المقدمة
يمثّل التناول النقدي لمظاهر الاعتلال المنهجي في بحوث علوم الإعلام والاتصال محاولة جادة لفهم مكامن القصور التي تحدّ من فاعلية البحث العلمي في هذا الحقل المتداخل معرفيًا والمنفتح على تحولات اجتماعية وتكنولوجية متسارعة. فالمتابع لهذا النوع من الدراسات، خصوصًا في سياق التعليم العالي في المنطقة العربية، يلحظ بوضوح تكرارًا لنماذج بحثية مألوفة، تخضع لتمثّلات تقليدية في صياغة العناوين، وتوظيف المناهج، واستخدام النظريات، مما ينعكس سلبًا على جودة النتائج ومصداقيتها.
إن الحديث عن « اعتلال بحثي » لا يُقصد به إصدار أحكام قاطعة، بل فتح أفق للتفكر الجاد في طبيعة هذا التخصص، والتساؤل حول مدى توافق ممارسات الباحثين المنهجية مع متطلبات التخصص وحيويته، فالعديد من الدراسات تُنتج ضمن قوالب نمطية، يتقاطع فيها الارتباك المفاهيمي مع ضعف التأسيس النظري، وتغيب فيها القراءة النقدية، ما يؤدي إلى اختلال التوازن بين مكونات البحث الثلاثة : النظري، المنهجي، والميداني.
تهدف هذه الورقة إلى تشخيص أبرز الإشكالات المنهجية التي تعاني منها الدراسات الأكاديمية في مجال الإعلام والاتصال، عبر قراءة شبه نقدية تشخيصية، لا تدّعي الإحاطة الشاملة، وإنما تسعى إلى إثارة النقاش العلمي حول نقاط ضعف متكررة ومسكوت عنها، تمسّ جوهر الممارسة البحثية، وتعرقل تطورها الطبيعي ضمن الأطر الأكاديمية الرصينة.
I. مظاهر الاعتلال في بناء الدراسات الإعلامية
1.1. إشكالية صياغة العنوان البحثي
تُعدّ صياغة العنوان أولى البوابات التي تعكس جدية الباحث ومدى وعيه العلمي بطبيعة الموضوع المدروس. غير أن الملاحظ في العديد من دراسات الإعلام والاتصال، وخصوصًا في سياق البحوث الجامعية، هو شيوع نمطين تقليديين في اختيار العناوين : إما بعنوان يركّز على « الدور »، أو آخر يتمحور حول « التأثير »، باعتبارهما صيغتين مضمُونتين للقبول الأكاديمي. هذا القالب الجاهز يجعل من عملية العَنْوَنَة فعلاً شكليًا، لا يعكس بالضرورة أصالة الإشكالية أو حداثتها.
وقد أثبتت بعض الدراسات الجادة أنّ الخروج عن هذه الصياغات النمطية لا يقلل من قيمة البحث، بل قد يمنحه استقلالية دلالية وتوجّهًا جديدًا، كما هو الحال في بعض العناوين التي ركزت على مفاهيم مثل « الإنقرائية » أو « التمثلات »، دون الحاجة إلى استحضار مفاهيم « الدور » أو « التأثير ». وعليه، ينبغي للباحث أن يُفكّر في صياغة عنوانه ضمن منطق التحديد المفاهيمي والمنهجي، مع قابلية تقسيمه إلى عناوين فرعية توضح اتجاه البحث دون استطراد.
2.1. تنوع المنهجيات : بين تعدّد البنّاء والتضارب المنهجي
يُنظر غالبًا إلى تنوع المناهج في الدراسات العلمية على أنه عامل إيجابي يُثري زوايا التحليل. إلا أنّ هذا التنوع قد يتحوّل إلى عامل ضعف حين يُمارس بلا وعي علمي كافٍ، ودون تبرير منطقي لاختيار المقاربات المعتمدة، فكثير من البحوث تدمج مناهجًا متعددة بصورة عشوائية، ما يؤدي إلى نتائج مشوشة، تفتقر إلى التماسك المنهجي والوضوح البراديغمي.
ينبغي التمييز هنا بين التعدد المنهجي المشروع، الذي يُبنى على مبررات علمية، ويهدف إلى الإحاطة بالظاهرة من أكثر من زاوية، وبين التراكم الاعتباطي للمناهج الذي يُفضي إلى « تشويش إجرائي ». فاختيار المنهج أو مجموعة المناهج ينبغي أن ينبع من طبيعة الموضوع ذاته، لا من رغبة الباحث في التجريب غير الموجّه. هذا الارتباك في التوظيف المنهجي غالبًا ما يعكس هشاشة في التكوين المعرفي، ويؤدي إلى إنتاج أعمال بحثية سطحية وغير دقيقة.
3.1. محدودية المقاربات النظرية وتشبث الباحثين بالنظريات التقليدية
تُعاني العديد من الدراسات الإعلامية من حالة « جمود نظري »، تتمثل في التمسك بنظريات كلاسيكية دون محاولة تجديدها أو نقدها أو تكييفها مع الظواهر المعاصرة، خاصة تلك المنبثقة عن البيئة الرقمية الجديدة، وغالبًا ما يُستدعى الإطار النظري في هذه البحوث كإجراء إلزامي، دون وعي بحدوده أو بإمكانياته التفسيرية.
في المقابل، تُظهر التجارب الغربية تطورًا ملحوظًا في هذا المجال، حيث تسعى إلى مراجعة النظريات التقليدية وتحليل مدى صلاحيتها لتفسير الظواهر المستجدة، كما يُلاحظ غياب التمييز لدى كثير من الباحثين بين مستويين من التعامل مع النظرية : مستوى التوظيف الجزئي الذي يُوظَّف فيه بعض مفاهيم النظرية وفرضياتها بشكل انتقائي، ومستوى التبني الكلي الذي يستند إلى النظرية بأكملها في بناء أدوات التحليل وتفسير النتائج، هذا الخلط يُحدث اختلالًا في البناء المنهجي ويؤثر سلبًا على مستوى الاتساق الداخلي للدراسة.
2. صعوبات منهجية في بناء البحث وتحليله
1.2. مأزق المناهج الموروثة
يُعد اختيار المنهج خطوة مركزية في بناء أي دراسة علمية، إلا أن العديد من الباحثين في علوم الإعلام والاتصال يعتمدون مناهج تقليدية موروثة دون مساءلة جدواها أو مدى ملاءمتها لموضوعاتهم البحثية، ويُلاحظ أن هذا التقليد المنهجي غالبًا ما ينبع من خشية الخروج عن المألوف أو الخضوع لنقد المُشرفين أو لجان المناقشة أو حتى من بعض دعاة المنهجيات البحثية الكلاسيكية، في حين أن المنهج لا يجب أن يُفرض على الموضوع، بل أن ينبثق منه.
كما أن هذا الاتّباع غير الواعي للمناهج المألوفة يُفضي إلى نتائج مكرّرة، خاصة عند معالجة مواضيع سبق بحثها، فعدم إدراك خصوصيات الظاهرة المدروسة يؤدي إلى ضعف في التوظيف المنهجي، ويُنتج أبحاثًا سطحية تفتقر إلى الإبداع العلمي.
2.2. إشكالية تحديد المفاهيم
يُعد التحديد المفاهيمي من الركائز الأساسية لأي بحث علمي، فهو الذي يُوجّه عملية البحث ويضبط أدواته وتحليلاته غير أن عددًا من الدراسات تُظهر ارتباكًا في التعامل مع المفاهيم، إما بسبب اتساعها وتعميمها، مما يجعل إخضاعها للقياس أمرًا صعبًا، أو بسبب الإفراط في استعراض التعريفات دون توضيح السياق الخاص الذي تُوظف فيه.
كما أن الباحثين غالبًا ما يخلطون بين التعريفات المعجمية والاصطلاحية والسياقية، في حين أن المطلوب هو تحديد عملي وظيفي للمفهوم ضمن إطار الدراسة، بما يسمح بقياسه وتحليله بفعالية. زد على ذلك أن عدم ضبط المفاهيم بدقة يؤدي إلى غموض في المتغيرات، ويُربك عملية تحليل النتائج، بل ويُفقد البحث بوصلته العلمية.
3.2. غياب التماس بين الدراسة والواقع
يرتبط البحث العلمي الواقعي بوجود ظاهرة قابلة للملاحظة والتحليل، إلا أن بعض الدراسات في الإعلام والاتصال تُبنى على مواضيع مختلَقة أو غير ناضجة بحثيًا. ففي كثير من الحالات، يختار الباحث موضوعًا استنادًا إلى ميوله الشخصية أو انطباعاته المسبقة، دون التأكد من وجود ظاهرة فعلية قابلة للدراسة.
هذا الانفصال عن الواقع يُنتج أبحاثًا شكلية، ويُجبر الباحث أحيانًا على اصطناع نتائج غير حقيقية أو تعديل المعالجة المنهجية بشكل متعسف للوصول إلى نتائج « مُرضية ». وهنا يفقد البحث صدقيته، ويُضعف إمكانية الاستناد إليه في دراسات لاحقة.
4.2. ضعف الإحاطة المعرفية
تشكل الإحاطة المعرفية العميقة شرطًا أساسيا لفهم الظاهرة وتفكيكها علميًا. غير أن بعض الباحثين، خاصة في مراحل التكوين الأولى، يفتقرون إلى قراءة معمّقة ومتخصصة، ويكتفون بقراءات عامة أو متفرقة لا تُكوّن خلفية معرفية رصينة.
إن الإحاطة المعرفية لا تُقاس بعدد المصادر، بل بقدرة الباحث على تحليلها نقديًا، وتصنيفها، وتوظيفها بدقة، وغياب هذا النوع من التمكن يؤدي إلى ارتباك في التوظيف النظري والمنهجي، ويحول دون بناء أدوات تحليلية فعالة. فالقراءة الانتقائية الواعية هي ما تسمح للباحث باختيار المداخل المفاهيمية والمنهجية المناسبة، وبالتالي إنتاج معرفة دقيقة وعميقة.
3. نزعات مهيمنة تُضعف جودة البحوث
1.3. هيمنة المقاربة الكمية وتهميش البحوث الكيفية
تشهد الدراسات في علوم الإعلام والاتصال ميلًا مفرطًا نحو استخدام المقاربة الكمية، باعتبارها أكثر « أمانًا » في نظر كثير من الباحثين. ويُلاحظ أن هذا التوجه يُغيب المقاربات الكيفية، التي تُعدّ أكثر ملاءمة في تحليل العديد من الظواهر المعقدة والمتغيرة في البيئة الإعلامية الجديدة.
هذا التحيز المنهجي لا ينبع دائمًا من اعتبارات علمية، بل غالبًا ما يُعزى إلى ضعف التكوين في المناهج الكيفية، وإلى الاعتقاد الخاطئ بأنها مناهج معقدة وغير دقيقة. في المقابل، يُقبل الباحثون على الدراسات الكمية باعتبارها « أبسط » من حيث التصميم والتنفيذ، رغم محدوديتها في بعض السياقات.
كما أن بعض الدراسات الكيفية تُمارس نوعًا من التحايل المنهجي، عبر « تكميم » المقاربات الكيفية بشكل غير مبرر، مثل محاولة إخضاع تحليل الخطاب أو المحتوى لتقنيات إحصائية لا تنسجم مع طبيعة الموضوع، مما يؤدي إلى مسخ النتائج وفقدانها لمصداقيتها.
إن الفصل الصارم بين المقاربتين (الكمية والكيفية) هو مغالطة منهجية، لأنهما في كثير من الأحيان يتكاملان، ويُمكن توظيفهما في دراسات متعددة المستويات. والمطلوب هو اختيار المنهج المناسب لطبيعة الموضوع، دون انحياز مسبق أو تقيّد بالقوالب الجاهزة.
2.3. إشكالية الترجمة الحرفية للمصطلحات
تُطرح في بحوث الإعلام والاتصال معضلة حقيقية تتعلق بترجمة المفاهيم والمصطلحات المتخصصة، خصوصًا تلك القادمة من الأدبيات الغربية. فكثير من الباحثين يلجؤون إلى الترجمة الحرفية دون اعتبار للحمولة الثقافية والمعرفية للمصطلح، مما يُؤدي إلى تحريف الدلالات وتضليل المعنى الأصلي.
وتزداد هذه المشكلة حدة في ظل التعقيد المفاهيمي للعديد من مصطلحات الإعلام والاتصال، التي يصعب نقلها دون الإحاطة بسياق نشأتها وتطورها. ويُساهم هذا الخلل في ضعف التوظيف المفاهيمي، وظهور غموض اصطلاحي في مستويات الدراسة النظرية والميدانية على حد سواء.
المطلوب إذًا هو التعامل مع الترجمة كعملية تحليل دلالي وتأويلي وسياقي، لا مجرد نقل لغوي، مع ربط المصطلح بمرجعيته المفاهيمية الأصلية وظروف إنتاجه المعرفي.
3.3. التضخم الكمي للدراسات على حساب القيمة العلمية
يُلاحظ في بعض الأوساط الأكاديمية ميل إلى ربط قيمة البحث بحجمه الورقي، أي بعدد الصفحات، وليس بجودته أو عمق معالجته. هذا التصور المغلوط يدفع العديد من الباحثين إلى الإطناب والحشو دون داعٍ، ما يُضعف القيمة العلمية للعمل ويُفسده شكلاً ومضموناً.
هذا التوجّه المدفوع أحيانًا برغبة في « إرضاء » المشرف أو لجنة التقييم، يُشوّه المنهجية ويُحول البحث إلى مجرّد « مادة مملوءة »، بدل أن يكون تحليلًا علميًا دقيقًا وهادفًا. إن معيار التقييم في البحث الأكاديمي لا ينبغي أن يكون في الكمية، بل في الجدوى العلمية، والابتكار الفكري، واتساق المعالجة المنهجية.
4. اختلالات فكرية وأسلوبية في البحث
1.4. الدوغمائية الفكرية ورفض التعديل
من بين المظاهر المتكررة في بحوث علوم الإعلام والاتصال، ما يمكن تسميته بـ الجمود أو الدوغمائية الفكرية، حيث يُبدي بعض الباحثين تشبثًا مفرطًا بمقارباتهم المنهجية وأدواتهم الإجرائية، حتى بعد تلقيهم ملاحظات نقدية موضوعية من المشرفين أو المحكّمين.
ويظهر هذا الموقف، على سبيل المثال، في تمسّك الباحث بنص استبيان أو أداة قياس رغم وضوح الاختلالات، أو في رفضه تعديل الإطار النظري رغم تنبيهه إلى عدم ملاءمته لموضوع الدراسة، هذا الرفض يُضعف البحث، ويعكس قصورًا في النضج العلمي، حيث يفترض في الباحث أن يكون مرنًا في تفاعله مع الملاحظات، وأن يعتبر النقد وسيلة للتطوير لا تهديدًا لسلطته المعرفية.
2.4. غياب الترابط بين مكونات الدراسة
تشكو العديد من الدراسات من تفكك داخلي بين مكوناتها الأساسية : الإطار النظري، المنهجية، والمجال التطبيقي. ففي بعض الحالات، يُلاحظ عدم انسجام بين النظرية الموظفة وطبيعة الظاهرة المدروسة، أو بين أداة القياس وفرضيات البحث.
هذا الانفصال يؤدي إلى خلل منهجي بنيوي، حيث تفقد الدراسة تماسكها، وتبدو كمجموعة من الأجزاء المبعثرة بدل أن تكون بناءً معرفيًا متكاملاً. ويعود هذا الخلل غالبًا إلى غياب التخطيط المسبق، أو ضعف الإحاطة بالموضوع، مما يجعل كل قسم يُكتب بمعزل عن الآخر.
إن الترابط بين محاور البحث ليس خيارًا إضافيًا، بل شرط جوهري لسلامة البناء المنهجي، وركيزة أساسية لتماسك النتائج وقابليتها للتعميم أو التفسير.
3.4. غياب التفكير النقدي
في بيئة بحثية تتطلب مساءلة دائمة للمعارف والمفاهيم، يشكل غياب التفكير النقدي أحد أبرز مظاهر القصور في دراسات الإعلام والاتصال. فالاكتفاء بجمع المعلومات من مصادر متعددة دون تحليلها أو التشكيك في موثوقيتها، يُؤدي إلى بناء معرفي هشّ، يخلو من القيمة المضافة.
البحث الجيد لا يكتفي بتجميع المعطيات، بل يقوم على المساءلة والتحليل والتركيب. والتفكير النقدي يسمح للباحث بتجاوز التكرار، واكتشاف التناقضات، وإعادة صياغة الإشكاليات من زوايا جديدة، مما يعزز من جودة الفرضيات والأدوات والنتائج.
4.4. أحادية اللغة ومحدودية الاطلاع
يواجه العديد من الباحثين في العالم العربي حاجزًا لغويًا يحول دون الاطلاع على الدراسات الأجنبية، خاصة تلك المكتوبة بالإنجليزية أو بلغات أخرى. هذا القصور يُؤدي إلى قطيعة معرفية بين الباحث المحلي والإنتاج الأكاديمي العالمي، ويجعل بعض البحوث مجرد ترجمات سطحية أو نسخ مكرّرة لأعمال منشورة بلغات مختلفة.
إن التمكن من لغة أجنبية واحدة على الأقل بات شرطًا أساسيًا في حقل سريع التطور كالإعلام والاتصال، حيث تُنتج معظم الدراسات الرصينة بلغات أجنبية. وغياب هذا التمكن يُضعف الإضافة العلمية للباحث، ويقلل من فرص انفتاحه على مدارس نظرية ومنهجية مختلفة.
5.4. تسارع تغيّر الظواهر الإعلامية وصعوبة ضبطها
تتميز الظواهر في مجال الإعلام والاتصال، وخصوصًا في بيئة الميديا الرقمية، بديناميكية عالية تجعل من الصعب رصدها وتحليلها ضمن أطر ثابتة. فكثير من الظواهر تتغير خلال فترة قصيرة، ما يجعل بعض المواضيع البحثية سرعان ما تصبح متجاوزة أو غير ذات صلة.
هذا الواقع يفرض على الباحثين أن يتحلوا بمرونة منهجية وبُعد نظر عند اختيار موضوعاتهم، مع الحرص على ضبط المفاهيم بدقة، وتحديد الفرضيات بشكل واقعي يتناسب مع طبيعة التحولات. ومن المهم التأكد، قبل الانطلاق في البحث، من أن الظاهرة المدروسة قابلة للقياس والتحليل في اللحظة الراهنة، وأنها ليست مجرد اتجاه عابر أو حالة متقلبة لا يمكن تأطيرها علميًا.
الخاتمة
إن تشخيص مظاهر الاعتلال المنهجي والقصور البحثي في دراسات علوم الإعلام والاتصال لا يُعد مجرد ممارسة نقدية عابرة، بل هو ضرورة أكاديمية تستهدف تصويب مسار البحث في هذا الحقل الحيوي والمتجدد. فقد أظهرت هذه الدراسة أن الإشكالات المنهجية التي تتكرر في بحوث الطلبة والباحثين، سواء على مستوى العنوان، أو التحديد المفاهيمي، أو اختيار المناهج، لا تعود فقط إلى نقص في المهارات التقنية، بل إلى غياب تصور نقدي شامل يؤسس لثقافة بحثية أصيلة.
لقد حاولت هذه الورقة أن تُسائل واقع الممارسة البحثية من زوايا متعددة، مبيّنة أن الاعتلال المنهجي هو نتاج بنية متكاملة من العوامل : من التبعية للنماذج الجاهزة، إلى ضعف الإحاطة المعرفية، ومن الجمود النظري إلى الانغلاق اللغوي. وهو ما يفرض، بالضرورة، مراجعة شاملة لنمط التكوين الأكاديمي، وأسلوب الإشراف، ومعايير النشر، بما يضمن التأسيس لمنهجية علمية أكثر وعيًا، ودراسات أكثر نضجًا وعمقًا.
إن تجاوز هذه العوائق لا يتم إلا عبر ترسيخ عقلية نقدية لدى الباحث، تدفعه إلى التساؤل المستمر، والتفكيك، وإعادة البناء، بعيدًا عن الاجترار والاتّباع غير الواعي. كما أن تجديد الممارسة المنهجية يتطلب مواكبة التطورات النظرية والميدانية، والانفتاح على المدارس المختلفة، مع جرأة علمية في استكشاف الأسئلة الصعبة وتوظيف الأدوات الملائمة.
وفي الأخير، تبقى الدعوة مفتوحة إلى مواصلة البحث والتحليل على مستوى « الميتا-بحث » في علوم الإعلام والاتصال، قصد إنتاج معرفة نقدية تُسائل لا فقط موضوعات البحث، بل أيضًا طرق إنتاجها، ومنطق اشتغالها، بما يخدم تطور الحقل معرفيًا ومنهجيًا على السواء.