مشكلة الذاكرة والنسيان في الانثروبولوجيا الفلسفية عند بول ريكور

La question de la mémoire et de l'oubli dans l'anthropologie philosophique de Paul Ricœur

The problem of memory and forgetting in the philosophical anthropology of Paul Ricœur

إبراهيم كراش سلوى تيشات

إبراهيم كراش سلوى تيشات, « مشكلة الذاكرة والنسيان في الانثروبولوجيا الفلسفية عند بول ريكور », Aleph [], 26 August 2022, 26 November 2022. URL : https://aleph-alger2.edinum.org/6648

تهدف هذه الدراسة الى البحث في مشكلة السجال الدائر بين الذاكرة والنسيان؛ أي فيما يجب ان تحتفظ به الذات الإنسانية من ذكريات وما يجب أن تنساه، وهذه الدراسة في إطار الانثروبولوجيا الفلسفية لبول ريكور
وأظهرت النتائج المتوصل إليها أن الذاكرة، على الرغم من صعوبة فهمها، إلا أنها أساس الشهادة والأرشيف، وهي المورد الأساسي للتاريخ. فإن الجدلية بين الذاكرة والنسيان هي الأكثر حدة في حالة التسامح السياسي والعفو.

Cette étude vise à investiguer le problème du débat en cours entre mémoire et oubli ; C’est-à-dire ce que le moi humain doit retenir des souvenirs et ce qu’il doit oublier, et cette étude s’inscrit dans le cadre de l’anthropologie philosophique de Paul Ricœur.
Les résultats ont montré que la mémoire, bien que difficile à comprendre, est la base du témoignage et des archives, et est la principale ressource de l’histoire. La dialectique entre la mémoire et l’oubli est la plus aiguë dans le cas de la tolérance politique et de l’amnistie.

This study aims to investigate the problem of the ongoing debate between memory and forgetting; That is to say, what the human self must remember from memories and what it must forget, and this study falls within the framework of the philosophical anthropology of Paul Ricœur.
The findings showed that memory, although difficult to understand, is the basis of testimony and archive, and is the primary resource for history. The dialectic between memory and oblivion is most acute in the case of political tolerance and amnesty’
s

مقدمة

في كتاب «الذاكرة التاريخ النسيان» توجد بنية أساسية لخطاب أنثروبولوجي فلسفي؛ بنية مكونة من فينومينولوجيا الذاكرة، وهيرمينوطيقا الوضع التاريخي، وأنطولوجيا النسيان، وخاتمة حول الغفران. كل الموضوعات التي درسها ريكور في مؤلفاته كان أسلوب عمله فيها يتميز بالبحث عن وسيط بين قطبين متناقضين، لكنه لم يشير إلى المتناقضين والوسيط في عناوين مؤلفاته، أما في كتاب «الذاكرة التاريخ النسيان» الأمر مختلف حيث يظهر بوضوح هذا الأسلوب الريكوري إذ يمكن القول أنه وضع التاريخ كوسيط يؤلف بين متناقضين هما الذاكرة والنسيان. الموضوعات الثلاثة تكتسي أهمية بالغة سواء على مستوى الأنثروبولوجيا الفلسفية: كونها تكشف عن حقيقة الذات في التاريخ وموقعها في سجال الذاكرة والنسيان، أو على مستوى الحياة العادية كون الجميع يعرف ما هي الذاكرة: فكلنا نتذكر أشخاصا أو أماكن من ماضينا، كما أننا على دراية بالنسيان كآخر نقيض بالنسبة للذاكرة. أما بالنسبة للتاريخ فقد تم تعلمه في المدرسة. لكن تاريخ الفلسفة يعج بالمشاكل الأنثروبولوجية التي تتعلق بالذاكرة من مثل أين صورة الذاكرة؟ وكيف تستطيع الذات أن تتحصل على صور ماضيها؟ وكيف يمكن أن تكون الصور المتحصل عليها جزءًا من الماضي وتظهر للذات في الحاضر؟ وما طبيعة الذاكرة هل هي فردية أم جماعية؟ أما بالنسبة للنسيان، لماذا تختفي بعض الصور والذكريات دون غيرها؟ هل تخفيها الذات بكيفية قصديه أم عفوية؟ هل النسيان حالة مرضية تصيب الذات أم أنه شيء لابد منه؟ هذه التساؤلات شكلت صميم الخطاب الأنثروبولوجي الفلسفي في كتاب «الذاكرة، التاريخ النسيان». وقد عالجها ريكور انطلاقا من فينومينولوجيا الذاكرة إلى أنطولوجيا النسيان. من هنا يحق لنا طرح التساؤل التالي: هل الكتابة التاريخية تساعد على حفظ الذاكرة أو تخريبها؟ أين تكمن جدلية الذاكرة والنسيان؟ وأين موقع التاريخ في هذه الديالكتيك؟ كيف يمكن للتاريخ أن يلعب دور الحل الوسط في جدلية الذاكرة والنسيان؟

1. فينومينولوجيا الذاكرة

إفتتح ريكور دراسته الأنثروبولوجية للذاكرة تحت تأثير فينومينولوجيا هوسرل مركزا على الأسئلة التالية: «من ماذا هناك ذكرى؟ لمن هي الذاكرة؟» (بول ريكور 2009:31). السؤال الأول يثير مشكلة التمثُّلRepresentation في الحاضر لشيء ما من الماضي. هذا يعني أنّ موضوع التمثل غير موجود فهو من الماضي الغائب، أما التمثُّل موجود في الحاضر المعاش. هذه المفارقة تمثل إشكالا مستعصيا أثار قلق الفلاسفة منذ بداية الفلسفة اليونانية، لهذا سيلجأ ريكور إلى استنطاق الإرث اليوناني ممثلا في أفلاطون وأرسطو عله يجد فيه حلا لهذا الإشكال المستعصي.

لقد سار أفلاطون على خطى أستاذه سقراط مردداً شعاره «المعرفة تذكر والجهل نسيان» كما وضحته محاورة مينون حول أصل المعاني والمفاهيم الرياضية. فأصبحت المعرفة عند أفلاطون مقترنة بالتذكر. في هذه المحاورة مثّل مينون الذاكرة السعيدة حسب ريكور أو الأيقونة (الصورة) Eikon. والتي منها تبدأ المشكلة كون الأيقونة ترتبط بالخيال وهي التي تؤدي إلى حضور الشيء الغائب. ارتباط الأيقونة أو الصورة بالخيال لا يمكن أن يفهم إلا في محاورة السفسطائي الذي عن وجهه الحقيقي المتنكر في صورة الفيلسوف فالكشف عن الصورة يكون عن طريق تذكر الشبه الممكن بين الفيلسوف والسفسطائي فيكون بالتركيز على السمة أو البصمة المميزة للفيلسوف، والتي تجعله يختلف عمن يقلده.

إذن الصورة يشبهها أفلاطون ببصمة توضع في كتلة من الشمع ولكن أين يوجد هذا الشمع؟ وكيف نتحصل على الصورة؟ فضلا عن هذا كيف يمكن للذات أن تميز بين الصورة الحقيقية والصورة الوهمية؟ هذه الأسئلة هي الأساس في الكشف عن الروابط الأساسية بين الذاكرة والتاريخ، وهذا ما لم توضحه تحليلات أفلاطون فتأملاته تفتقر للتحليل المعمق للعلاقة بين الصورة والزمانية.

بالانتقال إلى تلميذه أرسطو وانطلاقا من تأكيده بأن الذاكرة هي من الماضي فإن أرسطو يلفت الانتباه إلى الجانب الزمني لظواهر الذاكرة، هذا يعني أنّ صور الذكريات لا تتعلق فقط بالأشخاص والأشياء والأماكن التي هي من الماضي، وإنما يعني أيضا أنّ هذه الصور لها ترتيب زمني منظم وفقا للزمن الكوسمولوجي من الصورة الأولى إلى الصورة الأخيرة؛ أي صور الذاكرة لها ترتيب زمني في الماضي فصورة سابقة وأخرى لاحقة. علاوة على ذلك أضاف أرسطو إلى هذا مسألة التمييز بين الذاكرة والتذكر Anamnésies وMnémé؛ أي بين تذكر عفوي بدون بذل جهد، وتذكر قصدي من خلال بذل الجهد فقام بوضع خط فاصل بين حضور الذكرى البحت وبين فعل التذكر، حافظ إلى الأبد على فضاء للنقاش خليق بالاستعصاء الأساسي الذي كشفه أفلاطون في ثياتيتوس وهو استعصاء حضور الغائب. لكن لا أفلاطون ولا أرسطو تمكنا من حل الإشكال المستعصي للذاكرة رغم المجهودات التأسيسية التي مثلها هذا التقليد الفلسفي. يواصل ريكور البحث في فينومينولوجيا الذاكرة بالتحذير من محاولة البدء في الدراسة الفينومينولوجية انطلاقا من عجز الذاكرة أو من قصورها أو حتى من توقفها عن القيام عن القيام بوظيفتها فأمراض الذاكرة وظاهرة النسيان يتطلبا وصفا مسبقا عن وصف الذاكرة السليمة لماذا؟ يجيب ريكور «أن ما يبرر في النهاية هذا الموقف المساند للذاكرة الجيدة السليمة هو اقتناعي ... أننا لا نملك مورداً أخر فيما يخص الإحالة إلى الماضي سوى الذاكرة عينها.» (بول ريكور 2009 : 56) فضلا عن ذلك فإن الشهادةTémoignage هي ما يبرر الذاكرة الحقيقة تبريرا عمليا في مقابل الوهمية، إذ يمكن التحقق من صحة الشهادة المؤكدة بمقارنتها مع الشهادات التي هي محل شك؛ هذا يعني أنّ الشهادة هي جسر العبور الأساسي بين الذاكرة والتاريخ. ما يطرح مشكلة العلاقة بينهما وسُبل الالتقاء العملي بين وظيفة الذاكرة والغاية من التاريخ. من أجل هذا السبب ريكور بحث أولا في التمييز المنهجي بين الذاكرة والخيال l’imagination؛ فتخيل ما كان في الماضي يمكن أن يكون واقعا لما حدث في الماضي بالفعل، وهنا تتداخل وظيفة الخيال مع وظيفة التذكر، لكن هذا لا يستلزم بالضرورة التطابق التام بين الوظيفتين. بالإضافة إلى التمييز بين الخيال والذاكرة بحث ريكور أيضا وبصفة خاصة في مسألة طبيعة الذاكرة هل هي فردية أم جماعية؟ وما العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية؟ فمن جهة ذاكرة الأفراد تساهم وبشكل كبير في الذاكرة الجماعية، بل إن الذاكرة الجماعية هي ذاكرة متبادلة بين الأفراد. ومن جهة أخرى الذاكرة الجماعية تشكل أطر الذاكرة الفردية، خاصة وأنّ ريكور يركز على الذاكرة المشتركة بين الأقارب؛ فالفرد لا يتذكر ماضيه بمعزل عن الآخرين، فلا وجود لذكريات فردية خالصة بدون تدخل الآخر فيها، فالكثير من ذكرياتنا محتفظ بها عند الغير، كما نحتفظ نحن بذكريات الغير، ولهذا السبب توجد علاقة وطيدة بين الذاكرة واللغة فكل الذكريات المتبادلة والمشتركة بين الإفراد تحدد في إطار مؤسسة اللغة كوظيفة للتواصل بين الأفراد، تواصل يروي ذكريات معاشة يمكن استحضارها في كل حين والتعبير عنها من خلال اللغة العادية، والتواصل الكلامي بين الذات والآخر، البحث الريكوري في أنثروبولوجيا الذاكرة طال استعمالاتها وقدرتها، وحتى الأشكال المختلفة لإساءة استعمالاتها.

ولكن المسألة الأساسية في أنثروبولوجيا الذاكرة التي ركز عليها ريكور تمثلت في الفصل المنهجي بين مقولات الذاكرة ومقولات التاريخ؛ أي التمييز بين الذاكرة والتاريخ وتحديد سبل الالتقاء بينهما في التأسيس للوضع التاريخي للذات، ولذلك اشتغل على سؤالين من الأسئلة التي تشكل صميم أنثروبولوجيا الذاكرة هما: ما المقصود بتمثُّل الماضي؟ وهل هناك ذاكرة عادلة؟ والسؤالين مرتبطين لدرجة يصعب الفصل بينهما إن لم يكن مستحيلا. وذلك من الصلة الوثيقة بين موضوعيهما: إذا يتعلق موضوع السؤال الأول بتمثُّل الماضي من حيث أن التاريخ يعتمد على شهادات فردية موثوقا بها من الذاكرة، ويعترف باعتماده الكلي عليها بعد نقدها وتمحيصها ومقارنتها ببعضها البعض، حتى يتسنى له أن يؤسس لمعطيات موضوعية تؤرخ انطلاقا من ذاكرات فردية ذاتية، هذه المعطيات تسمح بالاستقلال الذاتي للتاريخ عن الشهادات الفردية. أما موضوع السؤال الثاني: فيتعلق بمسألة الإساءة السياسية لاستعمال الذاكرة خدمة لإيديولوجيا السلطة الخاصة. إذن وبناء عليه فإن تمثُّل الماضي من خلال الشهادات الفردية فقد يستغل سياسيا وإيديولوجيا للحفاظ على ذاكرة وإلغاء ذاكرة أخرى.

سيعالج ريكور موضوعي السؤالين من خلال أسئلة جزئية متفرعة عنهما: وأول سؤال يتعلق بمبررات التمييز بين الذاكرة والتاريخ، فلماذا القيام بهذا التمييز بينهما؟ بالنسبة لريكور التاريخ يعتمد على شهادات موثوقة ذات مصداقية من الذاكرة، وفي هذا المعنى فإن العمل التأريخي يتوقف على عمل الذاكرة ويعتمد بشكل كبير وكلي عليها؛ فلن يكون هناك تاريخ ما لم تكن هناك ذاكرة بغض النظر عن قدرتنا على الفصل التام لتاريخ الذاتية المتضمن في هذه الشهادات الصادرة من الذاكرة؛ ما يعني بالضرورة أن الذاكرة هي سجل التاريخ الذي لابد أن يعترف بأنه مدان لها. «خصوصا وإن كتابه هو مرافعة للدفاع عن الذاكرة، على أنها سجل التاريخ بما أنها تبقى حارسة إشكالية العلاقة التمثلية للحاضر بالماضي.»  (Dosse 2013 : 200) وهنا تكمن صعوبة مسألة التمييز بين الذاكرة والتاريخ، إذ يجب على الأم التي هي الذاكرة أن تقبل الابن الذي ينمو ويكبر ويتطور؛ أي أن تقبل استقلالية التاريخ، وهذه الاستقلالية تؤدي بالتاريخ إلى أن يأخذ مسافة نقدية بكل حرية اتجاه الأم (الذاكرة)، ومن ثمة تصبح المقارنة ممكنة بين مختلف الشهادات التي تقدمها الذاكرة للتاريخ. الشيء الذي يسمح بتحديد نسبة الصدق والدقة في مختلف الشهادات. بالإضافة إلى ذلك فإن استقلالية التاريخ تجعل من أثار الماضي مستقلة تماما عن كل ذاكرة، ومنه يصبح كل ما يحمل بصمة الماضي علامة دالة على تسجيل الماضي الغائب في مقاصد وأهداف الحاضر المعاش. ما يحيل بدوره إلى أنّ كتابة التاريخ يمكن أن تكون لها تأثير مباشر وفعال على ذاكرة من يدرسون ويتلقون التاريخ؛ هذا يعني التأثير المتبادل بين الذاكرة والتاريخ؛ فبقدر ما هناك ذاكرة يصدر منها التاريخ، توجد أيضا ذاكرة متلقية يَصُب فيها التاريخ محتوياته التي يمكن تلقينها وتعليمها للذات الفردية أو الجماعية، فالتاريخ يشكل الذاكرة ويبينها، وقد يتسبب في جراحها وآلامها بسبب الانحرافات والتوترات التي قد تحصل بين مختلف تمثُّلات الماضي. حيث تجد الذات نفسها في دوامة الجدال والمناقشات التي تنظر للماضي من زوايا مختلفة ومتعارضة وهذا ما جعل ريكور يركز على الذاكرة العادلة في قوله:

« إن ما يجعلني أضطرب هو المشهد المقلق حين ترى الفائض من الذاكرة من هنا، والفائض من النسيان في مكان آخر، هذا إذا لم نقل شيئا عن مدى تأثير إقامة الاحتفالات بذكرى أو بأخرى، وعن مدى إساءة استعمال الذاكرة وكذلك النسيان. تشكل بهذا الصدد، فكرة سياسية قائمة على ذاكرة عادلة إحدى موضوعاتي المدنية المعلنة.» (بول ريكور 2009: 27)

بطريقة أرسطية الذاكرة العادلة يجب أن تكون في موضع بين الكثير جداً والقليل جداً. لماذا؟ لأن التحديات في كل عملية تذكر تكمن فيما تتعرض له الذاكرة من سوء استعمال وتلاعب قد يفضي إلى ذاكرة سلبية. لكن ماذا يقصد ريكور بسوء الاستعمال؟ قبل تناول موضوع إساءة استعمال الذاكرة، يشير ريكور إلى بعض أشكال الذاكرة الناجحة من مثل إعادة تذكر قصيدة شعرية أو قواعد لغة أجنبية. بعد ذلك ينتقل ريكور إلى إساءة استعمال الذاكرة فيصنفها في ثلاثة مستويات: مستوى مرضي يتمثل في الذاكرة المعاقة، ومستوى عملي خالص يتمثل في الذاكرة المحرفة والمتلاعب بها. وأخيراً مستوى أخلاقي سياسي يتمثل في الذاكرة المسيطر عليها بشكل سيء.

  • في المستوى الأول : الذاكرة المعاقة تُذكِّر بالأشكال المختلفة للذاكرة المجروحة أو الذاكرة المرضية من خلال عمل التحليل النفسي، في هذا المستوى الذات لا تأخذ كل شيء من الماضي بل تريد أن تنسى جزء كبير منه وتجعله في دائرة المكبوت أو المحظور؛ إنها تفكر في شيء بعينه من الماضي دون الوعي بأشياء أخرى، وما يصدق على الذات كفرد يصدق أيضا على الذات الجماعية، لأن الذاكرة الجماعية تعاني من نفس الأمراض التي تعاني منها الذاكرة الفردية على اعتبار أن الدائرة الجماعة هي نتاج لذاكرة الأفراد؛ هذا يعني أن الذاكرة الجماعية ستتحول بدورها إلى ذاكرة انتقائية تختار من الماضي ما تريده وتسعى لاستحضاره، وما لا تريده يدرج ضمن المحظور أو المكبوت الاجتماعي حيث يقول ريكور :  «بتعبير أدق فإن ما يبدو مفارقة في التجربة التاريخية هو إفراط في الذاكرة هنا، ونقص في الذاكرة هناك يقبل أن يعاد تأويله تحت مقولات المقاومة، وإلزام التكرار، ويجد نفسه في النهاية خاضعا إلى الاختيار الصعب لعمل إعادة التذكر. إن الإفراط في الذاكرة يستدعي إلزام التكرار الذي يقول عنه فرويد إنه يقود إلى استبدال الذاكرة الحقيقة بالمرور إلى الفعل وبهذا يتصالح الحاضر مع الماضي.» (بول ريكور 2009: 135) الانتقال من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية هو أحد الروابط بين الذاكرة والتاريخ؛ فإذا كان التاريخ هو شكل من أشكال الذاكرة الجماعية فإن التاريخ بوصفه ذاكرة اجتماعية يخضع لنفس أمراض وإساءات الذاكرة الفردية.

  • في المستوى الثاني من إساءات استعمال الذاكرة : هو الذاكرة المتلاعب بها، هنا يتحدث ريكور عن الإيديولوجيا بوصفها فضاء للذاكرة المتلاعب بها، حيث تواجه الذات سياسة تخريب وإلغاء الذاكرة وهو ما يظهر في إلغاء الأسماء التاريخية القديمة للشوارع والمدن واستبدالها بأسماء أخرى تخدم الإيديولوجيا السياسية مثلما هو الحال في سياسية تهويد فلسطين من خلال المستوطنات الإسرائيلية، وما يجري في الكثير من الدول من تدمير قصدي للآثار والشواهد التاريخية، فالوضع السياسي يعمل دائما على التلاعب بالذاكرة ومحاولة تغييرها أو إلغائها إذا اقتضت الضرورة الإيديولوجية. وهذا ما يؤكده علم الآثار المثقل بالصراعات السياسية الراهنة التي تستخدم الماضي بشكل انتقائي على أساس معايير براغماتية تضعها الإيديولوجيا السياسية. لأن الإيديولوجيا هي بالأساس، قوة وجهد الشرعية أو إضفاء الشرعية على حكومة ما أو سلطة معينة مؤسسة على حدث تاريخي أصلي (الشرعية الثورية، الشرعية التاريخية الدينية، أرض الميعاد ...الخ) كما تُؤسس هذه السلطة أيضا من وثائق أرشيف وذكريات مشتركة. فمن خلال المرويات والسرديات التاريخية يتم تشكيل بلد أو شعب أو فرد وإن شئنا المزيد من الدقة «فإن الوظيفة الانتقائية للقصة (الرواية)، هي التي تقدم لعملية التلاعب الفرصة والوسائل لتحقيق إستراتيجية ماكرة تقوم مباشرة على إستراتيجية للنسيان بقدر ما تقوم على إعادة التذكر.»)  :1271957 (Borges

  • المستوى الثالث: لإساءة استعمال الذاكرة، هو الذاكرة المسيطرة عليها وهو ما يحدث حين يدرس التلاميذ والطلبة الروايات التاريخية الرسمية التي تعبر عن إرادة السلطة الحاكمة لأن التاريخ يكتبه يظهر هذا بالتحديد في الأناشيد الوطنية والتظاهرات الثقافية والرياضية أو الاحتفالات الرسمية.

إن إساءة استعمال الذاكرة المبينة سلفا تؤدي إلى إثارة العديد من الأسئلة حول وظيفة الذاكرة العادلة ولعلى أهمها كيف يمكن أن تعمل الذاكرة العادلة؟ وما هو الواجب المنوط بها في ظل إساءة الاستعمال الذي تتعرض له ؟

انطلاقا من سوء استعمالات الذاكرة يلجأ ريكور الى مفهوم عمل الذاكرة لكي يبين أنّ عمل الذاكرة الفعلي هو عمل نقدي أو ما يسميه بالذاكرة النقدية، والنقد في هذا السياق هو نقد بالمفهوم الكلاسيكي اليوناني الذي يعني الفرز والتصنيف والترتيب ثم التحقيق. وفي هذا المعنى تصبح الذاكرة الحية هي ذاكرة الفرز التصنيف والتحقيق، بمعنى أنها ليست الذاكرة التي تحتفظ بكل شيء عن الماضي، أو تلك الذاكرة التي ترمي كل ما له علاقة بالماضي في سلة النسيان: فالذاكرة الحية والتي تعمل بشكل سليم وجيد هي تلك التي تكتسح أثار ومخلفات الماضي وتعمل على فرزها وتصنيفها، من هنا فعمل الذاكرة هو عمل بعيد يسبر عمق الماضي وأغواره. وفي المقابل يتحدث ريكور عن التاريخ كعمل عكسي لعمل الذاكرة بوصفه عمل لدفن أثار ومخلفات الماضي والتخلص منها، وذلك من خلال الفصل بين الماضي والحاضر من جهة، ومن جهة أخرى بين ما تسعى الذات إلى المحافظة عليه من شواهد الماضي، وما تسعى للتخلص منه، بين ما ينتهي وما لم ينتهي بعد، وعليه فإن عمل الذاكرة يستلزم النقد الذي يمكن من خلاله فتح علاقة بين التاريخ والذاكرة الخاصة، هكذا يصبح عمل الذاكرة هو واجب يسند إلى الذاكرة العادلة أو ما يسميه ريكور واجب الذاكرة Devoir de mémoire، فما المقصود بواجب الذاكرة؟ وإلى من يوجه هذا الواجب؟ الإجابة عن هذا التساؤل من بين المسائل التي تناولتها أنثروبولوجيا الذاكرة عند ريكور الذي يرى بضرورة ألا يحجب عمل الذاكرة، وفي هذا المنظور اعتراف بالأهمية الأخلاقية لواجب الذاكرة بوصفه شرط تحقيق العدالة للآخر كذات مماثلة لذاتي على حد قول ريكور : فواجب الذاكرة هو واجب إقامة العدل عن طريق الذكرى للغير. والذاكرة من خلال واجب إقامة العدل ملزمة بإلغاء تمركز الذات وانغلاقها على ذاتها، وهنا يتجلى دور التاريخ في توسيع الذاكرة وفي نقدها وفحصها. ولذلك فعلى التاريخ أن يُصوِّب ذاكرة جماعة إنسانية معينة حين تنعزل وتنغلق على تاريخها وذكرياتها الخاصة إلى الحد الذي تتعامى فيه وتصمت عن معانات والآم جماعات إنسانية أخرى. هذا التصويب لذاكرة الذات المنغلقة على ذاتها هو تأسيس نقدي لذاكرة تساهم في إنصاف ذاكرة الآخر، بإعطائها ما تستحق من اهتمام ومحافظة واستحضار وتخليدها بنصب تذكارية، فالذات ملزمة بإنهاء الوضع القائم على إلغاء ونفي ذاكرة الآخر؛ أي تجاوز ما يسئ إلى ذاكرة الآخر، هذا التجاوز هو بمثابة إلغاء لشكل سياسي يمكن أن ينشأ عن ذاكرة وهمية أو كاذبة لا يقابلها أي عمل أو واجب اتجاه الآخر، إذ هي مجرد غطاء يغلف الذاكرة الجماعية ويضلل الرأي العام من أجل إبقائه في حالة خمول وإذعان للسلطة السياسية. وعليه فإن فضاء التفاعل السياسي يكشف عن الغموض الذي يرهق واجب الذاكرة لهذا السبب فإن الأمر بالتذكر يُسمع وكأنه دعوة موجهة إلى الذاكرة لتختصر عمل التاريخ.

من هنا يجب على الذاكرة أن تتحرك لتحمل مسؤولية الدَيّنْ بالمعنى السياسي لا بالمعنى الأخلاقي، مسؤولية الديّن الناتجة عن الماضي فقد آن الأوان حسب ريكور لإدخال مفهوم جديد هو

  «مفهوم الديّن ومن المهم عدم إغلاقه على مفهوم المذنب، إن فكرة الديّن لا تنفصل عن فكرة الميراث.إننا ندِينُ لأولئك الذين سبقوننا بقسم مما نحن عليه، إن واجب الذاكرة لا يقتصر على الاحتفاظ بالأثر المادي الكتابي أو غير مكتوب للوقائع الغابرة، بل ينمي الشعور بأننا ملزمون نحو هؤلاء الآخرين الذين سنقول عنهم لاحقا أنهم لم يعودوا موجودين، لكنهم سبق وأن كانوا.» (بول ريكور 2009 : 148)

عمل الذاكرة بهذا الشكل هو عمل حيوي إذا كنا نريد أنّ ننأى بأنفسنا عن الوقوع في النزعة الشكية، التي تظهر عندما لا نحسن التمييز بين ما هو ماضي وما هو حاضر وعندما لا نستطيع الانطلاق من الماضي لوعي وفهم الحاضر، حيث يتعذر على الذات أن تضع خطّا فاصلا تُمييز به بين الواقع المعاش، وبين ما هو ماضي انقضى؛ أي التمييز بين الآن الذي تعيشه والذي كان مما عايشته، من هنا تكمن الأهمية الحيوية لعمل الذاكرة الذي يجب القيام به، من أجل تحقيق وتكوين حساسية جديدة اتجاه إمكانية حدوث المساوئ والعنف في المستقبل، لأن الخطر يكمن في عدم الإحساس بحجم المساوئ التي عايشتها الذات في الماضي.

هكذا يصبح واجب الذاكرة هو واجب الإنصاف والعدالة بين الذات والآخر، لأن الذات لا تتشكل إلا من خلال الآخر، ومن ثم فالتعايش بين الذات والآخر يتطلب تعايش ذاكرة الذات مع ذاكرة الآخر، والقبول المتبادل بينهما للذاكرة المشتركة. هذا ما يحيل بدوره إلى إثارة تساؤل غاية في الأهمية وهو ما هي العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية؟ وكيف تتحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية؟ وبعبارة أخرى كيف يتم الانتقال من الفردي إلى الجماعي في مجال الذاكرة؟

بعد تحليل ومناقشة نظريات أوغسطين( 354 م – 430 م ) Augustine، ولوك(1632م- 1684م ) John Locke، وهوسرل (1859 م-1938 م) Edmund Husserl حول الذاكرة الفردية، ريكور ينتقل إلى الذاكرة الجماعية من الفكرة الهوسرلية البينذاتية l’intersubjectivité، والتي تعني أنّ التحويل التماثلي من ذات إلى ذات أخرى ( أي أن أرى ذاتي في الآخر) يسمح بأنّ ننسب أهم سمات الذاكرة – مثل خاصويتي Mienneté، الاستمرارية، قطبية الماضي، المستقبل- إلى ضمير المتكلم بصيغة الجمع « نحن » بمعنى؛ الانتقال من سمات الذاكرة الخاصة بالأنا إلى الذاكرة الخاص ب ال « نحن » ولهذا يمكننا أن نتحدث عن ذكريات مشتركة يعاد إحياؤها في المواسم والأعياد الرسمية ويتم تخليدها في نصب تذكارية ومتاحف. في هذا السياق حلل ريكور أطروحة موريس هالفكس (1877م – 1945م ) Maurice Halbwachs التي تؤكد على أنّ الذاكرة جماعية، ومن أجل التذكر نحن بحاجة إلى الآخر، وهذا يعني أنّ كل الذكريات يمكن استرجاعها من خلال شهادة الآخر؛ بعبارة أخرى توجد قدرة أصلية أو أساسية للجماعة على حفظ واسترجاع الذكريات المشتركة والمتبادلة بين الأفراد.

من هذا المنطلق فإن الذاكرة الاجتماعية تتعلق أساسا بالمجال السياسي، وفي هذا إشارة واضحة إلى المبادرات الرمزية مثل الندم والاعتذار الذي يصدر من هرم السلطة السياسية ممثلة في رئيس الدولة الذي يعلن باسم شعبه تحمل مسؤولية تاريخية جماعية، يعبر عن هذه المسؤولية بلغة رمزية مثل: الاعتذار الشفهي، أو الكتابي، أو الانحناء أمام النصب التذكارية المخلدة للذكريات. مثل هذه المبادرات مفيدة للذاكرة الجماعية، ويجب تتمينها ومنحها قيمة رمزية بالاعتماد على الكيفية التي تودع بها الذاكرة الجماعية في الرموز. موقف ريكور متناغم إلى حد بعيد مع هذه الأفكار بوصفه فيلسوفا أسس لفلسفة خاصة بالرموز في كتابه «رمزية الشر» حين قال «الرمز يعطى للتفكير».

في مسألة أخرى ذات صلة بالذاكرة الجماعية يتساءل ريكور عن الوسيط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، إجابته كانت: الأقارب وخاصة العائلة فهي بالأساس وسيط بين ما هو فردي وما هو جماعي في مجال الذاكرة 

«إن الأقربين وهم هؤلاء الناس العزيزون علينا والذين يعتبروننا عزيزين عليهم يقفون على سلم متنوع من المسافات يقع داخل العلاقة بين الذات وبين الآخرين... إن القرب يصبح النسخة المطابقة للصداقة، فيليا Philia التي احتفى بها الأقدمون وهي في منتصف الطريق بين الفرد المتوحد وبين المواطن الذي يُحدد بمساهمته في الجمهورية.» (بول ريكور 2009 : 205)

الأقارب هم الوسيط لأنهم يحتفظون بذكرياتنا الأساسية فهم يتذكرون ميلادنا الذي يمثل حدث يبدأ منه وجودنا الشخصي، ووجودنا كأعضاء في الجماعة، فشهادة الميلاد التي يقر بها الأقارب توضع في زمن معين هو تاريخ الميلاد، وفي مكان معين هو مسقط الرأس، وفي جماعة محددة وهي العائلة؛ هذا يعني أنّ ما نسميه شهادة الميلاد هي شهادة يدلي بها الآخرين على ذكرياتي الخاصة من هنا تأتي أهمية تلقي الشهادة، حيث أشار ريكور إلى أنّ تلقي الشهادات وسماعها أمر ضروري لا بد منه، لأن الشهادة ليست مجرد كلام قيل هنا أو هناك حول شيء ما بسيط، وإنما الشهادة هي عمل تدوين للتاريخ وحفظ للذاكرة، وبالتالي من يدلي بشهادته يجب أنّ يكون محل ثقة عند من يستمع لإدلائه حسب تعبير ريكور وعلى خلفية هذه الثقة المفترضة تنفصل بشكل مأساوي عزلة الشهود التاريخيين، إذ أن تجربتهم الخارقة تتحدى عجز المقدرة المتوسطة العادية على الفهم – هناك شهود لا يلاقون على الإطلاق الحضور القادر على سماعهم.

2. أنطولوجيا النسيان 

الأفق الأخير من الخطاب الانثربولوجي الفلسفي في كتاب «الذاكرة التاريخ النسيان» هو أنطولوجيا النسيان وما تتضمنه هذه الأنطولوجيا من إمكانية الغفران. النسيان والغفران كل منهما وضعه ريكور في إطار مشكلة مختلفة عن الأخرى: بالنسبة للنسيان هو مشكلة الذاكرة والوفاء للماضي. أما بالنسبة للغفران فهو مشكلة الذنب والمصالحة مع الماضي. هذا التمايز بين المشكلتين جعل ريكور وانطلاقا من التقاء الإبستيمولوجيا بالأخلاق يختتم الخطاب الأنثروبولوجي باستنتاجات عن طريق تأمل فكري في قضية الغفران الصعب، لأن الغفران حسب ريكور إذا لم يكن سهلا، فهو ليس مستحيلا.

فما هو النسيان؟ وما هي أشكاله؟ وهل النسيان عدو الذاكرة في كل الجوانب؟ وماذا عن الغفران في علاقته مع النسيان؟ وكيف يمكن تحقيق الغفران؟وهل تحقيق الغفران يستلزم النسيان في كل الحالات؟

للإجابة عن هذا التساؤل ريكور يختزل النسيان في تعبير بسيط وهو محو الآثار حيث يقول:« ... النسيان العميق الذي أسميه النسيان عن طريق محو الآثار ...» (بول ريكور 2009: 609) بشرط التمييز بين ثلاثة أنواع من الآثار: الآثار المكتوبة أو الوثائق التي يدونها المؤرخون. الآثار النفسية أو الانطباع الذي تحدثه الصدمات في المجال المرضي؛ وأخيرا الأثر الدماغي الذي يعالجه الطبيب؛ أي الذي تدرسه علوم الجهاز العصبي.

للولوج إلى المستوى الأول والخاص بالذاكرة التاريخية وعلاقتها بالنسيان ريكور يتوجه لمناقشة أمراض الذاكرة وخاصة الامينزيا L’amnésie أي مرض فقدان الذاكرة، المقاربة الباتولوجية للنسيان تستدعي معرفة إذا ما كان من الممكن تحديد مكان الذاكرة في منطقة معينة من الدماغ؟ حول هذه المسألة يمكن القول أنّ الإجابة البسيطة التي تقدمها علوم الجهاز العصبي هي أنّ الدماغ ينتج الذكريات. إلا أنه في هذه الحالة لا يمكن القول أنّ الدماغ بإمكانه أن يشير إلى نشاط ذاكري mnémique ضروري؛ إن المقاربة العلمية للذاكرة لا يمكنها أن تفسر كيفية عمل الدماغ في الاحتفاظ بالذكريات واسترجاعها، وهذا ما يسميه ريكور النشاط ألذاكري الذي يدخل في إطار فينومينولوجيا الذاكرة، أي المقاربة الفلسفية للذاكرة في مقابل الأثر ألذاكراتي mnésique الذي يدخل في مجال العلوم العصبية فهو يتبنى قاموس العلوم العصبية التي تتكلم عن أثر ذاكراتي ويحتفظ بمصطلح ذاكري لمجموع الظواهر التي تعود إلى فينومينولوجيا الذاكرة وبالعودة إلى التصور المادي للذاكرة حسب وجهة نظر العلوم العصبية التي تختصر الذاكرة في وظيفة الدماغ، فإن هذا التصور ينتج عنه : أنه لا يمكن القول بفقدان الذاكرة أو النسيان إلا في الحالات المرضية. ولكن ما سجله ريكور على هذا التصور العلمي المادي لا يبين لنا كيف يعمل الدماغ على إنتاج الصور وتشكيليها، فهذا التصور يحدد الحيز المادي للذاكرة ويترك وظيفة تشكيل الصور وتخزينها واسترجاعها مبهمة، فضلا عن ذلك فالدماغ ليس له القدرة على تفسير صور الذكريات التي تقول بها المقاربة العلمية، والتي ترى أنّ الدماغ ينتقل من إنتاج الذكريات إلى تفسيرها. وفي هذه النقطة ريكور يطعن في صحة إدعاء التفسير العلمي بإمكانية الانتقال من التموضع الوظيفي للذاكرة في الدماغ إلى تفسير الدماغ للذكريات التي ينتجها، أي كيف يمكن للدماغ الذي هو موطن الذاكرة أن يعمل في نفس الوقت بكيفية إنتاجية وتفسيرية؟« وماذا نكون قد فهمنا في النهاية إن نحن نجحنا في أن نقيم لوحا له باب مزدوج، الجغرافيا القشرية الدماغية من ناحية والتصنيف الوظيفي من ناحية ثانية؟ هل نكون قد فهمنا الظاهرة الذاكرية في تكوينها الأكثر حميمية؟» (بول ريكور 2009: 518)

التصور العلمي للذاكرة يؤثر على مشكلة النسيان؛ لأنه يتكلم عن النسيان بوصفه تعطيلا للذاكرة أو انحراف لها، فهو تغيير للسجل المعرفي للذاكرة. بالنسبة لريكور يوافق على أنّ النسيان هو تعطيل للذاكرة من نواحي مختلفة، لكن هذا الأمر يتعلق بمعرفة وتحديد أي نوع من النسيان يمكن تفسيره وفقا للتصور العلمي بأنه محور للآثار الدماغية، أين يتعلق الأمر بنوع من أمراض فقدان الذاكرة الذي ينجم عن تعطيل وظيفتها Dysfonction ومنه يتساءل ريكور هل النسيان هو تعطيل وظيفي وانحراف؟ ألا يحدث نسيانا عاديا متجاوزا التصور البيولوجي إلى هيرمينوطيقا الوضع البشري؟ بمعنى أخر نسيان يستعص عن المقاربة العلمية ويخضع للمقاربة الهرمينوطيقية التي تتكلم عن هشاشة الإنسان.

من هنا سينتقل ريكور من المقاربة العلمية لعلوم الأعصاب إلى المقاربة الهيرمينوطيقية للوضع البشري، حيث إفتتح هذه المقاربة بالتمييز بين أثار الخلايا العصبية (الدماغية)، والآثار التي تتكون من ثبات الانطباعات الأولى بما هي سلبيات: حدث لفت انتباهنا، أصابنا، أثر فينا والعلامة العاطفية تبقى في نفسنا. لكن تتطور هذه الأطروحة انطلاقا من افتراض أساسي مسبق يظل هذا الافتراض مبررا كونه ينتمي بصفة أصلية إلى تأثيرات تبقى وتثبت وتمكث وتدوم، مع احتفاظها بعلامة الغياب التي حاولنا عبثا البحث عن مبدأها على صعيد الآثار القشرية الدماغية. لذلك يفهم ريكور أنّ العلوم العصبية لا يمكنها أن تؤسس سوى لجغرافية العلاقات المكانية للذاكرة والنسيان. في حين أنّ أساس المشكلة فيما يخص الذاكرة والنسيان يرتبط بصفة أساسية بفكرة الزمانية: بمعنى أنّ غياب الأشياء المدفونة في الماضي بالبعد الزمني المستدرك من خلل الاسترجاع والاعتراف Reconnaissance من دون إلغاء الزمن الماضي، ومن هنا سيتضح لاحقا أنّ بقاء وثبات الانطباعات العاطفية التي تحدد بالأسبقية والمسافة والبعد الزمني للصور التي تطفو على سطح الوعي، فصور الذكريات يعاد بناؤها انطلاقا من اللحظة الحاضرة، حيث نعيش الحاضر ونعترف بالماضي أنه ماضينا الذي كان. والاعتراف بامتلاك الماضي هو ما يميز الذاكرة، فالذاكرة الأصلية ليست مجرد إعادة للماضي، بل هي تَعَرُّف واعتراف بأن هذا الماضي قد كان في زمن انتهى.

والاعتراف بامتلاك الماضي يتجلى في أشكال متعددة، أبرزها هو الاعتراف بأن الماضي ليس هو المعاش الحاضر التابع للعواطف الراهنة عند الفرد، وإنما هو تابع لمستوى الفكر، ريكور في مناقشته لمفهوم التعرف كبنية إبستيمولوجية، يستلهم الأطروحة البرغسونية في التعرف الموجودة في كتاب «المادة والذاكرة» حيث يقسم برغسون التعرف إلى نوعين

  • الأول: تعرف لحظي يقوم به الجسد فقط بدون تدخل الذاكرة، وهذا النوع يتعلق بالأفعال وليس له علاقة بالتصورات.

  • الثاني: التعرف الإنتباهي وجوهره التصور لا الفعل في هذا النوع يضعنا التعرف وجها لوجه في مقابل الذكريات الحقيقية.

وبذلك يصبح التعرف انتقالا من الداخل إلى الخارج، وهذا الانتقال يتم بفضل الانتباه الذي به تسترجع النفس الصور من الذاكرة الخالصة في معايشة كاملة للحاضر مما يستدعي القول باللاوعي بوصفه موطنا الماضي، ذلك أنّ تخزين الذكريات يتم بصورة لا واعية، إذ أنّ الوعي يختص بما هو حاضر، فكل ماضينا يوجد في حالة اللاوعي تحت شكل ذكريات مجردة من مادتها وانتقالها إلى مجال الوعي من خلال التذكر والاسترجاع، الذي يتم بواسطة الجسد، فالجسد يعمل على تثبيت الذكريات لتعود وتظهر على سطح الوعي. على هذا النحو اللاوعي يأخذ معنى عدم الانتباه من نوع النسيان الإيجابي، الذي هو جزء من وظيفة الذاكرة الانتقائية. حيث يمكن استرجاع أي ذكرى من مجال النسيان.إلا أنه في هذه الحالة لا يجب فهم النسيان الإيجابي كنفي للنسيان، بالاستناد على فعل التذكر والتعرف على الماضي أنه ماضي مستدعى في لحظة حاضرة، بل على العكس يجب أن يفهم النسيان الإيجابي كأساس مُعطي Donateur الذي منه نأخذ كل شيء فيما يتعلق بالتذكر. على هذا النحو الانطباع التأثيري يمكث، ولأنه كذلك يجعل التعرف ممكننا. لكن كيف نعرف ذلك؟ تحت تأثير برغسون يجيب ريكور : نعرف ذلك استعاديا Rétrospectivement «وعلى مسلمة الإستعادية أقيم استدلالا : لابد من أنّ شيئا معينا من الانطباع الأول قد يبقى كي أتذكره الآن. إن كانت الذكرى تعود فمعنى ذلك أني كنت قد فقدتها، لكن إن كنت على الرغم من كل شيء قد وجدتها من جديد وأعترف بها، فهذا يعني أنّ صورتها بقيت حية.»  Bergson.1965 : 557)) يتعذر تتبع كل التحليل الذي قام به ريكور حول أطروحة برغسون ولكن يجب معرفة إلى أين تؤدي تحاليل الاستدلال البرغسوني الذي تتأسس على مسلمة استعادة الديمومة المحتفظ بها والموضحة في إطار التأمل النظري حول مسألة العلاقة بين الاحتفاظ بالصور والتعرف الذي يمكننا القيام به، هذه العلاقة

«تنتمي ... إلى تجربة التعرف التي تقودنا إلى حالة من كمون* ذكرى الانطباع الأول حين تشكلت صورته في الوقت نفسه للتأثر الأصلي. هنا لازمة مهمة لأطروحة بقاء صور الماضي في حالة كمون هي في الحقيقة أنّ حاضرا معينا بمجرد ظهوره يصبح ماضي نفسه الخاص؛ لأنه كيف له أن يصبح ماضيا إن لم يكن قد تشكل كذلك منذ أن كان حاضرا» (بول ريكور 2009: 628)

من هنا يتضح أنّ العلاقة بين الاحتفاظ بالصور والتعرف تدرج دائما مع مسألة البنية الزمنية للحدث الأول الذي هو مكسب يعمق هذه الإشكالية، لأن فكرة الكمون تستدعي من جهتها فكرة اللاوعي. ولأن الوعي يمثل الاستعداد للفعل والانتباه للحياة، أين تعبر علاقة الجسد بالفعل عن نفسها. ثم أنّ فكرة اللاوعي تؤدي إلى فكرة الماضي باعتباره ما لم يعد يعمل، ولكنه موجود ولا يزال قائما، وفي هذا الصدد يعتقد ريكور أنه يمكننا

«أن نعطي للذكريات التي لم تبلغ نور الوعي عن طريق التذكر نفس الوجود الذي ننسبه إلى الأشياء التي تحيط بنا حين لا ندركها حسيا. إن هذا المعنى للفعل « يوجد » هو المدرج في أطروحة الكمون واللاوعي الخاصين بذكريات الماضي المحفوظة .»  ( Loraux. 1997 :150)

على هذا النحو يصبح الكمون -الذي يستلزم بالضرورة فكرة اللاوعي – بمثابة ذكريات موجودة بالفعل لكنها تستعص عن فعل التعرف ما يجعلها في طي النسيان، كونها لم تستطيع أن تطفو على سطح الوعي. وبالتالي لا يتمكن الوعي من معايشتها.

بالنتيجة كمون الذكريات هو وجودها وبقائها في حالة نسيان سواء من حيث العجز عن استرجاعها وتذكرها، أو من حيث وجودها في حالة لاوعي؛ وهذا يعني أنها في حالة يشير فيها النسيان إلى عدم إدراك الذكريات أي عدم خروجها إلى انتباه الوعي.

إذا كان كمون الذكريات واللاوعي يمثلان النسيان في طابعة الإيجابي فكيف يفهم ريكور النسيان كبعد ثاني للذاكرة؟ أي النسيان في فضاء الحياة العامة: إذ أنّ الأمر يتعلق بأنماط من النسيان تكشفه الممارسة المشتركة للذاكرة وللنسيان، وهذا ليس بوصفهما طريقة في إدارة الزمن من الماضي أي من التاريخ الفردي والجماعي. فالذاكرة والنسيان هما أيضا ثوابت نستعملهما ويمكن أن نسيء استعمالهما؛ فهما إذن ثوابت قابلة للتلاعب، وعليه يجب أن يُستعملا بشكل جيد، وهنا يتم الانتقال من فينومينولوجيا النسيان إلى تداولية النسيان؛ أي إلى ممارسة النسيان في فضاء الحياة العامة وما يتبعه من الغايات السياسية وهي أنواع:

1.2. النسيان والذاكرة المعاقة 

يتصل هذا النوع بالتحليل النفسي بالدرجة الأولى إذ يحيل إلى الذاكرة المعطوبة، والى آليات الكبت التي تخفي ما لحق بها من الآلام وصدمات سواء على مستوى الذاكرة الفردية أو الذاكرة الجماعية. والمقصود بالتحديد في هذا النوع هو ما ذكره فرويد حول موضوع اللاوعي ونوع الكمون الذي يجب أن ينسب إلى الذكريات في هذا السياق يرى ريكور اننا مازلنا نذكر ملاحظة فرويد في مطلع النص الأول: إن المريض يكرر بدل أن يتذكر والنسيان يدعي هو نفسه عملا إذ أنه عمل غريزة التكرار التي تمنع وعي الحدث الصادم، على هذا النحو يحلل ريكور دروس يأخذها من التحليل النفسي تعزز فكرة كمون الذكريات عند برغسون،

  • الدرس الأول: «هو أنّ الصدمة تبقى حتى حين لا يمكن بلوغها ولا الوصول إليه.» (بول ريكور 2009: 644)

  • الدرس الثاني: «هو أنه في ظروف خاصة هناك أجزاء بأكملها من الماضي نعتقد أنها منسية ومفقودة تستطيع أن تعود.» (بول ريكور 2009: 644) وهذا يعني عدم قابلية الماضي للهدم، وهذه الفكرة لا تنفصل عن قناعة التحليل النفسي بفكرة اللاوعي إذ يظل الماضي مستقرا في اللاوعي.

  • الدرس الثالث: «إن العمل مع المحلل الذي هو قوام التذكر لا يسير بدون عمل علاج الحزن [الحداد على عزيز] الذي نقوم بالانفصال عن أشياء الحب والكراهية التي فقدناها.» (بول ريكور 2009: 645)

فاعلية هذه الدروس تكمن في حركة الانتقال التدريجي والشامل من مستوى الوعي إلى مستوى التاريخ الجماعي وبنفس الكيفية يتم الانتقال من مستوى التحليل النفسي إلى المشهد العام للحياة المشتركة وهنا ريكور يستعين بكتاب فرويد « علم النفس المرضي للحياة اليومية » الذي يعالج أساسا النسيان كمشكلة مطروحة في الفضاء العام. إنه يرسم في طريقه بشكل عام خطوط الانتقال من المجال الفردي الخاص إلى المجال الاجتماعي العام، هذا ما يسمى سيكولوجية الحياة اليومية؛ أو تطبيق التحليل النفسي على السلوكيات والتصرفات الموجودة في الحياة اليومية، محاولا بذلك تفسير الوقائع العادية : الأخطاء، وأنواع النسيان مثل نسيان الأسماء وطمس أثار الماضي من مشهد الحياة العامة، أخطاء القراءة وزلات اللسان وأصناف التجاهل التي تستعص عن الفهم : التعب، عدم النوم، كلها دلالات حسب فرويد تفوق حجم وجودها نفسه في معظم الأحيان، لأن اللاوعي له منطقه ولغته الخاصة، هذه المهارة عينها، المغلفة بنوايا لا واعية هي التي يتم التعرف إليها على السفح الأخر للحياة اليومية، وهو سفح الشعوب : النسيان الذكريات، الستائر، الأعمال الفاشلة تأخذ كلها على مقياس الذاكرة الجماعية أبعاداً ضخمة يستطيع التاريخ وحده أو بالأحرى تاريخ الذاكرة أن يأتي بها إلى النور.

2.2. النسيان والذاكرة المتلاعب بها 

بعد الذاكرة المعاقة يعالج ريكور علاقة النسيان بالذاكرة المتلاعب بها، فالنسيان في هذه الحالة يصبح عملا مضاعفا لعمل التلاعب بالذاكرة. والمشكلة هنا لا تدرس فقط من جهة الكبت النفسي والمحظور الاجتماعي والأخلاقي، وإنما تدرس أيضا وبصفة أساسية من جهة التاريخ والسرد، أي على مستوى التصوير السردي وكتابة التاريخ بشكل انتقائي من هنا فإن أدلجة الذاكرة ممكنة بفضل التنوع الذي يعطيه عمل التصوير. وتطعم إستراتيجيات النسيان مباشرة على عمل التصوير هذا. بهذا العمل المتمثل في التصوير، ثم إعادة التصوير، ثم التسويات الودية للصراعات ومعاملات المجاملة كلها تنتهي عند تزوير التاريخ، التزوير المرفق دائما بالدعوة إلى النسيان وإلغاء إرادة معرفة الحقيقة ورفض التذكر بما هو إستراتيجية تجنب وتهرب وهروب فإنه شكل مبهم سلبي وإيجابي للنسيان. بما هو عمل ايجابي، فإن هذا النسيان يجر إلى نوع المسؤولية عينه كالمسؤولية التي تنسب إلى أعمال الإهمال والسهو وعدم الحذر وعدم التنبه، في كل حالات عدم العمل. في هذا السياق تستأنف الأخلاق الكلام عن الضمير وتحمل مسؤولية السرد التاريخي بنزاهة، والاحتفاظ بالذاكرة وحسن استعمالها. بهذا يمكن ربط عمل التاريخ بالبعد الأخلاقي، وفي هذا يستشهد ريكور بأعمال المؤرخ هنري روسو* Henry Rousso حول ما بعد الثورة الفرنسية على حكومة فيشي وما تلاها من طمس للذاكرة، وغاية ريكور من هذا الاستشهاد توضيح البعد الأخلاقي لعمل التأريخ، فالمؤرخ هو المسؤول عن انبعاث أصوات الموتى وراعيها والساهر على ديمومة ذاكرة يتهددها النسيان. فقد تبين لريكور من خلال مثال هنري روسو دور الإيديولوجيا السائدة في التلاعب بالذاكرة وطي صفحات الماضي من خلال النسيان مستعملا مقولات التحليل النفسي 

«في كل هذا، فإن البنية المرضية، والظروف الإيديولوجية والإخراج الذي تقوم به وسائل الإعلام قد تضافرت في مفاعيلها المضللة، في حين أن السلبية التبريرية كانت تتعاون مع المكر النشيط للسهو والتعمية والإهمال.» (بول ريكور 2009: 654)

3.2. النسيان المأمور 

العفو العام النوع الأخير يتمثل في إساءات استعمال الذاكرة وإساءات استعمال النسيان، وهذه الإساءات هي أيضا ذات طابع سياسي ولكن في بعد قانوني قضائي وليس إيديولوجي، يتعلق الأمر بالنسيان المأمور أو المتحكم فيه الذي يمثل العفو العام؛ Amnistie، ريكور يحلل القرابة الدلالية بين العفو العام وفقدان الذاكرة Amnésie؛ فالعفو العام بطابعة المؤسساتي يشير إلى نكران الذاكرة الذي يحيل إلى مسألة العلاقة بين العفو والغفران. العفو Amnistie يتميز على الغفران من خلال تخفيف العقوبة La grâce الذي هو امتياز سيادي يمنحه الحاكم أو الملك، الرئيس ... الخ. على هذا النحو فإن العفو Amnistie مرادف للغفران الذي هو امتياز تمنحه المؤسسات مثل البرلمان. إذ حين ننظر إلى العفو العام في مشروعه المعلن فإن غايته هي المصالحة بين مواطنين أعداء، أي السلم الأهلي. وهذا يعني أنّ العفو العام هو وضع حد لعنف الحروب الأهلية والمشاهد المأساوية للثورات وتغيير الأنظمة السياسية بالعنف، إلا أنّ هذا الوصف الإيجابي تم تعديله وتغييره بفكرة النسيان القضائي المحدد ذو المفعول الواسع. ولذلك يربط ريكور بين العفو العام ونكران الذاكرة في قوله: 

«غير أنّ العفو العام بما هو نسيان مؤسساتي، يصل إلى جذور السياسي نفسها من خلال هذا الأخير يصل إلى العلاقة الأعمق والأكثر اختفاء المتعلقة بماضي قام حوله المنع إن القرابة ... القائمة بين العفو العام Amnistie وبين فقدان الذاكرة Amnésie تشير إلى وجود حلف سري مع نكران الذاكرة.»  (بول ريكور 2009: 655)

أو تشير إلى حركات أخرى ناجمة عن النسيان الملازم للعفو العام، ما من شأنه أن يطمس حقائق يجب ذكرها في توصيات العفو العام.

ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أنّ شرط النسيان ليس في ممارسة النسيان بقدر ما هو في واجب التذكر. عندها يمكننا الحديث عن شكل من النسيان ليس من أجل إسكات الشر وإنما من أجل قوله بدون غضب، وهذا القول لا يكون بناءً على أمر وإنما بناءً على طلب في صيغة التمني.

خاتمة

الذاكرة، مثلها مثل التاريخ، هي نمط اختيار للماضي، وبناء فكري وليس انسيابا خارجيا للفكر. أما الديّن الذي يوجه «واجب الذاكرة» فهو على مفترق طرق ثالوث الماضي والحاضر والمستقبل. والصدمة هي رد فعل عنيف يستهدف المستقبل مأخوذة من تلك الصدمة الموجودة في الماضي، وهي في مقابل الحركة المعاكسة لتأثير تمثُّل الماضي في المستقبل. التمثُّل الذي هو أبعد ما يكون عن كونه عبئاً بسيطاً تتحمله مجتمعات الحاضر، ولذلك يمكن أن يصبح الديّن مصدرًا للمعنى بشرط إعادة فتح تعددية ذكريات الماضي، واستكشاف الموارد الهائلة للإمكانيات غير المثبتة، ولا يمكن القيام بهذا العمل دون وضع الذاكرة والتاريخ في صيرورة جدلية. بالتمييز في سجل التاريخ النقدي بين الذاكرة المرضية التي تعمل كإلزام على التكرار والذاكرة الحية من منظور إعادة بناء واستشراف المستقبل.

إن الذاكرة، على الرغم من صعوبة فهمها، إلا أنها أساس الشهادة والأرشيف، وهي المورد الأساسي للتاريخ. فإن الجدلية بين الذاكرة والنسيان هي الأكثر حدة في حالة التسامح والتشابه السياسي للعفو. مثل معظم أعماله، في هذا السياق، يصنع ريكور الفرق بين عمل الذاكرة وواجب الذاكرة، وهو مطلب تحقيق العدالة لشخص آخر غير الذات: فواجب الذاكرة هو واجب تحقيق العدالة، من خلال التذكر، شخص آخر غير نفسه. يجب أن تمر الذاكرة من خلال حكم عادل من للذات اتجاه الآخر. حيث تلزمني المؤسسة النقدية بتقديم ما يعود لذكرى آخرين غيرنا. لأن هناك ظروف يكون فيها من الضروري كسر الوضع الراهن، لإلزام كتل التأكيد التذكاري، أو كتل الإنكار التذكاري، بمقابلة الآخر. ولكن هناك أيضًا نوع من السياسة من خلال واجب الذاكرة الذي يمكن أن يصبح خالقًا لذاكرة زائفة، لا تتوافق مع أي عمل أما فيما يتعلق بادعاء الإخلاص للذاكرة، فهذه نقطة خلافية. على العكس من ذلك، يبدو أن الذاكرة تفترض ذاتيتها وتدعي حساسيتها. إنها تعرف بالتأكيد أنها أكثر مرونة وتشكيكًا. على هذا يُفهم النسيان بأنه العفو، الذي يتطلبه للعيش المشترك، والاهتمام بالحاضر، ففي جدلية الذاكرة والنسيان، الحياة هي الرغبة التي تصوغها ذكرى سعيدة؛ أي أن المرء يتصالح مع الماضي. في نهاية الرحلة بين الذاكرة والنسيان، في نهاية أيضًا حياة طويلة بدأت في عنف القرن. أخيرًا يرغب ريكور في الحفاظ على الذاكرة الخالية من الهموم التي تجعله قادرًا على التعايش المشترك مع الآخر.

بول ريكور( 2009). الذاكرة والتاريخ والنسيان، ترجمة جورج زيناتي، بيروت، دار الكتاب الجديد.

Bergson Henri (1965). Matière et mémoire, essai sur la relation du corps à l’esprit, France : PUF.

Borges Jean Luis : (1957). Funès ou la mémoire, Paris : Gallimard.

Dosse François (2013). Paul Ricœur : penser la mémoire, Paris : Les Éditions du Seuil.

Loraux Nicole (1997). L’oubli dans la mémoire d’Athènes, Paris : Payot.

إبراهيم كراش

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

سلوى تيشات

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

© Tous droits réservés à l'auteur de l'article