًا نحو تشخيصٍ أوسع يربط الأخطاء بمكوّنات القراءة الأساسية. وجراء ذلك بادرت الوزارة إلى تحقيق وطني شمل عشر ولايات بغرض تشخيص الأخطاء وتفسيرها وربطها بمهارات القراءة والكتابة. وقد أظهرت نتائجُ هذا التوجّه التشخيصي—بحسب ما ترويه الوثائق الميدانية—أن جزءًا معتبرًا من الصعوبات يعود إلى عدم تمكن المتعلمين من المبادئ الأساسية للقراءة، الأمر الذي وجّه التعديلات اللاحقة إلى تدعيم تعليم القراءة المبكرة عبر منهج الوعي الصوتي–الخطي بما ينمّي فهم العلاقة بين السمة الصوتية السمعية وبنية الحرف الخطية، ويعزّز مهارات فكّ الترميز والتعرّف البصري/السمعي على الوحدات الصوتية. ويتضمن الوعي الصوتي–الخطي عددًا من المهارات الإجرائية، من قبيل :

  • التمييز.

  • التقطيع.

  • العزل.

  • التصنيف.

  • الحذف.

  • الإضافة.

  • الاستبدال.

وهي مهارات تُسهم في تشكيل وعيٍ بنيوي بالعلاقة بين الفونيم والغرافيم، وتيسّر الانتقال من مستوى التعرف إلى مستوى الفهم القرائي، بما يجعلها أداةً تفسيرية مهمّة عند قراءة نتائج الدراسة الميدانية، خاصةً حين تتعلق المؤشرات بصعوبات فكّ الترميز أو تعثر الفهم أو تفاوت الأداء بين الأقسام والمدارس.

3.1. تنظيمُ تعليمِ اللغةِ العربيةِ في الطورِ الأوّلِ من التعليمِ الابتدائي : الحجمُ السّاعيُّ والمؤشّراتُ الزمنية

استكمالًا لتوصيف السياق الإصلاحي، يقتضي تحليلُ تعليم اللغة العربية في الطور الابتدائي الوقوفَ عند بعض المؤشرات التنظيمية التي تُترجم اختيارات المناهج إلى معطياتٍ قابلة للرصد، وفي مقدّمتها الحجم السّاعيّ المخصّص للمادّة عبر سنوات التمدرس. فالحجم السّاعيّ لا يُقرأ بوصفه رقمًا محايدًا، بل باعتباره مؤشرًا دالًّا على مكانة اللغة العربية داخل الخريطة الزمنية للتعلّم وعلى طبيعة الأهداف المنتظرة في كلّ سنة؛ إذ يفترض ارتفاعه في السنوات الأولى دعمًا لبناء المهارات الأساسية (الحرف/الصوت، القراءة، الكتابة)، ثم يميل إلى الانخفاض النسبي مع انتقال المتعلّم إلى مرحلة التوسيع والتوظيف داخل ميادين الفهم والإنتاج. وفي هذا الإطار، يقدّم الجدول الآتي صورةً مركّزة للحجم الساعي الأسبوعيّ المخصّص للغة العربية في مرحلتي التعليم الابتدائي، تمهيدًا لقراءة ما يقابله من كفاياتٍ مستهدفة في القراءة والإنتاج.

الجدول رقم (01) : يمثّل الحجمَ السّاعيَّ الأسبوعيَّ المخصّصَ للّغةِ العربيّةِ في التّعليمِ الابتدائيّ
(وحدة القياس : ساعة/دقيقة)

الأطوار التعليمية

السنوات

الحجم الساعي

الطور الأوّل (ابتدائيّ)

السنة الأولى

11 س 15 د

الطور الثاني (ابتدائيّ)

السنة الثالثة

9 س

المصدر : اعتمادًا على الإطار العام لمناهج مرحلة التعليم الابتدائي، 2016، ص 23.

يُبيّن الجدول رقم (01) أنّ الحجم السّاعيّ المخصّص للّغة العربيّة في الطور الأوّل من التعليم الابتدائيّ (السنة الأولى والسنة الثانية) مرتفعٌ نسبيًا (11 س 15 د أسبوعيًا في كل سنة)، وهو ما ينسجم مع كون هذه المرحلة مرحلةَ تأسيسٍ لغويّ يُراد منها تثبيت مبادئ القراءة والكتابة وبناء الرصيد المعجميّ والتّركيبيّ الأوليّ. ثمّ يتناقص هذا الحجم في الطور الثاني (9 س في السنة الثالثة، و8 س 15 د في السنة الرابعة)، بما يدلّ على انتقالٍ تدريجيّ من منطق “التأسيس” إلى منطق “التوسيع والتوظيف”، أي من تعلّم مبادئ النظام الكتابيّ إلى تعميق الفهم القرائيّ وتثمين الإنتاج الشفهي والكتابي ضمن وضعياتٍ تواصلية أكثر تركيبًا.

وقبل التحاق المتعلّم بالسنة الأولى، يكون—في العادة—قد اكتسب معارفَ أوليّة ورصيدًا لغويًا معتبرًا في قسم المرحلة التحضيرية، بما يؤهّله للالتحاق بالتعليم الابتدائي بقدرٍ من اليسر. وفي السنة الأولى، يعمّق المتعلّم معرفته بالحروف خلال الفصلين الأول والثاني، ثم يتمكّن في الفصل الثالث من قراءة نصوصٍ بسيطة يغلب عليها النمط الحواريّ، تتراوح بين عشر (10) كلمات وأربعين (40) كلمة، وتكون مشكولةً تشكيلًا تامًا. كما يمكنه إنتاجُ نصوصٍ بسيطة تتكوّن من أربع (4) إلى ستّ (6) جمل في وضعياتٍ تواصلية دالّة، تتضمّن تراكيبَ وصيغًا تُقدَّم وفق منوالٍ محدَّد.

أمّا في السنة الثانية من التعليم الابتدائيّ، فيُخصَّص الفصل الأول من السنة الدراسية لمراجعة الحروف وتثبيت المكتسبات، ثم ينطلق المتعلمون في قراءة نصوصٍ قصيرة يغلب عليها الطابع التوجيهيّ، تتألّف—وفق المرجع—من ثمانين (80) كلمة، وتكون مشكولةً تشكيلًا تامًا. وفي ميدان الإنتاج، يتمكّن المتعلّم من إنتاج نصوصٍ قصيرة مكوّنة من ستّ (6) إلى ثماني (8) جمل. ويؤطَّر الهدف المرجوّ من هذا الطور بما نصّه : « شحن رغبة التلميذ في التعلّم وجعله توّاقًا للمعرفة، بما يمكّنه من البناء التدريجي لتعلّماته الأساسية، وذلك بالتحكّم في اللغة العربية شفاهةً وكتابةً وقراءةً » (الإطار العام لمناهج مرحلة التعليم الابتدائي، 2016 : 23).

4.1. الميادين والأنشطة التعلُّمية في تعليم اللغة العربية بالابتدائي

تمهيدٌ موجز : يقتضي تحليلُ تنظيم تعليم اللغة العربية في مرحلة التعليم الابتدائي الوقوفَ عند البنية الوظيفية للمنهاج كما تتجلّى في توزيع التعلمات على « ميادين » و« أنشطة » وحصص أسبوعية؛ لأنّ هذا التنظيم لا يعبّر عن ترتيبٍ زمنيّ فحسب، بل يكشف عن منطق التدرّج في بناء الكفايات : من تثبيت مبادئ القراءة والكتابة في الطور الأوّل إلى تعميقها وتوسيعها وتوظيفها في الطور الثاني، مع مراعاة تكامل الفهم والإنتاج شفهيًا وكتابيًا. وعليه، تُقرأ الجداول الآتية بوصفها مؤشراتٍ وثائقية تُحدِّد ما « ينبغي » أن يتحقق وفق البرمجة الرسمية، بما يسمح لاحقًا بمقارنة هذا التصوّر بما تكشفه المعطيات الميدانية (الاستبانة) من تمثلاتٍ وممارساتٍ وصعوبات.

تُدرَّس أنشطة اللغة العربية في الطورين الأوّل والثاني ضمن أربعة ميادين كبرى : فهم المنطوق، والإنتاج الشفهي، وفهم المكتوب، والإنتاج الكتابي. ويتدرّج المتعلّم في الطور الأوّل من التعرف الصوتي إلى التعرف الخطي وتثبيت الحروف في كراس القسم ودفتر الأنشطة، ثم ينتقل في السنة الثانية إلى الفهم القرائي تدريجيًا. أمّا الطور الثاني (السنة الثالثة والرابعة) فيسعى إلى تعميق التعلمات الأساسية وتحسين التحكم في اللغة، مع توظيف الظواهر اللغوية النحوية والصرفية والإملائية داخل سياقات نصية ووضعيات تواصلية ذات معنى.

الجدول (02) : ميادين اللغة العربية في الطور الأوّل (السنة الأولى/السنة الثانية).

عدد الحصص

الأنشطة التعلّمية

الميادين

01

فهم المنطوق : نصّ قصير يسمعه المتعلّم ويتفاعل معه.

فهم المنطوق

01

مسرحة أحداث النص المنطوق (إنتاج شفوي يلي النص المنطوق).

الإنتاج الشفهي

01

تراكيب وصيغ.

الإنتاج الشفهي

01

التدرّب على الإنتاج الشفهي.

الإنتاج الشفهي

03

قراءة جمالية — قراءة واكتشاف الحرف الأوّل — قراءة واكتشاف الحرف الثاني.

فهم المكتوب

02

المحفوظات.

فهم المكتوب

02

كتابة الحرف الأوّل — كتابة الحرف الثاني.

الإنتاج الكتابي

02

إملاء (تثبيت الحرف الأوّل والحرف الثاني).

الإنتاج الكتابي

01

ألعاب قرائية (حصّة إدماجية).

الإنتاج الكتابي

01

التدريب على الإنتاج الكتابي.

الإنتاج الكتابي

15 حصّة

المصدر : دليل السنة الأولى ابتدائي « اللغة العربية » (2016 : 14).

قراءة موجزة : يبرز الجدول (02) أنّ الطور الأوّل يركّز على تأسيس الموارد القاعدية للغة عبر توازنٍ بين الفهم والإنتاج في الشفهي والكتابي، كما تؤدّي « المحفوظات » وظيفةً داعمة لتعزيز الرصيد اللغوي والتذوق، إلى جانب دورها التحفيزي في رفع الدافعية نحو التعلم.

أمّا الطور الثاني الذي يضمّ السنة الثالثة والرابعة ابتدائيّ، فإنه يسعى إلى تعميق التعلمات الأساسية وتحسين التحكم في اللغة العربية. وبعد تحقيق ملمح الخروج والكفاءة الشاملة للطور الأوّل، يُنتظر من متعلم السنة الثالثة قراءة نصوص أصيلة تتراوح من ثمانين (80) إلى مئة (100) كلمة، مشكولة جزئيًا، يغلب عليها النمط السردي، مع توظيف المقاربة النصّية في بناء الفهم وتنمية الإنتاج.

الجدول (03) : ميادين اللغة العربية في الطور الثاني (السنة الثالثة).

عدد الحصص

الأنشطة التعلّمية

الميادين

01

نصّ قصير من نمط سردي يسمعه المتعلّم، مع أنشطة فهم وتفاعل.

فهم المنطوق

01

تراكيب وصيغ.

الإنتاج الشفهي

01

التدرّب على الإنتاج الشفهي في وضعيات تواصلية.

الإنتاج الشفهي

05

قراءة جمالية (فهم النص، توظيف، إثراء الرصيد...) وأنشطة مرافقة.

فهم المكتوب

03

تطبيقات كتابية تتبع حصص القراءة الأولى.

الإنتاج الكتابي

01

التدرّب على الإنتاج الكتابي.

الإنتاج الكتابي

01

نصوص للحفظ تعزز الرصيد اللغوي والتذوق.

المحفوظات

المجموع : 12 حصّة

المصدر : دليل السنة الثالثة (2017/2018 : 36–37).

في السنة الرابعة، يُنتظر من المتعلم قراءة نصوص يتراوح حجمها تقريبًا بين مائة (100) كلمة ومائة وثلاثين (130) كلمة، مشكولة جزئيًا، مع غلبة الأنماط الوصفية/السردية بحسب البرمجة. وتُستثمر هذه النصوص وفق المقاربة النصّية في تعليم الظواهر اللغوية النحوية والصرفية والإملائية بصورةٍ أكثر صراحة، في حين يُطلب في ميدان الإنتاج الكتابي إنتاجُ نصوصٍ أطول نسبيًا يتراوح حجمها من ستّة (06) إلى ثمانية (08) أسطر.

الجدول (04) : ميادين اللغة العربية في الطور الثاني (السنة الرابعة).

عدد الحصص

الأنشطة التعلّمية

الميادين

01

نصّ قصير من نمط سردي يسمعه المتعلّم، مع أنشطة فهم وتفاعل.

فهم المنطوق

01

تراكيب وصيغ.

الإنتاج الشفهي

01

التدرّب على الإنتاج الشفهي في وضعيات تواصلية.

الإنتاج الشفهي

05

قراءة جمالية (فهم النص، توظيف، إثراء الرصيد...) وأنشطة مرافقة.

فهم المكتوب

03

تطبيقات كتابية تتبع حصص القراءة الأولى.

الإنتاج الكتابي

01

التدرّب على الإنتاج الكتابي.

الإنتاج الكتابي

01

نصوص للحفظ تعزز الرصيد اللغوي والتذوق.

المحفوظات

: 12 حصة.

المصدر : دليل استخدام كتاب السنة الرابعة ابتدائي (2017/2018 : 34).

ملاحظة تنظيمية : تشير الوثائق إلى أن متعلم السنة الثانية يخصّص الفصل الأول لمراجعة الحروف، ثم ينطلق في قراءة نصوص قصيرة يغلب عليها الطابع التوجيهي. كما يُنتظر من متعلم السنة الرابعة قراءة نصوص يتراوح حجمها تقريبًا بين 100 و130 كلمة، مشكّلة جزئيًا، مع مراعاة تنويع الأنماط بين الوصفي والسردي بحسب البرمجة.

يوضّح هذا التنظيم أنّ بناء الكفايات اللغوية في الابتدائي يجري وفق منطق تدرّج يربط بين التلقي والإنتاج، وبين الشفهي والكتابي، ويجعل النصّ إطارًا ناظمًا للتعلّم في الطور الثاني بصورةٍ أوضح. وعليه، فإنّ أيّ قراءةٍ لنتائج الدراسة الميدانية ينبغي أن تستحضر هذه البنية الوثائقية بوصفها مرجعًا للمقارنة : أين يتحقق الانسجام مع المقاصد؟ وأين تظهر الفجوة بسبب شروط التنزيل (التكوين، الوسائل، حجم الأفواج، آليات التقويم)؟

2. المنهجية وإجراءات الدراسة

تستند هذه الدراسة إلى مقاربةٍ منهجيةٍ تجمع بين الوصف والتحليل، انطلاقًا من أنّ تقويم الإصلاح التربوي لا يكتمل بالرجوع إلى النصوص المؤطِّرة وحدها، بل يقتضي أيضًا تتبّع شروط تنزيلها داخل الممارسة الصفّية كما يعبّر عنها الفاعلون المباشرون. وبناءً على ذلك، يجري الاشتغال على مستويين متكاملين : (أ) مستوى وثائقي يرصد التنظيم الرسمي لتعليم اللغة العربية في التعليم الابتدائي (الحجم الساعي، الميادين، الأنشطة، التدرّج)، و(ب) مستوى ميداني يعتمد أداة الاستبانة لاستقصاء تمثلات المعلّمين/الأساتذة حول الإصلاح، ودرجة معرفتهم بمرجعياته، وما يواجهونه من صعوبات عند تطبيق المقاربات المستحدثة، ولا سيّما ما يتصل بتعليم القراءة المبكرة وفق الوعي الصوتي–الخطي.

وعلى المستوى الإجرائي، وُجّهت الاستبانة إلى معلمي/أساتذة المرحلة الابتدائية المكلّفين بتدريس الطور الأوّل أو الطور الثاني (السنوات 1–4) في عددٍ من المدارس الابتدائية التابعة لمقاطعةٍ إدارية منتمية جغرافيًا إلى مديرية التربية الوطنية بالجزائر الشرقية. وقد بلغ حجم العيّنة (134) مستجيبًا، وجُمعت الاستجابات في فتراتٍ زمنيةٍ متقاربة بما يسمح بإجراء مقارنةٍ عامة بين آراء العاملين في الطورين، مع إبقاء النتائج في إطارها الوصفي التفسيري دون تعميمٍ قاطع خارج حدود العينة والسياق.

وتتألّف أداة البحث (الاستبانة) من قسمين متكاملين : قسم أوّل يُعنى بالبيانات العلمية والمهنية للمستجيبين بما يسمح بوصف خصائص العينة، وقسم ثانٍ يضم أسئلة صيغت في ضوء إشكالية الدراسة وفرضياتها، واستهدفت تقويم الإصلاح من زوايا مترابطة تشمل : المرجعيات والوثائق المؤطِّرة، الأهداف المعلنة، اختلالات التطبيق وأسباب التحسين، تنظيم الميادين والأنشطة، ومنهج الوعي الصوتي–الخطي. ولتعزيز الصرامة المنهجية في النسخ اللاحقة من البحث، يُستحسن إرفاق نموذج الاستبانة كاملًا في ملحق مستقل، مع بيان محاوره ونمط أسئلته ومسوغات بنائه بما يتيح للقراء فحص اتساقها مع الفرضيات وإعادة استعمالها أو تطويرها.

أما معالجة البيانات، فقد جرى تحليل معطيات القسم الأول بالاعتماد على التوزيعات النسبية (النِّسَب المئوية) لاستخلاص السمات العامة للعينة، في حين خضع القسم الثاني لتحليلٍ يجمع بين البعد الكمي والبعد النوعي بحسب طبيعة السؤال، مع إبراز الاتجاهات الغالبة في الإجابات وربطها بالمعطيات الوثائقية التي تؤطر الإصلاح. وتبقى نتائج الدراسة مرتبطة بطبيعة الأداة (استبانة) وبحدود العينة (مجال جغرافي محدد)، وهو ما يستدعي الحذر عند تعميم الخلاصات على المستوى الوطني دون دراسات مكمّلة تعتمد أدواتٍ أخرى (مقابلات، ملاحظة صفّية، تحليل إنتاجات متعلمين) وتوسّع نطاق العينة والزمن.

ولغرض ضبط مسار الإنجاز، يمكن تلخيص إجراءات الدراسة في المحاور الآتية :

  1. تحديد الإشكالية وبناء الفرضيات انطلاقًا من الوثائق المؤطِّرة للإصلاح.

  2. إنجاز توصيفٍ وثائقي لتنظيم تعليم العربية في الابتدائي (الحجم الساعي، الميادين، الأنشطة).

  3. إعداد الاستبانة بما يطابق محاور التقويم المقصودة وربط بنودها بالفرضيات.

  4. توزيع الاستبانة وجمع الاستجابات ضمن إطارٍ يضمن السرية واحترام أخلاقيات البحث.

  5. معالجة البيانات : توصيفٌ نسبي لخصائص العينة، ثم تحليلٌ كمي/نوعي لاتجاهات الإجابات وربطها بالسياق الوثائقي.

3. عرضُ النتائج وتحليلُها : دراسةٌ ميدانيةٌ لنتائج الاستبانة

بعد استكمال التأطير الوثائقي لسياق الإصلاح التربوي وتنظيم تعليم اللغة العربية في الابتدائي، تنتقل الدراسة إلى مستوى التقويم الميداني عبر تحليل معطيات الاستبانة الموجَّهة إلى معلمي/أساتذة المرحلة الابتدائية. ويقوم هذا الجزء على تفكيك نتائج الأداة في شقّها الأوّل المتعلّق بخصائص العينة، ثم في شقّها الثاني المتعلّق بأسئلة التقويم والحكم على ملاءمة الإصلاح ومرجعياته، وقراءة الاختلالات التطبيقية، وتمثلات الممارسين حول الميادين الأربع ومنهج الوعي الصوتي–الخطي.

1.3. خصائص العينة : تحليل الشقّ الأوّل من الاستبانة

تضمن الشقّ الأوّل من الاستبانة بياناتٍ علميةً ومهنية تسمح بوصف العينة وتحديد بعض المتغيرات المساعدة على تفسير اتجاهات الإجابات في الشقّ الثاني.

1.1.3. المؤهّل العلمي

يُعدّ المؤهّل العلمي لأفراد العيّنة متغيّرًا واصفًا أساسياً لفهم طبيعة الرأسمال المعرفي والمهني الذي يستند إليه الممارسون عند تمثّل الإصلاح التربوي وتفسير وثائقه المرجعية. فتمييز مسار التكوين بين المسار الأكاديمي الجامعي والمسار المهني بالمدارس العليا للأساتذة يسمح بتقدير الخلفية النظرية/الديداكتيكية للمستجيبين، ويمكّن من قراءة بعض الفروق المحتملة في مستوى الإحاطة بالمرجعيات وفي طرائق تنزيل التوجيهات داخل القسم. وفي هذا الإطار، يقدّم الجدول الآتي توزيع أفراد العيّنة حسب مؤهلاتهم العلمية.

النسبة المئوية

العدد

المؤهّل العلمي

 %81.34

109

أكاديمي : (ليسانس، ماستر، دكتوراه)

 %18.65

25

مهني : المدرسة العليا للأساتذة

100

134

المجموع

يُظهر الجدول أنّ الغالبية العظمى من المستجيبين يحملون شهادات أكاديمية (81.34 %) مقابل نسبة أقل من خريجي المدارس العليا للأساتذة (18.65 %). ويُقرأ هذا التفاوت في ضوء محدودية الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التكوينية ذات المسار المهني وشروط الالتحاق بها، فضلًا عن كون التوظيف في السنوات الأخيرة اعتمد بدرجة كبيرة على المسارات الجامعية لتغطية الحاجات المتزايدة للقطاع.

2.1.3. الخبرة المهنية

تُعدّ الخبرة المهنية (عدد سنوات الممارسة) مؤشرًا تفسيرياً مهمًّا في الدراسات التقويمية؛ إذ تؤثر في تمثلات المعلّمين للإصلاح، وفي درجة تقبّلهم للتجديد البيداغوجي، وفي طرائق تفعيل التوجيهات المنهاجية داخل القسم. كما تُسهم سنوات الخدمة في تشكيل “الذاكرة المهنية” للممارس، بما يسمح بمقارنة آثار الإصلاحات المتعاقبة على مستوى الفهم والتنزيل. وفي هذا الإطار، يوضح الجدول الآتي توزيع أفراد العينة حسب الخبرة المهنية بالسنوات، تمهيدًا لربط هذا المتغير باتجاهات الإجابات في الشقّ الثاني من الاستبانة.

النسبة %

عدد الأساتذة

الخبرة المهنية بالسّنوات

35.82 %

48

من 1 إلى 5

30.59 %

41

من 6 إلى 10

21.64 %

29

من 10 إلى 15 سنة

11.94 %

16

أكثر من 20 سنة

تُبيّن النتائج أنّ فئة الخبرة التي تساوي أو تقلّ عن عشر سنوات تمثّل النسبة الأعلى (66.41 %)، وهو ما يمكن ربطه بسياسات التوظيف خلال العقد الأخير للحد من الاكتظاظ عبر توسيع الخريطة المدرسية وتدعيم التأطير البشري. وفي المقابل، تبقى نسبة ذوي خبرة تفوق عشرين سنة أقل، وهو ما يُحيل—في جزء منه—إلى أثر أنظمة التقاعد النسبي/الاختياري وإجراءات تشبيب القطاع.

2.3. نتائج الشقّ الثاني من الاستبانة : تحليل أسئلة التقويم

يتعلّق الشقّ الثاني بأسئلة صيغت في ضوء الفرضيات، واستهدفت تقويم الإصلاح من زوايا : المرجعيات، الأهداف، اختلالات التطبيق، تنظيم الميادين، ومنهج الوعي الصوتي–الخطي. وتُعرض النتائج التالية وفق ترتيب الأسئلة كما وردت في الاستبانة.

  1. السؤال الأوّل : هل إصلاح 2003 ملائم لمصادر ومرجعيات السياسة التربوية الجزائرية؟تكشف الإجابات عن صعوبة واضحة في التعامل مع مفهوم « مصادر ومرجعيات السياسة التربوية ». فقد سُجّل أنّ 57 % من العينة لم يُجيبوا عن السؤال، بينما قدّم 23.25 % إجابات عامة لا تتصل مباشرة بمضمون السؤال، في حين لم تتجاوز نسبة الإجابات الدقيقة والصحيحة 2 %. ويُرجَّح تفسير هذا المعطى بضعف التكوين في مجال السياسة التربوية ومرجعياتها أثناء التكوين الجامعي، حتى لدى من ينتمون إلى تخصصات تعليمية (كاللغات)، فضلًا عن أن بعض الإجابات الدقيقة قد تكون صادرة عن فئة منخرطة في التعلّم الذاتي أو في مسارات بحثية لاحقة (مثل التحضير للدكتوراه).

  2. السؤال الثاني : ما رأيك في المرجعية النظرية لإصلاح 2003 وأهدافه : يُظهر تحليل النتائج أنّ نحو 70 % من المستجيبين يقيّمون إصلاح 2003 إيجابًا « على مستوى الفكرة »؛ إذ يرون أنّه واكب المستجدات العلمية والتكنولوجية، وأنّ المقاربة بالكفاءات أسهمت في تعديل أدوار الفاعلين داخل العملية التعليمية، عبر جعل المتعلّم أكثر نشاطًا ورفع مستوى الدافعية. غير أنّ هذا التقييم الإيجابي يُقابله تأكيد متكرر على أنّ أهداف الإصلاح لم تجد الأرضية المناسبة ولا الوسائل الضرورية لتحقيق الغايات المعلنة، بما يعكس فجوة بين التصور النظري وشروط التنزيل.

  3. السؤال الثالث : ما الاختلالات التي استدعت تحسين مناهج 2003 وإعادة كتابتها سنة 2016؟ : تكاد إجابات المستجيبين تتقاطع حول جملة من الاختلالات التطبيقية، في مقدمتها : كثافة المحتوى التعليمي، وضعف الانسجام في الانتقال بين الدروس، وعدم تحقق شرط التدرّج الذي يفترض امتلاك المتعلم لمكتسبات تعدّ أرضية للمعارف الجديدة. كما أشار عدد معتبر إلى أثر الاكتظاظ داخل الأقسام في إعاقة تطبيق الأهداف، فضلًا عن محدودية الوسائل التعليمية أو ندرتها، بما جعل الواقع التربوي—وفق تعبيراتهم—غير مساعد على تحقيق الآمال المعلّقة على الإصلاح.

  4. السؤال الرابع : ما رأيك في مستوى تحصيل المتعلمين مع اعتماد الميادين الأربع وتوظيف مهارات الوعي الصوتيالخطي؟ تباينت الآراء بشأن اعتماد الميادين الأربع في تنظيم تعلم اللغة العربية. فبعض المستجيبين يرى أنّ التغيير الحاصل يمسّ المصطلحات أكثر مما يمسّ جوهر الممارسة، وقد ارتبط هذا الاتجاه—بحسب المعطيات الوصفية—بفئة من ذوي الخبرة الطويلة (أكثر من عشرين سنة) ممن يبدون تحفظًا تجاه الدورات التكوينية والاجتماعات التنسيقية. في المقابل، ترى نسبة 72.22 % أنّ اعتماد الميادين الأربع أعاد للجانب المنطوق مكانته، وفتح للمتعلمين آفاقًا للتعبير والإبداع، وأسهم في تحسين التفاعل داخل القسم. وبخصوص منهج الوعي الصوتي–الخطي، أجمع معلمو الطور الأوّل تقريبًا على أهميته وفاعليته في دعم القراءة المبكرة، غير أنّهم أكدوا وجود نقصٍ فادح في التكوين المصاحب، ما يدفع بعضهم إلى التعويض بمبادرات فردية وتعلّم ذاتي وتوفير وسائل من إمكاناتهم الشخصية.

  5. السؤال الخامس : هل قدّمت تحسينات 2019 إضافة نوعية لتعليم العربية عبر منهج الوعي الصوتي–الخطي؟ : تفيد الإجابات أنّ معلمي الطور الأوّل (السنة الأولى والثانية) يُجمِعون على الدور المحوري لمنهج الوعي الصوتي–الخطي في تعليم أصوات العربية وتمكين المتعلمين من مبادئ القراءة. ويُلاحظ أنّ عدداً منهم قدّم مقارنات وصفية بين نتائج أفواج طُبّق عليها المنهج وأفواج سابقة لم يُطبّق عليها؛ إذ أشاروا إلى أنّ المتعلمين متوسطي المستوى أصبحوا يحققون قراءة مسترسلة ابتداءً من الفصل الأوّل من السنة الثانية، بينما يتمكن الممتازون من قراءة نص مكتوب مع نهاية الفصل الثالث، وهي نتائج يرون أنّها لم تكن تتحقق بالوتيرة نفسها لدى الأفواج التي لم تستفد من هذا المنهج.

3.3 مناقشة النتائج

تدلّ النتائج على مفارقةٍ لافتة : إذ يقترن التقييم الإيجابي العام لمبدأ الإصلاح (كمشروع ومقاربة) بوجود صعوبات تطبيقية ومعرفية لدى الممارسين. ويبدو أن الفجوة لا تتمثل في رفض الإصلاح، بقدر ما تتصل بضعف التملك المفاهيمي للوثائق المرجعية، وبمشكلات هندسة المضامين وتدرجاتها، وبشروط التنفيذ (تكوين، متابعة، موارد). كما يُظهر التباين في تقييم تنظيم الميادين الأربع أن نجاح هذا الاختيار رهين بتحويله إلى أدوات عمل صفية واضحة : كفاءات محددة، مؤشرات تقويم، وتدرجات تتفادى القفزات المعرفية. أمّا إدراج الوعي الصوتي–الخطي فيُقرأ باعتباره استجابةً لتشخيص الصعوبات القرائية المبكرة، وهو اتجاه ينسجم مع منطق « بناء الأساس » في تعلم القراءة، غير أنّ جدواه تظل مشروطة بتمكين المعلمين من أدواته الإجرائية وتوفير أنشطة تدريبية ووسائط مناسبة، حتى لا يتحول إلى إجراء اسميّ لا يغيّر الممارسة الفعلية.

ولإحكام الربط بين المعطيات والفرضيات، يمكن تلخيص النقاط الاستنتاجية الآتية :

  1. تُسند معطيات السؤال الأوّل فرضية قصور معرفة نسبة من الممارسين بمرجعيات السياسة التربوية، بما يضعف الانسجام بين الوثيقة والممارسة.

  2. يدعم التقييم الإيجابي « للفكرة » في السؤال الثاني وجاهة التحول النظري، لكنه يبرز في الآن ذاته فجوة التنزيل بسبب شروط التطبيق.

  3. تتقاطع الاختلالات المذكورة في السؤال الثالث مع الحاجة إلى ضبط التدرّج ومراجعة كثافة المحتوى ودعم الوسائل وتقليص الاكتظاظ.

  4. يُنظر إلى الوعي الصوتي–الخطي بوصفه إضافة واعدة، لكن أثره يظل مشروطًا بالتكوين والمتابعة وتوحيد الفهم الإجرائي داخل الميدان.

4. نتائجُ الدراسة

تتأسّس نتائج هذه الدراسة على الجمع بين التأطير الوثائقي للمسار الإصلاحي في الجزائر، ووصف التنظيم البيداغوجي لتعليم اللغة العربية في الابتدائي، ثم قراءة المعطيات الميدانية التي وفّرتها الاستبانة. وبناءً على ذلك، يمكن تلخيص النتائج في النقاط الآتية (بصياغة تركيبية تربط المقاصد بشروط التنزيل) :

  1. يُظهر تتبّع إصلاح 2003 أنّه مثّل—من حيث البنية النظرية—تحوّلًا نوعيًا نحو مرجعيات بيداغوجية حديثة (المقاربة بالكفاءات وتمركز التعلم حول المتعلم)، غير أنّ تنزيله اصطدم بحدود واقعية تتصل بالاكتظاظ، والوسائل، وتفاوت التكوين، ما أفرز اختلالاتٍ عملية أثّرت في تحقيق الأهداف المعلنة.

  2. تشير المعطيات الميدانية إلى ضعف ملموس في معرفة نسبة معتبرة من الممارسين بمصادر ومرجعيات السياسة التربوية، وهو ما ينعكس على القدرة على تعليل الاختيارات الصفّية وربطها بالوثائق المؤطِّرة، ويُضعف الانسجام بين « التصور المرجعي » و« الممارسة الفعلية ».

  3. جاءت المناهج المحسّنة (2016) بوصفها استدراكًا لتفاوتات التطبيق؛ إذ ركّزت على ضبط المحتويات، وتحديد الكفاءات، وتنظيم المقاطع التعليمية، غير أنّ أثرها ظلّ مشروطًا باستمرارية المتابعة والتقويم، وبوجود موارد مادية وتكوينية تسند التحول من النص إلى الفعل البيداغوجي داخل القسم.

  4. تُعدّ تحسينات 2019—وخاصة إدراج الوعي الصوتي–الخطي—اتجاهًا تشخيصيًا نحو معالجة تعثرات القراءة المبكرة، وقد قيّمها كثير من معلمي الطور الأوّل بوصفها إضافة فعّالة، غير أنّ نجاعة هذا الإدراج تبقى رهينة بتكوينٍ منهجيّ دقيق، وبإطار متابعة يضمن توحيد الفهم الإجرائي للمنهج داخل الميدان.

التوصيات

استنادًا إلى النتائج المتحصّل عليها، وإلى طبيعة الفجوات المرصودة بين الأهداف المعلنة وآليات التنزيل، تقترح الدراسة جملةً من التوصيات التي يمكن أن تسهم في ترشيد الإصلاحات المستقبلية، وتحسين تعليم اللغة العربية وتعلّمها في الابتدائي :

  1. التريّث في تأطير أيّ إصلاح تربوي جديد، وربط قراراته بتشخيصٍ ميدانيّ متعدد الأدوات (استبانة، مقابلات، ملاحظة صفّية، تحليل نتائج التحصيل)، بما يضمن واقعية الأهداف وقابليتها للتحقق.

  2. ضمان المتابعة المستمرة لتطبيق الإصلاحات عبر آليات تقويمٍ دوريّ على مستوى المؤسسة والمقاطعة والمديرية، مع اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الأثر (القراءة، الفهم، الإنتاج) ومعالجة الاختلالات في حينها.

  3. توفير الوسائل التعليمية والبيداغوجية التي تدعم تعليم مهارات اللغة العربية (وسائط قرائية، موارد صوتية، أدوات دعم للوعي الصوتي–الخطي)، مع مراعاة قابلية الاستعمال داخل القسم وتكافؤ الإتاحة بين المدارس.

  4. تنظيم تكوينٍ مهني مستمر موجَّه للمعلّمين في مجالات القراءة المبكرة والمقاربة النصّية والتقويم، على أن يُبنى التكوين على مواقف صفّية واقعية وتدريب عملي (ورشات، محاكاة، تحليل حصص).

  5. تعزيز تكوين المفتشين والمكوّنين بصورة دورية حول الطرائق المستحدثة وكيفيات تحويلها إلى إجراءات صفّية قابلة للملاحظة والتقويم، بما يضمن توحيد التوجيه وتثبيت المعايير المهنية داخل الميدان.

  6. عدم الاكتفاء بالبعد الأفقي (وثائق تربوية/كتاب مدرسي)، بل دعم البعد العمودي عبر إدراج مرجعيات السياسة التربوية في تكوين المكوّنين والمعلّمين (الغايات، المبادئ، فلسفة المنهاج)، حتى تُقرأ التعديلات بوصفها نسقًا لا تعليماتٍ مجزأة.

الخاتمة

ختامًا، تُبرز هذه الورقة البحثية—الموسومة بـ« التجربة الجزائرية في تعليم اللغة العربية في الطور الأوّل من التعليم الابتدائي من خلال الإصلاح التربوي 2003 وتعديلاته أنموذجًا »—أن الإصلاح التربوي سيرورةٌ مركّبة لا تُختزل في تبنّي مرجعية بيداغوجية حديثة، بل تتحدد نجاعته بقدرته على بناء شروط التنزيل : تكوينٌ فعّال، موارد كافية، متابعة وتقويم، وتدرّج واقعي في المحتويات. وعلى الرغم من الصعوبات والعراقيل التي حدّت من تحقق بعض الغايات، فإن التحسينات اللاحقة—ولا سيما إدراج الوعي الصوتي–الخطي—تشير إلى مسارٍ تشخيصي يتلمّس مكامن الضعف ويحاول معالجتها، بما يستدعي مواصلة الجهد المؤسسي والبحثي في اتجاه إصلاحٍ مُستند إلى الأدلة، قابل للقياس، ومتّسق مع حاجات المتعلم والمدرسة والمجتمع.

ولأجل إحكام بناء النص في صورته النهائية، يمكن اعتماد الخلاصة التالية في فقراتٍ مرقّمة :

  1. إصلاح 2003 تحوّلٌ نظريّ مهمّ، لكن نجاحه يتوقف على شروط التطبيق.

  2. ضعف الإحاطة بمرجعيات السياسة التربوية يفسّر جزءًا من فجوة التنزيل.

  3. المناهج المحسّنة 2016 خطوة ضبطٍ مرجعي وتنظيمي، وتتطلب مرافقة.

  4. الوعي الصوتي–الخطي (2019) إضافة واعدة للقراءة المبكرة بشرط التكوين والمتابعة.

  5. الإصلاح الفعّال ينبغي أن يكون تدريجيًا، مؤسسًا على التشخيص، ومصحوبًا بموارد وتقويم.

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. (1976). دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. (1976، 16 أفريل/أبريل). الأمر رقم 76‑35 المؤرخ في 16 أفريل/أبريل 1976 المتضمن تنظيم التربية والتكوين (Ordonnance n° 76‑35 portant organisation de l’éducation et de la formation). الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. (2000، 9 ماي/مايو). المرسوم الرئاسي رقم 00‑101 المؤرخ في 9 ماي/مايو 2000 المتضمن إنشاء اللجنة الوطنية لإصلاح النظام التربوي. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. (2008، 23 جانفي/يناير). القانون رقم 08‑04 المؤرخ في 23 جانفي/يناير 2008 المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية. الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، (04).

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2009). إصلاح المنظومة التربوية : نصوص تنظيمية (الطبعة 2، الجزء 1). الجزائر : مديرية التقويم والتوجيه والاتصال، المديرية الفرعية للتوثيق، مكتب النشر.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2009، مارس/آذار). المرجعية العامة للمناهج (معدلة وفق القانون التوجيهي للتربية الوطنية رقم 08‑04 المؤرخ في 23 جانفي/يناير 2008). الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2013، أفريل/أبريل). الاستشارة الميدانية حول التقييم المرحلي للتعليم الإلزامي : مقترحات حسب الصيغة الواردة في تقارير الندوات الجهوية. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2016). الإطار العام لمناهج مرحلة التعليم الابتدائي. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2016). مناهج اللغة العربية 2016 : منهاج الطور الأول من التعليم الابتدائي. الجزائر : الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2016). دليل السنة الأولى ابتدائي : اللغة العربية. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2017–2018). دليل السنة الثالثة ابتدائي : اللغة العربية. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (2017–2018). دليل استخدام كتاب السنة الرابعة ابتدائي : اللغة العربية. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية، المفتشية العامة للبيداغوجيا. (2018، مارس/آذار). المنهج الصوتي–الخطي في تعليم اللغة العربية وتعلّمها في الطور الأول من مرحلة التعليم الابتدائي : دليل المكوّنين. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

وزارة التربية الوطنية الجزائرية. (د.ت.). الدليل المنهجي لإعداد المناهج. الجزائر : وزارة التربية الوطنية.

براجل، علي. (2000). اتجاهات الإصلاح التربوي ومشكلاته في العالم العربي. وهران، الجزائر : دار الغرب (سلسلة إصدارات مخبر التربية والتنمية الاجتماعية).

بوشحدان، شريف. (2002، أكتوبر/تشرين الأول). لغة وظيفية أم تعليم وظيفيّ؟ مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، (3).

بوزوادة، حبيب، وبلحيداس، خديجة. (2018). التخطيط التربوي في الجزائر في ظل إصلاحات الجيل الثاني. مجلة الآداب واللغات، (9). معسكر، الجزائر.

غيّاث، بوجمعة. (2006). التربية والتعليم بالجزائر (الطبعة 2). الجزائر : دار الغرب للنشر والتوزيع.

قمبز، محمود. (2004). آفاق الإصلاح التربوي في مصر : ضرورياته، فعالياته، معوقاته. مجلة التربية العربية لدول الخليج. الرياض، المملكة العربية السعودية.

قمقاني، فاطمة الزهرة. (2022). التعليم في المدرسة الجزائرية وفق مناهج الجيل الأول والثاني من المقاربة بالكفاءات : قراءة في مضامين المناهج. مجلة البحوث التربوية والتعليمية، 11(2).

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article